أزمة علم الاجتماع في العالم العربي


السلام عليكم والرحمة


قبل ان نواصل صراعنا حول اثبات أهمية علم الاجتماع جرب البحث في ارشيف المقالات والدراسات عن سر الازمة والانتكاسة التي يعرفها علم الاجتماع في عالمنا العربي ولما بعد كل هذه العقود من تدريسه لم تجنى ثماره حتى الان على مستوى الافراد والمجتمع (يستثمر في المؤسسات الحكومية والعسكرية والاقتصادية التجارية بامتياز خلف الستار)


ملاحظة (هناك من يعتبر ان تخصصات كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع ترف نحن في غنى عنه)


من بين الاوراق التي وجدتها في الارشيف العربي الذي اثارت نفس التساؤل مقال لدكتور صالح سليمان عبد العظيم جاء في احدى اعداد جريدة "البيان" الاماراتية .. تقول الورقة :


منذ سنوات عديدة طالب أحد الأساتذة العرب بغلق أقسام علم الاجتماع في العالم العربي، مُعللاً ذلك بعدم جدوى وأهمية هذه الأقسام. ورغم أن الرجل قطع شوطاً طويلاً من حياته خلف هذا العلم، حاصلاً على درجاته العلمية المختلفة من خلاله، ومُجرياً العديد من البحوث حوله، ومُسهماً في تخريج أجيال عديدة من دارسيه.


إلا أنه أعلنها صراحة بعدم جدوى هذا التخصص في المجتمعات العربية الحالية. ورغم أن دعوى الإغلاق هذه قد تمت استنادا لتصور نظري بالمقارنة بين ما يحدث لو أغلقنا أقسام كلية الطب أو الهندسة وما يحدث لو أغلقنا أقسام علم الاجتماع، فإنها عبرت عن مأساة هذا التخصص في العالم العربي. فالواقع العملي يؤكد أننا كبشر سوف نفتقد الكثير بدون الطب والهندسة وغيرهما من التخصصات العملية الأخرى التي نحتاجها في حياتنا اليومية وتعاملاتنا الحياتية، لكننا لن نخسر الشيء الكثير بدون وجود علم الاجتماع وغيره من التخصصات النظرية الأخرى. ولا أعتقد أن هذا الأستاذ قد أطلق دعوته عن قناعة تامة بعدم جدوى علم الاجتماع، بقدر ما أطلقها من حسرته على ما آلت إليه أحوال هذا التخصص في عالمنا العربي على الرغم من قيمته الإنسانية والمجتمعية والعلمية البالغة.




وحديثاً اتصل بي أحد الطلاب من خريجي أحد أقسام علم الاجتماع العربية وأخبرني بأنه وزملاءه من خريجي القسم قد تم تعيينهم جميعاً في وظائف ومؤسسات حكومية مختلفة. بصراحة استبشرت خيراً بمستقبل التخصص الذي أعمل به، وأكرس له مجمل حياتي وكافة جهودي العلمية والفكرية.


لكن الطالب فاجأني بأنه الوحيد الذي تم تعيينه أخصائيا اجتماعيا في إحدى المدارس، بينما كافة زملائه الآخرين قد تم تعيينهم في أماكن ومؤسسات أخرى لا تمت بصلة لعلم الاجتماع. فأحدهم قد تم تعيينه في أحد البنوك، والآخر قد تم تعيينه في إحدى الشركات التجارية، والثالث في إحدى الشركات الانتاجية الصناعية...إلخ من تلك التخصصات التي يتم من خلالها تسكين الخريجين فيها بدون أية مراعاة للتخصصات المرتبطة بهم. وفي الحقيقة فإن العثور على وظيفة هو في حد ذاته يعد إنجازا هاما في أيامنا هذه التي ترتفع فيها نسب البطالة بشكلٍ غير مسبوق في الكثير من المجتمعات العربية.


إن أزمة علم الاجتماع ترتبط بالأساس بما يقدمه العلم ذاته للطلبة، ويجعلهم يتميزون به عن غيرهم من أصحاب التخصصات الأخرى المشابهة أو المختلفة. كما ترتبط بوضعيته التي تجعله مجرد مرفأ أخير يلجأ إليه الطلبة حينما تعجزهم الحيل عن اختيار تخصص مرموق ضمن كليات الآداب مثل أقسام اللغات على سبيل المثال.


وهو ما جعل أعداد الملتحقين بأقسام علم الاجتماع في وقت من الأوقات تصل لمستويات هائلة مبالغ فيها، لا تمت بصلة لحاجة أسواق العمل، ومدى الاحتياج المجتمعي لهذا التخصص. وهو الأمر الذي جعل بعض القائمين على هذا العلم يتوهمون أهمية غير حقيقية لتخصصهم لا ترتبط بالواقع المعيش بصلة، وهو الذي أفضى في الوقت نفسه إلى أن تتحول أقسام علم الاجتماع إلى أقسام كمية وليست كيفية.


وبشكلٍ عام يمكن القول بأن أقسام علم الاجتماع العربية تشهد الآن أفولاً غير مسبوق مقارنة بما كان عليه الحال في العقود الماضية. فالكثير من الطلبة يفضلون الآن التخصصات العملية التي تربطهم مباشرة باحتياجات السوق ومتطلباته الملحة.


كما أن عدم وضوح ماهية علم الاجتماع مجتمعيا، وعجز القائمين عليه عن توضيح ذلك، يجعل الطلبة أنفسهم يسوقون صوراً مشوهة عن حقيقة العلم ذاته ويروجونها بين أقرانهم، الأمر الذي يحد من التحاق طلبة بجدد بتلك الأقسام.


والواقع أن نشأة العلم في عالمنا العربي، والتي بدأت مع تباشير القرن العشرين جاءت معبرة عن واقع أزمة العلم ذاته، من حيث تبعيته المطلقة للمنتج الغربي، الأوروبي بالأساس، في ذلك الوقت.


فما قامت به المدرسة المصرية على سبيل المثال تم من خلال ترجمات الرواد الأوائل للمدرسة الفرنسية والبريطانية بالأساس. والواقع أن ما قدمه هؤلاء قدم تعريفاً جيداً للعلم لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه.


فبخلاف كتابات ابن خلدون الرائدة في هذا المجال، وهى كتابات رغم أهميتها تختلف بدرجة كبيرة عن المنتج الغربي المعاصر، لم يكن أحد يعلم ماهية هذا العلم الجديد الوافد. من هنا فإن تبرير تلك الترجمات يستند إلى الرغبة في التعريف بالعلم، وفتح مجالات جديدة أمام الأجيال الجديدة للاستفادة من تلك الترجمات، مع محاولة التطوير المحلي لهذا العلم، وصبغه بالشكل والماهية العربية، وهو ما لم يحدث بدرجة كبيرة حتى الآن.


ففي ضوء الواقع العربي المحافظ من ناحية، وفي ضوء السياق السياسي القابض والمتحكم من ناحية أخرى، وفي ضوء تلك العلاقات والأدوار المحافظة التي قام بها القائمون على هذا العلم ذاته وارتباطهم بالتوجهات السياسية، فإن العلم لم يستطع أن يفرض لنفسه توجهاته العربية الخاصة به، كما لم يستطع أن ينتج تنظيراته المحلية المرتبطة بالواقع العربي المعيش.


فالمتأمل للمنتج العربي المعاصر الخاص بعلم الاجتماع يجده دائماً وأبداً ملاحقاً بدرجة أو بأخرى لما تنتجه ماكينة الإنتاج الغربية الأميركية والأوروبية على السواء، وفي أحيان كثيرة بشكلٍ مشوه لا يرقى لمستوى المنتج الغربي ذاته. أما أن ننتج نحن نظرياتنا ونتابع مشكلاتنا فإن هذا لم يحدث إلا عبر المستويات الفردية المتناثرة هنا وهناك.


وحديثنا هنا ليس عن تلك المستويات الفردية المتشظية والمتناثرة بقدر الرغبة في الحديث عن وجود مدارس سوسيولوجية عربية حقيقية متابعة للواقع العربي وراصدة تحليليا ونظريا واستراتيجيا لتحولاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة.


ورغم وطأة السياق الاجتماعي والسياسي على طبيعة المنتج الفكري والثقافي بشكلٍ عام، فإن اللافت للنظر أن معظم القائمين على هذا العلم لا يتحلون بالقدر المطلوب من وجود رؤى تغييرية حقيقية للعالم. فمعظمهم إما جاؤوا من قلب الريف، حيث يتحلون بالرؤى المحافظة الجامدة المرتبطة بالمتعارف عليه، وإما من أصول اجتماعية فقيرة لم تحرك فيهم تلك الرغبة الثورية التي ارتبطت بعلم الاجتماع الغربي من أجل تغيير الواقع الاجتماعي العربي عبر القرن العشرين وحتى الآن، وإما صبغوا العلم برؤى دينية محافظة لا تمت للعلم ونظرياته ومناهجه بصلة.


لقد تركت تلك الارتباطات والأصول الاجتماعية تأثيراتها المختلفة على القائمين على هذا العلم. وهو الأمر الذي انعكس لا محالة على طريقة نقلهم لهذا العلم، سواء عبر كتاباتهم المحافظة المختلفة، أو سواء عبر طرائق تدريسهم التي لم تنطو على أي قدر من بعث الرؤى الجديدة، والحض على فهم الواقع الاجتماعي المعيش ومحاولة تغييره، رغم ادعاءاتهم المستمرة بما هو غير ذلك.


ومن الأمور اللافتة للنظر في العديد من أقسام علم الاجتماع أن الطلبة أنفسهم يلتحقون بهذه الأقسام بدون أن يفهموا ماهيتها وطبيعتها والأدوار المرتبطة بها. فمعظمهم التحقوا بها لأنهم لم يجدوا مكانا آخر يقبلهم، وهو الأمر الذي يكشف في النهاية عن نوعية الطلبة الملتحقين بهذا الفرع الهام من العلم المطلوب منه فهم التحولات الاجتماعية المختلفة بكافة أشكالها وتجلياتها والعمل على رصدها وتحليلها. ولعل ذلك يتوافق مع رؤية العامة لهذا العلم ذاته، فمن الأمور المضحكة في هذا السياق أن الكثير من العامة يتصورون أن المشتغلين بهذا العلم وظيفتهم حل ما يطرأ من خلافات ومشكلات بين الناس، وأنهم يتمتعون بقدرات عالية خاصة بالتواصل مع الآخرين وعلى القدرة على إقامة علاقات اجتماعية واسعة مع الآخرين.


ورغم التطورات التي ارتبطت بهذا العلم، وبشكلٍ خاص بالنظر للأجيال الجديدة التي درست في الخارج واطلعت على التراث النظري والمنهجي الحديث، فإن الأمر اللافت للنظر هنا أن المدرسة الأميركية بالذات قد لعبت دوراً كبيراً في تجريد العلم من ثوريته وقدرته على الإسهام في تغيير الواقع الاجتماعي وتحويله إلى مجرد أرقام وإحصائيات.


فمن الأشياء السيئة السمعة المرتبطة بواقع العلم في العقود الأخيرة هو ارتباطه غير المسبوق بالعدوى الأميركية التي تحيل البحث العلمي إلى مجرد أرقام وجداول وإحصائيات، بدون تلك القدرة على التحليل العميق والتنظير الشامل.


لا تحتاج أقسام علم الاجتماع في عالمنا العربي المعاصر لكل هذه الأعداد، ولا يجب أن تسمح سياسات القبول في كليات الآداب بمثل هذه الأعداد. كل ما تحتاجه هذه الأقسام هو أعداد محدودة في كل جامعة، تكون على دراية مسبقة بماهية هذا العلم والأدوار المرتبطة به.


كما تكون محددة مسبقاً من قبل الهيئات البحثية والمؤسسات الرسمية المختلفة التي تحتاج لمثل هؤلاء الخريجين. وبدون هذا التنسيق بين المؤسسات البحثية والجهات الرسمية وبين الجامعات سوف تسهم الجامعات في تخريج أعداد جديدة لا تفهم حقيقة هذا العلم ودوره البحثي الهام، وسوف يظل خريجو أقسام علم الاجتماع لا يجدون مكاناً حقيقيا أثناء تعيينهم يليق بهم ويرتبط بما درسوه وبما تخصصوا فيه. وأخيراً سوف يظل البعض يعتقد أنه يجدد ويقدم أطراً حديثة للتدريس والتطوير بينما هو في الواقع يساهم بدرجة أو بأخرى في تخريج المزيد من العاطلين الأمر الذي يفاقم من حجم المشكلة ويزيد من توابع آثارها السلبية.

H.lm ugl hgh[jlhu td hguhgl hguvfd