التنمية الحضرية









أ- عبدالسلام ادم الذرعاني








التنمية الحضرية


قامت هيئة الأمم المتحدة بدور فعال في نشر فكرة التنمية الحضرية على المستوى الدولي حيث بدا هذا منذ عام 1951م حينما عملت على دراسة المراكز الاجتماعية وتلك العلاقة بين المجتمع المحلي والمجتمع القومي ولقد كان الاهتمام منصبا على المجتمعات الريفية حيث كان ينضر لها على أنها عملية تركز على تعاون السكان مع الجهود الحكومية بهدف التنسيق بين الخدمات الزراعية والصحية ولكن تقرير الحالة الاجتماعية لسكان العالم عام 1957م أكد على ضرورة الاهتمام بالمجتمعات الحضرية وبالتالي وجه الاهتمام إلي المجتمعات الحضرية من جانب الأمم المتحدة وجاء في أحدى نشرات مكتب المستعمرات البريطانية عام 1958 م إمكانية استخدام تنمية المجتمع في المجتمعات الحضرية نظرا للاهتمام المتزايد بنمو المدن في الدول النامية وطبيعة التغير الموجه الذي بدا يعتري المدينة من حيث ازدياد الكثافة السكانية والاشتغال بأعمال غير زراعية وكذلك تحديد وإقامة المباني والتغير الموجه نحو استخدام الأرض شكلت في مجموعها سلسلة من التغيرات البنائية والوظيفية التي تصيب كافة مكونات البناء الاجتماعي للمجتمع الحضري وفي تزويد الحضر بعدد من المشروعات الاقتصادية والتكنولوجية والخدمات الاجتماعية وذلك مثل التعليم والصحة والمواصلات وذلك بهدف الارتقاء بالمستوى الحضاري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي وإدماج الحضري المتخلف في الحياة القومية بما تمكنه من المساهمة بقدر المستطاع في التنمية الحضرية (1 ) .
فالتنمية الحضرية هي عملية تطوير المجتمعات الريفية ألي مجتمعات حضرية كما تشير كذلك إلي نشأة المجتمعات الحضرية ونموها .
وتشير التنمية الحضرية كذلك ألي زيادة كثافة السكان بما يتعدى 2000 نسمة في الكيلو متر مربع ، وكبر حجم المدينة بما يزداد عن 10000نسمة واشتغال الأفراد في الإنتاج ،وتوزيع التكنولوجيا وسيادة المهن التجارية والصناعية والخدمات ،ووجود درجة عالية من تقسيم العمل والتعقد الاجتماعي ،وتنظيم التفاعل الاجتماعي ، وترتبط التنمية بنمو الدولة ،ونمو وتنسيق الضبط الأجتماعى الذى لا يقوم على الاتجاهات الاجتماعية الأيكولوجية والثقافة التي تؤدى إلى تنمية المدن .
وتعنى التنمية الحضرية كذلك التغيرات الموجهة التي تعتري المدينة أو تشمل هذه التغيرات المساكن وبناء العمارات الشاهقة وإنشاء الشوارع والأحياء وغرس الأشجار (2) .
وفى النصف الثاني من القرن العشرين ظهر مفهوم جديد للتنمية الحضرية فقد كتب سكوت 1969 بحثا عن المشاكل الحضرية تضمن الحاجات الفسيولوجية والاجتماعية للمدن واهتم بالأحياء المختلفة ،ثم ظهرت أعمال أخرى تتعلق ببرامج تجديد المدن ، وبرامج المدن النموذجية ،ويتمثل ذلك في حركة تخطيط المدن والقرى في بريطانيا عام 1947 ,وفى عام 1968 ظهر نوع من التنمية يهتم بحركة الإسكان،وهكذا ترتبط التنمية الحضرية بعملية التخطيط فهي تضع وسائل وأهداف ترتبط بنمط استخدام الأرض .
ويرى فورستر إن التنمية الحضرية تشمل وضع برامج للتدريب المهني وتكاليف الإسكان المنخفضة ,حيث إن هذه البرامج تؤدي إلى انخفاض عدد العاطلين .(3)
((وتعرف التنمية الحضرية بأنه مجموعة من العمليات التي تعلم الاعتماد على النفس وتعبئة كافة الإمكانيات والطاقات والقوى وتحديد لأوجه التقدم استراتيجيا وتكنيكيا على ضوء التفاعل بين الطاقة الوظيفية منظور أليها في تطويرها من ناحية و بين القوى المعاصرة والضاغطة وكذا الواقعة لنا في عالم متغير من ناحية أخرى)) (4) .
وترى منال طلعة محمود إن التنمية الحضرية تمثل عملا جماعيا تعاونيا ديموقراطيا يشجع مشاركة,الموطنين وتشير هذه المشاركة وتنظمها وتوجهها نحو تحقيق وأحداث التغيير الاجتماعي المطلوب بقصد نقل المجتمع الحضري من وضع اجتماعي معين إلى وضع أفضل منه ورفع وتنسيق مستوى معيشة الناس اقتصاديا واجتماعيا .(5)
ويعرف "حسين عبد الحميد رشوان "التنمية الحضرية" أنها عملية نشاه المجتمعات الحضرية ونموها ،وتطوير المجتمعات الريفية إلى حضرية ، والتغير الموجة الذى يعترى المدينة ،من حيث ازدياد الكثافة السكانية ،والاشتغال بإعمال غير زراعية وبدرجه عالية من التقسيم العمل والتعقيد الاجتماعي ، وفى ضوء الضبط الذى لا يستند على أسس قرابية ،وكذلك تجديد وإقامة المباني ،والتغير الجوهري في استخدام الأرض .(6)




عوامل التنمية الحضرية
صنف جون ديكي المتغيرات التي تؤدى إلى التنمية الحضرية إلى أربعة عناصر رئيسية :
1:_ الإنسان والجماعات .
2:_ البيئة الطبيعة .
3:_ البيئة التي صنعها الإنسان .
4._ النشاطات (7)
إن هذه المتغيرات لعبت دورا رئيسيا في أحدث التنمية الحضرية .
وبالإضافة إلى ذلك تعود التنمية الحضرية ، ونمو المدن إلى تقدم الاختراعات الكفاءة المتزايدة في تكنولوجيا النقل والموصلات والمعرفة الكاملة بوسائل الإمداد بالمياه والهواء والأرض والمصادر الطبيعية التي تحتاج إليها التنمية الحضرية , وكذلك التخصص والتكامل بين المناطق الريفية والحضرية ، حيث تعتمد المدن اعتماد كبير على التجارة كما إن النمو السكاني الذي صاحب الثورة الصناعية من العوامل الهامة في التنمية الحضرية .
فتكنولوجيا الصحة والعلاج أدت إلى انخفاض نسبة الوفيات وينتج عن ذلك النمو السكاني زيادة قوة العمل ويضاف إلى ذلك متغيرات تضم المهنة السائدة ,وتقسيم العمل إذا تنمو المدن نتيجة ظهور إعمال ومهنة جديدة تتراكم فوق الأعمال التقليدية ومع زيادة نمو المدن تزداد المشاكل الاجتماعية التي تحتاج إلى مزيد من السلع والخدمات مما يؤدى إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية (جيد.




الاتجاهات النظرية المفسرة لعملية التنمية الحضرية


لأريب إن تاريخ الظاهرة يشكل جزا لايتجزا من كيانها الحاضر ومؤشر لما ستكون عليه في المستقبل ،كما إن هذا التاريخ يكون بعدا معرفيا له قيمته وإسهامه البارز في التفسير والتحليل والتنبؤ والتخطيط ومن خلال هذه الحقيقة سوف نقوم باستعراض الاتجاهات النظرية التي حاولت تفسير التنمية الحضرية فيما يلي :


أولا : الاتجاه الثنائي :
اهتم علماء الاجتماع بالفروق الملحوظة والقائمة بين المدينة والريف كما بذلوا جهودا علمية متباينة لوضع نظريات حول هذه الفروق وأدرك الفلاسفة في العصور القديمة أيضا إن المدينة تختلف اختلافا كبيرا في أوجه النشاط الاقتصادي عن الريف المحيط بها ولكن الجهود الحقيقية والمنظمة التي بذلت لوصف وتفسير هذه الاختلافات جاءت متأخرة حيث لا نستطيع آن نعين بداية حقيقية لها ألا في عصر المفكر العربي ابن خلدون في القرن الرابع عشر فقد كتب فصولا منظمة في التميز بين البدو والحضر ولقد ارجع ابن خلدون الفروق في مصادر الإنتاج والمهنة ، فكتب في الفصول الأول من الباب الثاني (اعلم إن اختلاف الأجيال في أحوالهم أنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش ,فان اجتماعهم أنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه وتنشيط قبل الحاجى والكمالي ،فمنهم من يستعمل الفلح من ألغراسة والزراعة ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان ،فكان اختصاص هؤلا بالبدو أمرا ضروريا لهم وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجتهم ومعاشهم وعمرانهم (9) من القوت وآلكن والدفء أنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ، ثم اتسعت أحوال هؤلا المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلي السكون ، وتعاونوا في الزائد عن الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها ,وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمطار للتحضر)
ويتضح من ذلك أن ابن خلدون يصنف أشكال الاستيطان البشري ألي نموذجين وجوه المعاش والكسب(10 ) .
وبالإضافة إلي هذا المنطلق تأتي الثنائية التي تحدث عنها علماء الاجتماع وسنرد فيما يلي بعض هذه الثنائيات :
1 – تصنيف ( فردناندتونيز ) الكلاسيكي الشهير والذي يمثل احد قطبية المجتمع الأولى الذي تسوده العلاقات الأولية والقرابية بينما يمثل القطب الأخر المجتمع الذي تشيع فيه العلاقات الثانوية والتعاقدية .
2 – ثنائية (دوركايم ) الشهيرة التي تقابل بين نوعين من المجتمعات وفقا لشكل التضامن الاجتماعي، اولهما يقوم على التضامن الآلي بينما يقوم الثاني على التضامن العضوي .
قدم دوركايم نظرته إلي العلاقات الاجتماعية في المجتمعين فقال أن المجتمع الريفي أو الجماعة المشابهة له تتسم بعلاقة تماسك ميكانبكيه حيث يتعامل أفراد المجتمع تلقائيا ويستجيبون لبعضهم ميكانيكيا ، كما أن هناك على الطرف الأخر علاقات ذات طابع عضوي تعتمد على تبادل المنفعة في استجاباتها وتماسكها .
3 – يفرق ( ماكس فيبر ) بين النماذج التقليدية والنماذج العقلية .
4 - يميز ( هواردبيكر ) بين النموذج المقدس والنموذج العلماني حيث قدم مصطلحيه هذين ليقصد بالأول تلك المجتمعات ذات الثقافات بطيئة التغير المنعزلة (الريفية)ويقصد بالثاني تلك المجتمعات ذات الثقافات سريعة التغير المتصلة بغيرها من الثقافات (الحضرية) .
5 – أما( روبرت رد فيلد ) فيميز بين المجتمع الشعبي والمجتمع الحضاري ويرتكز مفهوم المجتمع الشعبي على المشاعر الجمعية الأولية التي تميز الثقافة الشعبية في مقابل المشاعر الفردية التي تسم المجتمع الحضاري أو المدينة .
6 – عرض ( تشارلز كولي ) لاصطلاحيه على الجماعة الأولية التي تتصف بسيادة علاقة الوجه بالوجه ،مقابل الجماعة الثانوية التي تتميز بالعلاقات بين أفراد الجماعة وتدعو ألي تماسكهم وتعاونهم ومراعاتهم لثقافتهم وهي ما تتسم به الحياة الريفية .

hgjkldm hgpqvdm