فضائل اللغة العربية بالأدلّة النّقليّة


عَرَفَ عظمةَ اللغة العربية مَنْ اطَّلع عليها وتعلَّمها وغاص في أسرارها من العرب في القديم والحديث ، ولا عجب في أنْ يشهدوا بعظمتها لأنهم أهل اللغة، والاطّلاع على أقوالهم يزيدنا علماً وثقةً بها، لكنّ الاطّلاع على شهادات غير العرب في العربية له طَعْمٌ آخر، لأنّهم عرفوا قيمةَ لغتنا وهم ليسوا منّا، وهو ما يدفعنا إلى محاولة معرفة ما عرفوه منها، لنزداد اعتزازاً بها ونغرس الاعتزاز في نفوس أبنائنا. إنّ كثيراً من أبناء المسلمين يجهل فضل لغته وجوانب عظمتها.


يمكن بيان فضل العربية ببعض الأدلة: ففي القرآن الكريم نجد آيات كثيرة على اللّغة العربيّة: كقوله تعالى : « إنَّا أنزلناه قُرآناً عربيّاً لعلَّكم تعقلون » [يوسف: 2] ، « إنَّا جعلناهُ قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون » [الزّخرف:3] ، « قُرآناً عربيّاً غَيرَ ذي عوجٍ لعلَّهم يتَّقون » [الزّمر: 2] ، « إنَّا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرُّشدِ فآمنَّا بهِ » [الجنّ: 2] ، « قُل هو للَّذين آمنوا هدىً وشفاءٌ » [فُصِّلت: 44] ، والهدى: يعني العقل والعظمة في البصيرة ومعرفة حقائق الأمور، كما في قوله تعالى: « أولئك الَّذين هداهم اللهُ وأولئك هم أولو الألباب » [الزّمر: 18]. ونرى أيضاً في قول الرسول ، صلى الله عليه وسلم: حين شجّع أصحابه على تعلّم اللّغة فقال : « تعلّموا العربيّة وعلّموها النّاسَ ». وقوله : « خيركم من تعلّم القرآنَ وعلّمه » . وقيل للرسول صلى الله عليه وسلم : ما الجمال في الرّجُل ؟ قال : « فَصاحةُ لسانهِ ». و: « من تعلمَّ لغةَ قومٍ أَمِنَ شرَّهم ».

يتبيّن من كلّ هذا أنّ تعلُّمَ اللّغة العربيّة هدايةٌ ورحمة،ٌ ثمّ بُشرى ونور وشِفاءٌ لما في الصّدور، وكذلك عبادةٌ وتعقّلٌ وتوسّع للأفق، بما أنّ طلب العلم فرضٌ وما لايتم إلاّ به يكون أيضاً فرضاً، لذا يُمكن القول بما قاله ابن تيميّة رحمه الله : « معلومٌ أنّ تعلمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، لأنّه لا يُفهم العلوم الإسلاميّة إلاّ باللّغة العربيّة ».

فضائل اللغة العربيّة في المصادر العربية

1ـ قول عمر رضي الله عنه : «تعلَّموا النَّحو كما تُعلَّمون السُّنن والفرائضَ».
و «تعلَّموا العربيّة فإنّها من دينكم».

2ـ قول الثّعالبي في كتابه فقه اللغة وسرُّ العربية:
«إنّ مَن أحَبَّ اللهَ أحبَّ رسولهُ، ومن أحبَّ النّبي أحَبَّ العَربَ، ومَن أحبَّ العربَ أحبَّ اللُّغة العربيّةَ التي بها نزلَ أفضلَ الكُتبِ على أفضلَ العجمِ والعربِ، ومَن أحبَّ العربيّةَ عُنيَ بها وثابرَ عليها، وصرفَ هِمَّتهُ إليها».

3ـ قول شَّيخُ الإسلام ابن تيميّة:
«إنّ اللغةَ العربيّةَ من الدِّين، ومعرفتُها فرضٌ وواجبٌ، فإنَّ فهم الكِتابِ والسُّنةِ فرضٌ، ولا يُفْهمُ إلاّ باللغةِ العربيةِ، وما لا يتُّمُ الواجبُ إلاّ بهِ فهو واجبٌ » .وقوله أيضاً: « وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان ، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قوياً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.


4ـ قال ابن تيميّة رحمه الله:
« وما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات ، وهو التكلُّم بغير العربية إلاّ لحاجة ، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك : « مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه » مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام »


5ـ قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله:
«لا بُدّ في تفسير القرآن والحديث من أن يُعرَف ما يدلّ على مراد الله ورسوله من الألفاظ ، وكيف يُفهَم كلامُه . فمعرفة العربية التي خُوطبنا بها ممّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه ، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني ، فإنّ عامّة ضلال أهم البدع كان بهذا السبب ، فإنّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدّعون أنّه دالٌّ عليه ، ولا يكون الأمر كذلك»


6ـ قال ابن تيميّة رحمه الله:
«معلومٌ أنّ تعلمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدّبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي، ونُصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة، والاقتداء بالعرب في خطابها ، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً» .


7ـ قول الفارابي يمدح العربية ويقول:



«بأنها من كلام أهل الجنّة، وهو المنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمعلّى من كل خسيسة، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً» .


8ـ قال ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله:
«وإنّما يعرِفُ فضْلَ القرآن مَنْ عرف كلام العرب ، فعرف علم اللغة وعلم العربية ، وعلم البيان ، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها ، ورسائلها ...»


9ـ ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد كراهة الرَطانةِ ، وتسميةِ الشهورِ بالأسماءِ الأعجميّةِ ، والوجهُ عند الإمام أحمد في ذلك « كراهةُ أن يتعوّد الرجل النطقَ بغير العربية» .

10ـ قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله:
«ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلاّ ذلَّ ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ ، ومن هذا يفرض الأجنبيُّ المستعمرُ لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجناً مؤبّداً، وأمّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً ، وأمّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ»


11ـ ذكر الشافعيُّ أَنّ على الخاصَّة الّتي تقومُ بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهاد في تعلّم لسان العرب ولغاتها ، التي بها تمام التوصُّل إلى معرفة ما في الكتاب والسُّنن والآثار وأقاويل المفسّرين من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة، والمخاطباتِ العربيّة، فإنّ من جَهِلَ سعة لسان العرب وكثرة ألفاظها، وافتنانها في مذاهبها جَهِلَ جُملَ علم الكتاب، ومن علمها، ووقف على مذاهبها، وفَهِم ما تأوّله أهل التفسير فيها، زالت عنه الشبه الدَّاخلةُ على من جَهِلَ لسانها من ذوي الأهواء والبدع »