إفشاء سر المريض أياً كان هو خرق واضح لقانون ممارسة مهنة الطب. فلعل أهم ما يميز مهنة الطب هو أن الطبيب يحفظ سر مريضه مهما كانت الظروف. فمنذ عرف العالم هذه المهنة، وأصبح للأطباء مهنة يعملون بها، وظهر أن من أهم خصائص الطبيب أن يحفظ سر مريضه، فقد وضع أبو قراط قسمه الشهير لكي يقسم هذا القسم كل من يحاول أن يمارس مهنة الطب أو أن يقوم بعلاج المرضى بأي طريقة كانت.



فالمريض رغبة في أن يحصل على العلاج المناسب، وأن يتم تشخيصة، فإنه يفصح لطبيبه عن كل صغيرة وكبيرة في حياته، ومن ضمن ذلك أسرار لم يفشها هذا المريض لأحد أياً كان سوى لطبيبه وذلك لغرض العلاج، وليس لأي سبب آخر.

وهناك أسرار يجب على الطبيب أن لا يبوح بها لأي شخص كان إلا ما كان يصب في مصلحة علاج المريض ومساعدته على الشفاء.

وإذا كان هذا الأمر في تخصصات الطب المختلفة أمراً هاماً جداً، فإنه في حالة المريض النفسي يصبح الأمر أكثر أهمية، ذلك لأن المريض النفسي بحكم مرضه قد يرتكب أخطاء ويسلك سلوكيات خارجة عن المألوف ويترتب عليها أمور كثيرة قد لا تكون في مصلحة المريض النفسي.

في عام 1977 اعتمدت الجمعية العالمية للطب النفسي إعلان هاواي الذي تضمن خطوطاً إرشادية للأخلاقيات المطلوبة في ممارسة الطب النفسي، وقد أعيد تحديث هذا الإعلان في فيينا عام 1983م، وفي عام 1996، في اجتماع الجمعية العمومية في 25 أغسطس المعايير الأخلاقية.

وجاء في التحديث الأخير عام 1996 التشديد على سرية المعلومات التي يقدمها المريض لطبيبه النفسي، حيث جاء نص المادة الخامسة كالتالي:

«ينبغي أن تبقى المعلومات التي تم الحصول عليها من خلال العلاجية سراً، ولا يستخدم - حصراً - إلا بغرض تحسين الصحة النفسية للمرضى، ويعتبر ممنوعاً على الأطباء النفسيين استخدام مثل هذه المعلومات لأسباب شخصية أو لفائدة مادية أو أكاديمية. ويمكن تخطي هذه السرية فقط في حالة ما إذا كان هناك ضرراً جسدياً أو نفسياً للمريض أو لشخص ثالث ممكن حدوثه إذا استمرت هذه السرية. وعلى الأطباء النفسيين - في مثل هذه الظروف - نصح المريض أولاً عن طبيعة العمل الذي سيقومون به إذا كان ذلك ممكناً.

هذا ما جاء في إعلان مدريد عام 1996م والذي شدد على سرية المعلومات التي يقولها المريض لطبيبه، وعدم الإفصاح عن هذه المعلومات السرية إلا إذا كان هناك خطورة على المريض، سواء كانت نفسية أو جسدية أو تضر شخصاً ثالثاً إذا بقي الأمر طي الكتمان.

إن هناك معضلة في تفسير إفشاء سر المريض النفسي، فأحياناً قد يذهب الطبيب ضحية لسكوته عن سر من الأسرار التي يفشيها المريض إلى طبيبه. ولعل هنك حادثة شهيرة في إحدى العواصم العربية، إذ جاء مريض بالاكتئاب الشديد إلى طبيب نفسي معروف في تلك العاصمة، ونتيجة مرضه أفصح له عن جريمة قتل كبيرة (مذبحة) قام بها هو ومجموعة من الأشخاص، ولم تستطع الأجهزة الأمنية من القاء القبض على الفاعلين (الذين كان المريض واحداً منهم). وعندما أصيب هذا المريض بالاكتئاب الشديد وتأنيب الضمير تحدث لطبيبه عن تلك الجريمة. وبقي الطبيب في حيرة من أمره، هل يبلغ السلطات الأمنية بما عرف من مريضه، خاصة وأن العصابة التي قامت بهذه الجريمة، هي عصابة منظمة وتعمل وفق خطط اجرامية دقيقة وخطيرة. وفي أثناء تفكيرالطبيب بماذا يفعل، وتحدث مع زميلة له، لها خبرة طويلة في مجال الطب النفسي، فنصحته على الفور بأن يبلغ الجهات الأمنية وأن يطلب الحراسة. تأخر الطبيب، وأخذ يفكر في الموضوع، ولكن كان الوقت حرجاً. فقد علمت العصابة بأن أحد أفرادها أفشى هذا السر للطبيب النفسي المعروف. وقبل أن يخرج الطبيب من عيادته، وكان الوقت متأخراً جاء أفراد العصابة إلى عيادة الطبيب وكان برفقته ابنه وصديق له فقتلوا الثلاثة!! وطبعاً قبل ذلك كانوا قد قتلوا المريض - شريكهم في الجريمة - ليعود الغموض مرة أخرى يلف الجريمة التي أصبحت جريمتين بقتل الطبيب وابنه الشاب وكذلك صديق الطبيب الذي كان من سوء حظه أنه جاء في وقت غير مناسب. بعد أن انتهى صديقه الطبيب من عيادته وطلب من ابنه الشاب الحضور للعيادة ومر عليهم هذا الصديق الذي كان ضحية برئية لعتاة المجرمين!..

إن مهنة الطب النفسي، مهنة صعبة، والطبيب النفسي يتعرض لكثير من المشاكل بسبب المعلومات التي لديه عن مرضاه. فمتى يحق له أن يطلع طرفاً ثالثاً عن سر مريضه النفسي؟إفشاء سر المريض النفسي s16.gif

هناك قوانين تحكم هذه الأمور، فإذا كان هناك خطر على الفرد نفسه من كتمان السر فعندئذ يجوز للطبيب أن يبلغ الجهات المختصة أو العائلة عن هذا الأمر. فمثلاً إذا جاء مريض وشرح لطبيبه بأنه ينوي الانتحار، تحت تأثير مرضه النفسي أو العقلي، والطبيب بحكم علمه وخبرته، ويرى أن هذا المريض صادق وقد يقدم على الانتحار فعليه أن يدخله المستشفى بقوة القانون (هذا إذا كان في الدولة قانون للصحة النفسية..!!) أو أن يخبر أهل المريض بأن ابنهم أو قريبهم سوف يقتل نفسه، وإنه بحكم معرفته بهذه الأمور فإنه يرى أن هذا الشخص جاد في قتل نفسه، فعندئذ إفشاء السر هنا ليس خرقاً للقانون الخاص بسرية المعلومات الشخصية للمريض النفسي. أيضاً إذا افصح المريض تحت وطأة العلاج عن رغبته في قتل شخص لأسباب شخصية أو أي أسباب أخرى فإن من حق الطبيب ابلاغ الجهات الأمنية وكذلك تبليغ الشخص المقصود حتى يأخذ احتياطه ولا يعرض نفسه للخطر. كذلك إذا كان المريض ينوي القيام بأعمال تخريب أو عنف أو جريمة بحق المجتمع فعندئذ يصبح من واجب الطبيب أن يبلغ الجهات المسؤولة لتفادي حدوث جرائم بشعة بحق المجتمع. فالطبيب النفسي من ضمن مهامه كما ورد في إعلان مدريد حماية المجتمع ممن يشكلون خطورة عليه، أما باحتجازهم ضد رغبتهم ضمن القانون النفسي للدولة، ويتم معالجتهم قسراً، ولكن لا بد أن يكون ذلك من خلال القانون النفسي للدولة، والذي يعطي الحق في علاج المريض المضطرب عقلياً، بعد أن تتخذ الإجراءات القانونية، ولا بد من وجود قاض له معرفة بالأمراض النفسية والعقلية.

إن هذا الموضوع كما اسلفت شائك جداً.. ولكن لا بد من احترام المريض ومعاملته بكل إنسانية في كل خطوة من خطوات العلاج.. فقبل كل شيء هذا المريض إنسان له كرامته التي يجب أن لا تهدر ويجب تصان حقوقه المدنية بكل دقة واحترام.. إن هناك بعض البلدان التي يعامل بها المريض النفسي أسوء مما تعامل الحيوانات..!!

Ytahx sv hglvdq hgktsd