اللغة العربية .. تحديات العصر وعقوق الأهل


اللغة العربية من أكثر اللغات انتشارا، إذ يتحدث بها ما يقارب 500 مليون، إضافة إلى عموم المسلمين، الذين يتعبدون بها قراءة للقرآن، وحفظا للأحاديث الشريفة، وصلاة، وحجا، كما أنها إحدى لغات هيئة الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، كمجلس الأمن، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، واليونسكو، واليونيسيف، ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية، ومنظمة الصحة العالمية.
اللغة العربية، كغيرها من اللغات مرت بمراحل قوة، وانتشار، وعشق من قبل الآخرين من غير أهلها؛ لتعلمها حين كانت الفتوحات الإسلامية، واستقرار الدولة، حيث أصبحت لغة العلوم، والثقافة في زمن الدولة الأموية، والعباسية، ودولة الأندلس، إذ أصبحت العواصم، والحواضر العربية منارات علم يقصدها الطلاب، والباحثون من كل مكان. استوقفني خطاب بعث به ملك إنجلترا إلى أحد ملوك الأندلس يطلب منه السماح لبعثة طلابية من الطالبات ترغب الدراسة في مدارس، ومعاهد الأندلس في زمن تعيش فيه أوروبا في جهل وظلام، وجاءت الاستجابة والترحيب، واستقبال الطالبات، مع توفير كافة مستلزمات الحياة لهن.
المتأمل في بعض اللغات كالتركية، والفارسية، والكردية والبربرية، والسواحيلية، والتشادية، والأردية، والإندونيسية، والماليزية، والتيجرية وغيرها من اللغات يلمس الأثر الذي أحدثته اللغة العربية في تلك اللغات، وذلك في استخدام كثير من المفردات العربية حتى الوقت الراهن، ولو قدر، واستمر الوجود العربي الأندلسي لامتد التأثير إلى سائر الدول الأوروبية، وكما قال أحد العلماء الأوروبيين المعاصرين لو لم نحرق الـ30 كتابا عربيا التي كانت أحد كنوز المعرفة في علوم الطبيعة لكنا الآن نتجول بين المجرات.
حالة الانكفاء العربي طالت آثارها اللغة العربية، ذلك أن التمدد، والقوة التي تمتع بها العرب في أوج القوة السياسية حركت مكامن قوة علمية، وثقافية ترتب عليها نشاط حركة التأليف، والترجمة من اللغة العربية، وإليها، وما إن ضعف المسلمون بفعل الخلافات، والتشرذم، وسقوط الدول، حتى طال التراجع اللغة، وانحسر استخدامها بين أهلها، بدل أن كانت لغة العلم، وتوليد المعرفة.
في الوقت الراهن الذي تهيمن فيه الحضارة الغربية بمكوناتها المعرفية كافة، والتقنية، والأدبية، والثقافية سادت اللغة الإنجليزية، وتحولت إلى لغة عالمية يرجع إليها في كافة المعارف من نظريات، ونماذج، وقوانين دولية، كما في خرائط جوجل، ومسارات الطيران، إضافة إلى كونها لغة التقنية الحديثة، والمخترعات ما اضطر العرب، وغيرهم من الشعوب الأخرى إلى اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية تستخدم في المراسلات، والتحدث، والتداول، أو على أقل تقدير كلغة تعاملات رسمية بين الدوائر، والشركات، حتى تحولت اللغات الوطنية لكثير من الدول إلى لغة غريبة لا تستخدم إلا فيما ندر، ومن كبار السن.
اللغة مثل الكائن الحي تحتاج إلى رعاية، واهتمام، وسقاية حتى يستمر نماؤها، ويكون إثمارها جيدا. ومن دون جهود أبنائها، والمؤسسات العلمية، والثقافية كالجامعات، ومراكز البحث، والترجمة، ووسائل الإعلام بأنواعها كافة تخمل، ويتراجع دورها في الحضارة العالمية، بل تتعرض للانقراض، وهذا ما يعرف في علم اللغة باللغات الميتة؛ نظير اللغات الحية. من أولويات المحافظة على اللغة وصمودها في وجه التيارات العاتية التي تحاول تهميشها وإبعادها عن مسرح الحياة العامة اعتمادها لغة التدريس في كافة المراحل، وتنشئة الأجيال على الارتباط بلغتهم الأم، والاعتزاز بها تحدثا وكتابة، كما أن حضورها في كافة المرافق الرسمية، وغير الرسمية، واعتمادها لغة المؤتمرات، والبحث، والمراسلات والتحدث، مع الزوار الأجانب يعمق حب اللغة، ويثبت للآخر اعتزاز الجميع بلغتهم. ويضاف لما سبق تكثيف جهود الترجمة لكل جديد في المعرفة حتى يتمكن المختصون ومجامع اللغة من نحت واشتقاق المصطلحات في كل جديد، خاصة كحالة وضعنا المقل في إنتاج المعرفة.
محاولات إحياء اللهجات العامة من خلال المطبوعات، واستخدامها في وسائل الإعلام، بدل الفصحى لا تتوقف. كما أن البعض، سواء بعلم، أو من دون علم يسهم في تفضيل اللغة الأجنبية بتعمد استخدامها نطقا أو كتابة، ولذا نجد انتشار كلمات مثل "أوكي، ويك إند، داون تاون، بوليفارد" وأسماء كثير من المحال، حتى أصبحت دارجة على ألسن الكبار، والصغار، رغم صدور كثير من القرارات لكن دون التزام بها ولا جهات رقابية تتابع تنفيذها.


تعمدت الكتابة متأخرا عن اللغة العربية التي يصادف يومها العالمي الـ18 من كانون الأول (ديسمبر)؛ حتى لا يتحول الاهتمام باللغة إلى مناسبة روتينية، مثل أسبوع الشجرة، وأسبوع نظافة المساجد ما أفقد هذه الأيام، والأسابيع قيمتها، والاهتمام بها. لغتنا يجب أن تعيش معنا في كل لحظة بمناسبة ومن دونها.

د.عبد الرحمن الطريري