يا قمرات روايتي

لكن رواية رائعة لآن هامبسون


تسرقين العمر
للكاتبة آن هامبسون
احلام قديمة (47)
الملخص
"ستكونين رابع عروس في ((غريت سليف )) وأجمل وردةفي مزرعتي"وعد أطلقه بيري منذ أربع سنوات .. وخذلته شانا ,
فقد ضحت بعواطف قلبها من أجل نداء الضمير , ولم يغفرلها بيري هذا ...
ودفعتها رياح الحنين بعد الغياب الطويل إلى السفر مععمتها إلى مزرعته , يهدهدها أمل واه أن تكون نيرانالذكريات التي تؤرق لياليها ما زالت متأججة في قلبه .
لكن بيري لوغان سرعان ما أوضح لها أنه لم يعد مهتمآبها , خاصة وأنه الآن خطيب فتاة أخرى ..
1- رحلة الى الماضي
وقفت شانا على حافة المرجة تنظر بفخر إلى خطوط العشب
المخططة المستقيمة , بينما وقفت عمتها في غرفة الجلوس تراقبها
بسرور عبر النافذة .
بعد دقائق وضعت مجز العشب في السقيفة , ثم دخلت الى
حيث تجلس عمتها غلوريا التي كان في يدها صنارتا الغزل .
- كنت أقف معجبة بما صنعته يداي ...والمرجة بعد الجز
رائعة دومآ .
هزت العمة رأسها فلاحظت شانا أن العمة مشغولة البال وهي
على هذه منذ أيام . ترى مالذي يشغل بالها ؟
- لا أحب أن تقومي بهذا العمل في نهاية كل أسبوع . أنت
بحاجة ألى الراحة بعد عناء العمل .
- ولكنني أحب ما أقوم به .
والتفتت فلما لمحت وجهها في المرآة ضحكت :
- ماهذا المنظر ! كيف أتمكن دومآ من تلويث وجهي ؟
هزت العمة كتفيها , ووضعت الغزل على ركبتيها , فبدت
شاردة الذهن . عندئذ قررت شانا أن تصعد وتستحم .. فكرت وهي
مستلقيه في المياه المعطرة الساخنة أن من الغريب ما تبدو عليه
العمة غلوريا هذه الأيام . هناك دون أقل ريب ما يجول في خاطرها
الا أن شانا لن تسألها فمتى أرادت لها العمة المعرفة أطلعتها .
و بينما هي مستلقية في المغطس , دافئة نعسى , سمحت
لأفكارها بالعودة إلى الوراء .... إلى الذكريات .
كان تود شابآ قويآ حين التقته أول مرة ... يومذاك لم تتصور
لحظة أنه سيصبح مشلولآ ويموت صغيرآ ...
وقعت في غرامه إلى درجة الجنون وهي فخورة إلى حد التشامخ
لأنه أختارها من بينهن جميعآ , بيد أنهما لم يتمكنا من الزواج لأن
والد شانا منع عنهما موافقته , مصرآ على أنهما لا يناسبان
لبعضهما , ثارت وغضبت وتخاصمت مع أبيها دون جدوى , فعلى
الرغم من ترك المنزل كانت مضطرة للحصول على إذن أبيها
لتتزوج , وكان عليهما الأنتظار ثلاث سنوات , حدث خلالهما الكثير
الكثير .
ما إن وصلت إلى هذه المرحلة من التفكير حتى حاولت شانا
قطع حبل أفكارها والتركيز على الأستحمام , إنما لا جدوى , فقد
تطفل بيري لونغ على أفكارها دون عناء .. بيري الذي كان عليها
نسيانه منذ زمن طويل ..لفت نفسها بمنشفه وخرجت ألى غرفة
نومها المطلة على تلال خضراء , تشرف على بلدة شروزيري حيث
تسكن الآن مع عمتها التي أوتها بعد وفاة تود منذ ستة أشهر .
وعمتها أرملة ليس لديها أولاد , ورحبت بأن تعيش أبنة أخيها
معها .
يومذاك بكت شانا على خسارة منزلها الصغير وقالت بصوت
يغمره الحزن :
- لم أكن لأفكر أن شقيق تود قد يطردني من المنزل , لقد
أستأجرناه منه لأن تود لم يكن يكسب مالآ ... كما تعملين .
كان المنزل ملكآ لديوغ , شقيق تود الذي أجرهما المنزل حين
تزوجا بسعر معقول . ولكن بما أن ديوغ رجل عملي وجد أن لا بد
من عرض المنزل للبيع بغية الربح .
أجابتها عمتها وقتذاك :
- إنه عمل شرير ...
وأضافت على الفور أنها ستكون مسرورة بمشاطرتها المنزل
بشكل دائم . وهذا ماكان فقد نقلت شانا ممتلكاتها البسيطه المثيرة
للشفقة . ثم بقيت قي عملها المرموق في مخزن بيع الملابس
النسائيه كبائعة , تتمتع بالشعور بالأستقرار والهدوء من جديد في
منزل عمتها وفي عملها , كانت الحريه ممتعة بعد الوقت الذي
أمضته مع تود الذي بسبب حالته , كان نزقآ سريع الغضب , مع
زوجته .
حين كانت تراه العمه كانت تنظر إليه وهو في الكرسي
المتحرك وتقول :
- إنك لا تدري أبدآ متى ستشفى ! إن أي إنسان أخر كان
سيضعك في ملجأ !
وكان يرد غاضبآ :
- أصمتي ... وأخرجي من هنا !
- لا أدري لماذا تزوجتك ! وانت على ماأنت , مقعد مدى
الحياة .....
وكانت شانا تسرع للتدخل متوسلة :
- عمتي .... أرجوك ... سأزورك الأربعاء القادم ... أرجوك أذهبي
الآن .
وهذا ماكان الحال عليه , ثلاث سنوات ونصف من زواجها ,
غير أنها كانت تحس أحيانآ رغم صبرها و شفقتها أنها قد أكتفت من
حياة العبوديه هذه ... كانت تعمل طوال النهار , وتعود الى البيت
لتقوم بعملها المنزلي , أضافة الى العناية بزوجها المقعد , وكانت
تحس كذلك أن الحياة تمر بها متجاهلة وجودها . وأنها ستبقى على
هذه الحال حتى تصبح عجوزآ هرمه .
فلم تكن تحيا حياة عادية كالتي يحياها أصدقاؤها الذين
تزوجو وأنجبو أطفالآ وعملو وما زالو يعملون لبناء مستقبل
أفضل . كان الجميع يشفق عليها , وقد حدث أن قالت لها صديقة
مشفقة عليها :
- كيف تعيشين معه شانا دون معاشرة زوجيه ؟ أنا لن أطيق
الحياة التي تحيينها . ولو كنت مكانك لما تزوجته بعد الحادثة التي
أقعدته وأفقدته ساقه . أعلم أن في قولي أنانيه كبيرة لكن كنت
سأضطر للتخلي عنه .
- كيف أتخلى عنه وليس له من يعينه . لقد رفضته زوجة أخيه
وقالت إن من الأفضل له الذهاب إلى الملجأ .
- أذن لقد فكرت في التخلي عنه ؟
أطرقت شانا حينذاك برأسها رافضة متابعة الحديث بهذا
الموضوع . فقد كان هناك بالفعل أسباب بناءة للتخلي عن تود , إنما
لا تعود إلى عجزه .
- شانا ... عزيزتي ... الشاي جاهز !
ردها صوت العمة الى واقعها , فأسرعت تجفف نفسها .
- سأكون معك بعد دقائق . صبي الشاي , فأنا لا أحبه ساخنآ.
بينما كانت ترتدي ملابسها راحت تنظر في المرآة الى جسدها
اذي لم يتغير منذ كانت في الثامنة عشر . فهو مازال نحيلآ
وجذابآ وخلابآ , لقد مرت أربع سنوات منذ أن قال لها بيري لونغ
هذه الكلمات وهو يمسك خصرها بين يديه :
- يمكنني أن أقيسه بين يدي دون عناء .
ورفعها عن الأرض بالسهولة نفسها . كان شابآ طويلآ , بهي الطلعة ذا جسد نحيل قوي أكسبه شهرة كبيرة , وكان صاحب مزرعة
مواشي في غريت سليف في نيوزيلندا . حين التقته شانا وهو يقوم
بزيارة لأقاربه في أنكلترا قال لها :
- لقد خلقنا ليكون أحدنا مكملآ للآخر . لم تكوني تعرفين
صالحك في الثامنة عشر حبيبتي . أما الآن وأنت تشرفين على
الحادية والعشرين فتعرفين ما تريدينه . قولي هذا لتود , يفهم
وضعك .
انتفضت ثانية عندما سمعت صراخ عمتها :
- شانا ماذا تفعلين فوق بحق الله ؟
- آسفة عمتي ... سأنزل حالآ .
وجدت الشاي على صينيه فوق طاولة قرب الأبواب الزجاجيه
الموصله إلى الشرفه المطلة على منظر الحديقة الجميلة ومرجها
التي عمل فيها المجز عملآ رائعآ . كانت الطيور تصدح فوق
شجيرات الكبوش والأزهار الملونه في هذا الجو الدافئ وكانت
الماشية ترعى في سفح التل حيث الربيع يودع عنده أيامه ناشرآ
شذا النرجس البري والقرنفل العطر وفارشآ بساطآ أخضر في كل
مكان .
نظرت العمه إليها بفضول :
- أنت لا تتاخرين عادة في ترتيب مظهرك ؟ ماذا كنت تفعلين ؟
اعطت شانا أشارة من يدها وهي تجلس :
- كنت غارقة في التفكير عزيزتي .
عبست العمه :
في الماضي ؟! وهل هناك غيره في ذاكرتك ؟ آن لك أن
تضعي كل تعاستك السابقه في متاهة النسيان شانا , لبدء حياة
جديدة .
نظرت شانا إليها بسرعة , ففي نبرة صوتها , وهي تنصح أبنة
أخيها بالبدء من جديد رنة غريبة .
- وكيف للمرء أن يبدأ من جديد عكتي ؟



تناولت العمه أمام دهشتها طبقآ من السندويشات وقدمته
إليها .... ثم قالت بعد قليل من غير سابق أنذار :
- مارأيك برحلة إلى نيوزيلندا ؟ . أفكر في زيارة بيري .
خيم على أثر هذه الكلمات صمت مطبق أحست خلاله شانا
باللون يهجر وجهها .
- لا أفهم ... من أين لك المال الذي يخولك السفر الى نيوزيلندا .
- لقد ربحت جائزة صك تأمين .
- ربحت جائزة ؟ متى كان هذا ؟ لم تأتي على ذكر الأمر من
قبل .
- ربحتها في الشهر الماضي , وقد تساءلت عما أفعله بالمال .
أوه أعرف أن بإمكاني إدخاره إلى يوم أسود غير أن هذا عمل يعوزه
الخيال ... الا تظنين هذا ؟ قررت أن أراسل بيري لأرى إن كان
يرحب بنا .
وصمتت العمة .. ولم يكن هناك مجال للخطأ في العبوس الذي استقر بين عينيها حين أردفت :
- كان ... كان أكثر من راغب في أستقبالنا .
ردت شانا , وصوتها الهادئ السلس عادة , تشوبه الحدة :
- أذهبي عمتي ... بكل ترحاب . إنما من المستحيل أن
أرافقك . لدي وظيفتي , وهناك المنزل والحديقة , فكيف نهجرهما .
أحست فجأة بقلبها تتسارع خفقاته . أيعقل أن يكون لذكر اسم
بيري بعد أربع سنوات طوال هذا التأثير في قلبها ؟ هي ماتزال تذكر
غضبه حين قررت عدم ترك تود في محنته , كان غضبه لا يوصف
إلا أنه سرعان ما استبدله بجو من الكبرياء وعدم الا كتراث , وقال
لها وهو يفارقها :
- امضي في طريق عنادك ! فلا أريد أن اراك ثانيه مادمت على
قيد الحياة . إنني أحمد الله لأنني على بعد آلاف الاميال عنك .
عاد اليها صوت عمتها ليوقظها من ذكرياتها :
- لا أستطيع الذهاب وحدي شانا .. تعرفين جيدآ أنني أخاف
ركوب الطائرة .
- سافري بحرآ أذن .
- تستغرق الرحلة وقتآ طويلآ .. لا .. يجب أن ترافقيني .
ومدت يدها الى فنجانها فارتشفت قليلآ من الشاي . إنها تعرف
ماتفكر فيه عمتها وتمتمت وكأنها تعبر عما يجول في رأس العمة :
- لا أحسب أن بيري متزوج . لأنك ماكنت لتقترحي هذه
الرحلة لو تزوج .
- أرى أنك فهمت الصورة , لذا لن أخفي دوافعي . فأنا لا أرى
ما يحول دون اجتماعكما ثانية بعد ترملك وتحررك من ذاك العبء
الرهيب الذي أعتبر جميع من يعرفك موته رحمة , فليس هناك فتاة
من بين مليون فتاة تتزوج من رجل لا يؤمن لها الحياة المرحة ولا
المعاشرة . أما لقاؤك ببيري فاعتبر نفسي مسؤلة عنه . لذا منذ
مغادرته البلد غاضبآ وأنا ألوم ذاتي على تعاستكما .
- لا مجال للومك ... كان بيري يزور أبنة عمه السيدة دالمونت
حين التقيناه . لذا دعك من لوم نفسك على مالم يكن لك شأن
فيه .
- كانت السيدة دالمونت صديقتي , ولولا طلبي أن تقليه
بسيارتك الجميلة الصغيرة لما حدث ما حدث .
- كيف تديرين الأحداث كما يحلو لك عزيزتي .. لن أستمع
إلى مثل هذا الهراء .
صمتت العمة مفكرة ... ثم :
- سأعود الى موضوع الرحلة الى مزرعة بيري .. لقد راسلته .
- ما علمت أنك معه على علاقة تحدوك الى مراسلته .
أتتراسلان منذ زمن ؟
- لا عزيزتي . راسلته فقط بعد أن ربحت الجائزه . سألته أذا
تزوج فكان رده سلبيآ عندئذ أخبرته أنك حرة أخيرآ منذ أشهر .
- أهذا ما قمت به حقآ ؟ إن خطابك له كان موجهآ .
وصبغت حمرة الحياء وجه شانا فأضفت فتنة إلى قسماتها
المحاطة بكتلة براقة من الشهر الذهبي الشاحب الطويل , المسترسل
حتى أطرافه . كانت عيناها البنفسجيتان تلمعان سخطآ على رسالة
عمتها الحاملة بين طياتها تلك الكلمات الجرئة أي جرأة .
- حقآ ... عمتي ... ماكان يجب أن تكتبي الرسالة على ذاك
النحو!
صفقت العمة بيدينها :
- على ذاك النحو ؟ وأين الخطأ في الطلب منه القيام بزيارة له ؟
لقد كنت على وفاق إلى حد الوقوع في حبك . أعرف أنه سيسر
برؤيتنا .
أحست شانا بشحوب وجهها الآن بعد تلاشي اللون منه .
- .. ولكنه كرهني قبل سفره .
قالت العمة بعد لحظات صمت :
- لم تطلعيني على هذا . إذ كان كل ما ذكرته أنك رفضت
التخلي عن تود للزواج به , وقد كنت ما زلت أتوق إلى معرفة ما
حدث حقآ .
كان في نبرة صوتها دعوة مفتوحة فلم تجد من بد معها من أن
تقول شانا :
- شعرت دومآ بأن أبي كان مصيبآ في رأيه فلم أكن وتود
مناسبين لبعضنا بعضآ وقد حدث في الواقع أن أقترحت على تود
الافتراق ولكنه وقتذاك كان مرهف الحس .
وهزت العمه رأسها متفهمه :
- لقدواجهت صعوبات عاطفيه كبرى ... أليس كذالك ؟
- صحيح ... وكنت قد بدأت أشعر بأنني سخيفة وأن الانتظار
اصبح ثقيلآ . غير أن تود قال إن الامر سيختلف حين نتزوج .
- أفهم هذا ... إن هذه الصعوبات قد تكون رائعة إذا كان
الإنسان يحب الشخص الآخر . فقد كنت افتعل المشاكل مع زوجي
عمدآ حتى يلذ لنا التصالح .
ابتسمت شانا غصبآ غير أن أفكارها عادت إلى لقائها الأول
ببيري . فبعد أن تعرفت إليه تزايدت خفقات قلبها بطريقة مثيرة .
وارتجف جسدها من رأسها حتى أخمص قدميها وأحست بالخجل
وأنعقد لسلنها , أما بيري فسره تأثيره الكبير فها .
- يومذالك اصر بيري على أن أقابله واخرجني للعشاء .
كانت تحاول بقولها ذاك أن تخرج نفسها من الذكريات :
-أذكر أنني أحسست بالذنب كنت اتمتع بوقتي معه. مع
ذلك أعي تمامآ أنني مخطوبة لتود , وكنت خلعت خاتمي وهذا
مازاد الشعور بالذنب .
وعلقت عمتها :
-قد يكون الضمير أحيانآ مزعجآ للغاية. أكملي عزيزتي.
- كان بيري متسلطآ .. لم يصغ الي حين قلت إن علي ألا أراه
ثانيآ . وقد حدث أن كثرت لقاءاتنا وكأن القدر ساعده , فلقد سافر
تود الى اسكتلندة ففقدت بذالك من يراقبني .. أذكر انني تركت
عملي عدة ايام ليتسنى لي الخروج معه بسيارة استأجرها... ففي
ذالك الوقت بدا فجأة اننا نعرف بعضنا بعضآ منذ مدة طويلة ,
.... وكان الامر غريبآ عمتي ... غير طبيعي .
- لم يكن غريبآ بل وقوعآ في الحب . كان كل منكما يكمل
الآخر. وهذا امر بعيد كل البعد عن الغرابة . انه حدث طبيعي ,
وجميل بل هو أجمل مافي الوجود لأنه الحب شانا .. الحب
الحقيقي !
- فكرت في إرجاع الخاتم الى تود حالما يعود من رحلته ولكنه
أصيب بذاك الحادث المشؤوم , كما تعلمين , وبما أن أخاه كان
مسافرآ فقد طلبوني لأكون معه في المستشفى .. فامتلأ قلبي شفقة
عليه .. عمتي .. كنت أحب بيري حتى الجنون , ولكن تود كان
يحتاجني . أما الباقي فتعرفينه .لقد عاد من السفر أخوه وزوجته
مارغريت التي قالت ما إن رأته إنها لا ترغب في كسيح في منزلها
يقيد حركاتها .. فكان أن اتخذت قراري .
امتد الصمت طويلآ بينهما , كانت خلاله شفتا العمة مطبقتان
بشدة . تعرف أنها حاولت يومذاك اقناع ابنة اخيها بالعدول عن
قرارها فمن العبث العيش مع رجل عاجز حتى عن اكتساب
معيشته . رجل لن يعطيها سوى القلق والجهد في العمل . وكما بدا
فيما بعد أنه أعطاها إلى ذلك كله ألم القلب على مختلف وجوهه إذ
كان جاحدآ لا يعرف معنى العرفان بالجميل . فبعد اسابيع على
زواجه اصبح كل شيء عنده امرآ محتمآ .. فلم يعد يمانع في خروج
زوجته للعمل لإعالته بل أصبح همجيآ يكاد لا يقول لزوجته كلمة
متمدنة .كل ذلك شهدته العمة بأم عينها ولم تشهده مرة يقول لها
كلمة شكرآ , حينتقدم له فنجان شاي أو تأتيه بسكائره أو بحلواه
المفضل . وكانت تمضي الشهور عليها دون أن تشتري ثوبآ جديدآ
ودون أن ترى من الحياة ما يبهج . ولم يحدث في السنوات الثلاث
التي بقيت فيها متزوجه به أن عطلت يومآ أو قامت برحلة الى مكان
ولو ليوم واحد .
كان التهاب الرئتين الذي أودى بحياته , نعمة من الله , هذا ما
فكرت فيه العمة دائمآ مع أنها أخفقت هذا الشعور عن ابنة اخيها
التي قالت , حين قيل لها إن لا أمل منه , بصوت مفجوع :
- إنه صغير جدآ ..أليس الامر مهولآ عمتي ؟ إنه يحتضر في
مثل هذا السن !
نظرت العمة الى ابنة أخيها الآن وهما جالستان قبالة يعضهما
بعضآ . أجل ... لقد كان التهاب الرئتين نعمة من الله !
- لن أسأل ما اذا كنت مهتمة ببيري , فلقد شاهدت هذا في
عينيك طوال ازمتك . وشاهدت الندم على ما كان . ألم تسأليني منذ
قليل , كيف للمرء أن يبدأ من جديد .. إن الجائزة التي ربحتها
ستجعلك تسافرين إلى بلاد بيري .
- حبآ بالله عمتي لن أسافر الى نيوزيلندا لأرمي نفسي عليه..
لقد قلت لك إنه كرهني قبل سفره .
- أهذا ما قاله لك ؟
- كانت الكراهية مسطورة على وجه .
- هراء ! فالرجل لا يحب في لحظة ويكره في أخرى .
- قال إنه لا يريد رؤيتي مادام حيآ .
- إنه رد فعل طبيعي يقوم به من اعتاد على أن تنفذ أوامره
ورغباته , وقد طلب منك التخلي عن تود فرفضت .. وكان يعلم
مثلنا جميعآ , انك مخطئة في اتباع طريق تدمير حياتك وحياته معآ.
لذا أفهم غضبه .
تمتمت شانا
2- أرض الأحلام
بعد أميال وأميال من السفر الطويل في عمق الاراضي
النيوزيلندية التي كانت فيها الماشية ترعى , ورعاة البقر يبدون من
بعيد كأنهم ملتصقين بأديم الأراض . اشار بيتر أخيرآ الى منطقة
حرجية برزت أمام الناظرين خلف تلة صغيرة , وقال باختصار :
- ها هو المسكن ..
ثم زاد لا شعوريآ سرعة السيارة فقد اخذ منه التعب بعد هذه
المسافة الطويلة كل مأخذ وقد بدا ذلك في نبرة صوته , وفي تثاؤبه
بين الحين والآخر وفي عينيه المتعبتين من وهج الشمس وجبينه
المتصبب عرقآ .
المسكن ... إنهم يدنون منه . رأت شانا أن له اطلالة مبهجة ,
ونباتات متعرشة تتربع على جدرانه مضفية عليه مظهرآ فاتنآ ملونآ.
المبنى واسع كبير , تظهر عليه آثار السنين التي تجاوزت المئة
وعشرين سنة والحدائق تحيط به من كل جهة وقربها أراض وأراض
لا تنتهي تقف أمامها جدرانه الملوحة القابعة تحت النباتات
المتعرشة الممتدة إلى سطح الأرض .
كانت أشجار (( البونسيتا)) ذات الأوراق الحمراء القرمزية الملتفة
حول أزهارها البارزة الى الأمام تشكل بقعآ من الألوان منتشرة في
كل مكان أما اشجار نخيل البالم المروحي الأغصان واشجار الآس
الصمغي فيشكلان سياجآ حرجيآ طبيعي يحدق بالمنزل ويحميه من
الريح والشمس . من الناحية الغربية للمنزل بعيدآ عنه قليلآ , تقوم
بيوت الرعاة والموظفين وفي الجهة الشمالية منه ثمة قسم ((حرس
الجبال )) التابع للدولة , فعملت شانا أن لكل مزرعة من هذه المزارع
المترامية الأطراف في نيوزيلندا نظامآ إداريآ تابعآ للدولة خاصآ بها
وان مزرعة غرين سليف ينطبق عليها أيضآ هذا النظام , لأنها تأوي
عددآ كبيرآ من العائلات تعيش في مساكن يستطيع ساكنوها أخذ ما
يريدون من حليب وخضار ولأن لها مدرسة ومحلآ تجاريآ
وتسهيلات للاستجمام والراحة وتنقلات مجانية إلى أقرب بلدة
لتسهيل عملية شراء مايلزم مما ليس موجودآ في دكان القرية وفي
غريت سليف طبيب أرمل , استدعي قبل سنتين حين كان في رحلة
استكشافية في المنطقة التي أقام فيها أسبوعآ قبل أن يعود الى بلده
لتسوية بقية أعماله , وقد حدث بعد أن أنهى ماعليه من التزامات
أن عاد إلى القرية الصغيرة ليتولى الطبابة بناء على طلب من بيري
لونغ وهو الآن نصف متقاعد !
حين خرجت العمة من السيارة تمطت ثم تثاءبت :
- ها قد وصلنا أخيرآ لا أطلب الآن أكثر من حمام وفراش .
ترجلت شانا أيضآ فأسر انتباهها مارد طويل نحيل كان يهبط
درجات الشرفة الامامية بحركات طفل في العاشرة . قطع المسافة
القصيرة التي تفصله عن زائرتيه برشاقه , فاكتشفت شانا انها
ترتجف , وأن أعصابها تتشتت وسيطرتها تفلت من زمام نفسها . لقد
تغير ... كان انطباعها الأولي هذا مخيبآ لآمالها فالسنوات العابرة
طبعت على قسماته خشونة تذكر انها قاسية , ليس إلا وبدا فمه
أرق , وعيناه الرماديتان أكثر حدة ونفادآ , والخطوط حولها أشد
بروزآ على بشرة ذهبية لماعة . أما الشيب على فوديه فقد زادته
السنين قليلآ .
-بيري ... !
خرج اسمه لا إراديآ من فمها . لا يبدو أن شيئآ في مشاعرها
تغير . إنها الآن في هذه اللحظة قد تذوب دون وعي بين ذراعيه ..
لا .. لا شيء في مشاعرها تغير , على الرغم من تغيير بيري
السطحي ... مدت يدها بلهفة وشوق الى يد بيري السمراء القوية :
- ما اشد سروري برؤيتك ثانية .
ولكنه لم يرد عليها الابتسامة .. فحدقت إليه حائرة . حالما
سحب يده من يدها التفت إلى عمتها قائلآ :
- لعلك أمضيت رحلة ممتعة سيدة جيليس ؟
- كانت ممتعة ... ومثيرة ! ماأروع موافقتك على استقبالنا يا
بيري .. اتمانع ان اناديك بيري ؟ فمناداتك بالسيد لونغ رسمية
للغاية .
- لا مانع لدي أبدآ .. والآن .. تفضلا لتناول الطعام
والشراب ... فانتما دون شك بحاجة الى بعض المرطبات سترافقكما
إحدى الخادمات إلى غرفتيكما اللتين أرجو ان تعجبكما .
ردت شانا التي غدت فجأة مصممة على جذب اهتمامه :
- نحن على يقين من هذا .
التفت إليها لينظر إلى عينيها البنفسجيتين فلما رأى نظرة
الارتباك فيهما , قطب حبينه قليلآ وكأن فكرة ما عنت على باله .
- كيف حالك هذه الايام شانا ؟ أطلعتني عمتك على ترملك .
أقدم لك تعازي .
لم يكن في صوته أو نظرته دليل على تعاطفه بل بدا لها من
المستحيل أن يكون هذا الرجل احتواها يومآ بين ذراعيه وجعلها
تلمس حبه وتملكه . فجأة أحست أنها تود الرحيل فما هذا بالتصرف
المرجو من رجل كتب في رسالته أنه يتطلع شوقآ إلى رؤيتها ثانية .
- أنا بخير .. شكرآ لك بيري .
أطلت عليهما فتاة سمراء تقف في الشرفة وكأنها تنتظر شيئآ
فأضافت شانا بسرعة :
- أتنتظرنا هذه الفتاة ؟
التفت بيري ثم هز رأسه إيجابآ فهذه المرأة تنتظر إرشاد
السيدتين إلى غرفتيها .
-إذن سأذهب .. اذا كنت لا تمانع ؟
خرجت منها هذه الكلمات بتحفظ وتباعد ثم وقبل أن تترك
مجالآ له للرد تركته وعمتها معآ , وانظمت الى لونا , التي اقتادتها
من غرفة جلوس مجهزة بعناية وروعة الى ردهة عالية السقف فيها
درج هلالي عريض يفضي الى غرفة نوم تطل على الحديقة
الأمامية .
سألتها الفتاة مبتسمة :
- أهناك شيء آخر تريده الآنسة ؟
- حقائبي .
- إنها في غرفة الملابس .. سأفرغها اذا شئت ؟
هزت شانا رأسها وهي تنظر الى باب مغلق داخل الغرفة .
- شكرآ لك.. سأقوم بهذا العمل بنفسي .
حين خرجت الفتاة , تقدمت شانا من الباب المغلق فتحته .
كانت حقائبها موضوعة على كرسي خشبي سندياني مرتفع . في
الغرفة الفخمة خزانة وطاولة زينة , التقطت منها احدى الحقائب
وحملتها الى غرفة النوم فوضعتها على السرير ثم فتحتها . كانت
عيناها مظلمتين بالدموع وهي تفرغ الحقيبة بشكل آلي , لم تكن
تفعل ذلك إلا لتشغل بالها بما يبعدها عن التفكير باللقاء البارد
الذي تلقته من بيري .
اكتشفت أنها باردة وأن يديها وجبهتها باردتين أيضآ , فارتجفت
متمتمه :
ماكان يجب أن آتي !
أحست أن لديها عوارض الانفلونزا , ولكنها كانت تعلم أن
الأمر نفسي لا جسدي ....
-لا .. ماكان يجب ان آتي .
كانت النافذة مفتوحة على مصراعيها تتلاعب الريح بالستائر
الجميلة فتحملها الى داخل الغرفة . تقدمت تغلقعا إلا أنها توقفت
قبل ان تصل اليها إذ كانت الآن تشرف من حيث تقف على المكان
الذي وقفوا فيه جميعآ ساعة وصولهم , وها هي العمة وبيري لا
يزالان يتحدثان فسمعت عمتها تقول :
لا تقدم أي تبرير يا بيري ... أعتقد أنه كان عليك ان تكون ألطف
بعض الشيء في معاملتها .
- سيدة جيليس .. ألم أطلب منك عدم اصطحابها معك . لقد
سألتني في رسالتك إن كنت أرحب بك ضيفة عندي وذلك بعد أن
شرحت لي رغبتك في السفر مع شانا التي تعيش معك منذ ترملها
وسألتني اذا كان بإمكانك اصطحابها معك . وقد أجبتك عن
رسالتك بكلمات واضحة سيدة جيليس تفيد أنني أرحب بك بدونها
وكنت قد قررت بعد لأي تفكير ألا أقبل بها ضيفة عندي . وعندما
وصلني خطابك الثاني بدوت متفهمة طلبي ولكنك قبل سفرك
مباشرة كتبت تخبرينني بأنك ستصطحبين شانا معك لأنك لم
تستطيعي تركها وحيدة .
- منزلي يقع في بقعة منعزلة بيري .
- هذا لا يعنيني سيدة جيليس إلا أنني للأسف لم أجد متسع
من الوقت للرد على رسالتك الأخيرة .. لو سنح لي الوقت لقلت
لك بشكل حازم انني لا أرحب بشانا ضيفة منزلي .
ارتدت شانا الى الوراء وقد ابيضت شفتاها ووهنت ساقاها
فوضعت أصابع مرتجفة على جبهة مبللة تحس بألم يلمع في
رأسها , يمتد إلى لحاظ عينيها ... وانطلقت الدموع ...
كانت كلمات عمتها لا تزال تصل اليها بوضوح من حيث
يقفان .
- أفهم شعورك .. فقد آلمتك شانا كثيرآ .
حاولت شانا التراجع إلا أن ساقيها لم تطيعاها فسمعت صوت
بيري بصوت أجش , تطغى عليه مرارة حقيقية :
- لقد رمت بي بعيدآ عنها سيدة جيليس .. بعد أن وعدتني
بالزواج .




- كان هذا في الماضي بيري .. لقد احببتها مرة ..
أصبح هدف العمة واضحآ .. فقد تعمدت الكذب لتقنع شانا
بأنه يرحب بها في (( غريت سليف )) .
- كان هذا مرة ...
- وبإمكانكما البدء من جديد .
أحست شانا بالحرارة تحل مكان البرود .. لماذا لاتتقبل
عمتها الحقيقة فتدع الامر وشأنة ؟
- لا أستطيع البدء من جديد ! أولآ لأنني لا أرغب في ذلك ,
وثانيآ لأن لي خطيبة .
- خطيبة ...
تحركت ىلآن شانا باتجاه السرير وشرعت تغلق آليآ حقيبتها
التي وضعتها على الأرض , ثم خلعت حذاءها واستلقت على
الفراش , تضغط جبينها المتألم على الأغطية الباردة . وهطلت
دموعها دون تحفظ دقائق حتى ادركت انها بللت أغطية الفراش
الجميلة . فنهضت , تكره ضعفها وتزجر نفسها وتدفعها إلى أن
تستعيد شتات ذاتها بعد الضربة التي تلقتها أحلامها بعودة المياه
الى مجاريها مع بيري .
دخلت الحمام لتستحم .. ثم خرجت لترتدي أجمل أثوابها ..
وكان فستانآ من القطن المزين بالرسوم , اشترته خصيصآ للجو
الحار . ساعد مظهره المنعش وألوانه النضرة على رفع روحها
المعنوية كما آزرها الماكياج الذي زينت به خديها وشفتيها . لذلك
بدت حين انضمت الى عمتها وإلى بيري الرابط الجأش متماسكة
الأعصاب .
كانت مسرورة لأنها سمعت الحديث الذي جرى , ذلك أنها
منذ الآن فصاعدآ ستكون حذرة لئلا تتعرض لخطر التودد الزائد له
ولئلا تتركه يعرف مافي قلبها من مشاعر . كانت تتمنى طبعآ لو
تغادر المكان حالآ إلا أن هذا مستحيل وليس عليها إلا أن تتبنى
تصرفاته وتعامله ذات المعاملة التي اتخذها . اما بالنسبة للعمة فرغم
احتقارها لتآمرها , فتعترف بأن نواياها كانت طيبة شريفة ولذلك
قررت ألا تظهر أمامها التعاسة التي خلفتها في قلب ابنة أخيها كما
رأت ان أبسط الطرق لإراحة عمتها أن تقول إنها بعد مقابلة بيري
أحست إن كل ماكانت تشعر به تجاهه قد ولى ! ما أصعب ما
سيكون عليها التلفظ بهذه الكذبة .
غير أنها عازمة على ذلك لأن عمتها ساعتئذ لن تلوم نفسها
على فعلتها فتسطيع التمتع بعطلتها . إنها الآن لا تتمنى إلا أن تفقد
عمتها الرغبة في البقاء وذلك لئلا تتحمل عذاب رؤية بيري يوميآ أو
تضطر الى التصرف وكأنها لا تضمر له شيئآ .
حين دخلت غرفة الطعام , أخبرها بيري فورآ :
- إن العمة تستريح , لقد أرسلت إليها بضع سندويشات وابريق
شاي .
ثم جذب لها بتأدب كرسيآ لتجلس عليه , فشكرته بطريقة جافة
باردة توازي طريقته ولكنها لم تنس أن تضع على شفتيها ابتسامة مع
أن نصلآ حادآ كان يدور في قلبها فيمزقه .
- أتعبتها دون شك الرحلة الطويلة , ستكون على ما يرام حين
تنام قليلآ .
غير أن بيري لم يكن يصغي إليها بل كان يوجه اهتمامه الى
أوراق موضوعة أمامه . عندما قدم الحساء وجدت شانا نفسها لا
ترغب فيها أبدآ .
فلما لا حظ بيري ان ضيفته وضعت ملعقتها من يدها وتراجعت
الى الوراء سألها بقلق :
- أهناك شيء خاطئ ؟
- لا .. إنه لذيذ . ولكنني لا أشعر بالجوع .. هذا كل شيء ؟
أحست أنها دخيلة , ضعيفة , ضيفة غير مرحب بها في منزله .
- أتودين شيئآ آخر ؟ عصير البرتقال ؟ كوكتيل فاكهة ؟
هزت رأسها :
- لا .. شكرآ لك بيري .. سأتناول قطعة لحم , وبعض
الخضار .
لم تكن ترغب واقعآ في شيء . إلا أنها تعرف أنه سيصر على
ان تتناول الطعام وإن أصرت على الرفض يحس بأنها غير مرتاحة
أو مستأنسة , وربما إن صدق مع ذاته اعترف بأن عدم استئناسها
يعود ءليه . ويبدو أن هذا ما شعر به فعلآ .. فقد راح يوليها
اهتمامه , فوضع الأوراق جانبآ .. وسألها بعد عشر دقائق من
محادثة عادية :
- كم ستمكثان في منزلي ؟
- ليس لدي فكرة في الواقع فأنا .. نحن .. لا نريد إقلاق
راحتك بيري .. لذلك يجب ان تخبرنا حين نثقل عليك بوجودنا
وتشعر بأنك لا ترحب بنا .
هل اجفله ما سمع ؟ آه ليتها لم تذكر هذه الملاحظة , فهما في
كل الأحوال قد وصلتا منذ برهة لذا ليس طبيعيآ أن يصدر عنها هذه
الملاحظة .
- نحن عادة نترك زائرينا يقررون مدة مكوثهم .
- نحن ؟
أفلتت الكلمة من فم شانا قبل أن تفكر فيها . إنها دون شك
تفكر في خطيبته . ولكن أتشملها لفظة نحن هذه التي تفوه بها ؟ لا ,
لا يمكن فخطيبته لا تعيش في منزله .
- نحن الرعاة والمزارعين نرحب بالزائربن الذين يأتون إلينا
بشكل دائم فالسواح حين يفدون علينا يطلبون مضجعآ يبيتون فيه
ليلتهم أو مكانآ يستريحون فيه من عناء السفر أو مساعدة ليشيدوا
مخيمآ , وهناك من السواح من يأتي حبآ بنمط حياتنا أو سعيآ
للانتقال من جانب البلاد الى الجانب الآخر .
تلاعبت شانا باللحم أمامها :
- فهمت .. أليس لديك ضيوف آخرون في الوقت الحاضر ؟
- لا .. إنما بعد اسبوعين سيكون لدينا طالبان من كلية الزراعة
الواقعة في كريستشرش . والطلاب عادة يفدون علينا بشكل دؤوب
ليتعلموا كيف يطبقون ما يتعلمونه نظريآ على أرض الواقع .
- أهم من الرجال ؟
- أجل . وقد يصلنا في بعض الأحيان طالبات .
- إن مهنتهم هذه دون شك مثيرة للاهتمام .
لم تكن تلك المحادثة إلا سبيلآ إلى تمضية الوقت بين غريبين
تقريبآ .. كان بيري قد قال لها بحنان في الماضي إنها ستكون
عروس المزرعة الرابعة وإنها ستكون أجملهن و أحبهن إلى قلوب
الجميع .
عادت أفكارها إلى خيارها الذي اتخذته والذي حرمها من بيري
وحرمه منها ثم لم تلبث أن عادت إلى الرحلة وآمالها الواهية التي تحطمت على صخور الحقيقة بعد دقائق من وصولها . بيري يوشك
على الزواج من فتاة أخرى مما يعني أن لا مكان في المزرعة للفتاة
التي احبها , يومآ . أو لذكريات أليمة غابرة كانت تجعلها الآن
ترتجف .
قال بيري وهذا ما أدهشها .
- هل أنت بخير شانا ؟ أنت شاحبة جدآ . وتبدين .. متضايقة
بطريقة ما ؟
كيف ترد على هذا السؤال ؟ عليه ألا يكتشف الحقيقة . لقد
مات حبه لها , ويجب ألا يعرف أن حبها مازال على عهده .
- لست على طبيعتي منذ وفاة تود ...
ولم تكن تكذب .. فتوتر السنوات الطويلة الخالية من الشكر
والامتنان ازداد بعد وفاة زوجها وقد ذكر الطبيب لها أن ما تشعر به
ردة فعل طبيعية .
سمعت صوتآ موجزآ مؤدبآ , ولمحت عينين ضيقتين :
- لقد مرَ على وفاته ستة أشهر .
ومد يده الى طبق فضي أفرغ منه بعض السلكة في صحن
فصمتت شانا لحظات تراقبه سعيآ الى تغيير دفة الحديث .
- هذا صحيح ... هل تزرع كل هذا بنفسك ؟
نظر اليها مقطبآ وقد اعتلت وجهه الحيرة بسبب هذا السؤال
الذي لا علاقة له بموضوع حديثهما أبدآ .
- نحن في الواقع نعتمد على أنفسنا هنا .. أجل .. وهذا
ضروري فأقرب بلدة منا تقع على بعد سبعين ميلآ .
- أهي بعيدة إلى هذا الحد ؟ أعلم أن المزارع بعيدة جدآ عن
بعضها بعضآ .
- إن اقرب جار لي تقع مزرعته على بعد مئة ميل قريبآ من
بحيرة إليكسندرا .

:
علمت شانا بالبديهة ان هذه المزرعة التي يتحدث عنها هي
موطن خطيبته فسألته :
- وهل أصحابها أصدقاء لك ؟
تردد قليلآ ثم قال ينظر مباشرة إليها :
- ابنة صاحبها .. خطيبتي !
أطلقت شانا تنهيدة لم تستطع كبحها تمكنت بعدها من القول :
- خطيبتك ! ما أروع ما أسمعه .. أنا .. أنا مسرورة بيري...
- شكرآ لك .
- وهل الزمان وشيك ؟
- تقريبآ .
دفعتها رغبة خارجة عن إرادتها إلى أن تسأله عن خطيبته .
- أهي سمراء أو شقراء ؟
وكأن اهتمامها سلاه , فتألمت لذلك .
- إنها سمراء بقدر ما أنت شقراء .
- سمراء !
لم تتصور قط أن يحب سمراء .
- شعرها أسود , عيناها بنيتان ...
توقف .. ثم ضحك :
- أنت لا تريدين معرفة المزيد عنها , أليس كذلك شانا ؟ لا
أحسبك تهتمين بمعرفة فتاة أوشك على الزواج بها .
احمر وجهها برقة , وعادت تعبث بالطعام .
- لا .. أنا آسفة .. كان فضولآ ليس إلا .
- ستقابلين سندي ووالديها قريبآ , فهم قادمون لقضاء يومين
هنا . وسيكون هناك آخرون كذلك , فسأقيم حفلة وفي الليلة التالية
سنعرض فيلمآ . فنحن نصنع تسليتنا بأنفسنا , فهل تعرفين عاداتنا ؟
-أجل أعرف .
ما أملَ هذا الحديث إن قارنته بالمواضيع التي كان يتطرقان
إليها في الماضي حيث كان ينسيان مرور الوقت كان يقول لها :
(( سأعوضك عن كل هذا حين نصبح في المزرعة .. سنجلس معآ
بعد العشاء , على الشرفة في الهواء البارد لنتسامر )) ولكن ذلك
الحديث كان في الماضي البعيد .
حينما انتهت وجبة الطعام شعرت بالراحة ذلك أنها تستطيع
الآن الانسحاب . راقبته وهي في غرفتها يتجه نحو ريك الخادم
الذي كان يمسك له حصانآ كستنائيآ كبيرآ , علمت فيما بعد أن اسمه
(فايتر) أي المقاتل , ثم راحت عيناها تتأملان الفرس وفارسها حتى
اختفيا في المراعي البعيدة .
ابتعدت عن النافذة . لن تقدر على الاحتمال أو الاستمرار بل
لن تسمح لتفكيرها بأن يبحث عما كان من الممكن ان يكون ...
لقد ضاع بيري إلى الأبد لها , ويجب أن تعتبره شخصآ عرفته في
ماضيها . شخصآ كان لطيفآ معها بشكل غير عادي ثم أصبح غير
مهم في حياتها .
ذهبت إلى غرفة عمتها تقرع عليها الباب :
- ادخل ؟
- عمتي . هل أنت أفضل حالآ الآن ؟ هل أيقضتك من النوم ؟
- لا يا عزيزتي .. لم أكن نائمة .. شانا .. يا طفلتي العزيزة لا
تعلمين شدة ندمي على اصطحابك إلى المزرعة . هل أخبرك بيري
شيئآ عن نفسه ؟
ابتسمت شانا ابتسانة مشرقة .. زائفة :
- أخبرني بأمر خطوبته .
نظرت اليها العمة بذهول :
- لا تبدين منزعجة من هذا الخبر ابدآ .
- لا .. لست منزعجة . غريبة حياتنا يا عمتي , فنحن نحتفظ
في ذاكرتنا بصورة ما سنوات و سنوات , أتعتقدين أن هذه الصورة لم تتغير وأنها ستكون على ما هي عليه حين نلقاها ثانية ؟ بعد لقائي
ببيري وجدت أنني ما عدت منجذبة إليه كما كنت .
حدقت فيها العمة من موضعها على السرير .
- أتقولين الحقيقة شانا ؟
- عمتي .. لقد ولى الأمر بكل بساطة . أعجبني بيري يومآ ليس
إلا .
تنهدت العمة بعد أن أمعنت النظر قليلآ بوجه ابنة أخيها .
- يا لهذه الراحة .. ليس لديك فكرة عما كانت عليه حالتي
حين علمت بأمر خطوبته .. ذكر أمامي الخبر بعد أن تركتنا وقد
شعرت عندئذ بأنني عليلة من الذنب . وما ذلك إلا لأنني ألححت
في طلبي وأصررت عليك حتى تريه بعد هذه المدة . أترين ..
اعتقدت أنه ما زال على حبك باقيآ . لم أستطيع حضور الغداء ..
لم استطع مواجهتك .. ولكن بما انك شفيت من حبه , فلا
سبب يجعل ضميري يتألم , ومع ذلك آسف على هذا الوضع
لأنكما لطيفان وطيبان غير أننيل لا أرجو إلا أن تكون خطيبته امرأة
مناسبة له .
- لن يختارها إن لم يكن واثقآ منها عمتي .
- لا أعتقد هذا .. حسنآ .. نحن الآن هنا .. وليس علينا إلا
التمتع بعطلتنا .
نظرت شانا اليها بمحبة :
- فعلت كل ذلك من أجلي .. أليس كذلك ؟ أنت رائعة
عمتي .. وأنا سعيدة بوجودي معك .
وتهدج صوت عمتها من التأثر وهي ترد :
- وأنا كذلك سعيدة , لأنك معي عزيزتي ..
ثم قامت :
- إلا أنني لن أكون أسعد إلا حينما تستقرين . فلن أدوم لك .
حين نعود الى الوطن , يجب عليك حقآ ان تفتشي عن زوج صالح
خاصة بعد أن ولى حب بيري من قلبك .
هزت شانا رأسها موافقة , ثم استدارت نحو الباب وقالت
مبتسمة ابتسامة قسرية :
- سأقوم بنزهة .. أراك ساعة الشاي .
3-حروب النظرات
استيقظت شانا فجرآ على صياح . الديكة وزغردة العصافير ,
وصيحة طير شبيهة بضحكة إنسان . قفزت الى النافذة علها تشاهد
بعض الطيور ولكنها في البدء لم توفق ثم لم تلبث أن رأت بعضها
تغادر أعشاشها القابعة على قمم الشجر . كما رأت ببغاء ملونآ ما
كانت لتلاحظ ألوانه الشبيهة بالوان الشجر لولا ابتعاده عنها .
وجدت نفسها تتجاوب مع الطبيعة المبتسمة حولها :
- حسنآ تصوروا هذا .. إنها أفضل من منبه !
راحت ترسل الشمس شلالآ ذهبيآ على الأرضي الحرجية
الواسعة وعلى سفوح الجبل البعيدة . كان المنظر المترامي أمامها
يمتد حتى اقدام الجبال حيث تغتسل الآن تحت أشعة الشمس
الصاعدة الى كبد السماء . يالهذه الأرض ! إنها جميلة رغم
خشونتها تمتلك الجمال والجاذبية الخاصة بها وهي دون شك أرض
خلقت للرجال . إنها أرض المقاتلين القساة الذين يستطيعون تحمل
معركة البقاء ضد عدائية الطبيعة .
تحولت أنظار شانا الى بيوت الرعاة المرتبة الجميلة الغنية
بالألوان والحدائق الساحرة ففي القرية بحسب ما قالته عمتها مدرسة
وأكثر من حانوت ومطار تقلع منه الطائرات إلى مدينة كريستشرش
التي تعتبر من أهم مدن البلد .
قال ليلة أمس للعمة :
- إذا أرادت أي منكما الذهاب الى المدينة للتسوق أو للتفرج
أصطحبها معي بكل ترحاب , فسأذهب الى كوينس تاون بعد ثلاثة
أسابيع .
لم تكن سهرة امس مملة , نعم هي لا تنكر أن بيري ركز
اهتمامه ووجه أحاديثه إلى العمة ولكنها كانت قانعة بالسمع فقط .
لا حظت أنه مرة أو مرتين صب اهتمامه عليها وكان بين الفنية
والأخرى ينظر إلى وجهها فتتوق الى أن تشاهد من جديد ابتسامة
من ابتساماته التي مازالت حية في ذاكرتها والتي كانت لها في
سنوات محنتها ملاذآ حبيبآ إلى قلبها .
بعد أن استحمت شانا ارتدت ملابسها وتوجهت الى غرفة
الفطور التي ارتها اياها لونا يوم أمس . كان بيري هناك , يقف
منتصبآ , طويلآ قرب النافذة . ينظر بعيدآ الى قطيع من الماشية يرعى
في السهول التي لا نهاية لها حين أحس بها استدار قليلآ سامحآ
لعينيه بالاستقرار على وجهها قبل أن يسأل بأدب :
- هل نمت نومآ مريحآ ؟
- أجل .. شكرآ لك بيري , فغرفكم تسر القلوب ومنزلك
جميل بيري !
أعقب قولها هذا صمت مطبق أحست خلاله أن لونها يشتد
أحمرارآ . إذا كانت عيناه تقولان إن هذا المنزل الذي أعجبها , كان
يمكن ان يكون لها , فأشاحت ببصرها عنه , تحس بغصة تتجمع في
حنجرتها .. قالت وهي لا تنظر اليه :
- سأصعد لأرى عمتي .. كان يجب ان تنزل الآن فهي
تستيقظ باكرآ عادة .
قاطعها بيري بهدوء :
- دقت عمتك الجرس للونا , وطلبت الفطور لتتناوله في
السرير .
قطبت شانا :
- ليست العادة التي تتبعها . إنها دون ريب مريضة , ليتك
تعذرني بيري .
- بكل تأكيد لقد بدت للونا على ما يرام ؟
ردت بارتياح متسائلة :
- صحيح ؟ ربما هي متعبة إذن .. ومع ذلك سأتفقد صحتها
للاطمئنان .
وكان رد عمتها حين سألتها بقلق :
- لا يا عزيزتي .. أنا لست مريضة , ولكنني أحسست بصداع
بسيط . فلما طلبت من لونا حمل الماء إلى غرفتي لأتجرع حبة دواء
تخفف الصداع عرضت علي إحضار الفطور إلى الفراش . فقررت
أن أدلل نفسي , فأنا هنا في عطلة أليس كذلك ؟
- طبعآ حبيبتي .. وهل ستنهضين قريبآ .
- أوه طبعآ .. لا أريد أن يمضي وقتي هباء , فأنا عازمة على
التجول والتمتع بالمناظر . من الافضل ان تنزلي الآن عزيزتي ,
لأنني لا أحسب بيري يقدم على تناول فطوره بدونك .
بعد دقائق كانت جالسة قبالة بيري تتمتع بفطورها وقال لها
دون ان تتوقع :
- إذا شئت القيام بنزهة على ظهر الخيل شانا فاتخذي لك
جوادآ من المزرعة .
- أخالني سأحب امتطاء الخيل شكرآ لك بيري .
- سأطلب من ريك أن يختار لك فرسآ . ولا أحسبه سيختار
لك إلا أونو الفرس الرمادية الجميلة الهادئة . ولكن رجاء لا تجعلي
المنزل يغيب عن ناظريك , هذا أمر لا نصيحة .. اتفهمين ؟
هزت شانا رأسها .
- أجل طبعآ .
- قد تتعرضين للخطر إذا توغلت في الأحراج والأدغال راكبة
كنت أو ماشية . فإذا قررت وعمتك القيام برحلة الى المرتفعات
فأعلماني لأبعث معكما من يرافقكما .
- أشكرك بيري شكرآ جزيلآ .
وأبتسمت له , ولكنها كالعادة لم تتلق ردآ فأكملت :
- بت أحب التنزه مشيآ منذ انتقالي الى منزل عمتي .
- أما كنت تتنزهين من قبل ؟ لقد قالت عمتك إنك لم تخرجي
كثيرآ إلا إلى عملك .
قطبت شانا , متسائلة عما كشفت عمتها من أوراق حياتها .
بقي ينظر اليها وكأنه يتوقع المزيد من التعليق غير أنها لاذت
بالصمت الذي لم يقطعه إلا اعتذار مهذب منه ذكر فيه أنه سيراها
وعمتها وقت الغداء .
ولكنها شاهدته قبل هذا , فحين خرجت لتأخذ الفرس وجدته
يتحدث الى عامل المخيم , فقالت بعد أن توقف الرجلان عن
الحديث :
- جئت لآخذ الفرس .
فسارع ريك يقول :
- سأحضرها لك بلمح البصر آنسة .
وسألته شانا معتذرة وعيناها البنفسجيتان شاخصتان الى وجهه :
- هل جئت في وقت غير ملائم ؟
- لبدآ .. لا يهم متى تأتين .. قلت لريك ان يتوقع مجيئك في
أي وقت .
وكان عليها ان تتحدث بما يبعد الصمت عنهما .
- ألن تمتطي فرسك اليوم ؟
- فيما بعد لدي اعمال أنهيها ..
وأتكأ على الباب واضعآ أصابعه تحت حزامه .
- لا بد أنه عمل رائع , أقصد العمل في الأرض .
- إنه مثير للاهتمام .
بعد رده المقتضب , ساد صمت آخر . قطعه ريك حين عاد
ممسكآ بلجام الفرس التي ركبتها شانا وعينا بيري النافذتين تراقبانها
أمام دهشتها , اجفلت الفرس قليلآ .. فنظرت شانا الى بيري
متسائلة عن تأكيداته السابقة التي ذكر فيها أن أونو فرس هادئة . قال
ريك مقطبآ :
- هذا غريب !
أما بيري فعلق على ما حدث وهو مقطب .
- لم يمتطها احد منذ فترة .
ولم تكن شانا قد اعتلت صهوة جواد منذ أربع سنين ففكرت
في أن ارتباكها الاوعي انتقل الى الفرس . وما استغربته أن بيري
قرر مرافقتها .
فنظرت إليه وقد تفاقم ارتباكها :
- كيف ؟ لديك أعمال أهم من مرافقتي ؟
- فلتنتظر الأعمال ساعة . ريك احضر لي ((فايتر)).
- حاضر سيدي .. دقيقة فقط !
بعد أقل من خمس دقائق على انطلاقهما استكانت الفرس
فتوقعت شانا مقطوعة الانفاس أن تسمع بيري يقول إنه سيتركها
الآن وحدها . ولما مرت خمس دقائق أخرى تنفست الصعداء ..
امتدت نزهتهما إلى طريق ضيقة تقع في دغل بعيد عن
المزرعة . وكان بيري يعرف الارض كظاهر يده ولكن المكان كان
بالنسبة لشانا غريبآ مخيفآ فقد ارتجفت حين فكرت في أن تجد
نفسها ضائعه في مثل هذا القفر المتوحش .
سألها بيري بأدب عندما نظر إليها وهما يسيران جنبآ الى جنب
فوق صهوتي جواديهما .
- كيف تبدو لك بلادنا ؟ أم لعل الوقت مبكر على اتخاذك
انطباعآ .
ردت شانا على الفور :
- إنها بلاد مخيفة .
- مخيفة ؟
- أعتقد أن إحساسي هذا مرده إلى المساحات الامحدودة
والعزلة التي تجعلني أشعر بالرهبة .. فالمكان هنا غير مأهول ..
أعني هذه الاراضي الواسعة ..
- اذن أنت لم تتأثري أيجابيآ ؟
- أوه ... بلى ! أجد أن كل ما يحيط بي جذاب وجميل حتى
غدوت متناغمة مع .. الألوان المتعددة التي تطبع جزءآ من الارض
حين تسطع عليها الشمس . هناك تباين كبير حتى في المناطق
القريبة من المنزل .. فهناك تباين بين ألوان الأشجار والأزهار وبين
لون المنزل نفسه , الذي تلونت المناخات جدرانه وطبعت حجارته
بطابعها الفريد .
كانت تتحدث مندفعة , وقد نسيت كل شيء , إلا الاحساس
الذي كان يتفاقم مع كل لحظة من لحظات مسيرها على أرض
نيوزيلندا .
- إنني أتمتع بهذا التغيير الذي كاد يكون كاملآ . بيري إن كل
شيء حتى الطيور مختلفة .
- اسمعت صياح الببغاء الأخضر فجرآ ؟ إنه يقترب عادة من
المنزل ليلتقط الفتات الذي تركته له لونا .
- أجل سمعته .. وتساءلت عندما عندما سمعت صوته عما إذا كان
ضحكآ .
شاهدت للمرة الأولى المرح يغمر قسماته .
- اتعلمين أنه قد يتعلم الكلام ؟ وأن ضحكاته أحيانآ قد تصيب
الانسان بعدوى الضحك ؟ هل أضحكك ؟
- نعم .. فعلآ !
احست فجأة بسعادة مردها اللطف الذي يظهره لها وإحساسها
بأنه ماعاد يعتبرها ضيفة ثقيلة عليه بل صديقة قديمة لم ينسها
بعد .
اقترح عليها بيري بعد نصف ساعة ان يستريحا وذلك حين
وصلا إلى بحيرة صغيرة ينمو حولها صنف من أصناف شجر الآس
الصمغي الاصلي . . وبعض انواع الصمغ الأحمر .
- أهذا بحيرة متفرعة من النهر ؟
- هذا صحيح أتعرفين شيئآ عن الجغرافيا الفيزيائية ؟ حسنآ لا
بأس .
وصمت .. كانا يجلسان على حافة البحيرة والجياد تشرب
منها . مد هو ساقيه إلى الأمام واستند الى جذع الشجرة .
- لماذا توقفت ؟ أما كنت ستشرح لي شيئآ عن هذه البحيرات ؟
حينما ادار رأسه إليها نظرت إليه وابتسامة مشرقة تتراقص على
شفتيها .. فانخفض جفنا بيري .. ثم قال بعد صمت غريب :
- يصعب شرح أمر كهذا لمن لا يعرف عنه شيئآ . إن هذه
البحيرة تتكون وتتجمع من تسرب مياه النهر حين يصل جدول ما
إلى طريق مسدود . وهذا يحدث عادة وقت الفياضانات , حين ترتفع
مياة النهر وتندفع عن أطرافه في جداول وسواق حتى تتجمع في
بركة كهذه , ونحن نسمي هذه البحيرات ((عتق الثور)) لانها تشبه ما
يطوق به عنق الثور لدى الفلاحة , انها تحدث في الواقع جرَاء
تسرب مياه النهر وقد يحدث أن تكون أكبر من هذه بكثير أو أصغر
منها , وهذا يعتمد على حجم الجداول المتفرعة هي عنها .
كان وهو يتكلم يرسم بأصبعه دون وعي على التراب رسمآ
بيانيآ لما يقول .. فرفعت نظرها ونظرت الى ((غريت سليف)) التي
بدأ الجفاف يطرق أبوابها , قالت :
- هذا يعني أن هذه البحيرات تكون عادة قريبة من النهر ؟
- في الأساس أجل . إنما هناك استثناءات تعود أسبابها الى
مسار النهر .. وهذه هي عملية تقنية . لن تهمك على اية حال .
عادت شانا للتحديق في مياه البركة وتمتعت :
- تبدو كأنها موجودة هنا منذ الازل .
حاولت جاهدة تصور ما كان عليه مجرى النهر قبل ان يحدث
هذا السد الطبيعي .
- إنها هنا منذ مئات السنين . نحن نعرف ذلك من بعدها عن
النهر فثمة مسافة ارضية شاسعة بينهما حاليآ .
نظر الى ساعته وهو يتكلم , فأحست باكتئاب لأن أوان العودة
قد أزف . ولكن ما أدهشها أنه لم يظهر حركة تدل على العجلة . بل
العكس ألقى أكثر فأكثر بثقله على جذع الشجرة , فسألته وهي تقول
ما يجول في أفكارها :
- هل تستريح بعض الوقت من العمل ؟
- في بعض الأحايين القليلة .
قالت , ليس لأنها تريد ان تقول , بل لانها أحست بأنها مدفوعة
بقوة غريبة للتحدث عن الفتاة التي سيتزوجها .
-أتبيت عادة عند أهل سندي ؟
- حينآ أقصدهم أنا وأحيانآ يقصدوني .
- أعتقد أنك بعد الزواج لن تعمل جاهدآ كما يحدث حاليآ ؟
- ربما سأستريح أكثر . إذ يحق للزوجة أن ترى زوجها في
المنزل , بين الحين والآخر .
بين الحين والآخر ... هناك شيء بارد وغير عاطفي في طريقة
كلماته لذا تساءلت كيف هي سندي هذه , فلربما كانت هي كذلك
هادئة باردة فيليقان عندئذ ببعضهما بعضآ .
- لقد تغيرت ...
خرجت الكلمات منها لا إراديآ , فأدار رأسه اليها متعجبآ :
- تغيرت ؟ كيف ؟
- اصبحت قاسيآ .. يا بيري , وساخرآ قليلآ ... قاسيآ.
وفكر في الكلمة لحظات وعيناه الرماديتان ضيقتان وحاجباه
معقودتان :
- أجل إن الزمن كفيل بجعل المرء قاسيآ وساخرآ أيضآ . اليس
كذلك ؟ أم أنك لست واثقة ؟
أطرقت برأسها تنظر الى يديها المنقبضتين معآ بشدة :
- انت مختلف .. مختلف جدآ .
- تقدمت في العمر .
فجاة لاح لها منه وجهآ زاجرآ أصابها بصدمة كبيرة . كان
الحديث الآن ينتقل الى منطقة كان عليها تجنبها لأن للماضي يدآ
مريرة فيها , فسارعت إلى الموضوع :
- أخبرني عن عملك بيري .. لديك مكان ضخم مذهل هنا ..
لم يكن لدي فكرة عن مدى اتساعه وتراميه . إن ادارته دون ريب
مسؤولية ضخمة .. ألديك عدد كبير من الموظفين الذين يساعدونك
في اعمالك المكتبيه ؟
رد عليها دون أن يظهر أقل تأثير لتغييرها دفة الحديث :
- هناك رجل واحد يساعدني في أعمالي المكتبية , وهو لانس
كالدر , الذي ستقابلينه هذا المساء . إنه يعيش في أحد أكواخ القرية
ولكنه يتناول العشاء معي مرتين في الاسبوع , حين نناقش أمور
العمل . إنما طبعآ ليس حين يكون لدي ضيوف .
- أهو أعزب ؟
- جاء إلى هنا ذات يوم في العام الماضي إثر عطلة أخذها من
عمله المكتبي في كريستشرش . ويبدو أن عمله في المدينة كان
يضجره , فلما لمست منه ملله ذاك عرضت عليه الوظيفة لأنني
وجدت فيه مؤهلات تفيدني . فكان أن عاد إلى كريستشرش ليقدم
استقالته ولم يلبث أن عاد الى غريت سليف بعد شهر فسلمته بعض
المهام التي تقع على كاهلي فسهل علي وجوده الحياة . وماذا
تريدين معرفته ايضآ عن المزرعة ؟ إذا كنت ستمكثين عندنا مدة
طويلة , فستكتشفين كل شيء بنفسك .
- لست أدري ما هي المدة التي قد نمكثها بيري . ولكن أعرف
أنه يجب ألا نمكث عندك إلى وقت نصبح فيه مصدر ازعاج لك .
فكر قليلآ في ما قالت :
- يجب ان تبقيا الوقت الذي تشاءانه شانا . فلا أرى أن أيآ
منكما قد تصبح مصدر إزعاج .
ابتسمت له بفتنة :
- شكرآ لك بيري .. إن قولك هذا لمنتهى اللطافة .
رفع حاجبيه متسائلآ :
- لطافة ؟ أذكر أنك قلت لي إنني أصبحت قاسيآ .
- قد يظهر القساة أحيانآ لطفاء .
لامست البسمة شفتيه , وبقيت للحظات , ثم قال :
- اخشى أننا مضطران للتوجه الى المنزل غير أنني أرجو أن
تكوني قد استمتعت بجولتك الأولى لك على أونو ؟
ردت بنعومة :
- جدآ .
وتساءلت في نفسها عما قد يظنه لو عرف كم عنت لها هذه
النزهة , آلمتها هذه الفكرة حتى تمنت لو تلوذ إلى الوحدة لتطلق
العنان لدموعها .
وصلت سندي ووالدها قبل الضيوف الآخرين بيوم . وقد بدوا
من تصرفاتهم أنهم مستأنسين هانئين وكأنهم في منزلهم . ففهمت
عندئذ شانا انهم معتادون عى زيارة الرجل الذي سيصبح عما قريب
فردآ من افراد العائلة .
حين التقت الفتاتان , تلقت شانا صدمة .. فالفتاة كانت تختلف
في المظهر تمامآ عما تصورته . نعم لقد عرفت من بيري أنها
سمراء , ولكنها لم تكن تتوقع أن تكون جميلة الى هذا الحد وأنيقة
الى هذه الدرجة . كان شعرها الجميل يشع اسوداده أمام بشرتها العاجية القرنفلية ويسترسل أملس نضرآ على أبعد من كتفيها ,
وكانت سندي تعلم أن مظهر الأملس أمر حيوي لذلك كانت مرارآ
وتكرارآ ترفع رأسها لتلفت الاهتمام الى تموجه الطبيعي الجذاب .
وإذا كانت شانا قد صدمت لرؤية سندي فسندي تلقت صدمة
اكبر وقد بدت صدمتها هذه وهي تمد يدها مصافحة . فعيناها ضاقتا
وهما تتأملان وجه شانا عن كثب .
غير أن بيري لم ير شيئآ غريبآ إذ كان يبتسم لخطيبته .
- كيف حالك آنسة جيلبرت ! (سألتها شانا ) .
ولكنها لم تتلق ردآ على سؤالها بل اتساعآ في العينين القاتمتين
اللتين اخذتا صورة وجه شانا كاملة بشعرها الذهبي الفاتح اللون
وقسماتها الرقيقة . حين مرت عدة لحظات ولم تظهر الابتسامة على
فم الفتاة , اختفت الابتسامة عن شفتي شانا وتراجعت ذلك أنها
شعرت بأنها عوملت بازدراء فحتى المصافحة كانت خالية من
الحرارة وتبين أن ما أحست به شانا لم يكن ازدراء فحسب بل
توترآ مشحونآ .
ورفعت سندي وجهها الى بيري الواقف قربها وقالت بلال :
- بيري .. حبيبي .. سمعتك تقول بواسطة جهاز الإرسال إن
السيدة بلايث صديقة قديمة .. أم أنا مخطئة .
نظر بيري وشانا إليها بحدة , فقد كان في صوتها تغيير غريب
جعل وجه بيري يعبس :
- لا يا سندي . . لست مخطئة . . لقد التقيت أنا وشانا منذ
سنوات حين كنت أزور انكلترا . أعتقد أنك تذكرين سفري ذاك .
هزت الخطيبة رأسها ببطء :
- وهل كانت السيدة بلايث متزوجة آنذاك ؟
لم يكن لسؤالها علاقة بالموضوع فازداد وجه بيري تقطيبآ :
- لا . . في الواقع لم تكن متزوجة .
وتحرك فجأة بشكل ملفت للنظر فلحقته نظرة ساندي الضيقة
وهو يتجه الى طاولة الشراب السنديانية الجميلة القديمة الطراز .
- أتودين ان نجلس هناك ؟
اشارت شانا إلى مقعد يقع قرب النافذة العريضة فنظرت اليها
سندي نظرة حقد اعداء قديمين جعلت نبضات شانا تتسارع .. ما
خطب هذه الفتاة ؟
أتعلم سندي شيئآ عن علاقتهما الماضية ؟ ولما أخذت منها هذه
الفتاة جانب العداء ؟
قررت شانا محاولة التعرف اليها بحديث ودي :
- هل منزلكم بعيد عن المزرعة مئة ميل .. كما قال لي بيري.
- بل أكثر .



والتفت نحو بيري مبتسمة وقد أحضر لها شرابها , بينما
اشاحت شانا نظرها عن اناقته الجذابة فيجب عليها ألا تفقد توازنها
أو تنسى للحظة أنه ليس لها .
التفتت الى سندي الناظرة ببهجة الى خطيبها .. هذه الفتاة هي
من اختارها ... وما أغرب اختياره فتاة هي نقيضها تمامآ ليس في
الألوان فحسب بل في اللباس والتكوين والنفسية .. بيري الآن رجل
بارد ..قاس . اختفى ذاك الذي عرفته محبآ ولهان في الماضي . بيد
أنه ما زال يحافظ على أدبه ولطفه رغم رغبته في ابتعادها عن
منزله .
- تفضلي شرابك شانا .. وكأنك كنت تحلمين في اليقظة !
التفتت اليه تتناول منه كأسها .
- شكرآ لك .
قالت سندي بعد ابتعاد بيري عنهما :
- ذكر لي بيري أنك ارملة .. أنت شابة على الترمل ..
لم ترد شانا .. وبعد لحظات صمت اضافت سندي :
- لماذا قررت عمتك القيام بهذه الزيارة لبيري ؟
- ربحت عمتي بعض المال .. وبما أنها تحب السفر فكرت في
بيري .
قاطعتهما بفظاظة , تنظر نظرة غريبة الى العجوز .
- أتساءل لماذا ؟ لماذا اختارت هذا المكان ؟
- لا أعتقد أن هناك سببآ محددآ . لقد أرادت أن تقوم بزيارة
الى نيوزيلندا وبما أن بيري هو الشخص الوحيد الذي تعرفه هنا ,
فمن الطبيعي ان تزوره .
عقب قولها صمت قصير فيه برودة غريبة جعلت شانا تتمنى لو
تجد عذرآ لتترك الفتاة وأفكارها المجنونة . أخيرآ قالت سندي :
- ليست عمتك على ما يبدو ممن يحب السفر . لذا أستغرب
رغبتها في السفر الى هذه المناطق النائيه التي لا تكاد لا تجذب
انظار الناس .
احست شانا بالتوتر , وما شأن سندي بهذا .. ما شأنها بما
تختاره عمتها ؟ وردت عليها ببرود :
- لا أحسب أن هذه المراعي خالية مما يجذب الناس اليها .
ففيها الهدوء والفضاء بل هي في الواقع مختلفة عن العالم الذي
نعرفه هناك , المرء بعيد بعد عالم كامل عن طاحونة العمل
والصحف والضجيج والسير الكثيف والروائح والتلوث .
قالت سندي بقسوة وسخرية بغيضة :
- ألست متحمسة أكثر مما يجب ؟ فلو كنت صادقة مع نفسك
لوافقت معي فلن تجدي سواحآ هنا .
- لكننا لسنا سواحآ .
توقفت فجأة عن الكلام فقد ضاقت عينا الفتاة :
- لستما من السواح ؟ إذن انتما هنا .. في زيارة خاصة ؟
ما أخبث هذه الفتاة الحادة الذهن التي تشد شانا نحو فخ ما ,
ولكن شانا سارعت للشرح :
- إنها زيارة ودية الى موطن بيري .. ولقد اختارت عمتي هذا
المكان , والتزمت أنا باختيارها .. فمالها هو الذي حملني الى هذه
المزرعة .
كانت النظرة التي تلقتها شانا ردآ على اعترافها هذا سوداء
حاقدة ممزوجة بازدراء وتكبر .. ويبدو أن الفتاة تعتبر نفسها أرفع
قدرآ من هاتين الزائرتين القادمتين من انكلترا .
- لقد كانت عمتك محظوظة بربح جائزتها , التي ذكرتها . اليس
كذلك ؟ فلولا حظها الكبير لما استطعتما القيام بهذه الرحلة ؟
- ما لديها من إيراد قادر على تغطية نفقات الرحلة .
واخذت تحاول التفتيش عن عيني عمتها لتوحي اليها أنها
تحتاجها هنا لتنقذها .. ولكن العمة كانت تتبادل الحديث المرح مع
مضيفها ومع السيد والسيدة جيلبرت اللذين لا يملكان على ما يظهر
عجرفة ولؤم ابنتهما .
تابعت سندي بعد لحظات :
- كما كنت أقول .. ليس في هذه المنطقة ما يجذب اهتمام
السواح . فهل توافقين الرأي ؟
انعقد حاجبا شانا بعبوس قاتم .. إلى ماذا تلمح سندي ؟ إنها
على ما يبدو عازمة على جعل شانا تقرَ أن المكان خال مما يجذب
اليه الناس إنما لماذا ؟ من الاسهل لها ان تظهر ما تريد ..
ردت تصلح لها قولها :
- ربما أنت على حق بعض الشيء فليس في هذه المنطقة أماكن
كثيرة قد تجذب السواح .
فجأة قالت الفتاة بفحيح غريب :
- لقد اعترفت الآن أن منطقتنا ريفية خالية من التسهيلات
والتسلية بل هي مملة .
ردت شانا ببراءة :
- ربما إن قارنها بما قد يجده من تسليات في مدن ومنتجعات
كثيرة اعتبرها مملة . فهذا المكان يبدو مملآ غير مثير للاهتمام لا
لجميع الناس بل لبعضهم .
هزت الفتاة رأسها بطريقة راضية .. وفكرت شانا : غريبة هي
هذه الفتاة .. حسنآ , اذا كان الاعتراف يرضيها ويوقفها عن
اصرارها الغبي فليكن لها .
ولكن ما إن انتهى العشاء وجلس الجميع مع مضيفهم على
الشرفة يشربون القهوة , حتى فهمت شانا غرض تلك الفتاة وحين فهمت السبب كادت تختنق ليس فقط بسبب تحويرها ما قالته لها
بل كانت تريد أن توصل رسالة ما إلى بيري بعيدة عن الحقيقة كل
البعد .
- كنت أتحدث والسيدة بلايث حديثآ مهمآ قبل العشاء , كما
لا حظت حبيبي ..
- أجل .. لا حظت حديثكما , ولا أستغرب ذلك فلا بد أن لدى
شابتين جميلتين اهتمامات مشتركة .
فجأة أظهرت سندي فتنة وحماسة غريبتين جعلتاها تظهر بمظهر
مختلف عن تلك المتعجرفة التي تحدثت مع شانا .
- هذا صحيح كنا نتحدث عن زيارتها .. وكانت تقول إن
المكان هنا ممل حتى الموت بل هو غير مثير للاهتمام . وتظن أن
البلاد هنا رتيبة , خالية من التسالي والتسهيلات كما قالت إنها ودت
لو أقامت وعمتها في مدينة ليستطيعا زيارة بعض الآثار والمنتجعات
وأتوقع أن ترغب في حضور المهرجانات والحفلات الصاخبة التي
تحضر خصيصآ للسواح .
شهقت شانا لأن الفتاة حورت كلماتها بطريقة خبيثة جعلت
بيري يظهر جفاء تجاهها . ففجأة ضاقت عيناه واستغرتا بغضب
جعلها تخفض نظرها بعيدآ عن لهيبهما .. ماذا عليها أن تفعل الآن ؟
أتنكر فتسبب مشكلة وجدالآ حتى ينفر منها بيري وهذا مرام سندي .
أتصحح لسندي ما تفوهت به . فيظنها بيري تقول ذلك مرضاة
لخاطره . ولكن ماذا قد سيظن بها إن لم تنكر ؟ وماذا ستكون عليه
ردة فعله إن نعتت خطيبته بالكذب ؟ فهي إن كذبتها لن تكسب شيئآ
إذ سيصدق كلام خطيبته ويكذبها هي .
لم ينس بيري انه المضيف , ولكنه لم يحاول الحد من برودة
كلماته :
- اذن لقد مللت . ولكنك لم تعطيني هذا الانطباع صباح اليوم
حين كنا نتنزه على ظهور الخيل .
صاحت سندي :
- كنتما تتنزهان ؟ هل خرجت معها متنزهآ بيري ؟ كيف ذلك
وأنت من يدعي الانشغال كلما طلبت منك الخروج معآ .
علا صوتها حتى بلغ درجة الارتفاع وبلغ الى أسماع الجالسين
على طاولة أخرى على زاوية الشرفة البعيدة , فنظروا اليها متسائلين
وعبس بيري في وجه خطيبته .
أصبح لون سندي شديد الاحمرار ذلك أنها لا حظت غباء
احتجاجها الذي لا علاقة له بالموضوع المطروح للنقاش .. ردت
شانا على سؤال بيري :
- أنا لم أضجر بل أنا بعيدة عن ذلك .
فجاة تغير موضوع النقاش , ولكن مع مرور الوقت تبين لها أنه
يتجنب الحديث معها . شاهدت شانا عينا عمتها تراقبانها عدة
مرات . وكان فيهما كذلك تعبير غريب .. وكأنها مشغولة البال ..
تنقل بصرها من بيري إلى سندي ومنها الى شانا .
أما سندي فكانت تتألق كالنجمة .. كانت تعرف كل
الألاعيب .. فحركات يديها كانت تجذب اهتمام بيري اليها
غصبآ .. وكانت دائمآ ترفع رأسها لتظهر شعرها الأملس , الذي كان
اهتمام بيري يتسمر عليه تسمرآ راحت تتساءل معه عما إذا كانت
يداه تتوقان للمسه .
تذكرت بألم بليغ كيف كان يجمع يومآ شعرها بين يديه
ليقبله .. بطرقة تملكية .
كان رفضها طلبه طعنة نجلاء لكبريائه وقلبه , لأنها تعرف أنه
احبها وستتذكر حتى مماتها نظرة الألم التوسل التي القاها عليها
لتعيد التفكير في قرارها قبل ان تدمر حياتهما معآ .
والآن .. اختار فتاة اخرى .. فتاة باردة خبيثة . ستصبح سيدة
أملاك هذا القصر الكبير غريت سليف وسيدة بيري لونغ .









jsvrdk hgulv gg;hjfm Nk ihlfs,k