توفيق الحكيم

المقدمة
في تاريخ حياة الأفراد بل والأمم منحنيات تتخذ فيها شخصياتها أوضاعا جديدة إثر اختبارات مصيرية حادة. ولا شك أن لقاء الشرق بالغرب, أو لقاء الحضارة الإسلامية العربية بالحضارة الغربية كان احد تلك الاختبارات المهمة في التاريخ المشرق العربي, وقد انعكس هذا الاختبار أوضح انعكاس في سير حياة المفكرين وأهل الثقافة, وخير مثال على ذلك 'توفيق الحكيم'.

حياة الحكيم ونشأته
بين الإسكندرية والقاهرة-1902م-1924م.

ولد توفيق الحكيم بالإسكندرية سنة 1902م ويذكر احد الباحثين أن ولادته كانت سنه 1898م، ولكنوالدته تؤكدانه ولد عام1902م0كان والده على حظ وافر من الثراء، وأما أمه فتركية الأصل، يذكر الحكيم انهاكانت عنيفة الطباع، ذات كبرياء واعتداد بأصلها، ومما قاله عنها في 'سجن العمر' أن علاقته بها لم تكن سوية مشبعة, فقد تميزت بشخصية أشبه بالبركان الثائر, وبقدر غير قليل من الأثرة والعناد, والاهتمام بالمظاهر, مع حب التفاخر والتعالي, كلها صفات لا تتيح لابنها الصغيران يتقرب منها، بل تركت في نفسه صفات الخجل والانطواء، والميل الىالعزلة، وما حدثنا الحكيم عن حرمان والدته إياه ممارسة أشياء حبيبة إلى نفسه، كالعزف على العود والتردد على دور السينما ! وأشار إلى أن لها النفوذ نفسه والسلطان الصارم على من في البيت، بمن فيهم والده0 هذه الجوانب تؤكد إلى أي مدى اتسعت الهوة بين الابن وأمه من الناحية العاطفية، وقد زادت هذه الهوة اتساعا بمولد أخيه الصغير زهير, ومع ذلك فقد ارتبطت في ذهنه ذكريات طيبة عن والدته, تتمثل في تلك القصص التي كانت تقصها عليه في أثناء مرضها, مما كان له أثره في تكوين خياله في سن مبكرة. التحق الحكيم عند بلوغة السابعة من عمره بالمدرسة الابتدائية في (دمنهور) ثم سافر إلى القاهرة لمتابعة دراسته الثانوية, حيث استقر في منزل أعمامه, وانضم إلى مدرسة محمد علي الثانوية وبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة التحق بكلية الحقوق تلبية لرغبة والده الذي كان يحلم بأن يرى ابنه محاميا كبيرا أو قاضيا شهيرا, وتلك كانت مهنة (الأرستقراطيين) وفعلا تخرج سنة 1924م في الكلية بشهادة الإجازة. وكان الحكيم في هذه الفترة ميالا إلى التمثيل, فقدم إلى بعض الفرق بالقاهرة أولى محاولاته في المسرح الاجتماعي (الضيف الثقيل) و (المرأة الجديدة).



عودة الحكيم إلى مصر

1928م0

عاد الحكيم إلى مصر بزاد فكي خصب وذخيرة فنية متميزة، إلا انه لم يعد الدكتوراه التي سافر من اجلها، وفي مصر تقلد عدة مناصب حكومية، فقد عين وكيلا للنائب العام في أرياف مدينة طنطا بين 1930و1934م، وكانت ثمرة هذه التجربة(يوميات نائب في الأرياف) ثم عين رئيسا لقسم التحقيقات بوزارة المعارف إلى أن اعتزل الوظائف الحكومية ليفرغ للصحافة والإنتاج الأدبي.اختير مديرا لدار الكتب المصرية, فعضوا بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية, ثم مندوبا في منظمة (اليونسكو) بباريس عام 1959م, إلا أنه عاد عام 1960م ليواصل عمله السابق في مجلس الأعلى للفنون والآداب. واستمر الحكيم في كتاباته الأدبية والصحفية إلى أن أوى إلى السكينة, وارتحل يشير الحكيم في مقدمة مسرحيته عن هذا العالم. تاركا تراثا ضخما وإنتاجا غزيرا سيبقى خالد مع
(أويب) إلى أن الأدب التمثيلي باب لم يفتح في اللغة العربية إلا في العصر الحاضر, وقد تردد الأدب العربي في قبول هذا اللون الغريب عليه, فتركه زمنا خارج جدرانه, يسمع بأمره من أفواه النظارة الكبيرة, دون أن يحفل بالالتفات إليه أو الخوض فيه وذلك لان الأدب العربي كغيره من الآداب العريقة لا يقبل العبث من دون بحث وتمحيص وحذر واحتياط, ولم يكن في ذلك ملوما ولا متجنيا, فان الطريق التي ظهره بها المسرح في الشرق العربي لم تكن على أساس يمكن تسويغه في نظر ذلك الأدب العريق. وكل ما جد في بعض البلاد العربية (كسوريا) و (لبنان و مصر) من أنواع المسارح, وما كان جاريا في تلك الأيام على خشبة المسرح وما كتبه شوقي بعدئذ من روايات شعرية, ومع كل هذه الأعمال لم يجرؤ أحد على أن يسمى ما انتجة منها أدبا تمثيليا؛ فالأدب المسرحي بمفهومه الصحيح لم يبرز إلا في كتابات توفيق الحكيم0


آثار الحكيم ومنابعها

من يستقص آثار الحكيم يجد أن هذا الفنان الكبير لم يلتزم بمصدر واحد يستمد منه فكره، او بمذهب فني واحد يسير عليه في إنتاجه؛ ففي كثير من آثاره استمد مسرحياته من التراث الإسلامي والشرقي عموما, فمسرحية (أهل الكهف) وهي أولى مسرحياته الذهنية وقد صدرت عام 1933م – استمد موضوعها من قصة أهل الكهف في القرآن الكريم, والتي طرح فيها قضية الإنسان والزمان, والصراع بين القلب والزمن, ولعله بذلك أراد أن يناقش مشكلة اجتماعية, هي عدم القدرة على مواجهة الحاضر بتلك العقلية الغارقة في الأفكار القديمة. وقد قال عنها طه حسينإنها حدث في تاريخ الأدب العربي، وأنها تضاهي أعمال فطاحل أدباء الغرب) ثم كانت مسرحيته(شهر زاد) التي استمدها من قصص ألف ليلة وليلة0
وصدرت عام 1934م والتي يصور فيها فكرة الصراع العنيف بين (المادة والروح ) ثم كتب مسرحية(سليمان الحكيم) وهي أيضا مستقاة من التراث الشرقي الديني. والحكيم في هذه الأعمال الفنية يحاول التوفيق بين العنصر العربي الإسلامي. وبين العنصر الغربي في ثقافته.
وهو في هذه الأعمال الفنية لم يكن مجرد ناقل, ينتقل بالقصة من الكتب الدينية إلى العمل المسرحي من دون تغيير، بل كان يضيف إلى المادة الأصلية من فكره وجدانه، ما يجعلها مطبوعة بشخصية الحكيم ونظرته الشرقية إلى الإنسان0

يقول صلاح عبد الصبور في هذا الصدد (وقد استلهم توفيق الحكيم تراثه العربي والإسلامي في أعمال عدة، يأتي على رأسها (شهرزاد) و(أهل الكهف) و(محمد) و(أشعب) و(شمس النهار) و(السلطان الحائر) وغيرها، وهو حين استلهم هذا التراث حاول أن يوفق بين مادته القديمة وبين الشكل المعماري الذي اكتسبه من الحضارة الأوروبية )0 ولم يستقر الحكيم في كتاباته على شكل فني واحد، ولم يكتف بمصدر واحد لاستقاء مادة مسرحياته، ولكنه تعرض لتقلبات فكرية؛ فمن يقرا مسرحياتها الأولى يتراء له انه يريد أن يعيد صياغة الحضارة العربية والاسلامية. بعامة صياغة عصرية جديدة بإحياء ما فيها من قضايا وقصص في صورة تلائم العصر وتطوراته, ولكنه لا يواصل التحرك في هذا الاتجاه, بل يعود إلى الحضارة اليونانية يتخذ من أساطيرها ومآسيها (خامات) فنيه وفكرية لكتاباته, فتظهر مسرحية (الملك أوديب) التي تطرح صراع الإنسان مع القدر والمصير الإنساني في الوجود, ومسرحيته (بجماليون) التي تناقش مشكلة الفن والحياة. والمسرحيتان تدوران في إطار يوناني, تعتمدان الأساطير الإغريقية اعتمادا كاملا, وقد حافظ الحكيم على الأصل اليوناني للأسطورة ولم يخرج عن دائرة نصها, ولم يحطم الأسوار اليونانية بل التزم بها, وإن أضاف بعض الإضافات الذاتية النابعة من ثقافته الإسلامية وتكوينه الشخصي, كما يتجلى في مسرحية ( بجماليون). ومن الطبيعي أن يهتم توفيق الحكيم, وهو رائد الفن المسرحي في الأدب العربي باليونانيات, فالمسرح اليوناني هو أنضج الأشكال المسرحية التي وصلت إلينا من التراث القديم.



وإذا تابعنا خطى الحكيم المسرحية, سواء من الناحية الفنية أم الفكرية نجده _بعد أن اتجه إلى القصص الديني والشعبي والأصول اليونانية_يتجه إلى الحضارة الفرعونية ليستمد منها خامات جديدة لبعض مسرحياته المشهورة مثل (إيزيس). صحيح أن الحكيم قد عرف الحضارة الفرعونية منذ بداية حياته الفنية, واستمد منها بعض ما كتبه في رواياته الأولى, (كعودة الروح) 1928م, ولكنه لم يكتب عملا مسرحيا كاملا مستمدا من تراث الفراعنة إلا عام 1955م, حيث صدرت مسرحيه (إيزيس) التي تعالج فكرة الحكم وعلاقة الشعب بالحاكم.
ونفاجأ بعد صدور مسرحية (إيزيس) بصدور مسرحية(الصفقة) وهي مسرحي اجتماعية تناقش مشكلات الفلاحين، وبعدها تظهر مسرحية(السلطان الحائر) وهي مسرحية ذات طابع فكري تعالج مسؤوليةالانسان في الكون و إرادة الاختيار عنده متأثرا فيها بالفكر الوجودي الغربي، ثم يفاجئنا الحكيم بعدها بمسرحية (يا طالع الشجرة)وهي تنتمي إلى مسرح (اللامعقول) فهي بعيدة من ناحية الشكل الفني عن كل ما سبقها من نتائج توفيق الحكيم المسرحي, وإن كان هناك ربط بين بعض الأفكار هذه المسرحية وبين القضايا الذهبية التي طرحها في مسرحياته السابقة, كالعبث و الخلود, والمادة والروح, ولكن الشكل الفني جديد تماما, لم يلجأ إليه الحكيم من قبل, هذا التقلب الفكري والفني, هذا وراءه ؟ وما سره عند الحكيم.
لعل سر هذا التقلب يعود إلى شخصية الحكيم الحساسة التي تتأثر بالأفكار تأثرا سريعا, وتلتقط التأثيرات بسرعة مذهلة, فتثمر فيه هذه التأثيرات. فعندما اتجه إلى الإسلاميات كما في (أهل الكهف) كان هناك جو ثقافي عام يهتم بإعادة التفكير في التراث الإسلامي وبإحيائه, وقد امتدت هذه الحركة طيلة الثلاثينيات إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, ومن رواد هذه الحركة, العقاد, وطه حسين, والزيات....
هكذا عاش الحكيم في هذا الجو الفكري وتأثر به, ولكن عندما ظهر الاهتمام بالتراث الفرعوني في الخمسينيات ممثلا في كتابات لويس عوض عن مصر الفرعونية ومعرفتها بالمسرح, كتب توفيق الحكيم مسرحية (إيزيس). ومن تأثراته بما حوله ما أثير من ضجة فنية حول مسرح (اللامعقول) في (الستسنيات), فقد أصدر إلى العيون المتطلعة إلى مسـرح اللامعـقول مسـرحية (يا طالع الشجرة), و(الطعام لكل فم). كل هذه نماذج على تقلبات الحكيم الفكرية, وشدة تأثره بالجو الثقافي الذي يحيط به.

منزلة الحكيم الفكرية والفنية

كان الحكيم في جيل القرن العشرين علامة بارزة في الثقافة العربية والفكر العربي, كتب عن المجتمع المصري وريفه بشكل خاص, وصور ما من فيه ملامح التخلف من خلال, (حمار الحكيم) و(يوميات نائب في الأرياف), وعاد في(عودة الروح) ينقض ما قاله ويعلل ويبرر كل مظاهر التخلف التي ذكرها, وفي كثير من مسرحياته تناول قضايا الإنسان: المادية والروحية, وحاول أن يجد لها حلولا في إطار نظرة شرقية للإنسان ومنزلته في الوجود.
وتوفيق الحكيم مجدد الأسلوب الفني في الأدب العربي الحديث, أدخل علي فن الحوار الذي استقر على يديه, وأدخل قوالب تعبيرية أخرى, مثل: اليوميات, والاعتراف والرسائل, كما أن (زهرة العمر, والرباط المقدس ). و كلها ألوان لم يعرفها الأدب العربي من قبل على هذا الوضع الفني الذي عرضه الحكيم., كما أن له رأيا في اللغة وأسلوب الكتابة؛ فهو من دعاة اللغة الثالثة, وهي لغة وسط بين الفصيحة والعامية, وهو من دعاة التخلي عن الزخرف اللفظي وغريب اللغة, ليسهل على القارئ الاتصال بفكره وأدبه., وهو أيضا من دعاة ارتباط الأدب بالمجتمع, وعدم الاهتمام بالشكل.
والحكيم يؤمن بوحدة الحضارة الإنسانسة, إلا أنه يحاول داخل إطارها أن يثير وعيا خاصا بقيام حضارة شرقية مميزة, و أن يقضى على عقدة النقص التي تطالع الشرقيين حين يقرنون أنفسهم بالغربيين, وان ينفض عنهم ذلك الغبار الكثيف الذي ران عليهم, وهو ينقد جوانب الحضارة الغربية التي غرقت في المادية, فتناست الروح التي لا تزال خميرتها كامنة في الشرق العظيم.
لقد أغنى الحكيم المكتبة العربية بعشرات المسرحيات والمؤلفات, وحظي فكرة وأدبه بكثير من التقدير في الوطن العربي والعالم الغربي, فترجم العديد من مؤلفاته إلى لغات أجنبية كالفرنسية والإنجليزية والإيطالية والأسبانية والألمانية والروسية, مثل: (يوميات نائب في الأرياف ) و(أل الكهف), و(عصفور من الشرق). فهو رجل المسرح والأدب والفن

fpe p,g j,tdr hgp;dl