فضل الأذان والمؤذنين [1]الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد..
فمن شعائر الإسلام العظيمة التي جاء بها الأذان، وهو الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة [2].
قال القرطبي وغيره:
"الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثَنَّى بالتوحيد، ونفي الشرك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنها لا تُعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان" [3]. أ.هـ.

روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر أنه كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس يُنادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلًا يُنادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا بِلَالُ: قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» [4].
وروى أبو داود في سننه من حديث عبدالله بن زيد رضي الله عنه وفيه: فأُري عبدالله بن زيد الأذان في المنام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، يَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَاَ أُرِيَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» [5].

وقد دلَّت النصوص على فضل الأذان، ووجوبه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ" [6].
قال الخطابي رضي الله عنه: "وفيه أن الأذان شعار الإسلام، وأنه لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه" [7].

ويُشرع الأذان في الحضر والسفر للمنفرد والجماعة، لما جاء في الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث قال: أتى رجلان النبي صلى الله عليه وسلم يريدان السفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [8].

ومما ورد في فضل الأذان والمؤذنين ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ [9] بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ» [10].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» [11].
وفي صحيح مسلم من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [12].

وروى البخاري في صحيحه من حديث عبدالرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة [13]. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمؤذنين والأئمة فقال: «اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» [14].
وروى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَذَّنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَبِإِقَامَتِهِ ثَلاثُونَ حَسَنَةً» [15].

قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:
"وفي هذا الحديث فضل ظاهر للمؤذن على أذانه هذه المدة المذكورة فيه، ولا يخفى أن ذلك مشروط بمن أذن خالصًا لوجه الله تعالى، لا يبتغي من ورائه رزقًا ولا رياءً ولا سمعة، للأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة، التي تفيد أن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص، وإن مما يؤسف له حقًا أن هذه العبادة العظيمة، والشعيرة الإسلامية قد انصرف أكثر علماء المسلمين عنها في بلادنا، فلا تكاد ترى أحدًا منهم يؤذن في مسجد ما، إلا ما شاء الله، بل ربما خجلوا من القيام بها، بينما تراهم يتهافتون على الإمامة، بل ويتخاصمون، فإلى الله المشتكى من غربة هذا الزمان" [16].

روى أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» [17].

ومن الآداب التي ينبغي أن يتصف بها المؤذن:
1- أن يحتسب في أذانه ولا يأخذ على أذانه أجرًا، روى الترمذي في سننه من حديث عثمان بن أبي العاص قال: إن من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا [18]. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه أ.هـ [19]. والأجر المنهي عن أخذه هو ما يؤخذ من شخص، أو أشخاص على سبيل المعاوضة، وأما الذي يُعطى للأئمة والمؤذنين من بيت مال المسلمين، فهو رزق حلال.
2- أن يكون على طهارة، وأن يؤذّن قائمًا، وأن يستقبل القبلة، وأن يضع إصبعيه في أذنيه، وأن يلتفت يمينًا وشمالًا التفافًا يسيرًا يلوي به عنقه ولا يحول صدره عن القبلة عند قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، وأن يؤذن في مكان مرتفع، وأن يرفع صوته بالأذان، وأن يتمهل في أذانه ويترسل.
3- أن يكون دقيقًا في تحري وقت الأذان، لأنه مؤتمن على صلاة الناس، وصيامهم، وفطرهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» [20]. وأن يواظب على أداء الأذان في أوقاته، وألا يُوكل الغير إلا عند الحاجة إلى ذلك، وإذا احتاج إلى التوكيل فلا يوكل إلا من كان أهلًا لذلك.
4- أن يكون المؤذن جهوريًا، حسن الصوت، فقد روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «قُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» [21].
قال الزبيدي: "هو أندى صوتًا: أي أبعد مذهبًا، وأرفع صوتًا، وقيل: أحسن صوتًا وأعذب" [22].
قال الخطابي: "قوله: أندى صوتًا منك، دليل على أن من كان أرفع صوتًا كان أولى بالأذان؛ لأن الأذان إعلام، فكل من كان الإعلام بصوته أوقع، كان به أحق وأجدر" [23].

ومن المخالفات والأخطاء التي يقع فيها بعض المؤذنين:
1- اللحن في الأذان، وهو أن ينطق كلمات الأذان نطقًا يتغير به المعنى، أو نطقًا غير صحيح، فمن الأول أن يمد الباء في الله أكبر، وقد نهى العلماء عنه نهيًا شديدًا لأن (أكبار) هو الطبل، والواجب أن يجزم فيصل الراء بالباء من غير مد، ومن الثاني أن يستبدل بالهاء الحاء، والدال بالطاء في أشهد، فيقول: (أشحط)، وهذا يكثر في إخواننا الأعاجم الذين لم يتعلموا النطق العربي الصحيح، وكذلك يوجد في بعض الأعراب من يقول: (زدزامت) الصلاة، بدلًا من قد قامت الصلاة. ومن اللحن أيضًا ترك إدغام النون في اللام من قوله: أشهد أن لا.
ومنها أيضًا ترك التنوين في حرف الدال من أشهد أن محمدًا، ويستبدل به إسكان الدال. ومنها عدم تحقيق الحاء في كلمة الفلاح وتسمع وكأنها هاء.. ونحو ذلك.



2- التغني والتمطيط الخارج عن لحون العرب إلى درجة التكلف، وكراهية ذلك عند السلف، قال عمر بن عبدالعزيز: "أذَّن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا" [24]. وقد ذكر أنه كان بالحرم المكي مؤذن يؤذن أذانًا سمحًا من غير تكلُّف بخلاف سائر مؤذني الحرم الذين جعلوا لأذان الحرم قواعد للتطريب، وإخراج الحروف كما هو الحال الآن، فبعث الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية في ذلك الوقت بكتاب إلى رئيس مؤذني المسجد الحرام بأن يُؤذنوا على نحو ذلك المؤذن، ويتركوا ما هم عليه، وهذا نص الفتوى: من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس مؤذني المسجد الحرام بمكة المكرمة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..وبعد، بعد أن تبلغوا جميع مؤذني المسجد الحرام أن يؤذنوا أذانًا سمحًا سهلًا، ويجتنبوا المد والتمديد، إن هذا التمديد والمط الذي يستعملونه الآن في الأذان مخل بشرعيته، فعليهم اجتناب ذلك والتمشي بما يوافق الشرع، وأن يكون أذانهم مثل المؤذن الذي يؤذن في زمزم حالًا، وعليكم إخبارهم بذلك، ومراقبتهم عن الإخلال به. والسلام عليكم [25].

وقد سأل أحد الإخوة اللجنة الدائمة للإفتاء فقال: "أحب الطريقة التي يُؤدى بها أذان الحرم المعروف، والمسجل على مقدمة أشرطة القرآن بالمملكة، وأستطيع أن أقوم بأدائه بالطريقة نفسها، وأخبرني بعض من سمعه مني بالمسجد بأنهم يحبون ذلك، وأنه يثير في نفوسهم الشوق والحنين إلى أرض الحرمين، وبعض الناس يدعون لي حين يسمعه مني، ويستحسن ذلك الأذان، غير أن بعض إخواننا ذكر لي أن هذه الطريقة فيها لحن، وتمطيط، ومد زائد عن المعروف في قواعد التجويد، فأصبحت متحرجًا عندما أقوم بالتأذين بطريقة مؤذن الحرم المشهورة، فهل علي إثم في ذلك؟ أم أن هذه الطريقة لا بأس بها، ولا حرج فيها؟ أفيدوني جزاكم الله خيرًا".
الجواب: "الأذان من شعائر المسلمين العظيمة، فهو محض عبودية من العبد لله تعالى، ولهذا فعلى المؤذن أداؤه كما شرع بصوت سمح، سهل، غير متكلّف، ولا ملحون، ولا يخرجه مخرج الغناء، ولا يمده مدًا يخرجه عن المقصود منه، بل يؤديه المؤذن بصوته، مراعيًا شروطه وآدابه الشرعية، وتكلف أداء الأذان بتقليد صوت مؤذن آخر، غير معروف في هدي السلف الصالح" [26].
3- زيادة لفظة (سيدنا وحبيبنا) وأمثالهما في تشهدي الأذان والإقامة، فلا تجوز الزيادة على ألفاظ الأذان بأذكار أخرى لا قبله، ولا بعده يرفع بها المؤذن صوته، فكل ما يفعل غير الأذان الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو بدعة محرمة، يحرم فعله، ويجب إنكاره على من فعله.
4- زيادة حي على خير العمل، فهي وإن كان معناها صحيحًا، إلا أنها لم تثبت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحي على الصلاة، حي على الفلاح تغني عنها، والواجب على الخلق أن يستقيموا كما أراد الله، لا كما يريدون، قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود:112] ولم يقل كما أردت.
5- ومنها القول قبل الأذان: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء:111] كما يفعله بعض المؤذنين في بعض البلدان.
6- ومنها قول: "اللهم صلِّ على محمد" قبل الإقامة [27].
7- الأذان المسجل الذي يعلن عبر مكبرات الصوت في عدد من المساجد، وهو من البدع المنكرة التي أحدثت في العالم الإسلامي.
8- رفع المؤذن صوته بالتبليغ من غير حاجة إلى ذلك، فبعضهم بالرغم من صغر المسجد أو ارتفاع صوت الإمام، ومع ذلك يقوم بالتبليغ، وأما تبليغ أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان للحاجة إلى ذلك.

تنبيـه..
ينبغي أن يكون المؤذن عدلًا، أهلاً لما وكِّل إليه، لأنه مؤتمن على ذلك، وعليه سوى واجبات الأذان حقوق الإمامة وواجباتها، لأنه تشمله لقيامه بالإمامة عند غياب الإمام.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

tqg hgh]k ,hglc]kdk