الأغاني الوطنية لا تبني أوطانا
الأغاني الوطنية لا تبني أوطانا 4.jpg
لا أدري لماذا نحن العرب ربما أكثر شعوب الأرض إنتاجاً واستهلاكاَ لما يسمى بالأغاني الوطنية، كما لو أننا خارجون للتو من معارك التحرير أو الاستقلال، مع العلم أنه من المفترض أننا استقللنا، وتحررنا منذ عشرات السنين. لا أدري لماذا ما زلنا، من المحيط إلى الخليج، نراوح في المرحلة الاحتفالية في كل مناحي حياتنا، فنحتفل احتفالاً مدوّياً صاخباً ببناء محطة وقود متواضعة، أو ببناء مجمع سكني هزيل، أو باستصلاح بضعة هكتارات من الأرض، أو بتعبيد شارع لا يزيد عرضه على ثلاثة أمتار، أو بإيصال المياه إلى قرية كانت تعيش في غياهب القرون ما قبل الوسطى حتى جاءها الغيث، أو بوضع حجر الأساس لمأوى للعجزة ربما لا يرى النور إلا بعد قرن من الزمن، هذا إذا لم يتم شفط الميزانية المرصودة لبنائه قبل أن ينتهي المهندسون من تصميمه على الورق.
وفي أحيان كثيرة ترانا نقيم مهرجانات احتفالية تكلفنا أكثر من كلفة المشروع المُحتفل بإنجازه. وحدث ولا حرج عن احتفالاتنا “التاريخية العظيمة” بتحقيق نصر سياسي أو عسكري باهت أكثر من البهتان ذاته، فنجيش له وسائل إعلامنا العتيدة لأسابيع وشهور بلياليها كي تطلعنا على أهمية الإنجاز والعبقريات الفذة التي تقف وراءه. وينبري ناظمو الأناشيد الحماسية والعبارات الجياشة إلى إلهاب صدور الجماهير كي تخرج إلى الشوارع من أجل التعبير عن شعورها الغامر بالفرح والنشوة الشاملة لما تحقق لها من “تقدم وازدهار”. لماذا تبدو أغانينا الوطنية أكثر بهرجة وبريقا من الأشياء التي تتغنى بها؟ فلا مقارنة بين الإنجازات التي حققناها وبين الأناشيد التي تمجدها، فالأخيرة أجمل عرضا وأفضل حبكة وبنيانا من الأبنية التي تتغنى بتشييدها. لماذا تبدو الأغنية الوطنية عندنا كأنها أهم ألف مرة من موضوعها. ففي أحيان كثيرة ترى أن الأغنية جاءت لذاتها، فقد يرى ولاة أمورنا أنه طالما فشلنا في تحقيق الإنجازات الحقيقة فعلى الأقل نبدع في الإنجازات الشكلية مثل الأغاني الوطنية الجميلة.
لماذا لا تنتشر الأغاني الوطنية إلا في بلادنا العربية تقريبا؟ هل سمعتم في حياتكم بأغنية وطنية أوروبية أو أمريكية أو حتى أفريقية؟ ربما لا. كل ما نسمعه في الغرب مثلا النشيد الوطني لهذا البلد أو ذاك قبل البدء بمباراة كرة قدم مع فريق أجنبي أو عند الاحتفال بمناسبة قومية كبيرة حقا كذكرى الانتصار على النازية خلال الحرب العالمية الثانية. لماذا لا تبث وسائل إعلام أعدائنا القريبين والبعيدين أي مواد وطنية عاطفية حتى أيام الحروب؟ إلى متى نبقى في الطور الاحتفالي؟ أليس من المفترض أننا تجاوزناه منذ زمن بعيد؟ هل نبقى فيه إلى ما شاء الله؟ ولا يمكننا أيضاً أن نلوم من يشكك حتى في وطنيتنا عندما يقول إن أغانيكم الوطنية هذه دليل صارخ على شكوك الأنظمة الحاكمة بانتماء رعاياها ووطنيتها. وقد يأخذ المراقب الأجنبي الانطباع بأن المواطن العربي ليس متحمساً لوطنه لكثرة ما يحثونه في وسائل الإعلام على حب الوطن.
ولعل الطراز الأكثر شيوعاً وبثاً عبر وسائل إعلامنا المرئية والمسموعة هو تلك الأناشيد التي تتغنى بحب الزعماء، ففي كل بلد عربي تقريبا تتحفك الإذاعات بوجبة دسمة من تلك الأغاني عمّال على بطال، فقد تفتقت قرائح شعرائنا عن أجمل الشعر وأبدعه في (حب القادة) ولو صدقت أشعار هؤلاء (الشعراء) لكنا أكثر سكان المعمورة ولعا وهياما بحكامنا؛ فلا أدري لماذا يريدنا زعماؤنا أن “نذوب في دباديبهم” رغما عن أنوفنا وحلوقنا. فإذا كان هناك الحب العذري في الأدب فعندنا نحن العرب الحب القسري ولله الحمد. والويل كل الويل لمن تسول له نفسه عدم الوقوع في غرام سيف الدولة. فحب الوطن من حبه والعكس صحيح. ألا يمكن في هذه الحالة أن يكون الهدف من مثل هذه الأغاني هو إخفاء أو التغطية على الشعور الشعبي الحقيقي تجاه الحكام ألا وهو الكره في كثير من الأحيان؟
أما النوع الثاني من الأغاني الوطنية فهي تلك التي تسترسل في التغني بعشق الوطن على علاته. إن المتمعن في تركيبة تلك الأغاني يرى بأنها كالنوع الأول تحض لا بل تأمر “المواطن” بأن يتعلق بالوطن. لكن كما نعلم فإن الحب ليس شيئا إجباريا بل طوعي. إنها فكرة سخيفة فعلا أن يعتقد جهابذة الإعلام والسياسة عندنا أن عشق الوطن يمكن أن يُزرع في نفوس الشعب عن طريق الأغاني والأهازيج والأناشيد أو على طريقة التعبئة العامة.



متى يتعلمون أن الإنسان لا يمكن أن يحب وطنه إلا إذا وطنه أحبه وحقق له الإنجازات الحقيقة وليس الوهمية التي نجدها فقط في الأغاني الوطنية، فالحب شعور متبادل وليس من طرف واحد حتى إن كان العاشق والمعشوق هو المواطن والوطن. فالوطن ليس شيئا مقدسا يجب أن تعبده حتى إن داسك ليل نهار. ألم يقل سيدنا علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه: “ليس هناك بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك”؟ أي إن أحسن الأوطان هي التي تحترم ساكنيها، وتحافظ عليهم وتتحملهم بدلا من أن يتحملوها. وهناك مثل إنكليزي شهير يقول: “الوطن حيث القلب”. أي إنه طالما أن قلبك يحب مكانا ما حتى لو لم يكن مسقط رأسك فهو وطنك؛ فما الفائدة أن يعيش الإنسان في مكان وقلبه في مكان آخر؟ ما الفائدة أن يعيش الإنسان غريبا أو يعاني الغربة في وطنه وتريده في نهاية النهار أن يتغنى بحب الوطن؟ كيف تطلب من إنسان أن يحب وطنه إذا كان وطنه يكرهه أو يعذبه ليل نهار كما تفعل معظم الأوطان العربية مع مواطنيها؟
دعوني أقل للحكومات العربية والإعلاميين والموجهين والمخططين إن حب الوطن لا يمكن أن يتولد في نفس الإنسان العربي من خلال الاستماع إلى أغنية وطنية عاطفية. إن حب الوطن لا يُفرض فرضا بالقوة الغاشمة، فإذا أردنا من الشعب العربي أن يحب ربوع بلاده فلنجعل من هذا الوطن العربي الكبير شيئا محبوبا. فهناك ملايين الأشياء في هذا الوطن تبعث على الحقد والاشمئزاز والنفور والبغضاء وليس على الحب. فإذا أرادت الأنظمة العربية أن تجعل مواطنيها يعشقون وطنهم فعلا فليكن هذا الوطن جديرا بالحب من خلال ما يقدمه للمواطن من حريات وخدمات ورفاه واحترام. وعندما تتوفر مثل هذه الأمور في أي وطن لا أعتقد عندئذ أننا سنكون بحاجة إلى الأغاني والأناشيد الوطنية الحماسية. والدليل على ذلك أن الإذاعات والتلفزيونات الغربية لا تبث أي أغنيات وأهازيج وطنية حتى في المناسبات الوطنية. لماذا؟ لأنها تعرف أن الشعب الغربي يحب الوطن من خلال ما يقدمه له ذلك الوطن.
لا أبالغ إذا قلت إن الإنسان الغربي قد يكون أكثر تعلقاً وإخلاصاً لوطنه من معظم المواطنين العرب بألف وتسع مئة وتسعة وتسعين ألف مرة، مع أنه لم يستمع في حياته إلى أغنية وطنية واحدة.

hgHyhkd hg,'kdm gh jfkd H,'hkh