بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فلا يزال العلماء الناصحون قديما وحديثا، يحذرون من البدع وأهلها، حفاظا على دين الإسلام من أن يدخله شيء ليس منه. فكما حذروا من المعصية والكبائر، حذروا من البدع؛ بل تحذيرهم من البدع والمحدثات كان أشد؛ لأنه كما قال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها.

ولقد استدلَّ شيخُ الإسلامِ على أن البدعة شر من المعصية بحديثين:
الحديث الأول: عن عمرَبنِ الخطابِ رضي الله عنه أن رجلاً كانَ على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان اسمُه عبدَالله،وكان يُلقَّبُ
حماراً،
وكان يُضْحِكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم،وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد جلَده في الشرابِ،فأُتي به يوماً فأمرَ به فَجُلِدَ،فقالَ رجلٌ من القومِ: اللهمَّ العَنْه،ما أكثرَ مايُؤتى به! فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:لاَتَلْعَنُوهُ،فواللهِ ماعلمْتُ إلاأنّهُ يُحِبُّ اللهَ ورَسُولَهُ. رواه البخاري.
قال شيخ الإسلام: فَهَذَا رَجُلٌ كَثِيرُ الشُّرْبِ لِلْخَمْرِ وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا كَانَ صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَنَهَى عَنْ لَعْنِهِ.
الحديثُ الثاني: حديثُ الرجلِ الذي اعترضَ على قسمةِالنبيِّ صلى الله عليه وسلم: فعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: بعثَ علي رضي الله عنه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بذُهيبةٍ فقسمها ... فأقبلَ رجلٌ غائرُ العينين مُشرفُ الوجْنتين ناتئُ الجبينِ كثُّ اللحيةِ محلوقٌ فقال: اتقِ الله يامحمدُ! فقال: مَنْ يُطِعِ اللهَ إذَاعصيْتُ؟أَيَأْمَنُنيِ اللهُ على أَهْلِ الأرضِ ولاَفلا تأمَنُوني؟ « ... وقال:إن من ضئضئ هذا أو في عقب هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. رواه البخاري ومسلم.
قال شيخ الإسلام:فَهَؤُلَاءِ مَعَ كَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ، أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِمْ؛ وَقَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوَذَلِكَ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ وَشَرِيعَتِهِ.
فاتضح من هذا أن البدعة شر من المعصية. وقد قال ابن القيم –كما في مدارج السالكين-:فَكَبَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ صَغَائِرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبِدَعِ.
فلما كان الأمر كذلك، كانت عاقبة المبتدع وخيمة، أعظم من عاقبة العاصي.
فهذا هو المبتدع فلذلك حذر العلماء منه:
أولاً: المبتدع عمله مردودعليه،لايقبله الله منه؛ لأن شرط. قبول العمل الاتباع.قالصلى الله عليه وسلم:مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرنا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُو ردٌّ. أي مردود عليه. متفق عليه.
وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله بما بدا له ورآه، بل لا يعبده إلا بالعبادة الشرعية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقالتعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. قال الإمام ابن كثير:وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ –أي هذه الآية- فِي كُلِّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيهَا، وَأَنَّ عَمَلَهُ مَقْبُولٌ، وَهُوَ مُخْطِئٌ، وَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ.
ثانياً: المبتدع محروم من التوبة مادام مصرّاعلى بدعته؛ فهو يحسبها حقا ويحسب نفسه على هدى، فلا يحدث نفسه بالتوبة.قال صلى الله عليه وسلم:إِنَّ اللهَ حَجَبَ التّوبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ. الطبراني في الأوسط وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
قال شيخ الإسلام: وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُتَابُ مِنْهَا: أَنَّ الْمُبْتَدِعَ الَّذِي يَتَّخِذُ دِينًا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ قَدْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَهُوَ لَا يَتُوبُ مَا دَامَ يَرَاهُ حَسَنًا لِأَنَّ أَوَّلَ التَّوْبَةِ الْعِلْمُ بِأَنَّ فِعْلَهُ سَيِّئٌ لِيَتُوبَ مِنْهُ. أَوْ بِأَنَّهُ تَرَكَ حَسَنًا مَأْمُورًا بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ لِيَتُوبَ وَيَفْعَلَهُ. فَمَا دَامَ يَرَى فِعْلَهُ حَسَنًا وَهُوَ سَيِّئٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يَتُوبُ.
ولكن مع ذلك توبته ممكنة إذا هداه الله تعالى وأرشده إلى الحق فيتبين له، وأول الطريق إليها أن يعمل بما علم، فمن عمل بما يعلم علمه الله علم ما لم يعلم.
ثالثاً: المبتدع لا يرد حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. في ذلك اليوم العصيب الذي تدنو فيه الشمسمن رؤوس العباد، فيحتاج الناس إلى شربة ماء. فيكرم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بإعطائه حوضا كغيره من الأنبياء؛ فقد جعل الله لكل نبي حوضا يرد إليه أتباعه، وحوض نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها واردا، يقول صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة. رواه الترمذي وصححه الألباني.
ومع طمع الناس في شربة من حوض النبي صلى الله عليه وسلم. يذاد عن حوضه أهل البدع والمحدثات، الذين تعدو على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال صلى الله عليه وسلم :أَنَا فَرَطُكُم عَلى الحَوْضِ،ليرفعن إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَاأهْوَيتُ لأُنَاوِلَهم أُخْتُلِجُوا دُونِي،فأقُولُ: أيّربِّ! أصحَابِي. فيقول: لاَتَدْرِي مَاأَحْدَثُوا بَعْدكَ. متفق عليه.
وفي رواية متفق عليها أيضا: فيُقال إِنَّكَ لاَتَدْرِي مَا بَدّلو ابَعْدَك،فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمن بَدَّلَ بَعْدِي.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء.
وقال القرطبي رحمه الله: إن أشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج والروافض ، والمعتزلة.
رابعاً: المبتدع عليه إثمه،وإثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة.



يقول اللهُ تباركَ وتعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ. قال ابن السعدي:حملوا وزرهم ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة. وقوله: وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ. أي: من أوزار المقلدين الذين لا علم عندهم إلا ما دعوهم إليه، فيحملون إثم ما دعوهم إليه.
وقال صلى الله عليه وسلم :وَمَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنّةً سَيِئّةً؛كَانَ عَلَيْه وِزْرُها،وَوزِرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ،مِنْ غَيرأَنْ ينْقُصَ مِنْ أوْزَارِهم شيءٌ. رواه مسلم.
خامساً: المبتدع ملعون من الله ومن الملائكة ومن الناس أجمعين،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المَدينةُحَرمٌ مَابينَ عائرٍإلى كذا،مَنْ أَحْدَثَ فيهاحَدَثًا،أوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائكةِ والنّاسِ أجْمَعينَ. رواه البخاري ومسلم.
قال الشيخ ابن العثيمين- في شرح رياض الصالحين-:والحدث هنا يراد به شيئا، الأول: البدعة فمن ابتدع فيها بدعة فقد أحدث فيها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فمن أحدث فيها حدثا أي ابتدع في دين الله ما لم يشرعه الله في المدينة فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين. يعني استحق أن يلعنه كل لاعن والعياذ بالله. لأن المدينة مدينة السنة مدينة النبوة فكيف يحدث فيها حدث مضاد لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. والنوع الثاني من الحدث الفتنة أن يحدث فيها فتنة بين المسلمين سواء أدت إلى إراقة الدماء أو إلى ما دون ذلك من العداوة والبغضاء والتشتت فإن من أحدث هذا الحدث فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وليس هذا الوعيد لمن أحدث بدعة في المدينة فقط. فقد قال ابن بطال:وليس يدل الحديث على أن من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا في غير المدينة أنه غير متوعد ولا ملوم على ذلك.
وقال الشيخ عبد المحسن العباد- كما في فتح القوي المتين-:من ابتدع بدعة ليس لها أصل في الشرع فهي مردودة، وصاحبها مستحق للوعيد، فقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في المدينة: من أحدث فيها حدَثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
سادساً: المبتدع لايزداد ببدعته إلا بعدا من الله مهما عمل من الطاعات والعبادات.قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم – في المبتدعة-: يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحقِرونَ صَلاَتَكُم مَعَ صَلاتِهم،وصِيَامَكم مَعْ صِيامهم،وعَمَلَكمْ معَ عَملِهم،ويَقرَؤونَ القُرآنَ لايُجَاوِزُ حَناجِرَهم،يَمْرُقُونَ مِنَ الدّينِ كَما يَمْرُقُ السّهمُ مِنَ الرّميةِ. متفق عليه. قال الشاطبي في الاعتصام:فَبَيَّنَ أَوَّلًا اجْتِهَادَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ آخِرًا بُعْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
ولهذا قال الحسن البصري: صَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَزْدَادُ اجْتِهَادًا، صِيَامًا وَصَلَاةً، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. وقال أيوب السختياني مثلها.

وبعد :فالواجب معرفة خطر البدع وأهلها، والتحذير منهم نصحا للأمة. ولا ينبغي أن نرد كلام الناصحين للأمة في التحذير من البدع والمبتدعة، بحجة أن كلامهم لا يلزمنا أو أننا لا نقلد.
والحق أن الأخذ بكلام العلماء في ذلك ليس تقليدا وإنما هو اتباع للدليل. فلما لم نكن علماء أمرنا الله بالرجوع إليهم. فقال في موضعين من كتابه: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
قال شيخنا محمد علي فركوس: فهذه طرقٌ ماكرةٌ وأساليبُ ملتويةٌ ما أنزل الله بها من سلطانٍ، حيث يستعملها المخالف تقصُّدًا للتخلُّص من الحقِّ الظاهر بالدليل الراجح أو الثابت دون معارضٍ وفرارًا من إقامة الحجَّة والبرهان عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

i`h i, hglfj]uK tg`g; p`v lki hguglhx ggado lpl] l.dhk>