التدليل بين الإفراط و التفريط
يحـل الطفل بالوجود ضعيفا ، لم تنضج قواه البدنية ، و لم يستكمل كيانه النفسي ، لكنه إنسان له حياته العقلية و الوجدانية ، و لديه قابلية للتأثر بالبيئة المحيطة به ، طيبة أو سيئة على حد سواء ، هذا التأثير و التأثر هو الذي يكيف سلوكه ، و يحدد معالم شخصيته و هو قاصـر و يبقى قاصـرا مدة طويلة في حضـن أمه التي تقـف رهن إشارته ، تلبي نداءه ، و تقضي حاجته ، و تغدق عليه من حنانها بابتسامة و قبلة و ضمة فتصبح بالضرورة مركز اهتمامه و تفكيره و عاطفته و حبه .

في هذا الجـو من الحنان المتدفـق تنشأ العلاقة الوجدانية بينهما ، لذلك تكون حاجة الطفـل إلى الحنان كغذاء لنـفسه أشد مـن حاجته للبن أمه كغذاء لجسمه ، و هذه الصلة الوطيدة بين الطفل و أمه خير ضمان لسلامة النفس و البدن ، و استمرار النضـج العقلي و الوجداني ، و لطالما أن لكل شيء في الطبيعة حدا وسطا إذا ما خرج عنه بالإفراط أو التفريط انقلب إلى ضده و سـاء سبيـلا ، فإفـراط الأم في حنانها و عطفها على طفـلها إلى حد التدليل ، و إجابة مطالبه المقبولة و الغير مقبولة ، و تلـبية جميـع رغباته ، و أداء الأعمال التي يستطيع أن يؤديها بنفسه لنفسه ، و في ظل هذا الإغداق ألا متناهي ينشأ الطفل في كنف أمه لائذا بها ، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال لم يشعر بالأمن و الاستقرار ، يتهرب من المسؤولية ، و يتحايل على قضاء حاجته و حل مشاكله بالتماس العطف و الشفقة ، أو الأعذار الكاذبة ، ليجنـب نفسه مشـقة السعي و جهـد التصرف ، و قـد يصطنع المـرض أو العجـز عندما يشعر أن هذا التدليل قد قل لإحياء هذا الاهتمام ، و من هنا يتعلم التـحايل و المـراوغة التي تصبح أسلـوب حياته ، و بهذا يصطدم بالمجتمع الذي ينظر إليه بغـير المنظار الذي يراه به والـديه ، و في الأسـرة تظهـر عليه الأنانية ، و حـب السيطـرة على إخوته ، و العنف في تصرفاته معهم ، لإحساسه بالتميز عنهم ، فهو يرى انه لزوما عليهم خدمته و قضاء أموره و مصالحه ، و عندما يقومون بـذلك ، لا يعتبـرها إحـسانا منهم ، بل ما هي إلا واجـبات يـؤدونها من غـير مـقابل و هـو معـفى من خدمة غيره ، فيصبح ديكتاتورا يتحكم في الأسرة طبعا هذا من حبه لذاته و تفضيلها على الآخرين ، و بالمقابل يعاني الخوف الشديد و القلق و الجبن ، يخاف الظلام و البقاء وحيدا ، و هذا الخوف يستغله لصالحه ليتمكن من الحصول على المزيد من الرعاية و الشفقة ، و سرعان ما يستخدمه مع مجتمعه ، و عندما لا يجد استجابة منه ، يبدأ القلق و التوتر و الإحساس بعدم الأمـن و الأمان و تتـولـد عنده الكرهية و الحقـد نحوهم ، فيخسـر مكانه بينهم ، و هذا ليس بالضرورة لأن كثـيرا من الأطـفال الذين تلـقوا تدليلا زائـدا و عاطـفة فيّاضة ، يشعـر بتشبع شـديد من حنان و عاطـفة الأسـرة ، فلا يمـيلون إلى الآخـرين ، لأن ذلك ينـمي داخلـهم الوحـدة و الانطواء ، فإن كان هذا أو ذاك فتلك عاقبة الإفراط في التدليل . أما التفريط إلى حد الحرمان هو الطامة الكبرى فالطفل الذي ينشأ بين أم باردة و أب قاس و ظروف سيئة تحرمه غذاء النفس الطبيعي ، و تحول دون نموه الوجداني ، و تكسر روابـط العواطــف الطبيعية بيـنه و بيـن الآخـرين ، خاصة أمه أو من يقـوم مقامها ، يستحـيل أن تكـون شخصيـته سليـمة ، فـهو يكون نهـب للقلق العصبي الذي يهدم شعوره بالأمان و الاستقرار ، فلا يستطيع أن يكيف نفسه لدستور السلوك السوي و الخلق الكـريم ، بل يثـور لقسوة الدهر و يصب غضبه على المجتمع ، و يصبح شريرا متغطرسا مشاكسا ، فيـتجه إلى آفاق التشـرد و الجريمة ، متحـسبا نفسه قوي الشخصية ، مرهوب الجانب ، و هـكذا يدور الرجـل الذي حـرم من الحـنان و هو طفـل في حلـقة مفـرغة من القـلق و العدوان و الجريمة . و الحرمان النفسي للطفل المترتب عن غياب حنان و عطف الوالدين أحدهما أو كلاهما ، ينتج طفلا خـجولا انطوائيا لا يقوى على مواجهة الحياة بمفرده ، و خاصة عند احتكاكه بالعالم الخارجي ، مدرسة كانت أو شارعا ، و هذا في غياب التعبيرات البسيطة ، كالتقبيل و المعانقة و المـديح ، بعـيدا عن التـدليل المـبالغ فيه طـبعا ، ويـوصي أهـل الاخـتصاص الأم هـنا باحتوائها الطفل بعطفها و دفئها ، من خلال الكلام معه وقت إرضاعه ، أو إطعامه ، أو تغيير ملابسه ، لتعزيز الثقة بالنفس لديه ، و منه فإن حرمان الطفل من التدليل ، يسبب مشاكل تتساوى مع مشاكل الإفراط في التدليل ذاتها ، و خير سبيل سلك الوسطية في التعامل معه ، فلا إفراط و لا تفريط .




hgj]gdg fdk hgYtvh' , hgjtvd'