سئل الشيخ محمد بن خليل هراس رحمه الله (1335-1395) عن الحلاج و رابعة العداوية السؤال التالي :

لقد أنحيت باللائمة على الحلاج و رابعة العدوية، و أولت كلامهما و خرجته تخريجا أخرجهما من زمرة العابدين و المسلمين، و قد ماتا.
و السنة تقول : اذكروا موتاكم، و كفوا عن مساوئهم.
ألسنا نستطيع أن نؤول كلامهما على المجازات، و لا نتهم أحدا بالشرك أو العصيان أو العته و اللبس، و لن نقر أن يلعن آخر هذه الأمة أولها ...

الجواب :

و أما دفاعه عن الحلاج و رابعة العدوية و أشباههما من الصوفية بأنهم قد ماتوا و أفضوا إلى ما قدموا فلا يجوز إلا ذكر محاسنهم و الغض عن مساويهم.

فنقول له : إننا لا نحارب أشخاص هؤلاء الموتى، فليس بيننا و بينهما ترة، و لكن نحارب المبادئ الهدامة و العقائد الفاسدة التي وضعوها في طريق الدين و أضلوا بها عامة المسلمين و أشباه العامة من المثقفين المدنيين، و هذا أمر متعيَّن على علماء الدين الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن يبينوا للناس الكتاب و لا يكتمونه، و ان يحذروا الناس من البدع و الضلالات التي تركها هؤلاء الصوفية وراءهم.

و لأجل هذه الغاية قامت جماعة أنصار السنة تبين للناس كتاب الله عز و جل و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و تحض على الاستمساك بهما و الوقوف عندهما، و تحارب كل دخيل مستحدث لم يشرعه الله و لا رسوله، و تكشف للناس تلبيسات المبتدعة من الصوفية و غيرهم.

و أنا لم أقل في الحلاج إلا ما يفهم من صريح كلامه و هو أنه حلولي يدين بحلول الله ـ عز و جل ـ في بعض عباده ممن وصلوا إلى درجة خاصة من الصفاء و المحبة، و كل كلامه في الحلول كقوله : (ما في الجبة إلا الله ). و قوله : في بعض شعره :

أنا من أهوى و من اهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته ** و إذا أبصرته أبصرتنا

فأي ضمير مسلم يوقر الله و ينزهه هن ممازجة خلقه يستسيغ مثل هذا الكلام، و يتردد في الحكم على صاحبه بالكفر و الزندقة ؟.

و هذا هو ما حصل فعلا، فقد حكم العلماء في عصر الحلاج بكفره و أفتوا بحل دمه.

و أما محاولة تأويل كلامه بما لا يحتمله من معان مقبولة كما يحلو لبعض الناس الذين يحسنون الظن بهؤلاء الصوفية، و يستبعدون أن يكونوا قد أرادوا بكلامهم هذه المعاني الفاسدة، فهي محاولات لتبرير الكفر و الاعتذار عنه.

و اما رابعة العدوية فيظهر أنها من هؤلاء الصوفية النظريين أصحاب عقيدة الحلول و وحدة الوجود، و لكنها غلت في دعوى الحب حتى خرج عن القصد، مثل قولها و هي تطوف بالكعبة : (لم يبق بيني و بينك إلا هذا الصنم ).



فما معنى هذه العبارة : إذا لم يكن هو الإزدراء ببيت الله الذي أمرنا بتعظيمه و حبه، و إنكارها لشريعة الطواف و اعتقاد أنها لا تقرب إلى الله بل تحجب عن الله، و مثل قولها في شعرها :

أحبك حبين حب الهوى ** و حب لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى ** فشغلي بذكرك عمن سواك
و اما الذي أنت أهل له ** فكشفك للحجب حتى أراك

فهل يجوز لمسلم يوقر الله و يعظمه أن يطلق مثل هذه الكلمات في جنب الله فيقول : إنه يحبه حب الهوى ؟ أليس ذلك هو سمة الحب الرخيص المبتذل حين يهوى الرجل المرأة و تهوى المرأة الرجل لقضاء مأرب دنئ ؟
و ما معنى اشتغالها بذكر الله عمن سواه، و الرسل ـ عليهم الصلاة و السلام ـ و هم كانوا أشد ذكرا لله، كانوا يقومون بمصالح أممهم و بيوتهم، و يحدثون الناس و يسمعون منهم، و يفصلون فيما يقع من المنازعات بينهم.
فهل يعقل أن يتمحص أحد من البشر لذكر الله حتى لا يذكر غيره، بل هذا شأن الملائكة الذين خلقوا للعبادة وحدها، فلا تشغلهم عنها مطالب الحياة و حاجات البشرية.
و ما معنى أن تطلب من الله أن يكشف لها الحجب حتى تراه و هي تعلم أن موسى و هو كليم الله طلب الرؤية فمنعها، و محمد صلى الله عليه و سلم و قد وصل إلى أعلى درجات القرب، و مع ذلك حال الحجاب بينه و بين رؤيته لربه ؟!
إنه ليس لله حبان كما تدعي رابعة؛ و غنما هو حب واحد يحمل العبد على الذل له و الرغبة فيما عنده، و الشوق إلى لقائه و الرجاء في رحمته و اتقاء مساخطه، و دوام ذكره و شكره و موالاة أوليائه و معاداة أعدائه، و الجهاد في سبيله بالنفس و المال و أن يكون الله و رسوله أحب إليه من اهله و ولده و من أبيه و امه و من الناس أجمعين )) اهـ من كتابه ( غربة الإسلام ..) (ص57-60)

vfum hgu],dm , ]u,hih td hgpf>