حثُّ الاخوان على التوبةِ المزكية للايمان [3]
الحمد لله و صلى الله و سلم على رسول الله و على آله و صحبه و من اهتدى بهداه.

أما بعد، فهذا الجزء الثالث من موضوع "حثُّ الأحبةِ على الاستغفارِ و التوبةِ" أسأل الله تعالى أن ينفعني به به إخواني إنه جواد كريم.
كثرةُ ذنوبِ بنِي آدمَ
إن ذنوب الإنسان كثيرة جدا، يعصي الليل و النهار، و يقابل النعم بمعصية الغفار، قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه أحمد في المسند و البيهقي في الشعب عن أبي الدرداء : "لو غُفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغَفر لكم كثيرا". حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب و الترهيب (2476) و في الصحيحة (514).
قال الأمير الصنعاني رحمه الله في التنوير شرح الجامع الصغير (9/155) : "(لو غفر لكم) من الذنوب (ما تأتون) من ضرب و عسف و تحميل يقتدر (إلى البهائم لغفر لكم كثيرا) أي : فإن الذي يأتونه إلى البهائم ذنب كبير، و يحتمل أن المراد إن غفر هذا الذنب مع عظمه لغفرت ذنوب غيره كثيرة هي دونه [قلت : و هذا الشاهد]، فغفرانها بالأولى".
{إِنًَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}
إن من رحمة الله تعالى بعباده أنه يغفر جميع الذنوب التي يقع فيها بنو آدم، مهما كثرت و كبرت، قال عز و جل {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر 53].
قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره (ص 693) : "{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، و السعي في مساخط علام الغيوب {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} أي : لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، و تقولوا : قد كثرت ذنوبنا، و تراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها، و لا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، و لكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه و جوده، و اعلموا أنه {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} من الشرك، و القتل، و الزنا، و الربا، و الظلم، و غير ذلك من الذنوب الكبار و الصغار".
روى الترمذي في جامعه عن أنس بن مالك، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "قال الله تبارك وتعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" صححه الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي (3540).
قال المباركفوري رحمه الله في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (9/500) : "(إنك ما دعوتني) "ما" مصدرية ظرفية، أي : ما دمت تدعوني و ترجوني، يعني : في مدة دعائط و رجائك (غفرت لك على ما كان فيك) أي : من المعاصي و إن تكررت و كثرت (و لا أبالي) أي : و الحال : أني لا أتعظم مغفرتك علي، و إن كان ذنبا كبيرا أو كثيرا".
و قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله في شرح الأربعين النووية (ص 433) : "أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا مهما عظمت لقوله (لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك) و أن الإنسان متى استغفر الله عز و جل من أي ذنب كان عظما و قدرا فإن الله تعالى يغفره و هذا كقوله {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء 110].
فربنا جل و علا يغفر الذنوب مهما كثرت و كبرت، روى البخاري و مسلم -و اللفظ له- و غيرهما، عن أبي سعيد الخدري، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال : لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال : إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال : نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال : قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة".
فهذا الرجل من بني إسرائيل وقع في ذنوب كبيرة كثيرة حتى استعظمها العابد، مع ذلك غفر الله تعالى له لما تاب، فإذا كان هذا الرجل من بني إسرائيل غفر الله له، فكيف برجل مؤمن من هذه الأمة المرحومة؟!.
قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله في شرح العقيدة الواسطية (ص 171) : "فانظر كيف كان من بني إسرائيل فقبلت توبته، مع أن الله جعل عليهم آصارا و أغلالا، و هذه الأمة رفع عنها الآصار و الأغلال؛ فالتوبة في حقها أسهل؛ فإذا كان في بني إسرائيل؛ فكيف بهذه الأمة؟!".



و صلى الله و سلم على رسوله الأمين و على آله و صحبه أجمعين.
يوسف صفصاف
28 جمادى الأولى 1436
الموافق لـ 19 فيفري 2015

pe~E hgho,hk ugn hgj,fmA hgl.;dm gghdlhk