مفهوم القانون الإداري.

لعلّنا لا نبالغ عند القول أنّ فقه القانون عامّة لم يختلف في فرع من فروع القانون بقدر اختلافه حول القانون الإداري. هذا الاختلاف الّذي نجم عنه ظهور مفهوم واسع للقانون الإداري وآخر فني وضيق. وسنتولى في المطلبين التاليين توضيح كل مفهوم لوحده ثمّ نتبع ذلك بتحديد موقف المشرع الجزائري من فكرة القانون الإداري كمجموعة قواعد غير مألوفة في مجال القانون الخاص.

المطلب الأول:المفهوم الواسع للقانون الإداري.
يمكن تعريف القانون الإداري من هذه الزاوية علىأنّه مجموعة من القواعد القانونية الّتي تحكم الإدارة العامة من حيث تنظيمها ونشاطها وأموالها وما يثيره هذا النشاط من منازعات.
والقانون الإداري إذا نظرنا إليه من الجانب الوصفي و العضوي أو الهيكلي نجده في كل دولة على اختلاف توجهاتها وأنماط تسييرها. فكل دولة لها جهازها الإداري الّذي يخضع دون شك لقواعد القانون، سواء من حيث التنظيم والنشاط و الأموال و الرقابة و ضبط المنازعات و غيرها من المسائل.
غير أنّ الاختلاف بين الدول تمحور بالأساس هل يجب أن تخضع الإدارة لنفس القواعد الّتي يخضع لها الأفراد، أم أنّه ينبغي ولاعتبارات معيّنة أن تخضع لقواعد متميزة غير مألوفة لدى الأفراد؟
ففي البلاد الأنجلوسكسونية يخضع نشاط الإدارة لذات القواعد الّتي تحكم نشاط الأفراد و الهيئات الخاصة. وهذا يعني أنّ الإدارة تخضع لقواعد القانون الخاص (المدني و التجاري)، وإذا نتج عن هذه العلاقة منازعة خضعت لذات القواعد و الإجراءات الّتي تسري على الأفراد و يفصل فيها أمام نفس الجهة القضائية التي يمثل أمامها كل الأشخاص،لذا فانّ الميزة الأساسية في هذه الدول أنّها نظرت للقانون ككل نظرة واحدة، فهو لا يختلف بالنّظر لطبيعة الشخص (شخص من أشخاص القانون العام أو شخص من أشخاص القانون الخاص). فالقانون واحد لا يتغير بالنظر لطبيعة الشخص.
هذا ويجدر التنبيه أنّ الفقه الإنجليزي ينبذ فكرة القانون الإداري بالمفهوم الفرنسي على اعتباره أنّه من صور تسلّط الإدارة. كما أنّه يشكل انتهاكا صارخا لمبدأ المساواة أمام القانون، ولمبدأ الفصل بين السلطات هذا الأخير الّذي يفرض خضوع الإدارة كالأفراد تماما لنفس الجهة القضائية، فوحدة القانون في نظرهم هي أكبر ضمانة ضد تعسف الإدارة.
ومما يذكر في هذا المجال ما كتبه الفقيهDicey بخصوص القانون الإداري الفرنسي في مؤلفه مدخل للقانون الدستوري سنة 1839 قال: "إنّ القانون الإداري خطير على الحريات الفردية وإنّه لمن رواسب النّظام السابق للثورة وإنّ البلاد الإنجليزية لا ترغب في أن يكون لها مثل هذا النوع من القانون".و يرى بعض الكتاب أنّ البلاد الإنجليزية وإن كانت قد رفضت فكرة القانون الإداري من حيث المبدأ، إلا أنّها بادرت في المدة الأخيرة إلى إنشاء محاكم خاصة عهد لها مهمة البتّ في منازعات إدارية محدّدة وهذا ما يدل على مؤشر تبنّيها واستقبالها لفكرة القانون الإداري.
و الحقيقة أنّ هذا المسعى لم يعزز بمساع أخرى ولم يحدث ترسيخه إلى حد الآن. ولقد تبعت دول كثيرة انجلترا في توجهها مثل أستراليا و نيوزيلاندا، ودول من العالم الثالث مثل الهند و بعض الدول الإفريقية.
وعلى خلاف ذلك رأت دول أخرى و على رأسها فرنسا أنّه من الضروري التمييز بين القواعد القانونية الّتي يخضع لها الأفراد وسائر أشخاص القانون الخاص، والقواعد الّتي تخضع لها الإدارة. وتأسيسا على هذا الاختلاف و التباين في المواقف وجب أن يكون للقانون الإداري مفهوم واسع شامل مطلق وآخر ضيق فني خاص. ويقصد بالمفهوم الواسع للقانون الإداري: " مجموع القواعد القانونية التي تحكم الإدارة العامة سواء كان مصدرها القانون الخاص أو القانون العام بل وحتى إن كان مصدرها القانون الخاص وحده ". ويترتّب على إعمال هذا المفهوم القول بأنّ القانون الإداري موجود في كل الدول لأنّه لا يتصور وجود دولة دون إدارة عامة.
المطلب الثاني:المفهوم الضيق.
يقصد بالقانون الإداري بالمفهوم الضيق مجموع القواعد القانونية المتميّزة والمختلفة عن قواعد القانون الخاص الّتي تحكم الإدارة العامة من حيث تنظيمها ونشاطها وما يترتّب على هذا النشاط من منازعات.
ومن هنا نخلص إلى القول أنّ القانون الإداري بالمعنى الضيّق هو القانون الإداري الحقيقي الذي نقصده. فهو ليس مجرّد تسمية لقانون يحكم الإدارة العامة، بل هو قانون متميّز يحتوي على أحكام خاصة مختلفة عن قواعد القانون الخاص. وهذا المفهوم هو الذي سيلازمنا من خلال هذه الدراسة.
ولعلّه من الفائدة أن نشير و نحن بصدد توضيح المفاهيم أنّ الإدارة العامة لا تخضع في كل معاملة ونشاط للقانون الإداري وحده، بل قد يحكمها القانون الخاص في مواضع وحالات معينة، ذلك أنّ الإدارة حينما أحيطت بقواعد متميّزة كان ذلك بالنظر لأنهّا تمثل سلطة عامة، و تدير مرفقا عاما، وتمارس نشاطا متميزا، و تستخدم أموالا عامة، و تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة، فان هي فقدت هذا الموقع وابتعدت عن هذا النشاط (النشاط المتميز) خضعت للقانون الخاص ولم تعد هناك حاجة لإخضاعها للقانون العام وإحاطتها بقواعد متميّزة وبقضاء خاص مستقل.
وإذا كان خضوع الدولة للقانون مبدأ مستقر ومسلم به في مختلف الأنظمة على اختلاف أنواعها، فان هذا المبدأ يفرض خضوع الإدارة للقانون، ولا يعد انتهاكا لهذا المبدأ أن تحظى الإدارة بأحكام متميزة غير معروفة في مجال القانون الخاص كما لا يعد مساسا بمبدأ المساواة أمام القضاء أن تحظى الإدارة بقضاء مستقل لأن الدولة أو بعبارة أخرى أدق السلطة العامة تختلف من حيث طبيعتها عن الأفراد. و تبعا للمفهوم الضيّق و الفني للقانون الإداري فان هذا الفرع من القانون يعتني بالجهاز الإداري للدولة فيحكم المسائل التالية:
1- تنظيم السلطة الإدارية: يتكفّل القانون الإداري بتنظيم السلطة الإدارية و تحديد طبيعتها هل هي سلطة مركزية تربط موظفي الأقاليم بتوجيهات وأوامر رؤسائهم الإداريين (تركيز السلطة) أم أنّها سلطة موزعة تباشر كل هيئة مهامها تحت إشراف الجهة الوصية ورقابتها (لامركزية السلطة).
2- نشاط الإدارة: ويتجلى في صورتين:



- الضبط الإداري.
- المرفق العام.
3- أساليب الإدارة: وتظهر في:
- إصدار القرارات الإدارية (نظرية القرار)
- إبرام الصفقات (نظرية العقود).
4- وسائل الإدارة:وتنحصر في الوسيلة البشرية و الوسيلة المادية.
- نظرية الموظف العام.
- نظرية المال العام.
- منازعات الإدارة: وتشتمل الجهة القضائية المختصة بالفصل في المنازعات ذات الطابع الإداري وكذلك الجوانب الإجرائية الواجبة الإتباع.

lti,l hgrhk,k hgh]hvn (fhojwhv)