إثبات الـوقــف العـام في التشـريـع الجـزائري
الملخص: أولى المشرع الجزائري اهتماما بالغا بالأملاك الوقفية العامة بسبب الطابع الديني التعبدي لها و دورها الأساسي في تحقيق التكافل الاجتماعي، وذلك من خلال تدخله بالقواعد القانونية الكفيلة بإضفاء الحماية القانونية اللازمة لهذا النوع من الأوقاف. من ذلك اهتمام المشرع الجزائري بتنظيم وسائل إثبات الوقف العام نظرا لارتباط إثبات الأملاك الوقفية بمسألة جوهرية هي وجود الوقف و ضمان تحقق مقاصده و استمراره.
الكلمات المفتاحية:الإثبات،الوقف العام،الأملاك الوقفية.
المقدمة:
يتسابق الناس في الوقف من أموالهم العقارية والمنقولة ودافعهم الأساسي الاستمرار في الحصول على الأجر بعد الممات، مصداقا لحديث النبي(ص):"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث،صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".وهذا الهدف هو هدف خاص1 ،ناهيك عن الأهداف العامة للوقف كتحقيق تكافل وتعاون المجتمع الإسلامي وتقويته والنهوض به،مما يجعل انتشار ثقافة الوقف في وقتنا الحاضر ضرورة لا بد منها خاصة الوقف العام،باعتبار أن الوقف يكون خاصا إذا كان ريعه مصروفا على الواقف نفسه أو على أولاده وذريته ابتداءا أو من بعده وبعد انقراضهم يصرف على جهات الخير بينما الوقف العام أو الوقف الخيري يصرف ريعه من البداية على جهات الخير كالمساجد والمستشفيات وطلبة العلم.وقد اعترف المشرع الجزائري بالوقف كتصرف قانوني يخرج المال الموقوف من ملكية الواقف على سبيل التبرع من خلال قانون84-11الصادر في 09جوان1984المتضمن قانون الأسرة،ثم بموجب قانون91-10الصادر في27أفريل1991المتعلق بالأوقاف و الذي يعد المصدر الأساسي في تنظيم أحكام الوقف العام في الجزائر. وقد نص هذا القانون في المادة الثالثة منه:« الوقف هو حبس العين عن التملك على وجه التأبيد والتصدق بالمنفعة على الفقراء أو على وجه من وجوه البر والخير»وهذا التعريف يشمل نوعي الوقف العام والخاص إلا أنه بموجب القانون رقم02-10 المؤرخ في14ديسمبر2002المعدل والمتمم لقانون91-10أخرج تنظيم أحكام الوقف الخاص وخص الوقف العام وحده بالتنظيم في قانون 91-10وهوإتجاه يبرر بما يتميز به الوقف العام من أهمية تجعله الأكثر شيوعا .
إنالوقف كتصرف يخرج المال الموقوف من ذمة الواقف على سبيل التبرع أي من غير عوض طلبا للأجر الأخروي كمقصد عام والمساهمة في التكافل الاجتماعي كمقصد خاص؛ يقتضي حماية خاصة تنبع من الخطورة التي تشكلها تصرفات التبرع بصفة عامة و أهمية مقاصد الوقف بصفة خاصة،فالواقف ينتقص من ماله طالبا العوض الأخروي ذلك أن الوقف صدقة جارية لا ينقطع الأجر فيها وهنا مكمن الخطورة فإرادة الواقف هي محور التصرف الوقفي وبالتالي يجب تحقيقها،أما الموقوف عليهم فقد تضيع حقوقهم في المال الموقوف إذا لم يوجد دليل يثبت أحقيتهم له في مواجهة الورثة أو الغير الذي قد يستولي على المال الموقوف باعتباره مالا خرج من مالك إلى غير مالك، مما يتطلب توافر شكلية معينة في إنشاء الوقف تضمن للواقف تحقق إرادته وللموقوف عليهم حقهم في المال الموقوف،دون أن يكون الوقف منفذا لمخالفة قواعد الميراث وحرمان الغير من حقه في الميراث.
إن توفير وسائل إثبات الوقف هو صورة حماية أساسية لضمان تحقق مقاصد الوقف،وباستقراء قانون الأوقاف 91-10يتبين أن المشرع نص على العقد والشهادة الرسمية بشكل صريح كوسائل لإثبات الوقف العام ،غير أنه لم يكن صريحا وواضحا بشأن قيمتهما وقوتهما في الإثبات،لذلك نبحث في هذه الدراسة أهمية كل من العقد والشهادة في إثبات الوقف العام؟
أولا: العقــد
نصت المادة الرابعة فقرة أولى من قانون91-10 أن:«الوقف عقد التزام تبرع صادر عن إرادة منفردة.» لقد أضفى المشرع الجزائري على التصرف المنشأ للوقف صفة العقد على الرغم من أنه يعتبره في نفس الوقت تصرفا صادرا عن إرادة منفردة ،مما يكشف عن تناقض لا يوجد له مثيل في النص الفرنسي للمادة2 فاعتبار تصرف الوقف عقد يستلزم تطابق إرادتين،الإيجاب الصادر من الواقف وقبول الموقوف عليه للوقف.غير أن المتفق عليه بين فقهاء الشريعة الإسلامية أن الأصل أن ينشأ الوقف بإيجاب الواقف دون حاجة لقبول الموقوف عليهم واستثناءا إذا كان الموقوف عليهم معينين ومحصورين يبقى الأمر محل خلاف بين الفقهاء في اشتراط القبول3.ولعل رغبة المشرع الحقيقية التعبير أن الوقف التزام تبرع صادر عن إرادة منفردة باعتبار أن المشرع الجزائري متأثر بتعريفات فقهاء الشريعة الإسلامية للوقف، من ذلك أن الإمام أبو زهرة يرى أن الوقف عندما يحكم بلزومه التزام تبرع.من جهة أخرى يذهب إلى أن للعقد عند الفقهاء تعريفان أحدهما خاص وآخر عام وهذا الأخير يقضي بأن العقد:"كل تصرف يترتب عليه التزام ولو بإرادة واحدة"4 .وقد ذهب الأستاذ كنازة إلى أن عدم وضوح المشرع الجزائري يعود لأمرين:أولهما اعتبار الوقف عقد ليخضع لشروط العقد خاصة شرط الشكلية والشهر في العقود العقارية وثانيهما تعذر القبول في أغلب الأحيان.5 إن نية المشرع الجزائري في اعتبار الوقف عقد تتأكد بنص المادة41 من قانون الأوقاف:«يجب على الواقف أن يقيد الوقف بعقد لدى الموثق وأن يسجله لدى المصالح المكلفة بالسجل العقاري الملزمة بتقديم إثبات له بذلك وإحالة نسخة منه إلى السلطة المكلفة بالأوقاف. » وبموجب هذا النص يشترط المشرع لإنشاء الوقف كتصرف قانوني أن يحرر في وثيقة رسمية وان يخضع للإشهار معتبرا بذلك عقد الوقف عقدا رسميا.والسؤال الذي يثور هل الرسمية المطلوبة للانعقاد أم للإثبات؟ خاصة إذا قارنا نص المادة41 بنص المادة35من قانون الأوقاف والتي تقرر حرية الإثبات، من جهة أخرى يثور السؤال هل تكفي الرسمية وحدها في الإثبات أم لابد من الإشهار إلى جانبها؟تماشيا مع النظام القانوني الخاص بالملكية العقارية والذي يستلزم إخضاع جميع التصرفات الواردة على عقار للشكلية والإشهار العقاري ولا يخفى علينا أن أصل الوقف و أغلبه يرد على العقار.
1- الرسمية:
يعرف العقد الرسمي طبقا للمادة324من التقنين المدني الجزائري:«العقد الرسمي عقد يثبت فيه موظف عام أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم لديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن وذلك طبقا للأشكال القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه.»وبالمقارنة مع نص المادة41من قانون الأوقاف فالعقد الرسمي للوقف هو العقد الذي يحرره الموثق في شكل وثيقة مكتوبة تثبت التصرف الذي أنشأ الوقف،ولما كان الأصل في التصرفات القانونية الرضائية والشكلية استثناء عن الأصل لابد من نص تشريعي يقرره فالعقد الرسمي للوقف في الجزائر يرتبط أساسا بتاريخ إنشاء تصرف الوقف،لذلك ينبغي التمييز بين:
1-1-العقود الشرعية ما قبل صدور قانون التوثيق ودخوله حيز التنفيذ:
أغلب العقود قبل صدور قانون التوثيق بموجب الأمر70-91المؤرخ في15-12-1970ودخوله حيز التنفيذ في01-01-1971كانت عرفية ولم يكن يشترط فيها الرسمية،وعقود الوقف بسبب طابعها الديني كانت تحرر من قبل القضاة الشرعيين وبموجب القرار رقم40097المؤرخ في03-06-1989تأكد الطابع الرسمي لهذه العقود6.
1-2-الفترة الممتدة بين إصدار قانون التوثيق ودخوله حيز النفاذ إلى غاية صدور قانون الأسرة بتاريخ09-06-1984:
في ظل هذه الفترة المبدأ هو خضوع التصرفات العقارية للشكلية تحت طائلة البطلان،وذلك طبقا لقانون التوثيق خاصة المادة12منه وبموجب نصوص التقنين المدني خاصة المواد324مكرر1و793،فالمفروض أن كل تصرف وارد على العقار بعد صدور قانون التوثيق ينبغي أن يحرر في شكل رسمي ويخضع للإشهار باعتبار أن نظام الشهر العقاري الجزائري هو الإطار القانوني الأساسي لنظام الملكية العقارية،وذلك بسبب رغبة المشرع الجزائري في تحقيق الاستقرار اللازم للملكية العقارية وتكريس مبدأ الثقة في المعاملات المتعلقة بها.7 وبالتالي كل عقد عرفي موضوعه العقار ينشأ بعد تاريخ01-01-1971يعتبر باطلا بطلانا مطلقا،غير أن الواقع العملي أثبت أن القضاء لم يحترم دائما هذه القاعدة حيث لم يحكم ببطلان كثير من العقود العرفية المتعلقة بنقل الملكية العقارية،مما استدعى اجتهادا واضحا للمحكمة العليا وهو ما حدث فعلا بموجب القرار رقم136.156الصادر في18-02-1997.وبالنسبة للعقود العرفية المنشأة للوقف الوارد على عقار لم تكن بعيدة عن الخلاف بشأن صحتها خاصة في ظل غياب نص قانوني واضح يشترط الرسمية تحت طائلة البطلان،وإن كان القضاء بموجب قرار المحكمة العليا رقم234655الصادر في16-11-1999 اتجه إلى عدم إخضاع عقد الوقف للرسمية باعتباره من أعمال التبرع8،كما أن المشرع في قانون الأسرة الصادر في09-06-1984 اكتفى بالإشارة في المادة217 إلى أن الوقف يثبت بما تثبت به الوصية و أحال إلى المادة191 في بيان ما تثبت به الوصية دون أن يشير صراحة إلى أن الوقف عقد.وطبقا لنص المادة 191 فإن الوصية تثبت بتصريح الموصي أمام الموثق وتحرير عقد بذلك،أما في حالة وجود مانع قاهر فتثبت الوصية بحكم يؤشر به على هامش أصل الملكية.و الواضح أن نص المادة جاء صريحا بشأن اشتراط الرسمية في إثبات الوصية وبالتبعية يكون إثبات الوقف بعقد رسمي واستثناءا في حالة وجود مانع قاهر يكون الإثبات بحكم قضائي9.
1-3-الفترة الممتدة من صدور قانون الأوقاف91-10في27-04-1991إلى يومنا:
بموجب المادة41من قانون الأوقاف السابق الإشارة إليها اشترط المشرع صراحة في عقد الوقف أن يكون رسميا،غير أن الإشكال الذي أثارته المادة هل الشكلية المطلوبة ركن للانعقاد أم وسيلة للإثبات باعتبار أن المشرع لم ينص صراحة على بطلان العقود التي لم تخضع للرسمية،وإذا كانت الرسمية وسيلة للإثبات فما قوتها إذا قارنا نص المادة41 مع نص المادة35من قانون الأوقاف التي جاء فيها:«يثبت الوقف بجميع طرق الإثبات الشرعية والقانونية. »؟
هناك من ذهب إلى أن المشرع الجزائري بعدم نصه على جزاء للعقود غير الرسمية تتجه إرادته إلى اعتبارها عقودا صحيحة مستوفية لأركانها المنصوص عليها في المادة التاسعة من قانون الأوقاف،خاصة أن إبطالها يضر بالطابع الخيري لغرضها10،وقد أكد قرار المحكمة العليا رقم234655السابق الإشارة إليه هذا الرأي .غير أنه استنادا إلى جملة من المبررات يمكن القول بأن الشكلية تكون مطلوبة كركن للانعقاد خاصة إذا تعلق الأمر بعقد وقف وارد على عقار11،وبمفهوم المخالفة فإن عقد الوقف الغير رسمي الوارد على عقار هو عقد باطل بطلانا مطلقا لانعدام أحد أركانه التي اشترطها القانون :
- إن القاعدة القانونية المقررة في المادة41من قانون الأوقاف91-10هي قاعدة قانونية آمرة وفقا للمعيار اللفظي لأنها جاءت بصيغة الإلزام(يجب) وكل نص آمر يترتب على مخالفته البطلان المطلق12.
- إن نظام الشهر العقاري الجزائري هو الإطار القانوني الأساسي لنظام الملكية العقارية،والمشرع الجزائري منذ صدور قانون التوثيق بموجب الأمر70-91 ومن بعده صدور قانون الشهر العقاري بموجب الأمر رقم75-74الصادر في12-11-1975وما تلاه من قوانين وأوامر ومراسيم وتعليمات أكد دائما على اشتراط الرسمية والإشهار في التصرفات العقارية وذلك سعيا إلى تكريس وإرساء منظومة واضحة وموحدة للملكية العقارية.فكان لابد لقانون91-10أن يأتي مؤكدا ،مواكبا ومتفقا مع السياسة التشريعية الخاصة بالملكية العقارية خاصة أن الوقف العام يرد في أغلبه على العقار.
- نصت المادة793من التقنين المدني:«لا تنقل الملكية والحقوق العينية العقارية في العقار سواء كان ذلك بين المتعاقدين أم في حق الغير إلا إذا روعيت الإجراءات التي ينص عليها القانون وبالأخص القوانين التي تدير مصلحة شهر العقار»ونصت المادة324مكرر1من التقنين المدني:«زيادة عن العقود التي يأمر القانون بإخضاعها إلى شكل رسمي،يجب تحت طائلة البطلان،تحرير العقود التي تتضمن نقل ملكية عقار أو حقوق عقارية...في شكل رسمي... »وهذا النص الأخير يتفق مع نص المادة12من قانون التوثيق70-91 والتي جاء فيها: «زيادة عن العقود التي يأمر القانون بإخضاعها إلى شكل رسمي،يجب تحت طائلة البطلان،تحرير العقود التي تتضمن ملكية عقار أو حقوق عقارية في شكل رسمي ويجب دفع الثمن لدى الضابط العمومي الذي حرر العقد » وتجدر الإشارة إلى أن مرسوم 76-63المؤرخ في25-03-1976المتعلق بتأسيس السجل العقاري نص في المادة61منه:«كل عقد يكون موضوع إشهار في محافظة عقارية يجب أن يقدم على الشكل الرسمي»إن هذه النصوص جميعا تؤكد على إلزامية تحرير عقد الوقف الوارد على عقار في شكل رسمي ولا يقدح في هذه الحقيقة القول بأن عقد الوقف يسقط الملكية ولا ينقلها والمشرع لم ينظم مسألة إسقاط الملكية ،فالمواد رقم 17و18من قانون الأوقاف نصت على أن تصرف الوقف يرتب حق انتفاع للموقوف عليه13وحق الانتفاع هو حق عيني ،وإذا كان الوقف وارد على عقار يكون حق الانتفاع حق عيني عقاري وبالتالي يدخل في مفهوم المواد السابقة،كما أن المادة الرابعة من قانون الأوقاف نصت في فقرتها الثانية: «يثبت-الوقف-وفقا للإجراءات المعمول بها،مع مراعاة أحكام المادة 2 المذكورة أعلاه» فهذه الفقرة تؤكد أن إثبات الوقف لا يجب أن يخرج عن الإجراءات المعمول بها،ما يفهم منه أنه بالنسبة للوقف الوارد على عقار يجب أن يتبع الإجراءات المعمول بها وهي الرسمية والإشهار،لذلك تكون الرسمية المطلوبة في نص المادة41من قانون الأوقاف ركن للانعقاد.
- نصت المادة63من قانون رقم91-25مؤرخ في16-12-1991المتضمن قانون المالية1992:«يمنع مفتشوا التسجيل من القيام بإجراء تسجيل العقود العرفية المتضمنة الأموال العقارية أو الحقوق العقارية.. » لقد أريد بهذه المادة القضاء على العقود العرفية و التأكيد على اشتراط الرسمية في العقود المتضمنة أموال أو حقوق عقارية،مع ذلك فالمحكمة العليا لم تقضي في جميع الأحوال ببطلان العقود العرفية الواردة على الأملاك العقارية،ما استدعى صدور الاجتهاد القضائي رقم156-136بتاريخ18-02-1997الذي جاء فيه:"حيث أن الشكل الرسمي في عقد بيع محل تجاري شرط ضروري لصحته،وأن تحرير عقد البيع في شكل آخر يخالف
القانون ويؤدي إلى بطلان العقد"14.وإذا كان هذا الاجتهاد يتعلق بالعقود العرفية المتضمنة بيع المحلات التجارية فإن نطاق القرار يتسع ليشمل جميع المعاملات العقارية،وهو ما أكدته المذكرة الصادرة عن المفتشية العامة لوزارة العدل تحت رقم97-02 وكذلك القرار الصادر عن الغرفة العقارية للمحكمة العليا في23-05-1997الذي جاء فيه:"من المقرر أن العقود التي يأمر القانون بإخضاعها إلى الشكل الرسمي يجب تحت طائلة البطلان أن تحرر على الشكل الرسمي"15.وهذا يدل دون أي مجال للشك أن العقود الواردة على عقار بما فيها عقد الوقف الوارد على عقار يجب أن يحرر في شكل رسمي تحت طائلة البطلان.
- إن نصي المادة35والمادة41من قانون الأوقاف متفقان تماما ومما تجدر الإشارة إليه بداية أن كليهما ورد ضمن أحكام مختلفة في قانون الأوقاف.إن المادة35في ظاهرها تأخذ بمبدأ الحرية في الإثبات وذلك تكريسا لأفضل حماية للأوقاف،غير أنه ينبغي أن تفهم حقيقة المادة أنها تكريس للرغبة في الكشف واسترجاع جميع الأملاك الوقفية التي تعرضت للضياع أو تغيير طبيعتها ،خاصة في الفترة الاستعمارية وبعد الاستقلال في ظل الأمر71-73المؤرخ في08-11-1971المتضمن الثورة الزراعية الذي أمم الأملاك الوقفية وكذلك في فتره فراغ قانوني ،إذ لم يوجد قانون خاص ينظم الوقف إلا ما ورد من نصوص قليلة في قانون الأسرة.إن ما سبق الإشارة إليه يعطي للمادة35من قانون الأوقاف بعدا ودلالة تؤدي إلى الاعتقاد بأن حرية الإثبات تتعلق بالأوقاف المنشأة في ظل الأوضاع الخاصة السابق الإشارة إليها، من أجل التمكن من استرجاع جميع الأملاك الوقفية.وما يؤكد ذلك نص المادة38من قانون الأوقاف الذي جاء فيه:« تسترجع الأملاك الوقفية التي أممت في إطار أحكام الأمر71-73 المؤرخ في02-11-1971والمتضمن الثورة الزراعية إذا ثبتت بإحدى الطرق الشرعية والقانونية 16..» والملفت للانتباه في هذا النص ورود عبارة "إذا ثبت بإحدى الطرق الشرعية والقانونية" وهي نفس العبارة الوارد في نص المادة35من قانون الأوقاف، بالإضافة إلى أن نص المادة40من قانون الأوقاف لم تحدد فيه آجال لاسترجاع الأملاك الوقفية المؤممة أو التعويضات.
من جهة أخرى يجب احترام طريقة الإثبات التي ينص عليها القانون،والمعلوم أن الوقف كما يرد في الغالب على العقار قد يرد على منقول أو منفعة طبقا للمادة11من قانون الأوقاف،والقانون بالنسبة للعقود الواردة على عقار لا يعتد في إثباتها إلا بالعقود الرسمية،ولذلك يمكن اعتبار نص المادة41الآمر هو الأصل ونص المادة35إستثناءا بالمفهوم السابق توضيحه،ولما كان الأمر على هذا النحو فلا يتصور بعد تاريخ صدور قانون الاوقاف91-10في27-04-1991أن ينشأ عقد وقف عرفي وارد على عقار ولا يكون البطلان المطلق جزاء له،وبهذا المعنى تكون الرسمية مطلوبة للانعقاد في الوقف الوارد على عقار.
- نصت المادة44 من قانون الأوقاف:«تعفى الأملاك الوقفية العامة من رسم التسجيل والضرائب والرسوم الأخرى لكونها عملا من أعمال البر والخير»إن هذا النص يؤكد إرادة المشرع، ذلك أنه لم يغفل أن الوقف عمل من أعمال الخير والبر وفرض الرسمية والشهر قد يثبط الناس عن الوقف،فقرر حماية هامة لتشجيع الواقفين على الوقف.فالمشرع أصبح يدرك أن أفضل حماية لإرادة الواقف وما يتبعها بالضرورة من حماية لحقوق الموقوف عليهم و الغير أن تثبت في محرر رسمي ،لأن الموثق من جهة من شأنه أن يبصر الواقف إلى خطورة التصرف الذي يقدم على إبرامه ،مما يفسح له المجال لأن يتراجع عنه أو يعدل فيه ،كما يحرص من جهة أخرى ألا يقع الوقف مخالفا لقواعد الميراث حتى لا تضيع حقوق الورثة،ويكون المحرر الرسمي دليل إثبات قوي في يد الموقوف عليهم تحفظ به حقوقهم كما أرادها الواقف.والحقيقة أن عمل البر والخير لا يوقفه إجراء بسيط وهو إفراغ الوقف في محرر رسمي لأن من قرر التضحية بماله طلبا للأجر الأخروي يبذل جهده لضمان تحقق مقصده،خاصة أن الأجر على الوقف كصدقة جارية لا ينقطع ما استمرت هذه الصدقة ،كما أن مفهوم الصدقات لا يقف عند مجرد إخراجها بل يتعداه إلى تأديتها لمستحقيها، فلا يكون من مصلحة المتبرع ألا يتحقق مقصده بسبب إجراء بسيط ،ومع ذلك فقد أحسن المشرع إذ تنبه إلى هذه المسألة والهدف هو تشجيع الأوقاف العامة لما تلعبه من دور هام في تحقيق الانتعاش الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الإسلامي.
- بموجب المرسوم التنفيذي رقم2000-336المؤرخ في26-10-2000المتضمن إحداث وثيقة الإشهاد المكتوب لإثبات الملك الوقفي وشروط و كيفيات إصدارها وتسليمها استحدث المشرع وثيقة الإشهاد المكتوب التي تكلل في النهاية بشهادة رسمية خاصة بالملك الوقفي،وهذا دليل واضح على اتجاه المشرع نحو تأكيد ضرورة الرسمية لإثبات الوقف.كذلك استحداث سجل عقاري خاص بالأملاك الوقفية بموجب المادة08مكررمن قانون رقم91-10المعدل والمتمم هو تأكيد آخر على اشتراط الرسمية لأن التسجيل لا يرد إلا على عقود رسمية .
- بالنسبة للتشريع المقارن نجد أن المشرع المصري بموجب قانون الوقف رقم48لسنة1946في المادة الأولى منه اشترط أن يصدر بالوقف إشهاد رسمي وإلا كان التصرف غير صحيح ،ولا يعتبر موجودا في نظر القانون17، بالإضافة إلى أن قانون الشهر العقاري المصري جاء بنص ليس له مثيل في القانون الجزائري من شأنه أن يحل كل الإشكالات التي يمكن أن تثور،إذ نص في المادة التاسعة:« جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية أو نقله أو تغييره أو زواله،وكذلك الأحكام النهائية المثبتة لشيء من ذلك يجب شهرها بطريق التسجيل،ويدخل في هذه التصرفات الوقف والوصية،ويترتب على عدم التسجيل أن الحقوق المشار إليها لا تنشأ ولا تنتقل ولا تتغير ولا تزول لا بين ذوي الشأن ولا بالنسبة لغيرهم»18،إن هذا النص صيغ بعبارات دقيقة وواضحة ولا يترك مجالا للتأويل ،فعبارة "جميع التصرفات"يدخل فيها مفهومي العقد والتصرف من جانب واحد ،ومن ثم لا حاجة لاعتبار الوقف عقدا على الرغم من عدم اشتراط القبول في إنشاءه.و عبارة "زوال حق من الحقوق العينية" تكفي ليدخل في مفهومها إسقاط الملكية ومع ذلك أكد المشرع المصري في نص المادة على أن "الوقف والوصية كتصرفات قانونية" تدخل في مفهوم المادة. أما عبارة "يترتب على عدم التسجيل...لا بين ذوي الشأن ولا بالنسبة لغيرهم" تحدد الجزاء مما لا يدع مجال للشك في أن الرسمية للانعقاد.ومع ذلك فقد وجه النقد للمشرع المصري، من حيث أن عموم لفظ الوقف ينبغي أن يستثنى منه وقف المسجد، لأن وقف المسجد بدون إشهاد رسمي لا يمكن اعتباره باطلا لعدم مخالفته إجماع فقاء المسلمين19.وهناك من ذهب إلى أن وقف المساجد ودور اليتامى والمستشفيات لا يحتاج إلى كتابة إشهاد لأن الوقف يثبت بتخصيصها لما أعدت له فعلا،غير أن الوقف من حيث أنه حق عيني يجب فيه الإشهاد ثم التسجيل في السجل العقاري لأن معالم المسجد قد تختفي بالإضافة إلى احتمال إدعاء البعض ملكيتها20.
2- الإشهار:
استنادا لنص المادة41من قانون الأوقاف يلزم المشرع أن يشهر عقد الوقف الرسمي، وهي نتيجة طبيعية خاصة إذا تعلق الأمر بعقد وقف وارد على عقار استنادا لنصوص المواد16،15،14من الأمر75-74 21التي
تؤكد جميعها أن عقد الوقف الرسمي الذي محله عقار أو حق عيني عقاري لا بد أن يخضع للإشهار،غير أن السؤال الذي يطرح نفسه فيما يخص إثبات الوقف الوارد على عقار ،هل يكفي فيه عقد رسمي أم لابد من عقد رسمي مشهر كما تنص عليه المادة29من قانون التوجيه العقاري والتي تتطلب لإثبات الملكية الخاصة عقد رسمي مشهر؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من التمييز بداية بين الرسمية والإشهار، ثم تحديد أهمية الإشهار في عقد الوقف الرسمي.
2-1- التمييز بين الرسمية والإشهار:
يعرف الإشهار العقاري بأنه نظام قانوني يتم وفقا لإجراءات محددة قانونا تضمن حق الملكية والحقوق العينية الواردة على عقار وجميع العمليات القانونية الواردة على العقارات22.وتكمن أهمية الإشهار العقاري في إعلام الغير بالوضعية القانونية للعقار، والاحتجاج عليهم ،وكذلك تقدير الثروة العقارية للأشخاص،أما أهم دور فهو ترتيب الأثر العيني الذي لا يمكن أن يترتب إلا بإتمام الشهر،فشهر التصرفات العقارية هو مصدر وجود ونشأة الحق العيني العقاري23.
أما الرسمية فهي ركن في التصرف الذي يشترط القانون أن تكون الشكلية ركنا فيه ،وتكمن أهميتها في تنبيه الأشخاص إلى أهمية وخطورة التصرف المقدمين عليه خاصة في عقود التبرع ،وكذلك توفير سند إثبات يكون حجة على الجميع ما لم يثبت تزويره .وتختلف الرسمية للانعقاد عن الرسمية للإثبات فالأولى يؤدي تخلفها إلى البطلان المطلق للتصرف وهو حال التصرفات الواردة على عقار أو حق عيني عقاري أما الثانية فلا يترتب على تخلفها البطلان .
2-2- أهمية الإشهار في عقد الوقف:
إن خصوصية الوقف تعطي لإشهار عقد الوقف أهمية وأبعادا خاصة:
- مواد التقنين المدني الجزائري165مكرر،324،792و793 والمواد16،15،14من الأمر75-74السابق الإشارة إليها وكذلك المادة 29من قانون التوجيه العقاري24 تؤكد على أن إثبات حق الملكية والحقوق العينية العقارية وجميع العمليات القانونية الواردة على عقار يثبتها عقد رسمي مشهر ،و طبقا لنص المادة41من قانون الأوقاف يشترط إلى جانب اشتراط الرسمية في عقد الوقف ضرورة إشهاره ،و المصالح المكلفة بالسجل العقاري تكون ملزمة بتقديم إثبات للواقف بهذا الإشهار ،كما تحيل نسخة منه إلى السلطة المكلفة بالأوقاف،مما يدل من خلال عبارة إثبات الواردة في نص المادة أن المشرع يعتد في إثبات الوقف الوارد على عقار بالعقد الرسمي المشهر.والمعلوم أنه بمناسبة الشهر العقاري في السجل العقاري للأملاك العقارية بصفة عامة والعقارية الوقفية بصفة خاصة التي شملها المسح والإيداع لدى المحافظة العقارية يتم تسليم دفتر عقاري إلى مالك العقار طبقا لأحكام المادة18من مرسوم76-63المؤرخ في25-03-1976المتعلق بتأسيس السجل العقاري،وبالنسبة للوقف فإن الدفتر العقاري باسم الوقف -خاصة وأن هذا الأخير قد منحه القانون شخصية معنوية- يسلم إلى الهيئة المكلفة بالأوقاف.وعلى ضوء ما سبق فإن عقود الوقف التي يكون محلها عقار أو حق عيني عقاري لا تنتج آثارها بالنسبة للغير إلا من تاريخ شهر العقد .
إن المشرع الجزائري أخذ بلزوم الوقف على رأي جمهور الفقهاء 25،ولذلك لا يجوز للواقف أن يرجع عن وقفه استنادا للمادة16من قانون الأوقاف،ومتى أبرم الواقف عقد الوقف الرسمي تتأكد إرادته في الوقف وعدم الرجوع فيه وهي إرادة يحميها القانون،وبالنسبة لورثة الواقف باعتبارهم من الغير لا يمكن الاحتجاج عليهم بوقف عقار مورثهم إذا كان عقد الوقف لم يخضع للإشهار- ومن هنا تظهر قيمة الإشهار- على هذا الأساس يكفي لإثبات الوقف الوارد على عقار استثناءا عقد رسمي حماية لإرادة الواقف وحقوق الموقوف عليهم،وهذا الاستثناء يدخل في مفهوم المادة8من قانون الأوقاف ،التي تعتبر في فقرتها الخامسة أن من بين الأوقاف العامة المصونة الأملاك التي تظهر تدريجيا بناء على وثائق رسمية ،وما يؤكد هذا الرأي أن المذكرة رقم00389الصادرة في23-01-2001الصادرة عن مديرية الأملاك الوطنية جاء فيها :"أن حق الموقوف عليهم بالنسبة لعقار وقف وقفا خاصا هو بالتأكيد ليس حق ملكية كامل وشامل ولكنه حق انتفاع وبالتالي هو خاضع للإشهار العقاري ،وبالنسبة للشهادة التوثيقية بعد الوفاة المتضمنة العقارات الموقوفة وقفا خاصا يكون لها أثر تبيان هوية الموقوف عليهم كما تم تحديدهم في عقد تأسيس الوقف كما أنها تشكل في حد ذاتها السند الرسمي المثبت لممارسة حق الانتفاع على عقار موقوف وقفا خاصا"26،و إذا كانت هذه المذكرة تتعلق بالوقف الخاص، فمن باب أولى في حالة الوقف العام يمكن للموقوف عليهم أو السلطة المكلفة بالأوقاف تقديم عقد الوقف الرسمي للإشهار.إن ما سبق يؤكد على أهمية الرسمية كركن في عقد الوقف حماية لإرادة الواقف ولحقوق الموقوف عليهم،وعلى العموم إذا كانت المادة41من قانون الأوقاف تلزم الواقف بإشهار عقد الوقف الرسمي،فالحقيقة أن الذي يلتزم بذلك هو الموثق تطبيقا لأحكام المادة90من مرسوم76-63المتضمن تأسيس السجل العقاري التي جاء فيها:« ينبغي على الموثقين وكتاب الضبط والسلطات الإدارية أن يعملوا على إشهار جميع العقود أو القرارات القضائية الخاضعة إلى الإشهار العقاري والمحررة من قبلهم أو بمساعدتهم وذلك ضمن الآجال المحددة» والتزام الموثق في هذه الحال هو التزام بتحقيق نتيجة يترتب عليه مسؤولية مدنية وإدارية 27،وبالتالي أمام تحمل الموثق لهذا الالتزام فكل عقد رسمي محرر أمامه سيخضع بالضرورة للإشهار بما في ذلك عقد الوقف.
- يعتبر الإشهار وسيلة هامة لجرد الأملاك الوقفية العامة، وعملية الجرد لا بد منها لحماية الأوقاف من الضياع والاستيلاء وكل التصرفات الغير جائزة قانونا كالبيع والهبة...الخ .وقد نصت المادة8مكرر من قانون الأوقاف المعدل والمتمم:«تخضع الأملاك الوقفية لعملية جرد عام حسب الشروط و الكيفيات والأشكال القانونية والتنظيمية المعمول بها.يحدث لدى المصالح المعنية لأملاك الدولة سجل عقاري خاص بالأملاك الوقفية وتشعر السلطة المكلفة بالأوقاف بذلك.تحدد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم» يؤكد هذا النص على ضرورة إشهار الوقف الوارد على عقار من حيث أنه من جهة وارد على عقار فلا بد من تسجيله في مجموعة البطاقات العقارية ،ومن جهة ثانية التمكين من جرد الأملاك الوقفية العامة.وبموجب المرسوم التنفيذي رقم03-51المؤرخ في04-02-2003المحدد لكيفيات تطبيق أحكام المادة08مكررنصت المادة الرابعة منه على أن يحدد شكل ومحتوى السجل العقاري الخاص بالأملاك الوقفية بموجب قرار مشترك ،وقد صدر هذا الأخير بتاريخ15-11-2003ونص في المادة الثانية منه:«يأخذ السجل العقاري الخاص بالأملاك الوقفية شكل البطاقات العقارية المنصوص عليها في القرار المؤرخ في27جمادى الأولى لعام1369الموافق27ماي1976والمتع لق بالبطاقات العقارية المستعملة من قبل المحافظات العقارية وتكون باللون الأزرق».
ثانيا:الشهادة
تعرف الشهادة على أنها:« إخبار شخص لإثبات حق لغيره على غيره في مجلس القضاء»28وتعتبر الشهادة من أهم وسائل إثبات أصل الوقف في الشريعة الإسلامية ،ولا يشترط فيها المعاينة حيث تقبل عند فقهاء الإسلام ولو بنيت على التسامع فقط29،وقد أخذ المشرع الجزائري بالشهادة كوسيلة لإثبات الوقف حيث نصت المادة08فقرة05من قانون الأوقاف أنه تعتبر من الأوقاف العامة المصونة:«الأملاك التي تظهر تدريجيا بناءا على وثائق رسمية أو شهادات أشخاص عدول من الأهالي وسكان المنطقة التي يقع فيها العقار» وجاء في فتوى صادرة عن المجلس الإسلامي الأعلى في17-01-1989أنه:"إذا ثبت بشهادة جماعة من المسلمين أو شهادة رسمية أن المحل قد بناه جماعة من المسلمين لتقام فيه الصلوات فهو لهم"30.
تطبيقا لأحكام المادة08السابقة صدر المرسوم التنفيذي رقم2000-336مؤرخ في26-10-2000المستحدث لوثيقة الإشهاد المكتوب لإثبات الملك الوقفي وشروط وكيفيات إصدارها وتسليمها،وقد أضفى المشرع بهذا المرسوم الرسمية على شهادة الشهود لتتحول من شهادة مكتوبة إلى وثيقة رسمية تخضع للتسجيل في السجل العقاري.
1-وثيقة الإشهاد المكتوب لإثبات الملك الوقفي:
وثيقة الإشهاد المكتوب هي وثيقة تتضمن شهادة مكتوبة يدلي بها شهود عدل،وتتضمن وجوبا حسب المادة الرابعة من المرسوم التنفيذي2000-336الذي حدد نموذجها بالملحق التابع له:
- المعلومات الخاصة بالشهود مع التوقيع.



- التصديق من قبل المصلحة المختصة بالبلدية أو أي سلطة أخرى مؤهلة قانونا.
- رقم تسجيلها بالسجل العقاري الخاص بمديرية الشؤون الدينية والأوقاف المختصة إقليميا.
2- الشهادة الرسمية الخاصة بالملك الوقفي:
طبقا للمادة05من مرسوم2000-336 تصدر مديرية الشؤون الدينية والأوقاف المختصة إقليميا شهادة رسمية خاصة بالملك الوقفي محل الإشهاد إذا اجتمعت أكثر من ثلاث وثائق إشهاد مكتوب لإثبات الملك الوقفي. هذه الشهادة هي وثيقة تتوج بها شهادات الشهود، تصدر في شكل رسمي وتخضع للإشهار.وقد حدد القرار المؤرخ في26-05-2001نموذج هذه الشهادة ومحتواه حيث نص في المادة03منه أن تتضمن وجوبا:
- عنوان الشهادة.
- المراجع القانونية المعتمدة.
- رقم وتاريخ تسجيل وثائق الإشهاد المكتوب لإثبات الملك الوقفي في السجل الخاص بمديرية الشؤون الدينية والأوقاف المختصة إقليميا.
- تحديد مساحة الملك الوقفي وموقعه.
نصت المادة06من المرسوم التنفيذي2000-336على خضوع الملك الوقفي محل وثيقة الإشهاد إلى التسجيل والإشهار العقاري،وهو ما يتوافق مع نص المادة41من قانون الأوقاف ،مما يدل على أن القيمة القانونية للشهادة الرسمية الخاصة بالملك الوقفي هي من قيمة العقد الرسمي المثبت للملك الوقفي ،وهو ما أكدته التعليمة الوزارية المشتركة رقم09المؤرخة في16-09-2002الصادرة عن وزيري الشؤون الدينية والمالية والمتعلقة بإجراءات تدوين الشهادة الرسمية الخاصة بالملك الوقفي،حيث اعتبرت أن الشهادة الرسمية هي بمثابة عقد تصريحي يبرمه موظف مختص ومؤهل توافقا مع المادة324من التقنين المدني التي تحدد مفهوم العقد الرسمي والمادة26مكرر11من قانون الأوقاف31 ، وهذا الموظف هو مدير الشؤون الدينية والأوقاف للولاية بصفته أعلى سلطة مكلفة بالأملاك الوقفية على المستوى المحلي.كما حددت التعليمة كيفيات إشهار الشهادة الرسمية.32
غير أن المرسوم التنفيذي2000-336 أشار في المادة05منه إلى إرفاق الشهادة الرسمية بشرط البطلان عند ظهور أدلة مضادة،وهذا الشرط كان محل انتقاد لأنه من شأنه أن ينقص من القيمة القانونية لهذه الشهادة ،كما يتنافى مع شرط إشهارها ،فالمعلوم كما سبق البيان أن الإشهار هو الذي يعطي للوثيقة الرسمية حجيتها كما أنه هو مصدر الحق العيني ،بالإضافة إلى أن الورقة الرسمية ذات قوة ثبوتية قاطعة ما لم يثبت تزويرها طبقا للمادة324مكرر5من التقنين المدني،لذلك فإن إغفال هذا الشرط في قرار 26-05-2001المحدد لشكل ومحتوى الشهادة الرسمية وكذلك الملحق الموضح لنموذجها يعتبر في محله.
الخاتمة:
من خلال هذا البحث نخلص إلى النتائج التالية:
- إن مقاصد الوقف لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل حماية قانونية حقيقية، وقد خطا المشرع الجزائري خطوة هامة لتحقيق ذلك من خلال نصوص قانون91-10المتعلق بالأوقاف، خاصة تلك المتعلقة بمسألة الإثبات التي ترتبط بدورها بشكل أساسي بنشأة الوقف وحياته.
- يتجلى من تأكيد المشرع الجزائري على اشتراط الرسمية في العقود المنشأة للتصرفات الوقفية،نية المشرع في تكريس حماية فعالة للأملاك الوقفية من الضياع ،مقارنة مع الثروة الهائلة من الأملاك الوقفية الضائعة على طول عقود من الزمن في ظل غياب عقود رسمية لإثباتها والتمكين من استرجاعها.
- إذا كان يفهم اشتراط المشرع الجزائري للرسمية والشهر للعقود المنشأة للتصرفات الوقفية خاصة تلك الواردة على عقارات تماشيا مع السياسة التشريعية للملكية العقارية،فإن هذا الاشتراط يفهم من جهة أخرى أنه تأكيد لقناعة المشرع بأن أفضل وسيلة لحماية الأملاك الوقفية من الضياع وتحقيق مقاصد الوقف تتجسد في اشتراط الشكلية في التصرفات الوقفية،حيث تكون هذه الشكلية مطلوبة للانعقاد لا للإثبات فقط.ويتأكد ذلك بإضفاء المشرع الجزائري للطابع الرسمي على شهادة الشهود،وتحويلها إلى شهادة رسمية تخضع وجوبا للتسجيل والإشهار.
- إن فتح باب إثبات الوقف العام بكافة وسائل الإثبات، لا يكون إلا في إطار حماية الأوقاف العامة التي تعرضت للضياع والاستيلاء، بهدف التمكين من استرجاعها.
- رغم اهتمام المشرع الجزائري بوضع الأحكام المناسبة لحماية الثروة الوقفية، إلا أن بعض النصوص جاءت غامضة إلى حد التناقض، كما أن بعض المسائل الحساسة لم يبدو رأي المشرع واضحا بشأنها:01- القوة الثبوتية للعقد الرسمي المنشأ للتصرف الوقفي والقيمة القانونية للعقد الغير رسمي المبرم بعد صدور قانون91-10./ 02- الطبيعة القانونية للشهادة الرسمية الخاصة بالملك الوقفي وقيمتها الثبوتية.