يبقى الكاتب والروائي والأديب وكل صاحب قلم، سفيرا لبلاده وقومه ولغته وعرقه لدى الآخرين، وإذا كان الآخرون، لا سيما في الغرب، لا يعرفون المجاملة ولا يقيمون الحساب إلا للكفاءة والإتقان، فإن اعترافهم بإبداع وتفوق أحدهم، يعني في الحقيقة أنه علامة مميزة في حاضرهم وضوء على طريق مستقبلهم. في هذا السياق يستذكر المرء ما كتبته الصحف الفرنسية في منتصف التسعينات عن الأديب والروائي الفرنسي الجنسية اللبناني الأصل والهوى، والعربي الهوية، أمين معلوف، من أن «الأدب الفرنسي كان في طريقه للموت لولا اثنان: فرانسوا ميتران وأمين معلوف»، وهي عبارة بما فيها من مبالغة أدبية، تكشف عن مقدار الدور الذي لعبه الرجل في حياة الفرانكفونيين (الناطقين باللغة الفرنسية) في العقدين الماضيين.


وها هو أمين معلوف ينضم الأيام القليلة الفائتة إلى الأكاديمية الفرنسية، تلك المؤسسة العريقة للثقافة الفرنسية ليشغل بذلك المقعد الذي شغر بوفاة المفكر وعالم الأجناس الفرنسي كلود ليفي شتراوس في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2009.


ما الذي يعنيه هذا الاختيار لأمين معلوف؟ على حد تصريحاته إنها «لحظة مهمة جدا في حياتي وتحمل معنى مميزا لأني لبناني وعربي، ما يخولني لعب دور الجسر بين عالمين».


كيف كان أمين معلوف جسرا وقنطرة بين أوروبا والعالم العربي عبر أكثر من ثلاثة عقود خلت؟ حتما يعود بنا الجواب إلى إشكالية ضمن الإشكاليات التي باتت، وعن حق، تؤرق العالم اليوم، إشكالية الصراع الثقافي الذي أضحى شبه متجذر، وعبرت عنه نظريات تصادمية، فعلى سبيل المثال بنى هنتنجتون نظريته في صدام الحضارات، على أسس من البنيوية الثقافية للأمم والشعوب وجعل منها منطلقات وركائز، للصراع القادم بين الشرق والغرب، بين العالم المسيحي اليهودي، والعالم الإسلامي الكونفوشيوسي، حسب تصنيفه غير الدقيق لا علميا ولا اجتماعيا، ولهذا فإن الحديث عن حدود ومعالم الهوية وملامح وطرائق الانتماء، ظلت من القضايا المؤرقة لمعلوف اللبناني الأصل العربي الهوية الفرنسي بالانتماء والاندماج في المجتمع الفرنسي.


في كتابه «الهويات القاتلة» يؤكد معلوف أن الهوية لا تعطى مرة واحدة وإلى الأبد إلى الفرد، بل تتشكل من عدة انتماءات، تتبدل ويختلف تراتب عناصرها، طوال حياته وتاليا الهوية قابلة للتغيير والتبدل حسب تأثير الآخرين بشكل أساسي على عناصرها، وأن الفرد يميل بطبعه فيما يخص تعريف هويته وتحديد انتمائه بأكثر عناصر هويته عرضة للخطر، خطر الإهانة والسخرية أو التهميش أو القمع.. إلخ.


في إطار هذه الرؤية يحق الحديث عن أزمة الهوية في العالم العربي وعلاقتها مع جدلية الانتماء، وبخاصة في زمن السماوات المفتوحة والعولمة المنطلقة في الآفاق التي جاءت من الغرب بصورة أساسية، بوصفه صاحب الريادة العلمية والتكنولوجية على الأقل حتى الساعة، ومن هنا كما يرى البعض تبرز أزمة العالمين العربي والإسلامي، حيث يعجزان عن اتخاذ موقف منسجم مترابط مع العالم الغربي. ولا يوفر معلوف هنا الاعتراف بأن للعالم الغربي ممارساته الكيدية المزعجة، وفي أغلب الأحيان تكون عرقية بكل وضوح، وخاصة في الدول الأوروبية ضد العمال المهاجرين والأقليات العرقية والدينية، دون أن يثير ذلك أي ردود أفعال أو إدانات.. ما الحل إذن في مواجهة العقلية القبلية الكونية؟ يرى معلوف أنه علينا أن نتوحد لبناء مفهوم يتيح لكل فرد الشعور بمكونات وعوامل انتمائه، لكن أيضا بقوميته ولغته ومعتقداته دون أن يكون مجبرا على الاختيار.


إن مسألة الانتماء هي مسألة حساسة، يقرر معلوف، وإن حاولنا الهروب منها خاصة في فرنسا وأوروبا، علينا إذن أن نميز بين مكونات القيم الأساسية للمجتمعات التي يجب أن تكون مشتركة وإن ظهرت مختلفة، والعالم القابل للتقدم وهو العالم الذي يستطيع كل فرد فيه أن يعبر عن آرائه باللغة التي يختارها والمعتقد الذي ينتمي إليه، وألا يشعر بأي نقص في انتمائه إلى هذه الفئة أو تلك، وعلى السلطات والشعوب ألا تجعل ذلك مقياسا للتمييز، فحين لا يستطيع المرء أن يعبر بلغته عما يشعر به، وعن معتقداته بحرية فذلك يعني أن العالم يسير إلى الوراء.


يؤكد أمين معلوف أن مقياس الحضارات اليوم هو قبل كل شيء تقبل الآخر، خاصة الذين يستقبلون مهاجرين ينتمون إلى حضارات أخرى، إذ يجب ألا يكون هذا الانتماء موضع مجابهة، وفي هذه المعركة تتحدد القيم الحضارية، فإن استطاع الغرب كسب هذه المعركة والانسجام بشكل حقيقي مع القيم التي يطالب بها، وهي قيم حضارية، عندئذ سيكون بمقدوره التغلب على جميع المشكلات التي تعترضه مع المهاجرين. ويوصي معلوف بأنه علينا أن نشجع المهاجرين على لعب دور أساسي ذي اتجاه حضاري، يسير على مسلكين من الحضارات التي ينتمون إليها، إلى الحضارات التي تستقبلهم، لكن أهم العوامل هو العامل اللغوي، فالمهاجر يجب ألا ينسى لغة بلده الأصلي وأن ينقلها لأولاده من بعده.


هل لهذا السبب قال أحدهم ذات مرة إن أمين معلوف كاتب وفيّ لوطنه ولأمته، رغم اغترابه وغربته؟ هو كذلك، فالرجل ظل محبا للشرق، هائما في تفاصيل البحر الأبيض المتوسط، تشغله حكاية الشرق قديمها وحديثها وينظر إلى الوطن الأم (لبنان) باهيا نقيا رائقا، ليعارض هنا من يصور الشرق الأدنى والأقصى بأنه وكر للظلم ومنبع للقمع، على نحو ما عرضه سليمان رشدي أو تسليمة نسرين وآخرون أثخنوا جراح الأمة بحدة سهام نقدهم.


أين تقع إشكالية علاقة أوروبا بالعالم العربي في فكر أمين معلوف؟ المتابع لكتابات وحوارات المفكر الكبير، يراه يذهب إلى أن أوروبا قريبة وبعيدة في آن. والذي ساهم في إحداث الشرخ بينهما هو أن أوروبا عندما انفجرت نهضتها وثورتها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كان العالم العربي هو أول من تلقى الضربة منها بصورة مباشرة وتعذر عليه بعدها أن ينهض على قدميه، لأن الذي تلا هذه الضربة هو الاستعمار، الذي خضعت له بلادنا، وامتنع عليها بعده النهوض من كبوتها وقيام أي تطور مستقل لها. وفي الوقت الراهن ما زالت الهوة شاسعة بين العالمين، ومن مظاهرها أن مدينة في جنوب إسبانيا محاذية لمدينة في شمال المغرب، لا يفصل بينهما سوى مضيق بسيط، هي أقرب إلى ليتوانيا منها إلى هذه المدينة المغربية.


والشاهد أن ثمة فاصلا حضاريا إذن بين عالمين، له طبعا علاقة بالدين، جعل العالم العربي عالما بعيدا جدا عن أوروبا. كان هناك خط فاصل منع عملية التفاعل والتمثل، دون أن يخلق عند العرب والمسلمين تساؤلات. لم يكن باستطاعتهم أن يأخذوا أو يستوعبوا الحضارة الأوروبية لأنه ظهر لهم بوضوح أنها حضارة وافدة من الخارج. والمقطوع به أن التكوين الثقافي والفكري لأمين معلوف قد نبه عنده قرون الاستشعار لفكرة الجسور الثقافية، بين العرب والأوروبيين، ولا سيما أن سنوات تجليه وفوزه بجائزة «جونكور» الأدبية الفرنسية رفيعة المستوى عام 1993 رافقت ظهور قراءات هنتنجتون عن صراع الحضارات. وفي هذا الإطار يقول أمين معلوف إن هذه المسألة جاءت بشكل تلقائي من خلال خلفيتي الثقافية والفكرية، وانتسابي إلى بلد هو حواري بطبيعته. هذه الخلفية جعلت مني شئت أم أبيت كاتبا متنبها لما ذكرت.


يسرد معلوف مثالا بديعا عن «الشرق الفنان»، والتعبير هنا للفيلسوف المصري الراحل الدكتور زكي نجيب محمود، فيقول أمين: «دخلت في مدرسة كان معظم الدارسين فيها قادمين من فرنسا وهولندا وسواهما من البلدان الأوروبية، ولذلك وجدت نفسي لاحقا وبشكل تلقائي في خضم عملية تثاقف وتقريب، وفي مرحلة لاحقة عثرت على تنظير لهذه العملية. صرت أعتبر دوري ينحصر في النهاية في إقامة جسور بين ضفتين، وفي الآخر صرت أقوم بذلك بشكل تلقائي، انطلاقا من لبنانية في داخلي تهيئ لذلك، فمن يولد في لبنان، ويتشرب مناخه الثقافي الذي هو مزيج من ثقافات ومؤثرات وعوامل مختلفة، لا بد أن يضطلع بهذه المهمة بصورة عفوية».


ويضيف أمين معلوف: «لذلك عندما يلتقي أحدنا شخصا أجنبيا، لا بد أن يقول له في البداية إن ثمة أشياء تتعلق بنا لا بد أن تكون قد وصلت إليك أو فهمتها بشكل غير سليم، لا بد أن تكون لديك صورة مغلوطة إلى حد ما عن بلادنا، أو عن تاريخنا، فاسمح لي أن أعرض عليك ما أراه من صورة مصححة عن بلادنا».


هذا هو في الواقع ما قام به أمين معلوف وبشكل عفوي وبالذات في مسائل التاريخ، والتاريخ كثيرا ما يروي على نحو خاطئ إشكاليات الحروب الصليبية. ولعل رؤية معلوف للحروب الصليبية كانت مفتاحا لانطلاقة الرجل في سماوات أوروبا الفكرية.. «السابقون لم يكونوا يستخدمون عبارة الحروب الصليبية، كانوا يقولون (حروب الفرنجة)، كانوا ربما أكثر تسامحا من الآن»، هكذا ينضح عقل أمين معلوف بما فيه من ركيزة أساسية هي التسامح والتعددية وقبول الآخر، ففي دراسة أكاديمية للدكتور أسامة القفاش الكاتب المصري والناقد الأدبي يرى أن أول سمة من سمات أدب أمين معلوف التي تمثل خاصية واضحة في كل أعماله وخيطا رابطا بين هذه الأعمال، هي التسامح.. فالتسامح هو علاقة إيجابية بين الـ«أنا» بكل دوائرها والآخر بكل ألوان طيفه. هذه السمة جزء من تكوين أمين معلوف ذاته المسيحي العربي اللبناني، التسامح هنا صفة شخصية، ولكنه يتحول إلى سمة أدبية في أعماله المختلفة، ففي باكورة أعماله «الحروب الصليبية كما رآها العرب» يتحدث معلوف إلى المجتمعات الأوروبية مناقشا المفاهيم الأساسية للحضارة ذاتها، فالحروب الصليبية في الذهنية الأوروبية تعني فعلا إيجابيا، ولعلنا نتذكر كيف استخدم بوش الابن هذا المفهوم في كلامه عن حملة أفغانستان، وكيف أثار هذا الاستخدام ثائرة العرب والمسلمين.


وربما كان ما يريده معلوف تحديدا هو تجنب مثل هذا الاستخدام وكأنه يقول للغرب: في الوقت الذي تتكلمون فيه عن إلغاء المركزية الأوروبية لا بد من إعادة النظر في المفاهيم التي تعتبرونها بديهية، وإعادة النظر هي بداية الطريق إلى التسامح.


يقدم معلوف في روايته تلك الرؤية العربية للحروب الصليبية، ويوضح بأسلوب بسيط وسلس كيف أن العرب لا يرونها حروبا دينية من أجل الصليب، وإنما حملات استعمارية، مشددا على المجازر التي ارتكبتها تلك الحملات في حق جميع الأديان، بما فيها المسيحية.


وفي رواية «ليون الأفريقي» يتناول شخصية أسطورية غير حقيقية، لرجل مثالي حالم بعالم أفضل، بلا حرب، تتدفق فيه المعرفة، ويتبادل فيه البشر الخبرات، إنه تجسيد للتسامح. أما في «حدائق النور» فيتكلم معلوف عن «ماني».. هذا الفارس الحالم بالمساواة بين البشر، والطامح إلى عالم خال من الحقد والحرب والبغضاء، عالم يدعو إلى نبذ السلطة بكل أشكالها والانغماس في عالم الفن، ويدعو أتباعه إلى التسامح بآلات الموسيقى بدلا من الحرب.


من يستحق التهنئة؟ أمين معلوف على موقعه الرفيع؟ أم لبنان الذي أفرز هذه العقلية الإنسانية العالمية؟ أغلب الظن أن التهنئة واجبة للحضارة العربية، التي لا تزال تنجب مثل هذه العقول الأثيرة، والقلوب المحبة، في زمن جف فيه ضرع الأرض حبا وتسامحا وتعددية!

Hldk lug,t>> [sv ,rk'vm fdk H,v,fh ,hguvf