أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



زهرة الرماد

1- غريب في غرفة النوم - إنها حفلة رائعة يا عزيزتي! تساءلت لوسي عمن يكون هذا الرجل الذي يبتسم كالبوم ويلقي كلماته بغير وضوح , وتعجبت من قد



زهرة الرماد


النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    العمر
    19
    المشاركات
    153
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالب
    هواياتي
    المطالعة السباحة
    شعاري
    ﻟﺴﺖُ ‫#‏ﺍﺷﻜِﻲٌ‬ ﻣِﻦْ ﻓﻘﺪاﻥ ﺍﻳﺎﻣَﻲّ ‫#‏ﺍﻟ

    زهرة زهرة الرماد

     
    1- غريب في غرفة النوم


    -
    إنها حفلة رائعة يا عزيزتي!
    تساءلت لوسي عمن يكون هذا الرجل الذي يبتسم كالبوم ويلقي كلماته بغير وضوح , وتعجبت من قد يكون , ربما صديق لجولي, فهي بالتأكيد لا تعرفه .
    وابتسمت له ابتسامة لا مبالية وقالت :
    -
    شكراً لك.
    وحاولت ان تتجاوزه لتسير في طريقها الى المطبخ, وهي تقول لنفسها: إنها ليست حفلة رائعة .. بل هي حقيرة , ولقد مللت منها, واتمنى ان يذهب الجميع!" وادهشها تفكيرها .. فهي فتاة تعرف كيف تتمتع بحياتها , ولا تحتاج الى اكثر من بضع ساعات للنوم , ومع ذلك تبقى على نشاطها .وامسك الرجل بذراعها , وعلى وجهه الكآبة:
    -
    اين انت ذاهبة؟وحاولت ان تتخلص منه, ولكنه تمسك بها , فأبقت صوتها بارداً وهي تجيب :
    -
    ساحضر بعض الثلج.

    كانت قد التقت مرة في إحدى الحفلات بشخص سمج مثله, واضطرت لتتخلص منه ان تصفعه, لتكتشف من جيرمان انه زبون مهم, ولأنها قد افقدت شركة هارولد بانهارد عقداً كانوا بأمس الحاجة اليه , ومنذ ذلك الوقت تعلمت ان تتعامل مع هذه الأمور بمرونة, وكما قال لها جيرمان , فهذا جزء من علمها.
    وتابع الرجل :
    -
    لا تتركيني.. فقد كنت احاول الانفراد بك طوال السهرة.
    وشكت بهذا القول, فالحقيقة على الأرجح , انه لاحظ تسللها من الغرفة وتبعها مجرباً حظه , وهاهو الآن يسد لها طريقها الى المطبخ ويضايقها , وتنهدت بصمت , وفي نفس اللحظة رن جرس الباب وهذا ما انقذها , وفتحت الباب وهي تبتسم , ولكن الرجل الواقف على عتبة لم يرد على ابتسامتها , بل في الواقع كان التعبير على وجهه تعبير احتقار, وهذا كان امراً غريباً نظراً الى انه غريب تماماً.
    وتساءلت لوسي عما إذا كان جاراً جديداً جاء ليحتج على الإزعاج بسبب الحفلة, او انه ممن يقتحمون الحفلات آملين بالتسلية .
    -
    آنسة بانهارد؟واستمرت بالابتسام وهي ترد عليه.
    -
    نعم؟
    -
    ربما نستطيع ان نتحدث على انفراد, والأفضل بعيداً عن هذه الضوضاء.

    -
    ومن انت ؟ من الشرطة , ام مساعد مأمور , أم من مصلحة الضرائب ؟ فكائنا من تكون اعتقد انك اخطأت العنوان.وهز رأسه , وعيناه الرماديتان الغامقتان تطوفان عليها , تتفحصان كل تفاصيل ثوبها الأسود الفاخر.
    -
    لا اظن انني مخطئ.
    وصدرت اصوات ضحكات من غرفة الجلوس , وأبعد نظره الى الباب نصف المغلق, وهو يلوي فمه , وأضاف:
    -
    وكيف سيظهر هذا في حسابات هارولد بانهارد في النهاية ؟ الترفيه عن الزبائن ؟
    -
    يا إلهي! يبدو انك فعلاً من مصلحة الضرائب! دع عنك المزاح, هل تمانع ان تقول لي من أنت وماذا تريد؟
    -
    على انفراد .. نعم .. ربما هنا..
    وتجاوزها ليفتح احد الابواب , فقالت لوسي ساخطة:
    -
    وربما لا , فهذه غرفة نومي.
    -
    وفري عليّ الاحتجاج والتظاهر بالخجل آنسة بانهارد , فهي لا تناسب ثيابك , اؤكد لك انني لست في حالة تسمح لي بقبولها , وحتى لو كنت , فأنت تبالغين في تقدير سحرك .
    وانحبست انفاسها في حنجرتها, فقالت ببطء:
    -
    انا ... اظن انك تهينني , هل تخرج حالاً, أم استدعي من يرميك الى الخارج!
    -
    يجب عليك إذا ان ترميني الى الخارج , وقبل ان تفعلي عليّ ان اقول لك ان جدك مريض ونقل الى المستشفى بعد ظهر هذا اليوم , وهو يسأل عنك, ومن غير المتوقع ان يعيش .
    -
    بعد الظهر؟ ولكن لماذا لم يتصل بي احد.. لماذا لم أُبلغ قبل هذا الوقت؟
    -
    كان ممكناً ان تبلغي لو انك لم تكوني مشغولة بضيوفك, او لو أنك تركتي سماعة الهاتف مكانها , لقد كنت احاول الاتصال بك منذ ساعات عدة, وفي النهاية قررت انه من الاسهل ان اجيء شخصياً لأقابلك.
    -
    كي تبلغني النبأ بكل هدوء.

    - انت قوية آنسة بانهارد .. يمكنك تحمل النبأ.
    -
    ومن أنت ؟
    -
    أنا مارك ايفانز.. ربما سمعتي او لم تسمعي عني.
    كانت قد سمعت عنه , ولكنها لم تلتقي به من قبل , والصدمة حبست انفاسها, فقد أكد لها جيرمان انه لم يعد يشكل أي خطر , ولكن هنا , في داخل غرفة نومها , بدا لها خطرا اكثر مما يحتمل , وقال لها بعد توقف قصير:
    -
    يبدو ان الكلمات قد خانتك, مارأيك لو تقولين ( لقد ظننتك في اميركا؟)
    وانفرجت شفتاها لتنكر اي علم لها بأخباره , أو أي اهتمام به وبتحركاته , ثم اقفلتهما دون ان تتكلم, وبدا عليه السرور لأول مرة :
    -
    هذا أمر حكيم منك, فلم أكن لأصدقك , وأنا واثق ان شقيقك كان يبلغك يومياً بآخر ما يستجد في الوضع .
    ولكن الأمر لم يكن هكذا , فأول مرة ذكر لها جيرمان اسم مارك ايفانز , كان من سنة , وفي ذلك الوقت , كان ليس اكثر من سحابة صغيرة الحجم في أفق هارولد بانهارد, ولكن في الأشهر التي تلت, بدأت تكبر , وتنذر بالسوء.وكان جيرمان قد قال لها:
    -
    إنه يريد الاستيلاء على الشركة , فشركته ( ايفانز العالمية ) تملك شركة اليكترونيات صغيرة خاصة بها , ويريد ان يوسعها, ونحن نمتلك الخبرة التي تلزمه , ولكنه لا يريد ان يدفع الثمن, انه يعلم تماماً بأن الضائقة المالية عصفت بنا, ويعتمد على الانتظار ليمسك بنا بأبخس ثمن, هذا إذا لم يدعوه جدي للانضمام الى مجلس الإدارة في مطلق الأحوال.
    -
    وهل تظن هذا محتملاً؟
    -
    اتمنى لو انني لا اعتقد هذا, ولكن عندما عدت من روما , في الأسبوع الماضي, قال لي إيربي غولمان إنهما متقاربان جداً, وبدا عليه السرور.ايربي غولمان لن يعارض ابداً لو ان هارولد بانهارد اصبحت جزءاً من امبراطورية ايفانز, وخاب امله بمرارة عندما توقف كل بحث في عملية الشراء هذه , وأعلن جيرمان يومها ان مارك ايفانز سافر الى اميركا , ليفتتح مختبر ابحاث جديد, واضاف جيرمان برضى ان قيمة اسهم هارولد بانهارد قد زادت قليلاً.
    وعاودت لوسي التحديق بمارك ايفانز , بوجه جامد:
    -
    اعتقد انك كنت في زيارة لجدي في بريوري؟
    -
    بناء على دعوته , لذا إذا كنت تحاولين لومي على نوبته القلبية الأخيرة , فانسي الأمر , فأنت تعرفين كما اعرف كم هو مريض , واستطيع القول إن إدارة شقيقك للعمل وظهورك العلني الدائم في المناسبات لم يساعداه كثيراً في حالته المرضية, لذا عليك الآن ان تتحركي , إلا إذا كنت عنيدة , وقصيرة النظر مثل شقيقك.وفتحت لوسي الخزانة وسحبت حقيبة صغيرة لتجمع فيها اغراضها , بعشوائية تقريباً, كانت تحاول إبقاء اعصابها تحت السيطرة , وان تركز على التفكير بجدها وقلقها عليه .
    لقد كان لها دائماً الصخرة التي ترتكز عليها , أمها توفيت وهي تلدها , ووالدها كان هوائياً فضل التجول في العالم , ناسياً كل شيء عن هارولد بانهارد بدل توفير جو عائلي ملائم لطفليه, وهكذا تربى جيرمان و لوسي تحت كنف جدهما , ماثيو بانهارد في بريوري , ولكن الصخرة الآن بدأت تنهار , واحست بالذعر الأعمى في داخلها .

    ونظرت الى المرآة لتجد مارك ايفانز يراقبها فقالت:
    -
    هل عرف جيرمان بالأمر؟
    -
    يبدو انه اختفى .. لقد ارسلت غولمان ليفتش عنه, ولكن ربما بإمكانك مساعدتنا في تعقبه , اعتقد انه مهتم الآن بإحدى غزواته المكلفة لزوجة رجل آخر.
    ورفعت حاجبيها بازدراء :
    -
    هل انت متمسك بأهذاب الفضيلة يا سيد ايفانز ؟ كم هذا غير عادي!.
    -
    بالنسبة لوسطكم, مامن شك في هذا, ولكنني لست متعصباً يا حلوتي, فلا تجربي حظك, فأنا اؤمن بأنك تشاركين شقيقك نفس المفاهيم .
    وكانت لوسي تحمل في يدها فرشاة شعر ثقيلة من الفضة فرمته بها بكل قواها , وتجنبها بسرعة , وقال بصوت ناعم.
    -
    انت حمراء الشعر وسريعة الغضب , وآمل ان تسيطري على نفسك في وجودي آنسة بانهارد , وإلا سأمسكها واضرب بها بقسوة الجزء المدلل من جسدك , أهذا واضح ؟
    -
    اكثر من واضح.
    وكان صدرها يعلو ويهبط من الغضب , ولكن اكثر غضبها كان موجهاً لنفسها , كان عليها ان تبقى هادئة , وان لا تسمح له بأن ينتصر عليها , او على الأقل ان لا تتركه يشعر بالانتصار , وابتلعت ريقها , وحاولت السيطرة على نفسها وقالت :
    -
    سأغير ثيابي الآن , لذا من الأفضل ان تغادر الغرفة .ورفع كتفيه دون مبالاة :
    -
    إذ وجدتي هذا ضرورياً .. فهذا الثوب الذي ترتديه لا يترك شيئاً للمخيلة.
    -
    للأسف ليس كل إنسان عنده مثل تخيلاتك!
    وفتح الباب لتدخل جولي .
    -
    كنت اعتقد انك ستحضرين بعض الثلج .
    وتوقفت فجأة عندما شاهدت الرجل وتابعت :
    -
    اوه يا عزيزتي.. يبدو انني دخلت في وقت غير ملائم , حبيبتي لوسي .. يجب ان تتعلمي إقفال بابك جيداً.
    -
    انت لم تدخلي في وقت غير ملائم , وانا آسفة بخصوص الثلج . ولكن عليّ ان اغادر الحفلة , وسوف اسافر لبضعة ايام.
    -
    هذا ما اسميه بالعمل السريع ! ولا الومك يا حبيبتي .
    وارسلت الى مارك ايفانزا نظرة مثيرة متعمدة , فضحك فجأة , فقالت لها لوسي بسرعة :
    -
    جولي .. جدي يموت.




    - ولكن لا يمكن هذا ياحبيبتي ! إنه ماثيو بانهارد, إنه من الخالدين... والجميع يعرف هذا , يبدو عليك الشحوب .. سأنهي لك توضيب الحقيبة.
    ونظرت الى مارك وقالت:
    - ربما تستطيع إحضار شراب لها , ولك ايضاً بالطبع.
    - ليس الآن .. شكراً , امامي مسافة طويلة لقيادة السيارة .
    وخرج من الغرفة , واقفل الباب وراءه , واخرجت جولي كومة من الثياب ووضعتها في الحقيبة !
    - من هو؟
    - انه مارك ايفانز .
    - يا إلهي !... ليس عجيباً ان يبدو وجهه مألوفاً لدي.
    - وهل تعرفينه ؟
    - رب عملي يعرفه , وشاهدت بعض صوره في الصحف , وحسب ما يقال فإنه ديناميكي , وليس فقط في الإدارة .
    -
    هذا لا يفاجئني ابداً.
    -
    وهل يعني وجوده هنا ان الصفقة مع هارولد بانهارد , قد عادت للظهور ثانية؟
    -
    لست ادري , ولا اجرؤ على التفكير , كل شيء يجري بسرعة , وجيرمان مختف.
    -
    ألا تعلمين اين هو؟
    -
    استطيع التخمين .
    -
    لو كنت مكانك لاستدعيته فوراً, فهذا ليس وقتاً ملائماً للاختفاء صدقيني.
    -
    وهل تظنين ان الأمر سيء لهذه الدرجة؟
    -
    من الممكن ان يكون , ومن المؤكد انه يجب ان يكون هنا, كي يقاتل بدلاً من الوصول متأخراً لإنقاذ مايمكن إنقاذه , فلابد ان الأمر هكذا, وإذا لم تصدقيني فاسألي رب عملي .
    -
    اوه ... انا اصدقك , ايفانزا يبدو قادراً على كل شيء , لكنه لا يخيفني...
    وحملت حقيبتها وتوجهت نحو الباب , فوجدت مارك ينتظر هناك , ما من شك إنه قد سمع ماقالته , ولمعت اسنانه بابتسامة قاسية .
    -
    هذا شرابك آنسة بانهارد, أم انك لم تعودي بحاجة اليه .
    -
    اجل... لم اعد احتاج اليه.
    كان كلامها شجاعاً .. ولكنها عرفت ان هذا كذب, فهي بالطبع خائفة , تشعر برعب لم تختبره من قبل , وشعرت بكل دعائم وجودها وأمنها تتحطم واحدة بعد الأخرى , ولاشيء يمكنها فعله لمنعها من التحطم , جدها يموت , كما قيل لها , ولكن الاطباء توقعوا له هذا من قبل, وكانوا مخطئين , وكما قالت جولي : ماثيو بانهارد رجل خالد , فهو لا يؤمن بالمرض , ونجاحه حماية حياته من مسيرة الزمن , وكان الاطباء يتذمرون دائماً من رفضه اتباع نصيحتهم , ويتذمرون من رفضه العلاج اللازم له, ولكن لوسي كانت تعلم انهم سراً, معجبون بعناده وروحه المقاومة .وحاولت تصور الشركة من دونه , كانت تشعر دائماً انه يغذي الخلاف بين جيرمان وايربي غولمان , ولم تكن تشك ابداً في صف من سيقف... ولكنها الآن لم تعد واثقة .
    عليها ان تتصل بجيرمان بطريقة ما , وان تجعله يعود قبل فوات الأوان , لابد انه قد اخفى آثاره جيداً , حتى ان مارك ايفانز لم يجده , ولكن هذا ليس عجيباً وتنهدت .
    كانت تعلم ان جيرمان يضحك ساخراً من فكرة استقراره وإنجاب الجيل الجديد من عائلة بانهادر, مما اثار سخط جده عليه , فقد كان ماثير بانهارد متمسكاً بالعائلة , والزواج المستقر , وكان يقول علناً إن زوجة وولداً قد يمنحان جيرمان إحساساً بالمسؤولية التي يفتقدها , ولكنه في نفس الوقت كان يسر عند سماعه عن مغامرة عاطفية لحفيده ويضحك قائلاً ( هذا الكلب الشاب !)
    ولكن في اية معركة ستجري بين جيرمان ومارك ايفانزا حول السيطرة على شركة هارولد بانهارد , ستقاتل الى جانب شقيقها على طول الخط, ونظرت من حولها فلم تجد مارك , وقالت لها جولي:
    -
    لقد ذهب لإحضار سيارته, انت بحاجة لسترة او شيء مماثل.
    -
    اجل...


    وكان عندها معطف بني على حواشيه فرو سميك , وبدا لها الوقت مناسباً لارتدائه .
    ورمت بالحقيبة على كتفها , وحملت المعطف على ذراعها ... وتبعتها جولي الى الباب الخارجي , فابتسمت لها لوسي وقالت :
    -
    ربما الأفضل ان تعودي لضيوفنا.
    فهزت جولي رأسها , ثم عضت على شفتها وقالت بنعومة :
    -
    هوني الأمر عليك يا حبيبتي .. وتذكري ماقلته لك.
    -
    لن انسى ماقلتيه.
    وما إن فتحت الباب لتخرج الى الشارع حتى توقفت سيارة مارك إيفانز , وخرج منها , وفتح لها الباب , منتظراً لتقطع الرصيف , واجبرت لوسي نفسها على التحرك , فقد احست بالارهاق , وان السير هو مجرد فعل إرادة , الشيء الوحيد الذي منعها من الانهيار هو انها كانت تعرف من سوف يمسكها إذا وقعت .
    ونظر اليها مارك ايفانز بعد ان جلس في مقعده وقال عابساً:
    -
    كان يجب ان تشربي شيئاً, هناك ترموس مليء بالقهوة في جيب المقعد.
    -
    انا بخير ... شكراً لك.
    -
    انت تبدين مضطربة جداً... ومافائدة ذهابك الى ماثيو ليراك على هذه الصورة؟ ام انه معتاد على رؤيتك هكذا؟وصرت لوسي على اسنانها:
    -
    هل يمكننا الانطلاق الآن ؟وجلست في السيارة وهو منطلق بها عبر لندن, وشعرت بالكراهية له , ولم يتكلم كثيراً, مرة سألها إذ كانت تعرف الطريق التي سيذهبان فيها , وبعد ذلك سألها ما إذا كانت تحب الاستماع لبعض الموسيقى.
    في ظروف اخرى او بصحبة اخرى, كانت ستتمتع بالموسيقى, مع أي رجل آخر , ستكون الموسيقى اول حديث لهما على طريق التعارف, ولكن ليس مع هذا الرجل.وتطلعت لوسي من حولها فجأة , وجلست في مقعدها متوترة:
    -
    هذه ليست الطريق الى بريوري .
    -
    إنه ليس في بريوري , إنه في العناية الفائقة في المستشفى!
    وارتفعت يد لوسي بحدة الى فمها , وخرج صوتها حاداً:
    -
    إنه ... يكره هذه الآلات .
    -
    اعرف هذا... ولكن هذه المرة القرار ليس بيده , نظراً الى ان الأمر كان ختياراً بين الموت و الحياة.
    -
    لو ان ماثيو سيموت , وهذا ما أشك فيه, لكان فضل الموت بكرامة على فراشه بدل ان يكون مربوطاً الى .. اعجوبة الكترونية .
    -
    وإذا كانت الأعجوبة الاكترونية ستكون كأسمها وتنقذه .. فكيف ستشعرين تجاهها؟وارتمت ثانية في مقعدها , وعضت شفتها وقالت بصوت خفيض :
    -
    إنه رجل عجوز , وهذه ليست اول ازمة يمر بها , وأنا لا .. أؤمن بالمعجزات.
    -
    سأكون مهتماً بما تؤمنين به, إذا كان عندك إيمان , ولكن عليّ الانتظار , وحتى ذلك الوقت سيطري على شكوك الواضحة وخاصة امامه.
    -
    بالطبع سأفعل! وماذا تظن بي؟ودون ان تحتاج للنظر اليه عرفت انه يبتسم بسخرية :
    -
    هذا موضوع نقاش آخر لمناسبة اخرى آنسة بانهارد.
    وشاهدت منه , مامن شك انه جاء يبحث عنها ليأتي بها الى جانب فراش ماثيو , نظرا لاحترامه للرجل المسن, ولكن بما ان مرض العجوز المفاجئ قد الغي إمكانية اي حديث بينهما , فإن عليه على الأقل ان لا يبقى هناك معها.. وما إن وصلا الى ابواب المستشفى العالية حتى قالت له:
    - سأكون شاكرة إذا انزلتني امام الباب الرئيسي.
    - اكره ان اتجاوز عن شكرك لي.. ولكني اخشى ان لا استطيع تنفيذ ما تطلبينه مني, سوف اضع السيارة في الموقف , ثم نذهب معاً لرؤية ماثيو.
    وارتجف صوتها بالغضب:
    - ارجو المعذرة , ولكن ألا ترى ان مرافقتك إياي قد تجاوزت الحد؟ انا واثقة انك تنوي ان تكون لطيفاً ولكن من الآن وصاعداً , اعتقد ان ماثيو يرغب ان يرى افراد عائلته فقط.
    وادار مارك السيارة بين سيارتين متوقفتين ليوقفها :
    - في الواقع اجل.
    وهز رأسه وهو يطفئ انوار السيارة و المحرك.
    - اخشى ان لا يكون الأمر بهذه البساطة آنسة بانهارد , فهناك عوامل اخرى يجب اخذها بعين الاعتبار.
    - مثل رغبتك المتعجرفة بالسيطرة على هارولد بانهارد , ليس بإمكانك ان تزعج ماثيو بهذه الأمور الآن.
    - انا لم افعل هذا ابداً... فكل الاتصالات الأولية هو الذي اجراها , ومهما كان شقيقك يظن , فشركة هارولد بانهارد, هي التي تحتاج لشركة ايفانز العالمية , في هذه الظروف, وليس العكس , انت عضو في الشركة آنسة بانهارد , وحاملة اسهم , كما اعتقد, ألا تطلعين ابداً على التقارير والحسابات؟ اقترح عليك ان تفعلي, في اقرب وقت, فهذا سينير بصيرتك جيداً.
    وفتحت الباب بشدة وقالت :
    - لا اريد سماع المزيد من هذا, سأذهب لأرى جدي, فهذا كل ما يهمني الآن .
    وسارت في ممر المستشفى بسرعة, ولكنه لازم جانبها, فالتفتت اليه بوجه جامد:
    - لقد اصبح الأمر سخيفاً.
    - اوافق معك.. ولكن قبل ان تسرعي الى غرفة العناية الفائقة , قد يهمك الاستماع إليّ قليلاً, هناك شيء يجب ان تعرفينه.
    ونظرت الى وجهه القاسي غير المبتسم, وعيناها الخضراوان متسعتان .
    - هل هناك تعقيدات اخرى؟ لايمكن .. او يا إلهي! لايمكن ان يكون قد مات , وانت لم تخبرني ؟
    - بالطبع لم يمت .. ولكنك على حق .. هناك تعقيدات اخرى... ولكن ماثيو هو الذي سببها , وليس من يعاني منها.
    وشعرت لوسي بالقلق, ووضعت يدها على مؤخرة رقبتها:
    - يبدو ان كل التعقيدات موجودة في رأسك سيد ايفانز, هل بإمكانك التوضيح اكثر , وبسرعة.
    - آخر مرة ابلغتك بها انباء غير سارة آنسة بانهارد تذمرت لأنني لم ابلغك بها بكل لطف.
    - أنا لن استمع الى المزيد منك!.
    واستدارت لوسي بقوة مبتعدة عنه, ولكنه منعها , وامسك بذراعها, وجذبها لتلتفت وتواجهه.
    - بل ستفعلين ... وسوف تستمعين إليّ , ايتها الفاسدة المدللة , حتى إذا كان ماثيو واعياً وقادراً على الكلام , فستتمكنين من إسماعه مايريد ان يسمع .
    - لأقول له إنني سعيدة لأنه سيبيع الشركة لك؟ ولكن هذا الكلمات لن تخرج مني.
    - إذاً عليك ان تبلعيها جيداً... لأنه يطلب موافقته على امور العمل.. ماينتظر ماثيو سماعه منك هو انني طلبت الزواج منك... وانك وافقتي....





    2- ليس امامها خيار!


    ساد صمت صارخ ثقيل...
    وقالت لوسي اخيراً بخشونة :
    -
    لايمكن ان تكون جاداً.واجابها مارك ايفانز بنفاذ صبر متوتر:
    -
    هل يبدو لك انني امزح حول مثل هذه الامور ؟ وفي وقت كهذا ؟
    -
    ولكن لا يمكن ان يكون ماثيو .. لايمكن له...
    -
    اخشى ان تكوني مخطئة بحسابك .
    وقادها وهو لايزال ممسكاً بذراعها, نحو مقاعد جلدية موضوعة ظهراً في غرفة الانتظار الرئيسية , وقال لها:
    -
    اجلسي .. ساتصل بالجناح لأرى ما إذا كانوا مستعدين لاستقبالنا.
    وشعرت لوسي بالسعادة لقساوة المقعد من تحتها, كان فمها جافاً وهي ترتجف من رأسها الى أخمص قدميها, ووضعت يديها على ركبتيها, وجلست تحدق بهما.
    كانت افكارها مشوشة , ولم تعد قادرة على استيعاب ماقاله مارك .وبدا لها ان وقتاً طويلاً قد مر قبل عودة مارك , ولكنها كانت تعلم ان الوقت في الواقع لم يتجاوز الدقائق , ونظرت الى وجهه الأسمر , وهي تحضر نفسها لمزيد من الاخبار السيئة.

    - الممرضة تقول بعد ربع ساعة ... سنذهب الى المقهى ونتظر هناك.
    ولم تفكر حتى بالاحتجاج , وذهبت معه نحو المصاعد .. كان هناك رجل مسن يحمل باقة زهور وشاب لم يتجاوز سن المراهقة يحيط فتاة حامل بذراعه وتبدو عليهما السعادة.
    الزواج! الشراكة الأبدية , المشاركة بالحياة, الاستمتاع بانجاب الأطفال برغبة مشتركة , والاهتمام المشترك...
    وتطلعت الى مارك لتجده يتفحصها بسخرية جعلت وجنتيها تحمران . في المقهى وبعد ان جلسا وجدت القهوة لذيذة , ولكنها رفضت ان تأكل سندويشات الجبنة التي طلبها مارك , وعندما انهى سندويشاته, رفع الطبق بعيداً عنه ونظر اليها قائلاً:
    -
    بحق السماء , لا تنظري إليّ هكذا وكأنك تتوقعين ان اقفز عليك في اية لحظة , اعدك بأن هذا آخر ماقد افكر به .
    -
    لم اكن افكر بهذا ! ولكنك لا تستطيع ان تقذف في وجهي بالأخبار هكذا وتوقع ان اتقبلها دون تحفظ.
    -
    تعتقد ان الحق معك , حسناً آنسة بانهارد , اظن من الأفضل لنا ان نتحدث قليلاً .. ام هل استطيع ان ادعوك لوسي, بعد ان عرفت بأننا تقريباً مخطوبان.
    -
    نحن لسنا مخطوبين! افضل ان اموت على هذا!
    -
    الموت قبل فقدان الكرامة ؟ هذه وجهة نظر رجعية !

    -
    لا آبه البتة كم هي رجعية , والزواج المدبر انتهى امره.
    -
    لست اظن ان المجتمعات الاسيوية توافق معك , ولديهم إحصاءات الطلاق عندنا لتدعم وجهة نظرهم, ولكن ما أود ان افهمك إياه ان عليك ان تمتنعي عن إعطاء رأيك الصريح بي لماثيو, عن تصرفاتي واخلاقي التي قد تكون في ذهنك , فهذا المشروع لزواجنا عزيز عليه, ولا يجب ان تسيئي اليه برفضه.
    -
    وهل تقترح ان اوافق عليه؟
    -
    ولماذا لا؟ انا مستعد لهذا ... انت لا تعجبيني بالقدر الذي لا اعجبك به يا عزيزتي ... ولكن على الرغم من عدم معرفتك بهذا, فعلاقتي بماثيو تعود الى زمن بعيد... لقد كان طيباً معي عندما كنت في بدايتي , وساعدني كثيراً واعطاني النصح , وانا مدين له , واظن انك ايضاً مدينة له, لشقتك الفاخرة وثيابك الجميلة , ومنصبك الفخري في الشركة, هذا دون ذكر الحساب غير المحدود الذي تتصرفين به انت وشقيقك.
    -
    لابد انك كنت مشغولاً في جمع المعلومات.
    -
    لقد حان الوقت ليجمع احد عنكم هذه المعلومات يا حلوتي... وإلا لكان قطاركما خرج عن سكته الى الأبد, لقد قرر جدك بأنني الرجل المناسب لهذه المهمة , وتعييني المدير الإداري سوف يقره مجلس الإدارة في الاسبوع القادم.
    -
    لن يحدث هذا إذا تدخلت انا وجيرمان.
    -
    جيرمان سوف يجد نفسه معزولاً, ربما نسيتي ان حق التصويت لأسهمك هي تحت تصرف جدك الى ان تبلغي الخامسة والعشرين من عمرك, ولقد وقع على تفويض بدعم تعييني , وسوف يبيعني حصته , وهكذا لن أدير الشركة فقط , بل سأحاول النهوض بها مجدداً, وسوف اكون مسيطراً عليها.
    -
    لقد ... استغليت ضعف رجل عجوز....
    وضحك بسخرية وقال :
    -
    الأفضل ان لا يسمعك ماثيو تقولين هذا, لقد كان بأفضل حالاته , عندما وقعنا الاتفاق , وإذا لم تكوني مصدقة فاسألي ايريي غولمان .

    - ذلك .. يهوذا الخائن؟وهز كتفيه :
    -
    بالعكس, اجده رجلاً طيباً , واظن اننا سنعمل بشكل جيد مع بعضنا.
    وامسكت لوسي بطرف الطاولة محاولة ان تعيد الاتزان لأفكارها :
    -
    لا اصدق كلمة من هذا , جدي لن يبيع حصته لك, لقد كان دائماً يصر على إبقائها للعائلة.
    ورد عليها بهدوء :
    -
    ستبقي في العائلة من وجهة نظره , ولكن عبر حفيدته وزوجها , بدلاً من حفيده , الذي كان يعرف بأنني استولي على الشركة تدريجياً, وبدلاً من ان يبقى ليكافح من اجل مركزه , اختفى بعد ان ظن ان الخطر قد زال , وهذا سوء في التقدير , وهو خطأ فادح , عندما يكون الإنسان يدير شركة في ظروف كهذه.
    وجلست لوسي جامدة وكأنها تحولت الى حجر , وتابع مارك :
    -
    بالطبع كان بإمكانك ان تحذريه , لو انك ظهرتي في المكتب منذ عشرة ايام, ولكن سجل حضورك هو اسوأ سجل رأيته في حياتي, رئيس فرعك مخلص لبانهارد وقال إنك تعملين في ترويج المبيعات في منزلك, ولكنه لم يكن مقنعاً بكلامه, واعتقد ان المسكين لم يكن يجروء على القول لك إن العلاقات العامة ليست في التصرف كفتاة عابثة حسب توصية شقيقها.فردت عليه لوسي بصوت اجش :
    -
    ايها السافل !.. كيف تجرؤ...
    -
    اجرؤ على اكثر من هذا ... ماكنت سأعارض لو ان هناك نتيجة , لو ان دعوات العشاء الحميمة للزبائن المحتملين, او الحفلات الصاخبة في شقتك, او تمضية نهاية الاسبوع على متن يخت قد اثمرت طلباً واحداً, ولكن يجب ان تعرفي ان الأمر ليس كذلك, مع انك تملكين وجهاً جميلاً وجسدا مغرياً , ولكن ماهو الأمر الخاطئ؟ ربما لم تكوني تعلمين من كل قلبك.
    وشعرت لوسي بالغثيان من الغضب والخجل , فهي لم تكن تشعر بالحماس ابداً في عملها كمضيفة لزبائن جيرمان , ولكنها كانت تلعب الدور الذي اختاره لها , وتعلمت خلال ذلك ان تلاحظ اية إثارة خاطئة في عيني اي إنسان , لأنها كانت تعرف بأنها تبيع منتجات هارولد بانهارد وليس نفسها.
    صحيح انها سمحت لجيرمان باستخدام شقتها للحفلات , ولكن بما ان الشركة هي التي تدفع إيجار هذه الشقة , فقد وجدت صعباً ان ترفض . ولكنها لم تكن تحضر الكثير من هذه الحفلات, وعادة تقضي تلك الامسيات مع الاصدقاء , ومنذ ان سكنت معها جولي, وجدت عذراً لجعل جيرمان يذهب الى مكان آخر , لأن الدلائل كانت تشير الى انه لا يستخدم الشقة لأغراض بريئة كما يدعي.
    ولكنها الآن , وفجأة لم تعد غاضبة , فواقع ان دوافعها وتصرفاتها اصبحت مشكوكاً فيها واسيء فهمها , جعلها للمرة الأولى تتساءل عن حقيقة تصرفات شقيقها, مما القى ظلالاً جديدة على اتهامات مارك لها بقلة الاحتشام , وابتلعت ريقها , محاولة التخفيف من تنفسها المتسارع . وقالت له :
    -
    ليس لديك الحق ان تقول هذا لي! ماذا تظن ان جدي سيقول لو انه سمعك؟
    -
    لا اعتقد ان جدك كان يعيش في فراغ في السنتين الماضيتين , ولا اظن انه يعاني من الأوهام حول تصرفاتك , فالحب ليس دائما اعمى .وعلى الارجح يريد ان يزوجك قبل ان تقعي في مصيبة , وهو يأمل بأن لا اكون قد سمعت شيئاً من اخبارك .


    واصبحت القهوة الآن باردة ومرة , ولكنها كانت خائفة إذا رفعت الفنجان ان يكتشف مدى ارتجافها , وتابع كلامه ببرود:
    -
    لقد حان وقت ذهابنا الى قسم العناية الفائقة , الممرضة بدت غير متفائلة عندما كلمتها , ولكنه واع, وعندما يرانا معاً سيكون هناك فكرة واحدة في ذهنه , فهل بإمكاني القول له إننا اصبحنا مخطوبان دون تكذيبك لي؟وبللت شفتيها بلسانها واجابت:
    -
    وهل سيصدق ... لأنه يعرف أننا تعرفنا لتونا؟وهز كتفيه :
    -
    لو اننا حاولنا إقناعه مابيننا هو حب, فربما لن يصدق, ولكن بما اننا نحن الثلاثة نعرف الواقع , فأعتقد انه سيرتاح لأننا لم نضيع الوقت.
    -
    هذا يجعل الأمر يبدو لطيفاً... ولكن لماذا تستعجلوني هكذا؟
    -
    حسناً .. ليس الى الزواج بالطبع, فليس لديّ مشاريع بهذا الاتجاه , وإذا كان لديّ خطط كهذه , فلن تشملك يا عزيزتي الآنسة بانهارد , ستكون خطبة شكلية , هدفها الوحيد ان يرتاح بال جدك, ويطمئن على مستقبلك بعد ان يموت, لذا لا تدعي الغرور يتملكك بأنك قد سحرتيني.
    ووقف, وثانية احست بطوله الفارع , وسيطرة شخصيته القوية , لقد قابلت العديد من الرجال الناجحين , ولكن القليل منهم كان يمتلك هذه الجاذبية , ومعظهم في مثل عمره , أواسط الثلاثينات يكون متزوجاً ومستقراً مع عائلته.وسارت بصمت الى جانبه , واستقلا المصعد الى الطابق التالي حيث قسم العناية الفائقة , وقابلتهما رئيسة الممرضات وطئمنتهما:
    -
    إنه بخير اكثر مما توقعنا, هذا كل ما استطيع قوله, إنه بالتأكيد يملك قوة للمقاومة , ولكنه كان يرهق نفسه كثيراً.
    وتمكنت لوسي ان تبتسم ابتسامة قلقة وقال مارك بهدوء:
    -
    اتمنى ان تكون الأنباء التي سنقولها له ذات تأثير جيد على نفسه.
    -
    أي شيء قد يمنعه من القلق سيكون جيداً له , واعتقد ان التهنئة لكما واجبة ؟





    واحست لوسي بالصدمة عندما اخذ يدها ورفعها الى شفتيه بسرعة ثم قال بصوت ناعم:
    -
    لقد اكتشفتي سرنا يا أختنا.ونظر الى وجه لوسي المندهش, ورسم ابتسامة حنونة, ولكن عيناه كانت تلمعان بالسخرية وقال لها:
    -
    بما اننا لم نعلن شيئاً بعد يا حبيبتي , يجب ان نحاول إخفاء مشاعرنا على الأقل علنا.
    ومن خلال شفتين جامدتين اجابته ببرود :
    -
    اجل.
    وانحنى فوقها , وللحظة تبعث الشلل , اعتقدت انه سيقبلها , وتوتر كل عصب في جسدها , لسمة يده كانت محنة كافية لها , ولكن ان تحس بشفتيه على بشرتها , فهذا مر لن تحتمله, ويبدو انه كان يعرف هذا تماماً .. فتراجع عنها , ونظراته مازالت تستحوذ على نظراتها المرتعبة المصدومة , واصبحت ابتسامته قاسية وساخرة اكثر , وقال :
    -
    هل نذهب لنرى ماثيو يا حلوتي؟وخرجت رئيسة الممرضات, وتركتهما يلحقان بها , وتحركت شفتا لوسي قائلة:
    -
    لا اظن انني استطيع القيام بهذه التمثيلية .
    - بل ستطيعين, فكل إنسان قادر على ان يمثل دوراً رغم إرادته, وهذا هو دورك الآن , فسوف ينام ماثيو الليلة مرتاحاً وضميره هادئ , لأنه سيعرف ان أهم مالديه في الدنيا , انت والشركة , هما بين ايدي امينة, فابتسمي يا حبيبتي, وتظاهري بأنني زبون مهم, او ذلك الشيطان الذي كان يلاحقك عندما وصلت الى شقتك.
    -
    من...؟والتفتت اليه ولمحت تعبير ازدراء على وجهه ورد عليها :
    -
    لا... لا اظنك تتذكرين اسمه , فليساعد الله اي رجل يقع في حبك, ايتها الساقطة الصغيرة , والآن عليك ان تبدي سعيدة وتذكري ان ليس من اجلي .. إنه من اجل ماثيو.وغرزت اسنانها في داخل شفتيها عندما فتح ماثيو عينيه وتمتم بشيء غير مفهوم , وسمعت صوته اعلى من الهمس قليلاً :
    -
    يا فتاتي الحبيبة.. لقد اتيت إذن... ومارك ... هذا جيد... جيد ...
    -
    بالطبع نحن هنا, لا تحاول الكلام.... سيكون كل شيء على مايرام.
    واتسعت عيناه الزائغتان لتنظرا الى عينيها بتوسل :
    -
    رائع .. انت ومارك...
    وردت عليه بلهجة حازمة:
    -
    اجل... لقد .. حدثني بالأمر, ومع انها كانت مفاجأة فقد رأيت ان هذا افضل .. للشركة ولكل شيء, لقد وافقت , ساتزوجه .في اللحظة التي تكلمت فيها , تمنت لو انها لم تستعمل هذه الكلمات المحددة, فأمام رجل يموت بدت وكأنها لم تستعمل هذه الكلمات المحددة , فأمام رجل يموت بدت وكأنها القسم , تبشير بطقوس دينية في المستقبل لجمعها ومارك برباط واحد, , وارتجفت وقال مارك:
    -
    سآخذها الى المنزل الآن يا ماثيو, ونتركك ترتاح , ولكننا سنعود في الصباح , نم جيداً.
    واحست لوسي بضغط يد جدها على ذراعها , وحاولت مقاومة الدموع , بدا لها ضعيفاً هشاً... وماهي الضمانة بأنه سيرى صباحاً آخراً او ان يعلم بأنهما عادا ليرياه؟ووصلا الى الطابق الأرضي , وفتحت الأبواب بصمت , فقالت لوسي:
    -
    يوجد هاتف عمومي هناك, ارجوك ان تطلب لي تاكسي.
    -
    لا حاجة لهذا, انت قادمة معي .
    -
    ارجوك! الى اي مدى ستستمر هذا المهزلة؟ جدي لا يرانا الآن, ولن يعرف بأننا افترقنا .
    -
    كنت انظر الى الوضع بشكل عملي اكثر , بما اننا كلانا ذاهبان الى بريوري , فستكون سيارة واحدة كافية.
    ونظرت اليه بغباء ... كلماته كانت تدور في مؤخرة عقلها:
    -
    انت ... انت مقيم في بريوري؟
    -
    لقد قلت لك هذا .
    -
    لقد نسيت, ولكن الأمر لا يهم ...بإمكاني البقاء في فندق.
    -
    لن تفعلي هذا, فعائلة برونسون ينتظرونك , وقد أعدوا لك غرفتك. فماذا سأقول لهم إذا لم تذهبي ؟ هل اقول لهم إن كراهيتك لي قوية لدرجة ان لا تتحملي قضاء ليلة تحت سقف واحد معي؟
    -
    انت بارع في الحلول الفورية لكل شيء... فكر بشيء تقوله لهم .
    -
    لقد فكرت.. وسوف تذهبين معي حتى ولو اضطررت الى ركلك في كل خطوة لك نحو السيارة .
    وكانت لوسي على وشك ان تتحداه , ولكن الكلمات توقفت في حنجرتها , بعد ان ادركت ان ليس هناك شيء لا يجرؤ مارك ايفانز على فعله.

    ورفعت رأسها بغضب , مظهرة ان الثورة والحقد يتفاعلان في داخلها بشكل متساوي , وسارت امامه الى السيارة.وظهرت السيدة برونسون عند باب قصر بريوري ومدت ذراعيها لتحتضن لوسي قائلة :
    -
    اوه آنسة لوسي , كم هي حزينة لك هذه العودة الى المنزل ! ولكنه سيتغلب على الأزمة , لا تخافي.
    وابتسمت لوسي وهي تقبل خدها السمين , وقالت :
    -
    رئيسة الممرضات تقول إنه عنده روح المقاومة.
    -
    ألم يكن هكذا دوماً؟والتفتت الى مارك مبتسمة :
    -
    مساء الخير سيدي , وشكرا لك لإحضارها هنا, لقد حضرت لكما العشاء في غرفة الطعام الصغيرة , سأذهب لأسكب الحساء بينما يأخذ زوجي حقيبة الآنسة الى غرفتها.
    ودخلت الى الحمام في الطابق الأرضي , فغسلت وجهها ورتبت نفسها وشعرها , ولكنها لم تضع زينة على وجهها ... فأخر شيء ترغبه ان يظن مارك ايفانز انها تحاول إغراءه عمداً.
    -
    هل احضر لك شيئاً تشربينه؟
    -
    لا ... شكراً... انت مضيف رائع.
    -
    إن لك منزلاً جميلاً.
    -
    هذا صحيح , وانا مندهشة لأنك لم تقنع جدي ان يبيعك اياه , مع كل شيء آخر .
    -
    قد افعل هذا.
    -
    لا... لن تفعل ... فيريوري ستعود لي حسب وصية جدي وسيحصل جيرمان على مجموعة اللوحات, وشقة لندن ونصف المال , لقد أرانا الوصية عندما كتبها منذ سنوات .
    -
    هذا أمر جيد وعملي ... وكم هو أمر مطمئن ان يعرف المرء ماله وما عليه.
    -
    فعلاً... وكلي أمل ان لا أرث قبل عشر سنوات , إذا لم يكن عشرين.
    وزالت السخرية عن وجهه وقال بحزن:
    -
    لن اعتمد على هذا كثيراً يا لوسي.
    -
    لا تقل هذا.
    وهزت رأسها برفض عنيف, فقال لها بهدوء:
    -
    وانا مثلك آمل ان يعيش طويلاً , ولكن علينا ان نكون واقعيين .ولم تكن تريد الواقع ... كانت تريد الراحة والطمأنينة التي يمثلها لها جدها منذ ان كانت طفلة صغيرة , فمن دونه ستصبح محرومة منهما تماماً , وإذا حدث الاسوأ , ستترك لندن لتعيش هنا في المنزل الذي احبته دوماً, وسوف يؤمن لها إرثها دخلاً لا بأس به, وستتمكن من ان تعيش على اساسه إذا لم تبالغ في الاسراف, ولن تندم ابداً على تركها وظيفة العلاقات العامة في شركة هارولد بانهارد, فهي لم تكن ناجحة ابداً فيها , فاسم عائلتها كان دائماً حاجزاً بينها وبين كل نجاح, فقد عاملها الجميع كطفلة تتعلم المشي, ويقدمون لها الحلوى قبل ان تستلم وظيفتها, ولم يهتم احد ابداً باكتشاف ماهي قدراتها.
    بعد العشاء , احضرت لهما السيدة برونسون القهوة الى غرفة الاستقبال , وتمنت لهما ليلة سعيدة .
    وصبت لوسي القهوة , وهي تشعر بالتوتر , إنها الآن تقريباً, مع مارك الذي كان يبدو مرتاحاً , واعطته الفنجان وكادت توقعه لاضطرابها , ثم تقدمت لتضع مزيداً من الحطب في المدفأة , ونظر اليها مارك بضجر:
    -
    استرخي لأجل السماء , فأنا لن اهاجمك .
    -
    لم اتصور هذا ابداً.
    وعادت لتجلس في مقعدها وتشرب القهوة, وضحك مارك فجأة , وجعله هذا يبدو اصغر عمراً واكثر جاذبية .
    -
    إذا عليك ان تبدأي التصور , فمن حولنا كل شيء مغري , النار تبعث الدفء, وفتاة جميلة , وليس هناك برنامج جيد في التلفزيون.
    -
    اولست متملقاً!
    -
    لست هكذا عادة.
    وارتشف قليلاً من قهوته ثم وضع الفنجان على طاولة قريبة من مقعده, ونظر اليها , ومد يده اليها وقال بصوت لطيف:
    -
    تعالي الى هنا.
    ماصدمها إن ماطلبه منها كان أسهل شيء تستطيع فعله , ولكنها لم ترغب به, إنه عدوها , وتكرهه , لقد أهانها , واغاظها وجعل مشاعرها متوترة منذ اللحظة التي برز فيها في حياتها , وتذكرت شيئاً آخر إنه يظن إنها اسوأ نوع من الفتيات , فردت عليه بخشونة:
    -
    سأراك في الجحيم قبل ان افعل.
    -
    قد تكون الجنة ممتعة أكثر.
    واحست بالسخرية في صوته ... إنه يظن بأنها تتظاهر بأنها صعبة المنال , وانها عاجلاً , اسرع من آجلاً , سترتمي بين ذراعيه .ووقفت على قدميها وهي تبتسم ابتسامة شاحبة:
    -
    الجنة؟ انت الآن تمدح نفسك بغرور يا سيد ايفانز , وسأتركك لتخيلاتك, وسأذهب الى النوم .
    -
    هذه خسارة ... لن تندمي ... انا واثق انني سأعجبك, حسب المفاهيم التي تتوقعينها .
    -
    وهل هذه ضمانة شخصية منك ؟ هذا أمر جديد! ولكنني لست مهتمة , عمت مساء !
    -
    استطيع ضمان شيء واحد ... إنك على الأقل ستتذكرين اسمي , وهذا أمر جديد.
    وسارت لوسي نحو الباب , واعصابها تقفز لدى كل خطوة, خائفة من ان يتبعها , لأنها على الرغم من كل ماحدث, لم تكن واثقة كيف ستكون ردة فعلها إذا حاول لمسها.كانت تأمل بأن تقاومه , ترفسه وتعضه وتخدشه لتتخلص منه, وان تتصرف كأنثى الثعلب المتوحشة , ولكنها لم تكن متأكدة ابداً من هذا , وادركت انها لن تشعر بالأمان قبل ان تصل سالمة الى غرفتها وتقفل الباب وراءها , ولأول مرة في حياتها ... ستقفل الباب جيداً...





    3- زهرة عطشى للمطراستيقظت لوسي مذعورة في الظلام, وقد تذكرت انها لم تتصل بجيرمان , إنها لم تنس ولكن لم تتح لها الفرصة بوجود مارك, كما انها لم ترغب في ان يعرف , فهي تريد ان تكلم شقيقها في سرية كاملة.
    وتنهدت وهي تدفع الأغطية عنها , وتتناول روبها, اول ماستفعله ان تذهب الى غرفة جيرمان , لتجد دفتر العناوين و ارقام الهاتف, ثم تفتش عن رقم هاتف فيلا كارين لوكسهول حيث تعرف ان جيرمان هناك, لو ان هذا الدفتر وقع في ايدي سيئة القصد... لتسبب في عشرة طلاقات على الأقل, ووقفت لحظة تصغير , المنزل كان ساكناً , ليس فيه أي ضوء.ووجدت دفتر الدليل في غرفة جيرمان , فوضعته في جيب روبها , ثم نزلت الى الطابق الأرضي.
    واغلقت باب المكتبة وراءها دون إصدار اي صوت , واضاءت الأنوار. كانت طاولة ماثيو موضوعة قرب النافذة , والهاتف عليها, وبعد صعوبة اولية في التقاط الخط توصلت الى الاتصال بالفيلا , وبعد برهة طويلة جاءها صوت امرأة يبدو عليها النعاس :
    -
    نعم؟وقالت لوسي بكل أدب:
    -
    مساء الخير سيدة فوكسهول , اريد التحدث الى جيرمان بانهارد .
    وساد صمت قصير ثم قالت :
    -
    من المتكلم ؟
    -
    انا شقيقته لوسي , لقد تقابلنا مرة , في حفلة عشاء.
    -
    اوه اجل... حسنا, وما الذي يدفعك للظن ان جيرمان هنا آنسة بانهارد؟واخذت لوسي تصلي كي لا ينفذ صبرها.
    -
    في الواقع .. لست واثقة اين هو سيدة فوكسهول , واتمنى ان تساعديني , لدينا ازمة هنا, جدي اصيب بنوبة قلبية حادة, واعتقد ان على جيرمان ان يأتي الى هنا حالاً, لعدة اسباب , لذا إذا كنت تعرفين اين هو , فربما تستطيعين إيصال رسالة له.ومضت لحظات صمت , ثم قالت كارين فوكسهول باقتضاب :
    -
    سأرى ما استطيع عمله.
    وخرجت الى الردهة بعد ان اطفأت النور في المكتبة, واقفلت الباب.
    -
    هل تسيرين خلال نومك؟كادت تصرخ من الخوف, وارتفعت يدها الى فمها في الوقت المناسب لتمنع صرختها , وقالت:
    -
    لقد افزعتني ...
    -
    وانت ايضاً, عندما رأيتك تمرين امام الباب ظننت في البداية شبح المنزل, ولكن لو كنت شبحاً لاستطعت الرؤية من خلالك , بدلاً من الرؤية من خلال هذه الملابس السخيفة التي ترتدينها .

    وادركت لوسي محرجة , انها بوقوفها في وجه النور المنبعث من الغرفة , كانت تقدم له عرضاً لكل ثنايا جسدها, و مدت يدها بسرعة لتطفئ النور ثانية , وسألته:
    -
    ماذا تفعل هنا؟
    -
    أفكر...
    -
    وهل تجد الظلام مساعداً لك على التفكير؟
    -
    اجد ان الظلام احياناً يجمع الأفكار معاً, وهذا أمر مفيد, هل لي ان اسألك في المقابل ... ماذا كنت تفعلين هنا؟
    -
    لم استطع النوم لقلقي على جدي , واتيت الى هنا لأحضر كتاباً.وضحك وهو ينظر الى يدها الفارغة :
    -
    ولكنك لم تجدي طلبك, أم انك قرأتي كل الكتب من قبل؟
    -
    لقد قررت ان تناول بعض الحليب الساخن افضل لي , وكنت ذاهبة الى المطبخ لأحضره .
    -
    هذا أمر طفولي.. اقترح عليك تناول دوائي الخاص.
    -
    المشروب كما اعتقد.
    -
    لا... ليس هذا.وتجولت عيناه فوق جسدها من الرأس الى اخمص القدمين, مما جعلها تحس بانقطاع انفاسها , وكأنما يداه اللتان تتجولان فوق جسدها وليس عيناه , وشهقت قائلة :
    -
    انت مثير للاشمئزاز!

    -
    وانت كاذبة ... فأنت تعرفين ماينتظرك عندما تظهرين نفسك هكذا امام رجل وانت عارية تقريباً, وأنا لا اهتم بادعائك حول الكتب او الحليب الساخن , فهناك سبب وحيد يدفعنا معاً للتجول في المنزل عند الثانية صباحاً, ونحن نعاني من الأرق , وأنا اكيد انني لست بحاجة لأن أوضح لك ماهو.
    -
    الأمر ليس كما تفكر...
    -
    كما قلت لك... لقد توقفت عن التفكير , وأقترح ان تفعلي مثلي ... دعي مشاعرك تقودك, ربما لا نحب بعضنا يا لوسي , ولكنني على استعداد للمراهنة على ان هناك شيئاً مشتركاً بيننا.
    وخطا نحوها , وهو يحدق بها دون ان يدع شيئاً يفلت من نظراته , ولمس وجهها , ومرر اصابعه على خدها, وقال بهدوء:
    -
    إذا كان هذا سيعطيك بعض العزاء, فأنا لم اقصد ان يحدث هذا الآن .واخذها بلطف بين ذراعيه , وضغطها على جسده القوي , وبدأت تحس بشيء يتحرك في داخلها , تحول ببطء الى ألم حقيقي . وغمرها الشعور بأنها مرغوبة , ولم تحاول الاعتراض.
    منذ ساعات قبل الآن , كان مجرد التفكير بلمسته يملأها بالتوتر , ولكن الآن استكانت بين ذراعيه دون وعي منها كزهرة عطشى تسعى الى أولى قطرات المطر , وحملها بلطف الى عتمة غرفة الاستقبال .
    وركع وهو يمددها على سجادة الفرو قرب المدفأة , وانحبست انفاسها وهي تنظر اليه , وقال لها هامساً:
    -
    انت جميلة جداً ولا يحق لك إخفاء نفسك, دعيني اشبع نظري منك.
    وصدر عنها تأوه تتراوح بين الذعر والرغبة , فتراجع عنها , وشاهد عينيها المغمضتين فقال:
    -
    هل نمتي ؟ لايمكن ان تكوني خجولة هكذا , افتحي عينيك , لا يمكن ان تتحولي الى حجر هكذا .

    رنين الهاتف الفجائي كان كالصدمة الكهربائية, كالسوط يلذع إحساسها , وابتعد عنها مارك, والغضب الأسود باد على وجهه.
    -
    يجب ان نرد على الهاتف قبل ان يستيقظ آل برونسون...
    وقالت لوسي , وفمها قد جف:
    -
    غرفتهما في الجناح الآخر .. ولن يسمعوا ...
    ووضع اصبعه فوق شفتيها ليسكتها , وقال بهدوء :
    -
    يجب ان تدركي بأن المتكلم قد يكون من المستشفى.وتركها وخرج , وغطت عينيها بيديها وهي تتمنى الموت من الخجل , لم تدرك هذا من قبل لأنها كانت ضائعة , غير واعية إلا للمشاعر التي أثارها في داخلها, وجلست وهي ترتجف, الخجل والذنب يتصارعان في داخلها, لماذا تصرفت هكذا؟ بعد لقائهما بعدة ساعات جعلها مارك تتصرف وكأنها العابثة التي يعتقدها , ولن تسامح نفسها ابداً, جدها يمكن ان يموت , وهاهي تترك رجلاً تكرهه تقريباً يعانقها دون ان ترفع اصبعاً لمنعه.وانتظرت عودته , ولكنه قال لها من عند الباب:
    -
    إنه جيرمان .. يرد على مكالمتك التي اجريتيها معه.
    ونهضت من مكانها دون ان تجرؤ على النظر اليه, وركضت نحو المكتبة وسألها جيرمان على الفور:
    -
    ماذا يفعل عندك؟
    -
    إنه يستولي على الشركة إذا لم تستطع ان توقفه.
    -
    اشكر الله ان كارين اوصلت لي الرسالة , ولم تكن مصدقة انك شقيقتي , لقد شعرت بالغيرة !
    وشعرت لوسي بالغثيان لكلامه.
    -
    انا لست مهتمة بالألاعيب التي تلعبها انت ونساؤك , ألن تسأل عن صحة جدك؟
    -
    مامدى خطورة مرضه . وهل هناك فرصة في الوقت المناسب؟
    -
    ليس هناك اية ضمانة ... شكراً لأهتمامك.فتنهد وقال:
    -
    لم أعني هذا يا حبيبتي ... انا مرتبك قليلاً , هذا كل شيء , لم اتوقع حدوث مثل هذا....
    -
    ولا أنا ... هل اقول لجدي إنك في طريقك اليه عندما نراه غداً, أي اليوم ؟
    -
    بالطبع يا لوسي .. ولكنك قلت نحن.
    -
    اقصد هذا بالضبط .
    -
    ابعدي هذا السافل عن جدي ... هل تفهمين؟فابتسمت لوسي بمرارة:
    -
    ليت الأمر بسيطاً هكذا ... احضر الى هنا بأقصى سرعة.
    ووضعت السماعة مكانها والتفتت الى مارك بهدوء مدهش , فحدق بها باشمئزاز غاضب لم يحاول إخفاؤه.
    -
    لقد نسيت ان الهاتف في المكتبة , ولهذا كنت هنا بالطبع , تطلبين النجدة منه, لقد قمت بدورك على مايرام , وعندما لا يعود عالم العلاقات العامة بحاجة اليك, وهذا سيحدث عماقريب , فجربي المسرح , قولي ايتها الجميلة ... اليس هناك حدود لما قد تفعلينه لمساعدة هذا الأخ الفاسد؟
    -
    اجل... هناك حدود ...على الاقل لن افعل شيئاً معك سيد ايفانز , فأنا لست ممثلة جيدة لهذه الدرجة.


    ونظر اليها بشراسة , وغطى لون قاتم مخيف وجهه, ثم استدار وترك الغرفة, وتنهدت لوسي بارتياح , واستندت الى الطاولة , محاولة استعادة سيطرتها على نفسها, وادركت انها قد نجحت في تحويل مارك ايفانز من صديق غير مؤكد الى عدو شرس , بكل ماتعنيه الكلمة, ولكن على الأقل قد يعني هذا انها لم تعد مضطرة لمقاومته وإبعاده عنها, وارتعدت وهي تتذكر مامر بها معه, والذي كاد يدفعها الى حافة الجنون.في الصباح التالي كانت تشعر كأنها على حافة الموت عندما حظرت السيدة برونسون تحمل صينية الإفكار لها, وتطلعت مدبرة المنزل بوجهها الشاحب و بالظلال حول عينيها , ثم قالت لها ان السيد ايفانز يقترح ان تذهبا الى المستشفى بعد ساعة:
    -
    لقد اتصل بهم باكرا , وقالوا إن جدك امضى ليلة مريحة.
    وارتشفت لوسي بضع رشفات من عصير الليمون, وصبت فنجانا من القهوة دون سكر , ولم تستطع ان تأكل شيئا , فكلمات السيدة برونسون ذكرتها بأن عليها بعد قليل ان تنزل الى الطابق الأرضي , ووقفت في الردهة, وتساءلت اين هو مارك ياترى , ثم سمعته يتحدث على الهاتف في المكتبة , وسمعته يقول ( الاجتماع الاسبوع القادم ويمكن ان يكون مصيرياً ) وعلمت انه يتحدث عن شركة هارولد بتهارد , ثم سمعته يقول( هناك تصور آخر لم يكن متوقعاً, وساحدثك عنه عندما أراك ) واحمر وجهها وهي تفكر بأنه يقصد رغبة ماثيو في ان يصبحا مخطوبين , ولم تسمع صوت إرجاع السماعة مكانها , وفي اللحظة التالية فتح الباب ووقف مارك يحدق بها بسخرية:
    -
    هل سمعتي شيئاً مفيداً لك؟
    -
    اظن انني وصلت متأخر ة .





    - حظ افضل في المرة القادمة , هل بإمكانك الاختزال ؟ يمكنك وضع مسجلة صغيرة لتسجلي ما أقول !
    -
    شكراً لك على هذه النصيحة , شركة هارولد باننهارد لم تفكر ابداً بالتجسس على اخبار الشركات الأخرى من قبل, ولكنني اظن خبير بهذا الأمر.
    -
    انا لا اصل الى هذه الدرجة , ولكن إذا كانت شركتي معروضة للبيع فسأستعمل كل الوسائل , كما اكتشفتي بنفسك ليلة امس, هل نذهب الآن؟وبدت ابتسامة رضى على وجه ماثيو عندما دخلا غرفته وبد مارك تحت ذراع لوسي , وسألها بلهفة:
    -
    هل انت على استعداد للعب دورك يا حبيبتي؟
    -
    انت تبدو الآن رائعا ياجدي .وتقدمت من سريره لتقبله , فقال:
    -
    اشعر بأفضل حال, ولقد سئمت هذا المكان اللعين.
    -
    عليك بالصبر.
    وجلست بقربه على السرير وامسكت بيده , فـجابها :
    -
    في مثل سني لا استطيع ان اكون صبوراً... هل قررتما موعد الزفاف؟فتوترت اعصابها بشدة , ولكنها اجبرت نفسها على الضحك :
    -
    حبيبي .. نحن .. لقد التقينا لتونا! يجب ان تعطينا فرصة .. على الأقل لنعرف بعضنا اكثر.
    -
    اريد تحديد موعد الزفاف .. فهذا سيعطيني شيئاً اتطلع اليه بشوق .. شيء يكون هدفاً لي.
    واستغلت لوسي الفرصة لتقول :
    -
    جيرمان سيجيء الى هنا اليوم.
    فدمدم ماثيو بحنق:
    -
    هذا كرم اخلاق منه . اين كان بحق الجحيم ؟
    -
    إنه مع بعض الاصدقاء في الخارج , وهو متشوق لرؤيتك.وتمتم ماثيو بكلام غير مفهوم وصمت , ولم يبدو سعيداً وغيرت لوسي موضوع الحديث كي تسليه , فكان يبتسم ويعلق بماهو مناسب, ولكنها تعرفه جيداً لتدرك ان افكاره في مكان آخر, ولم تندهش عندما أرسلها الى مكتب رئيسة الممرضات بحجة ان تسألها متى يستطيع الخروج من المستشفى .
    كان واضحاً انه يرغب في التحدث مع مارك على انفراد وأغاظها انها لن تسمع ماسيقال , وان تدرك ان الرجل الغريب عنهم تماماً قد كسب ثقة جدها, بدلاً من ثقته بعائلته.
    لو انه راض عن جيرمان , لكان ترك له خلافته في رئاسة الشركة, ولما كان كل هذا قد حدث, ولكن هل يعرف جيرمان عمق الهوة بينه وبين جده؟ وهل بإمكانه , عندما يصل ان يستعيد بعض ماخسره ؟او هل يمكن ان يسمح مارك بحدوث هذا؟ عدم الولاء للعائلة أمر مزعج لها, ولكن عليها ان تعترف ان الغلبة ستكون الى جانب مارك كلما حدثت بينهما اية معركة , وهذا هو الأمر المحتمل , مارك قاس , ومصمم , وناجح , ومن سوء الحظ ان تكون مساعدة ونصح ماثيو بانهارد هما اللذان دفعاه على طريق النجاح .ولكن جيرمان امتلك نفس الفرص, واكثر.. فلماذا لم يحقق شيئاً؟ وعادت لوسي من غرفة رئيسة الممرضات لتلتقي بمارك خارج غرفة ماثيو , وقال لها :
    -
    الأخصائي في طريقه لفحص ماثيو , لذا قلت له إننا سنعود عند المساء... مااخبارك مع رئيسة الممرضات؟
    -
    ليست جيدة, لن يسمحوا له بمغادرة المستشفى عن قريب.فابتسم مارك وقال:
    -
    لقد قال ماثيو عنها إنها مثل التنين وقلت له ان يحسن من تصرفاته كي لا يبقى هنا طويلا.
    وتساءلت عما تحدثا به غير هذا, ولكن مارك لم يبدو انه مستعد ان يقول لها شيئاً , ولم يكلمها اكثر من كلمتين في طرق عودتهما .
    وبعد ساعة من وصولهما سمعت صوت سيارته تخرج , وعلمت من السيدة برونسون انه ذهب الى المدينة وسيعود قبل المساء.وغضبت لوسي لهذا, فلماذا لم يخبرها بأنه ذاهب الى لندن؟ وبغضب اتصلت بشركة هارولد بانهارد و طلبت إيصالها بايربي غولمان الذي بدا متوتراً وهو يرد عليها :
    -
    لوسي؟ ما الامر , هل ماثيو بخير؟
    -
    انه بخير تماماً, إنه يعتقد بأنه لو شّن الحرب على الممرضات فسوف يسمحون له بمغادرة المستشفى.
    فضحك , ولكن التوتر بقى في صوته.
    -
    هكذا هو ماثيو العجوز , لقد ازعجتنا جميعاً هذه الأخبار عنه, إذا كان هناك ما استطيع فعله , اعلميني فورا يا عزيزتي.
    -
    في الواقع هناك شيء يا ايربي , كنت افكر ان اجيء الى لندن بالقطار لأتسوق , واتمنى ان اتغدى معك.
    -
    سأكون مسروراً , ولكن بما انك ستتسوقين , فالأفضل ان نلتقي في المطعم حوالي الواحدة ؟ سأطلب من سكرتيرتي ان تحجز لنا طاولة .
    -
    عظيم.. لقد مر زمن طويل لم نر فيه بعضنا, او نتحدث معاً.
    -
    حسناً.. حتى الواحدة إذاً.
    ولم تغير ثيابها , بل مشطت شعرها فقط, واضافت بعض المساحيق على وجهها.

    كان ايربي ينتظرها في المطعم , ونهض مبتسماً عندما شاهدها , واجلسها في مقعدها وأشار الى الساقي:
    -
    انت تبدين رائعة كما انت دائماً .. ماذا ترغبين؟
    -
    قليل من الليموناضة.
    بعد ان طلب الشراب لهما معاً قال لها:
    -
    حسناً.. كيف حالك يا لوسي ؟ لم نعد نشاهدك كثيراً هذه الايام.
    -
    كان يجب ان احضر الى المكتب اكثر.
    -
    انا لم اقصد انتقادك .. على كل, انت لا تعملين في قسمي ... إضافة إلى...
    وتوقف فجأة وقد بدا محرجاً , فقالت :
    -
    إنها ليست وظيفة حقيقية , إنها وظيفة مدبرة لإبقائي بعيدة عن المسائل المهمة .. انا اعرف هذا يا ايربي.
    -
    اجل.. اعتقد هذا, مع انني واثق ان الأجر المدفوع لك ليس كافياً مهما كان.
    -
    شكراً لك يا ايربي .. هل استطيع الاعتماد عليك في الاسبوع القادم عندما يثير السيد ايفانز موضوع مستقبلي في الشركة ؟وبدا عليه الارتباك اكثر , فقالت بنعومة:
    -
    أم من المفترض ان لا اعرف ...لقد خاب املي فيك يا ايربي.. كنت اعتقد ان صديقاً قديماً عليه ان يحذرني مما تحمله الرياح لي , وكما قلت كان يجب ان احضر الى المكتب اكثر.
    سراً, كانت ترغب في إزعاجه, وسرتها نظرة التألم التي مرت على وجهه وقال لها :
    -
    اخبريني عن احوال ماثيو, لقد كانت صدمة مزعجة لنا جميعا, لقد كان بأكمل صحة ومليئاً بالأمل.
    -
    هذه كلمة غريبة.
    -
    ولكنها مناسبة , فلست ادري إذا كنت تعرفين شيئاً عن وضع الشركة يا لوسي, إنها ليست في وضع جيد, ولم تكن كذلك منذ مدة , لقد واجهنا مضاربة عدة شركات كبيرة, ولم نكن نكسب الكثير في الأسواق , وهذا الذي يزيد الأمور سوءاً ويدفع كل شيء الى حافة الانهيار, قسم الابحاث عندنا توصل الى تصميم بضائع ممتازة, ولكننا بحاجة الى من يستثمر ماله لإنتاجها, وشركة ايفانز العالمية مستعدة لهذا.
    -
    لقد قام لنا عرضاً لا نستطيع رفضه كما ارى, لقد اخبرني مارك ايفانز انك الى جانبه, ولكنني لم اصدقه.
    وبدا ايربي غير مرتاح ابداً.
    -
    إنها ليست مسألة الى جانب من يا عزيزتي ...
    -
    الست كذلك ؟ لقد عملت مع جدي يا ايربي ومع أبي, وكنت تدعي دائماً انك تحبهما , وكنت اعتقد ان هارولد بانهارد يمكن ان تعتمد على ولائك لها.وتحرك في مقعده بارتباك :
    -
    الولاء لا دخل له هنا يا لوسي ... كما احاول ان اوضح لك, إنه ببساطة مسألة اقتصادية بحتة , فنحن بحاجة لشركة ايفانز العالمية , ولمارك ايفانز ايضاً ... وإلا سنفلس.
    -
    وعندما تبتلعنا امبراطوريته.. ماذا سيحدث ؟ هل تريد لاسم بانهارد ان يختفي ؟ وان يعيش ماثيو ليرى بعينه كل سنوات كفاحه تتلاشى , بين فكي سمكة قرش ضخمة؟

    وبدا ايربي مصدوماً وهي تقول هذا بعنف , فقال :
    -
    يافتاتي العزيزة , اعلم انك تواجهين اوقاتاً صعبة, ولكن حاولي ان تهدئي نفسك, إنها ليست نهاية الدنيا , صدقيني , وأنا واثق ان اسم بانهارد سيبقى, وجدك مصمم على هذا فقد ابقى هو على اسم شريكه القديم هارولد الذي لم يبق مع الشركة اكثر من عدة اعوام قبل وفاته , ولديه مشاريع لإبقاء اسم بانهارد حياً , وأنا اعلم هذا, وواثق ان مارك ايفانز سوف يوافق , وهناك نية طيبة مرتبطة بالموضوع .
    -
    اجل .. اعلم هذا.. ولكن ايربي انا خائفة.
    وكانت هذه حقيقة حتى ولو لم تقلها من قبل, لقد دبرت أمر هذا الغداء بنية ان تكسب تأييد ايربي, وان تبعده عن تحالفه الجديد مع مارك ايفانز, وكي تعطي وقتاً لجيرمان للتنفس كي يعيد تقوية وضعه كوريث لجده, ولتحاول هزم مارك ايفانز في لعبته الخاصة.ايربي رجل مهذب , ولكنه يعرف كيف يعيش حياته , ولديها اسباب تدعوها لأن تؤمن بأنه كان يحيا كما يريد بعد طلاقه , وإذا كانت مصممة على اكتسابه , فلن يكون هذا عبر الوعود فقط , تعرف بأن مايمنعه هو فارق عشرين سنة بينهما , وان ماثيو بانهارد عنده افكار رجعية جداً حول الطلاق و الزواج من جديد.
    وجاءها صوته مليئاً بالاهتمام:
    -
    ياحبيبتي المسكينة ! مما انت خائفة ؟
    -
    من مارك ايفانز, ومن غيره؟
    -
    ولكنه لا يستطيع أذيتك ... ولماذا قد يرغب في اذيتك ؟ انت حفيدة ماثيو .. ويجب ان لا تخافي من شيء.
    -
    اجل .. لا اعتقد ان علي ّ ان اخاف .. ولكن هناك قصة كنت اكرهها منذ طفولتي .. تلك عن الخنازير الثلاثة .. ولدي شعور بأن مارك ايفانز سوف ينفخ وينفخ ليدمر بيتي فوق رأسي , هذا سخيف اليس كذلك؟وضحكت , ولكنها احست بايربي يجفل, ونظرت اليه متفحصة وهي تتساءل عما اذا اصابت كلماتها وتراً حساساً فيه, إذ كان يعرف شيئاً لا تعرفه هي , ولكنها لاحظت ان ينظر من فوق كتفها الى الباب فالتفتت لترى ما الذي استرعى انتباهه, واحست وكأن كل انفاسها قد خرجت من جسدها وهي تشهق .
    لقد دخل مارك لتوه الى المطعم, وهو يقف ناظراً من حوله دون اكتراث وإلى جانبه متعلقة بذراعه واحدة من اجمل الفتيات التي شاهدتهن لوسي في حياتها..






    4- الوجه الآخر للغيرة

    -
    تكلم عن الشيطان , تجده امامك .. ماكان يجب ان نأتي الى مكان معروف كهذا.
    وهزت لوسي رأسها واصدرت صوتاً ممكن ان يكون كلمة لا , وادرات رأسها فوراً وهي تصلي كي لا يراها , على الرغم من ان الأمر مستحيل.
    فقد كانت ترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها ساعة ذهبا الى المستشفى ولم يكن لديها حتى شال تغطي شعرها به, وصرت على اسنانها , فقال ايربي:
    -
    لابأس .. لقد ذهبا الى زواية المطعم, ولا اظن انه شاهدنا , من هذه المخلوقة المذهلة التي برفقته ؟ وجهها يبدو مألوفاً...
    -
    إنها عارضة كما اعتقد .
    -
    حسناً.. على الاقل هذا يبرهن على انه من البشر, انظري إنهم يعرفونني جيداً هنا .. فإذا كنت تفضلين ان نلغي حجزنا هنا ونذهب الى مكان آخر.
    -
    بالطبع لا , إلا إذا كنت ترغب ان لا يرانا معاً.
    -
    لم افكر ابداً بهذا , لوسي انت بالطبع لا تظنين...
    -
    لا.. بالطبع لا, هل رأيت تأثيره علي يا ايربي؟ لمحة واحدة له وبدأت ترتجف!
    الطعام كان رائعاً , ولكنها رغم شعورها بالجوع لم تستغه, واكلت ما وضع في طبقها دون ان تحس بطعمه , وفي نفس الوقت استمرت في الحديث مع ايربي, واخذت تنظر اليه وتستخدم رموشها لسحره , هناك لحظات معينة نعرفها جيداً عندما يتحول الغزل الذي لا ضرر منه الى إغراء واضح , وحاولت ان تتجنب هذا, ولم تجرؤ على تفحصها تماماً.وقال ايربي اخيراً , بصوت أجش:
    -
    هل نتناول القهوة هنا , أم في منزلي؟حسناً هي من طلبت هذا , والقرار الآن لها , ولم تعرف ماذا تجيبه , رفض صريح وسيشعر بأنها خدعته , ولكن إذا وافقت... واجتاحتها موجة من الاحتقار لنفسها وهي تفكر بما ستكون عليه بعد ساعة او ساعتين, فابتلعت ريقها وقالت :
    -
    ايربي.. انا...
    وتوقفت عن الكلام فجأة وقد لاحظت انهما لم يعودا لوحدهما, نظر اليها مارك ووجهه الأسمر ساخر وهو يتفحصها بنظراته .
    -
    هل اضجرتك الحياة في الريف بهذه السرعة؟ثم التفت الى مرافقها قائلاً:
    -
    غولمان , انا بحاجة للحديث معك بشكل عاجل وضروري , واعتقد انك ستذهب الى المكتب رأساً من هنا؟
    -
    بالطبع... بعد ان اوصل لوسي الى حيث تقصد.فذهلت لوسي بسرعة:
    -
    لابأس .. استطيع ان استقل سيارة اجرة, وفي الواقع لم ألاحظ ان الوقت تأخر ... يجب ان اذهب الآن حقاً.

    وقال لها مارك :
    -
    سأطلب من حارس الباب ان يحضر لك تاكسي.
    وانصرف عنهما تاركاً ايربي شديد الاحراج واشار لإحضار الفاتورة , وشعرت لوسي بالذنب فقالت وهي تحاول الابتسام:
    -
    وانا كذلك .. ساتصل بك.
    وضغط على يدها وهما يسيران نحو الباب , فاجابت كاذبة:
    -
    سانتظر مكالمتك.
    وشاهدت مارك يقف مع رفقيته , وبالكاد ظهرت ابتسامة على شفتيه وهو يقول :
    -
    دعيني اقدم لك سارة كليغتون!
    وصافحتها لوسي وهو يتابع التقديم , وقالت:
    -
    كيف حالك؟وقال ايربي:
    -
    لقد عرفت الآن اين رأيتك من قبل, صورك في كل الجرائد , وانت سوف تمثلين دور البطولة في احد الافلام الاميريكية .وابتسمت سارة كليغتون كاشفة عن اسنان رائعة, وقالت بتواضع:
    -
    لقد كنت محظوظة جداً , فقد كان هناك منافسة كبيرة على الدور , ولا اعرف لماذا اختاروني .
    فقال لوسي :
    -
    انها النوعية غير المألوفة لديهم.
    فتابعت سارة قولها :
    -
    بالطبع... للممثلات الانكليزيات قيمة كبيرة في امريكا , وارجو ان اكون عند حسن ظن الجميع بي, إنها فرصة رائعة ... ولكن ...
    وقال مارك ببرود؟
    -
    اظن ان التاكسي وصل.
    وكانت ذراع ايربي ملتفة حولها وهما يخرجان الى برودة الشارع , بعد الجو الدافئ , وفتح لها الباب فدخلت الى السيارة , وعندما وصلت الى محطة القطار كانت تشعر بصداع اليم , وانتظرت نصف ساعة حتى موعد القطار, تناولت خلالها فنجان قهوة في مقهى المحطة , وشعرت بالسعادة لأنها لم تتناوله في شقة ايربي.وغطت بالنوم قليلاً في القطار, وحلمت احلاماً سريعة مزعجة , وعندما وصلت الى المنزل , سرت لعدم وجود اية اخبار مزعجة من المستشفى , فصعدت الى غرفتها واغتسلت ثم بدلت ثيابها ومشطت شعرها الى الوراء وربطته الى مؤخرة عنقها.



    السيارة المينيى القديمة التي كانت تستخدمها للاتقل في الريف كانت متوقفة في احد الاسطبلات القديمة, لم تكن تهوى غسل السيارات , ولكنها تدرجياً, احبت هذا العمل لما فيه من حركة في الرش بالماء, ثم التجفيف وبعده التلميع , حتى انها بدأت تهمهم بلحن وهي تعمل.
    عليها الليلة ان تذهب الى المستشفى لوحدها بالسيارة , وابتسمت لمعرفتها بأن ماثيو سيتوقع قدومها مع مارك, ولكنها ستفكر بعذر, ثم بالتدريج ... وهو يستعيد عافيته ... سوف تجعله يتقبل فكرة ان مشروع الزواج الذي يرغب به ليس ناجحاً.وراودتها فكرة ان تتزوج ايربي... لابد انه سيكون أباً رائعاً.. وإذا تزوج ثانية سوف يرغب في عائلة كبيرة , وعضت على شفتها بقوة , يجب ان تتوقف عن إقحام ايربي بهذه المشاريع , إنه جذاب ويمكن الاعتماد عليه, ومامن شك انه احد دعائم شركة هارولد بانهارد ولكنها لم تفكر به من قبل كزوج مستقبلي .

    انها تترك المجال لاقتراح ماثيو السخيف يسيطر على اعصابها وهذا أمر غير ضروري , فالخطوبة زائفة فقط , ولم يحصل زواج , ولكن بعدما حدث الليلة الماضية , هل ستكون آمنة؟عندما انتهت من غسل السيارة اصبحت تلمع بشكل رائع , احست بالفخر لما صنعته يداها... واعادت اغراض الغسيل الى الكاراج . وشاهدت سيارة جدها الجاكوار تقف لامعة في الظل, وشعرت بوخزة ألم : هل سيجلس ماثيو خلف مقودها يا ترى؟كانت متجهة من الردهة نحو السلم لتصعد الى غرفتها عندما سمعت سيارة مارك تقف امام المنزل , واسرعت على السلم صاعدة درجتين في وقت واحد, فهي لا تريد ان تواجهه , على الأقل ليس الآن , السيدة برونسون ستقدم طعام العشاء قبل ذهابهما الى المستشفى , وخلال تناول الطعام ستحاول إقناعه بأن مامن فائدة سيجنيها من بقائه في منزلها.ولن تكون لوحدها مع عائلة برونسون , لأن جيرمان سيصل الليلة , وهذا سبب ممتاز آخر كي يعود مارك الى لندن.
    وخلعت الكنزة ودخلت الحمام لتغسل وجهها ويديها , وعندما عادت الى غرفة نومها وجدت مارك جالسا على حافة سريرها , فصاحت به بغضب:
    -
    اخرج من هنا!
    واخذت الكنزة عن الكرسي ووضعتها على صدرها , فأخذ يحدق بها , بابتسامة ساخرة , وحاجباه مرتفعان باندهاش مصطنع .
    -
    ماهذا المظهر الجديد لك ؟ أهو ارتداد الى المراهقة؟
    -
    وماذا يفترض ان ارتدي كي اغسل سيارة؟ اقراط الماس , ولؤلؤ ؟ ومرة ثانية اقرع الباب قبل ان تدخل بدل اقتحام الغرفة هكذا !
    -
    لقد قرعت الباب, ولكن صوت المياه لم يمكنك من سماعي , على كل , لماذا كل هذا الاحتشام المفاجئ؟ فذاكرتي لا زالت قوية .
    -
    وأنا كنت اظن انني كنت في حلم مزعج, اعتقد انك تود قول شيء لي, فالأفضل ان تقوله وتخرج من هنا .
    -
    إذاً انت تسعين وراء التآمر , حسن جداً , اتركي ايربي غولمان وشأنه , فهذه ليست لعبة ملائمة.
    وعلا الدم الى وجهها :
    -
    لست ادري عما تتكلم.
    -
    لقد تناولتي الغداء معه اليوم , اتذكرين؟
    -
    ايربي صديق قديم لي .
    -
    كم هو محظوظ , لاعجب انه لم يستطع إبعاد يديه عنك, ولكن هذا لن يفيدك يا لوسي, إنه رجل مهذب, وراءه زيجة فاشلة تكفيه , وانت لن تدمري حياته مرة ثانية .
    -
    لست انوي ان افعل هذا.
    وارتجفت من الغضب , فقال لها بسخرية :
    -
    لقاؤنا مصادفة كان مدمراً له , ولم يستطع ان يفكر بجلاء , ولا حاجة لأن اكون بارعاً بقراءة الافكار كي اعرف ان المسكين علق في الفخ , وفي احد حبائل موهبتك الرائعة .. يا جميلتي...
    -
    ارجوك لا تدعوني بهذه التسمية .
    -
    ولماذا لا؟ انت جميلة .. عندما لا تكوني تستخدمين جسدك كسلاح.
    -
    وكيف تستخدم الآنسة كليفتون جسدها؟ كهدية مجانية ؟وتوقفت فوراً جامدة , وتعالى اللون الاحمر الى وجهها فقالت معتذرة على الفور:
    -
    انا آسفة .. كلامي هذا لا يمكن تبريره , يبدو انك تستخرج مني اسوأ الاشياء.


    - ويبدو ان هناك الكثير من الاشياء السيئة عندك.
    -
    اظن ان الوقت قد حان لتتوقف عن التدخل في حياتي.
    -
    اتوقف ؟ إنني لم ابدأ بعد , وإذا كنت تتكلمين عن التدخل , فالأفضل ان تبقي انفك الجميل خارج مصالح هارولد بانهارد .
    -
    انا عمل هناك.
    -
    هناك آراء مختلفة حول هذا الأمر , ولكنني لم اعني عملك الذي تفيضين اجره , بل عنيت نشاطك الاضافي خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية , اتصالك بشقيقك لتحذيره كي يخرج من دائرة النار مثلاً, دون ذكر غدائك مع ايربي غولمان.
    -
    لقد قلت لك...
    -
    وانا اقول لك .. انت تضيعين جهودك يا جميلتي , ايربي غولمان قد اشتريته ودفعت ثمنه , ولن يغير تحالفه معي الى اخيك مهما اغريتيه , واعتقد ان هذا هو هدفك مما فعلتيه اليوم.
    -
    تستطيع ان تعتقد ماتريد. انت تعتقد ماتريد , انت تعتقد انك رتبت كل شيء تماماً , أليس كذلك . ولكن الوثوق بالنفس كثيراً قد يكون خطرا , ولا اعتقد بأنك واثق ان جيرمان سيجلس دون حراك يراقبك وانت تسيطر على الشركة؟
    -
    هذا الولاء الأخوي اصبح مضحكا , جيرمان لم يسيطر ابداً على هارولد بانهارد في حياته , ولن يتمكن ابداً ان يفعل هذا , لو لم أكن أنا فسيكون هناك آخر , ولكن لن يكون شقيقك ابداً, لقد هدر الكثير من الأموال , وأساء الى العديد من الناس , واسم العائلة لا يعني شيئاً عندما لا تكون ثقة فيه.
    -
    إذاً, ماذا سيحدث له إذا توليت انت الأمر؟
    -
    هذا عائد له يا لوسي , فهو لم يستخدم كل إمكانياته حتى الآن, ومن غير المحتمل ان يفعل , مهما واجه من صدمات , لقد تلقى عدة تحذيرات في الماضي , من جدك ومن الآخرين , وتجاهل الجميع , لذا ليس لديه أي أمل في المستقبل , ولكنني أكيد انه لا يستطيع ان يفعل شيئاً مؤذياً.






    -
    فهمت .. ماذا سيحدث لي؟
    -
    لم نقرر شيئاً بعد.
    -
    حقاً ؟ إذاً تأكد وابلغني حال ان تعرف , والآن عليك ان تغادر هذا المنزل... سيعود جيرمان الى هنا الليلة .
    -
    وهل تخافين من مواجهة بيني وبينه ؟ لدي انطباع انك تحبين المواجهات .
    -
    ليس عليّ ان اشرح لك شيئاً , انت ضيف تحت سقف هذا المنزل سيد ايفانز , ويزداد عدم الترحيب بك , ومن المؤكد ان هذا يكفي.
    -
    اكثر مما يكفي , ولكن ألا تظنين ان ماثيو سيسالك عني , في هذه الظروف ؟
    -
    سأختلق له قصة ترضيه , على كل انت رجل كثير المشاغل , ولن يتوقع منك البقاء هنا الى الأبد.
    -
    ولا مع زوجة المستقبل؟واحمر وجه لوسي غضباً لسخريته :
    -
    هل لنا ان ننسى هذه السخافة ارجوك ؟ قد يسليك هذا ... ولكن ...
    -
    إنه لا يسليني في الواقع , كما لا يمكن ان انساه بسرعة كما تعتقدين إلا إذا كنت تريدين ان ينهار ماثيو عند إبلاغه ان الأمر كان خدعة.
    -
    بالطبع لا اريد, ولكن .. اوه ... كان بالإمكان تجنب كل هذا بسهولة , لماذا لم تكن صادقاً معه عندما ذكر الأمر... كان بإمكانك ان تقول له... حسناً ... تقول له إنك مرتبط بسارة كليفتون مثلاً؟
    -
    لم اظن ان الأمر ضروري, وماثيو يعرف بوجودها على كل الاحوال , ولكن لماذا سيهتم بها؟ قد يكون محافظاً, ولكنه مع ذلك واقعي , وسارة ليست مهتمة بالزواج مثلي تماماً , في حال كان هذا يقلقك.

    - انا لست قلقة ولا مهتمة .. ولست أهتم بشؤونك الغرامية .
    واتسعت ابتسامته وقال :
    -
    ولكن واحدة من شؤوني الغرامية كانت تهمك ليلة امس.
    -
    وهذا شيء آخر احب ان انساه ايضاً.
    ودوت ضحكة مارك عالياً:
    -
    هذا لن يكون صعباً , فلم يكن هناك الكثير لتتذكريه.
    ليس بالنسبة لك! بالنسبة لك كنت امرأة اخرى , فتاة في متناول يدك, وإذا لم يحدث ماكنت تخطط له فهذا لا يهم ايضاً, لأن هناك الكثير من النساء الراغبات في تقديم العزاء لك بعد سفر سارة كليفتون.
    وسبب لها إدراكها هذا الألم الحاد حتى كادت تصرخ , ثم عادت للسيطرة على نفسها , ماعدا ارتجاف داخلي عميق لم تستطع تفسيره لنفسها او انكاره , وقالت وكأن الصوت يصدر عن شخص آخر:
    -
    هذا صحيح .. حسناً .. الوداع سيد ايفانز .. لقد كان امراً تربوياً.
    -
    هذا صحيح .. ولم ينته بعد.بعد ان ذهب , جلست لوسي على الارض , تتأمل امامها , وكأنها كانت نائمة , واستيقظت لتجد نفسها في ارض غريبة معادية , وخطرت ببالها إمكانية جديدة مرعبة , برزت الى وعيها , ولم ترغب في سماع ماكانت تقوله لها , ولا حتى ان تعترف بوجودها.
    ولكنها ليست حقيقية , لايمكن ان تكون حقيقية ... وغرزت اسنانها في شفتها , ونظرت الى حيث مظهره , وسألت نفسها بيأس ما إذا كانت ستراه ثانية , او ستكون معه في مكان واحد دون ان تتذكر ذلك الدفء الذي شعرت به بين ذراعيه.
    وكان ماثيو مقطب الجبين بشكل ظاهر عندما زارته وحيدة تلك الأمسية , وأول سؤال له كان ( اين مارك؟) وبدا واضحاً ان كلماتها المنتقاة عن عمل طارئ في لندن وعن استدعاءه في آخر لحظة لم تخدعه .
    وامسكت بيده قائلة :
    -
    ألم أعد اكفيك؟
    -
    بالطبع.. ولكن اللعنة يا فتاة , اريدكما ان تتعرفا على بعضكما اكثر.. من الممكن ان لا يكون امامكما الوقت الكافي, واريد ان اراكما متزوجين قبل... قبل...
    ورفعت يده الى خدها وفمها يرتجف.
    -
    ارجوك.. لا تتكلم هكذا, ستصبح بخير, انت الآن افضل حالاً.ونظر اليها وكأنه لا يراها , وتكلم وكأنما يكلم نفسه :
    -
    كان يجب ان يملأ جيرمان مكانه , ولكنه لا ينفع , اعرف هذا, رغم انني لم اعترف به , والأفضل ان افعل , ولكن الوقت لم يفت بعد وسوف تستمر سلالة بانهارد, عبر اطفالك انت ومارك , وسوف يحملون الاسم, والمسؤولية يوماً, وهذه هو الجواب , ولقد حصلت على وعد منه .
    واستمعت اليه لوسي بحزن, ولكنه بدأ بعد قليل مرتاحاً, وتحدث في مواضيع اخرى بصوت طبيعي , ومضى ماتبقى من وقت دون شيء يذكر.عندما اقتربت من المنزل لاحظت ان الأنوار مضاءة في داخله , ومن الردهة سمعت صوت التلفزيون عالياً في غرفة الجلوس , ووجدت جيرمان مستلقياً على أحد المقاعد , وبدأ متعباً ومنزعجاً , وحياها بتوتر وقال :
    -
    إذا ها أنت قد عدت ... لقد كانت رحلة متعبة لي!
    -
    ومتى وصلت ؟
    -
    منذ ساعتين ... ربما اكثر.


    - ألم تفكر ان تذهب مباشرة الى المستشفى ؟
    -
    بصراحة لا .. اردت ان اكلمك اولاً, لأعرف ما الذي يجري, فأنت لم توضحي لي شيئاً على الهاتف .
    -
    لقد اصيب جدي بنوبة قلبية اخرى, ولكنه يتجاوب مع العلاج بشكل جيد, وهذا كل ما أعرف.
    -
    لم اقصد هذا, مع انني ارتحت لسماع هذه الاخبار الجيدة , ما أنا بحاجة لأعرفه هو ماذا يفعل ذلك السافل ايفانز هنا.
    -
    اتمنى ان تكون اعصابك قوية, فأنت ستحتاجها.
    عندما أنهت سرد القصة عليه , بدأ يشتم , سيل طويل غير اخلاقي جعلها تحمر خجلاً, ثم جلس طويلاً وهو صامت , ممسكاً برأسه بين يديه , اخيراً نظر اليها وقال :
    -
    وماذا سأفعل بحق الجحيم؟
    -
    ومايمكن ان تفعل كلانا؟ سنكون محظوظان لو بقينا في وظيفتنا حتى الاسبوع القادم.
    وضحك قائلاً:
    -
    هذا لن يهمك بالطبع .. لقد جرى تدبير أمر زواجك.. يا إلهي ! هل هذا صحيح ؟ وهاهو مستقبلك امامك يا حلوتي... وعليك ان تسيري نحوه , مع مارك ايفانز حامل الاسهم الرئيسي, ولكنني لا اظن انك ستمانعين.
    -
    لن يحدث هذا .. لن يحدث اي زواج.
    -
    لن يحدث؟ لست واثقاً من هذا .. وخاصة إذا كان ماثيو يستعيد عافيته , لديه الآن شيء ليعيش من اجله , منتظراً اول حفيد له , لوراثة هارولد بانهارد , عن طريق مارك ايفانز.
    فردت عليه بعنف:
    -
    انت غبي...
    -
    لا ... بل أنا واقعي... اتخلى عن أي شيء لأكون حاضراً زفافك, وسأقول لك شيئاً, لن تستطيعي السيطرة عليه كما فعلتي مع الآخرين .وشعرت لوسي بالغثيان وهي ترد عليه.
    -
    جيرمان .. لأجل الله ..! نحن في جانب واحد , اتذكر ؟وهبط على ركبتيه ليجلس الى جانبها على الأرض ومد ذراعه ليحبط كتفيها بحنان ذكرها بأيام طفولتهما وقال .
    -
    أنا آسف لم اكن أعني ما اقول, وانت تعرفين هذا , ولكن الأمر ..
    وتوقف عن الكلام , وفجأة لاحظت إنه يبدو اكبر عمراً مماهو , ولكنه عاد الى طبيعته بسرعة وضحك لها ضحكة ساحرة.
    -
    ابتهجي يا شقيقتي الطفلة , لن ندع هذا يحدث , سوف أمنع هذا الزواج.
    -
    وماذا عن جدي؟ اظن انك ستذهب لرؤيته غداً... ولن تنسى كم هو مريض...
    -
    لن انسى ..
    في الصباح , استخدم سيارتها للذهاب الى المستشفى , ولوح لها مبتسماً, رغم انه لم ينم ليلتها, ولا هي كذلك, وما إن دخلت لوسي الى المنزل حتى بدأ جرس الهاتف يرن , فرفعت السماعة قائلة :
    - آلو.
    وجاءها صوت جولي:
    - هل رأيتي صحف الصباح؟
    - لا... لم أرها بعد, لقد عاد جيرمان بتوه ليلة أمس, وجلسنا لساعات طويلة نتحدث , وتناولنا الإفطار , ثم ذهب لرؤية ماثيو , على كل حال , ماذا في الجرائد؟
    - اظن ان التهاني في طريقها اليك.. إذا كانت هذه الكلمة مناسبة .
    -
    جولي إذا كان هناك مايجب عليك قوله لي, اتمنى ان تقوليه دون تعليق.
    -
    حسن جداً... تهنئتي لك, وهل استطيع ان اكون اشبيتك؟ هذا إذا كنت لوسي بانهارد التي اعلنت خطوبتها على مارك ايفانز.
    وساد صمت ثقيل , ثم قالت لوسي بصوت أجش:
    -
    لا اصدق!
    -
    وهل هذه خدعة ؟ انها في كل الصفحات الاجتماعية في الجرائد.
    -
    ولكن لا يمكن ..هذا مستحيل ... من المفترض ان يكون الأمر سراً.
    -
    إذاً الخبر صحيح , انتظري الى ان يلتقط كاتبي الشائعات الخبر ! من الكراهية الى الحب الحقيقي في أربع وعشرين ساعة كيف توصلتي الى هذا.؟
    -
    لست واثقة .. جولي انت لا تخدعيني , اليس كذلك ؟ هل هذا الإعلان حقاً في الجرائد؟
    -
    اقسم لك.. لوسي .. ما الأمر ؟ هل أوقعتيه في شباكك؟ مارك ايفانز ثري وناجح وجذاب مثير , ماذا حدث؟
    -
    لا شيء .. كل شيء على مايرام , جولي هل يمكن ان اتصل بك لاحقاً؟ انا تحت ضغط شديد الآن و...
    -
    بالطبع حبيبتي , ولكن اعتقد ان عليك تحضير نفسك للأسوأ قبل ان تتحسن الأمور.




    واعادت لوسي السماعة وهي ترتجف, وسمعت جرس باب المنزل يرن , ثم همهمة اصوات , وفتح باب المكتبة والتفتت وجهها ابيض من الشحوب, فقد كانت تتوقع مارك, ولكن الداخل كان السيدة برونسون:
    -
    آنسة بانهارد , بعض الناس وصلوا , معهم آلات تصوير , وقالوا إنهم يريدون مقابلة معك , هل ستقابلينهم؟ اتمنى ان لا تكون لديك اخبار سيئة؟وهز لوسي رأسها , وابتسمت ابتسامة مطمئنة:
    -
    لا بأس يا سيدة برونسون .. الأمر لا يتعلق بجدي, وأفضل ان لا اقابلهم , هل تستطيعين ان تبعديهم من هنا ... ارجوك.
    -
    حسناً .. سأحاول .. ولكنني لا اعرف ... لا اعرف ابداً...
    وخرجت وهي تهز رأسها .
    وبمرور ساعات الصباح , بدأت لوسي تشعر بأنها محاصرة فالصحافيون لم يغادروا المكان , بل جلسوا في سيارتهم خارج المنزل , منتظرين ظهورها , وقال لها جيرمان عندما عاد:
    -
    هاهي الشهرة اخيراً يا حلوتي .. هاهم في الخارج يحاولون التفكير بعناوين مثيرة عن الزواج الرومانسي .
    واعطاها جريدة فتحها على المقال المطلوب واضاف :
    -
    هذا من عمل ماثيو .. كان ككلب له ذنبين هذا الصباح , لقد حاول رشوة الممرضات لاستبدال الماء في الابريق بشيء من الشراب.. وماذا عن العريس .. هل يحاول الابتعاد عن الاضواء ؟ لا استطيع لومه , فأحد الصحافيين سبق الجميع واجرى مقابلة مع سارة كليفتون , واثنتين من صديقاته القديمات , وستكونين مسرورة إذا عرفتي انهن يتمنين لك الحظ السعيد, فهن لاشك يعتقدن انك ستحتاجين اليه.
    واتقدت عينا لوسي بالغضب:
    -
    كيف يسطيع ماثيو فعل هذا؟ورمى جيرمان نفسه على كرسي وقال وهو يشير الى الصينية بجانبه :
    -
    إنه سهل جداً عليه .. هل هذه قهوة, صبي لي فنجاناً , احتاج الى مايعيد إلي توزاني, فسرور ماثيو بنجاح مشروعه لم يمنعه من مهاجمتي, لقد ظننت انه مريض.



    وتقبل منها فنجان القهوة ونظر اليها بسرعة وتابع :
    -
    انظري يا حبيبتي , اظن انك قلتي من قدر تصميم ماثيو على هذا الأمر, بالنسبة لك يمكن ان يكون قد ابتدأ بشكل مزحة , ولكن قد ينتهي الى ان يصبح حقيقياً.
    -
    لا... لايمكن ... لا استطيع ...
    -
    اتعلمين ... لو انني لا اعرف ان الأمر مختلف لظننت انه يعجبك .
    وتعالى الدم الى وجهها:
    -
    انت سخيف !
    -
    عجيب .. لقد بدأت اظن ان عليك المضي في الخطبة .
    -
    ولكنك لست متورطاً بشكل شخصي ... والسيد ايفانز ليس عنده اهتمام بالزواج اكثر مني.
    -
    لا؟ ... إذاً لماذا ترك كل هذا يحدث, على كل لم يكن مضطراً للخضوع لأي ضغط من ماثيو , وكان بمقدوره إقناعه بالتخلي عن الفكرة , ولكنه لم يفعل.
    -
    اظنه يهتم بأمر ماثيو , ويريد ان يستعيد نشاطه , فلماذا لا يوافق ؟ الخطبة يمكن ان تفسخ في أي وقت.
    -
    وكذلك الزواج .

    -
    ليس بسهولة ... ولكنني لا ارى اساساً لهذا النقاش بيننا, هل تريد ان تراني متزوجة من مارك ايفانز؟وجلس جيرمان بضع لحظات جامداً وهو يحدق امامه ثم قال :
    -
    لا... إنه على الارجح آخر شخص في الدنيا قد اختاره صهراً لي في ظروف عادية , ولكن الظروف لم تعد عادية , فقد كان جدي صريحاً جداً وبقساوة معي الآن, وصاعداً.
    وتطلع بها مباشرة وتابع :
    -
    لقد اصبح مارك ايفانز في مقعد القيادة , وعليّ ان أتقبل هذا, على الأقل في الوقت الراهن, وإذا كان سيصبح الريس واعمل انا تحت إمرته , فسيكون من المفيد ان اكون قريباً له عبر الزواج , ومن غير المحتمل ان يسبب لزوجته الحزن برمي شقيقها الوحيد الى الدنيا القاسية الباردة.
    -
    لو كنت مكانك لما اعتمدت على هذا, من المؤسف ان ليس هناك درجة استاذ في الانانية الشخصية يا جيرمان, وإلا لكنت على رأس لائحة المؤهلين لها.
    -
    ولكنني افكر بمصلحتك ايضاً, يا شقيقتي الطفلة , فماذا سيحدث لك في غمار هذا التغيير ؟ هل فكرتي في هذا ؟ انت لست مؤهلة بشكل كاف , وحتى لو كنت , ستحدث مشاكل عندما تفسخ خطوبتك مع مارك , مهما كانت زائفة ... فمن سيقوم بالفسخ سيبدو الآخر امامه احمقاً, وهذا سيسبب المشاكل في الشركة.وارتشفت قليلاً من قهوتها , ثم قالت :
    -
    هناك حلول اخرى بالطبع , استطيع ان اتزوج شخصاً آخر.
    ونظر اليها جيرمان باعجاب:
    -
    عليّّ ان اتركك واسافر دائماً! فقد تركتك عانس متدينة لأعود فأجدك وانت تخرجين المرشحين للزواج من خزانتك , من هو هذا الرجل المحظوظ؟
    -
    هناك ايربي...
    -
    غولمان ؟


    وضحك ضحكة مدوية وتابع:
    -
    ذلك ... الراهب!
    -
    إنه ليس كذلك, لم أذكر لك هذا, ولكنني تغديت معه بالامس , وهناك إمكانية ...
    -
    إنه يهواك لاشك, لقد كانت نظرته اليك دائماً بنسبة معكوسة من كراهيته لي, ولكن بعد إعلان اليوم , سوف يقنع عزيزنا ايربي بعبادتك من بعيد, انه سيعمل لمارك ايفانز ابتداء من الأسبوع القادم , وسرقة امرأته ليست على جدول اعماله.
    -
    انا لست امرأة ايفانز!
    وارتجفت من جديد فقال لها جيرمان :
    -
    بالنسبة لايربي انت امرأة مارك, إنه رجل متمسك بالشركة بكل قوة , ولهذا فهو دائماً كان ذا قيمة , وأنا لا افكر فيه كصهر , على الأقل ليس كمارك ايفانز.
    -
    سأتذكر هذا دوماً... هل اقدم لك لائحة بالأسماء , كي تخضع لموافقتك؟ووقفت بغضب دافعة كرسيها الى الوراء.
    -
    ساتصل بايفانز واطلب منه نفي إعلان الخطوبة , او أي شيء ممكن فعله , ولن ابالي به لو بدأ احمقاً.
    -
    ولكنه سيبالي .. وكذلك ماثيو .
    وبردت بعض من النار فيها وقالت :
    -
    كنت ناسية هذا .
    -
    ولكن اتصلي به على كل حال .. فأنا اتوقع ان يكون المراسلون مرابطون على بابه ايضاً, وقد يكون مهماً ان نعرف ماذا قال لهم , وربما تتفقان على تصريح موحد , إلا إذا كنت تفضلين الانتظار حتى صدور صحف الغد, لتكتشفي موعد الزفاف.
    -
    لن يجرؤ على هذا.
    الاتصال بشركة ايفانز العالمية , لم يكن صعباً , وطلبت مكتب مارك واعطت اسمها , وبدا على فتاة الهاتف الذهول , وأوصلتها به رأساً, وجاءها صوت يقول:
    -
    سكرتيرة السيد ايفانز .
    -
    هل السيد ايفانز موجود؟ انا لوسي بانهارد.
    -
    اوه .. آنسة بانهارد انا السيدة بروس, لقد كنت سعيدة جداً عندما طلب مني السيد ايفانز نشر إعلان خطوبتكما, انا اتمنى لكما اطيب الامنيات !
    -
    شكراً لك, هل ليّ ان اتحدث اليه , ارجوك.
    -
    اوه ياعزيزتي... إنه ليس هنا, لقد قال لنا مساء امس انه سيغيب اليوم بطوله .. هل جربتي الاتصال به في شقته؟
    -
    لا... اعتقد ان الرقم ليس متصلاً معكم.
    -
    بالطبع .. إنه مكتوب في مكان ماعندي .. ولكن كل شيء غير مرتب هنا, لا استطيع إيجاده, هل تذكريني به ...
    -
    بالطبع...
    واملت عليها الرقم فدونته لوسي , وقالت لها السكرتيرة:
    -
    واريدك ان تعرفي آنسة بانهارد إذا كان هناك اي شيء ممكن ان افعله لك, ماعليك إلا ان تطلبي .. فالجميع يتطلع شوقاً لرؤيتك عندنا.
    وخفضت صوتها وكأنها تقول سراً:
    -
    السيد ايفانز يحضر لحفلة استقبال على شرفك , هل تعلمين هذا؟
    -
    اجل.. السيد ايفانز لديه مفاجآت سارة كثيرة , شكراً لك على لطفك.

    وببطء وعلى مضض طلبت الرقم , واستمعت الى رنين الهاتف , وقلبها يضج عالياً وهي تنتظر الرد ومضت فترة طويلة , واخيراً سمعت صوت التكتكة التي تنتظرها , واحست بجفاف فمها , فمررت لسانها فوق شفتيها وجاءها صوت سارة كليفتون يقول بخشونة :
    -
    آلو ... من المتكلم .؟ثم بإلحاح اكثر :
    -
    من المتكلم ارجوك؟واعادت لوسي السماعة مكانها وشعرت بلآم تمزقها , وتمنت لو تستطيع الصراخ بصوت مرتفع , وعلمت مابها ... إنها تعلم منذ البداية, مع ان هذا الشعور غريب عليها .. إنها بكل مرارة وعاطفة... تغار .
    والجانب الآخر لهذه العملة .. غير المرغوب فيه ولايمكن الاعتراف به .. هو الحب !


    .ivm hgvlh]


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Apr 2014
    العمر
    16
    المشاركات
    468
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة في المتوسط
    هواياتي
    كتابة الاشعاو والرسم والمسيقى
    شعاري
    برشلونية وافتخر و لي ماعجبوش الحال ينتحر PFF

    افتراضي رد: زهرة الرماد

    مشكورة اختي

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    العمر
    19
    المشاركات
    153
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالب
    هواياتي
    المطالعة السباحة
    شعاري
    ﻟﺴﺖُ ‫#‏ﺍﺷﻜِﻲٌ‬ ﻣِﻦْ ﻓﻘﺪاﻥ ﺍﻳﺎﻣَﻲّ ‫#‏ﺍﻟ

    افتراضي رد: زهرة الرماد


  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Dec 2015
    المشاركات
    11
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: زهرة الرماد

    ​موضوع جمممممممممممممممممممممممي ل

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Dec 2015
    العمر
    19
    المشاركات
    37
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة
    هواياتي
    الموسيقى والرياضة
    شعاري
    تحيا الجزائر

    افتراضي رد: زهرة الرماد

    كالعادة ابداع رائع
    وطرح يستحق المتابعة
    شكراً لك
    بانتظار الجديد القادم دمت بكل خير

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. الربيع زهرة
    بواسطة ​نسيم آڸدکَريآت في المنتدى قسم المواضيع العامة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 24-09-2015, 12:27
  2. حكمة : ذر الرماد في العيون ( قصة قصيرة عن الدهاء )
    بواسطة انحناء سنبلة في المنتدى القصص و الروايات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 17-07-2014, 21:37
  3. صنع زهرة بالكروشي(فيديو)***
    بواسطة بنت الأحرار في المنتدى الخياطة و التطريز
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 08-06-2014, 17:43
  4. من كل حديقة زهرة
    بواسطة رحمة عواشرية في المنتدى قسم المواضيع العامة
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 21-02-2014, 16:49

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •