الخوارزمي

مقدمه
لمعت في سماء الحضارة العربية الإسلامية أسماء علماء ساهموا في تاريخ العلم الإنساني مساهمات كبرى، من بين هؤلاء اخترنا طائفة (سوف تزيد تباعا) وهم:

هو محمدُ بنُ موسى ، الشهير بالخوارزمىِّ نسبة إلى منطقة خوارزم (آسيا الوسطى) حيث ولد هناك فى حدود سنة 164 هجريَّة (780 ميلاديَّة) وارتحل إلى بغداد لطلب العلم، فدرس فى بيت الحكمة . جمع الخوارزمى بين علوم الفلك والرياضيَّات ، واشتُهر فى مجال الجبر والحساب حيث كان أول مَنْ عرض العمليات الحسابيَّة الهنديَّة التى تستعمل (الصفر) والكتابة العشرية للأعداد . وقد ترجمت مؤلفاته الرياضية من اللغة العربيَّة إلى اللاتينيَّة فى بداية القرن الثانى عشر الميلادى ، فأثَّرت فى تطوُّر الجبر والحساب فى أوروبا.

من أهمِّ مؤلفاتِه :
• كتابُ الحساب الهندى .
• المختصر فى الجبر والمقابلة .
• شرح السندهند (وهو مرجع رياضىٌّ شهير)
• كتاب فى الجغرافيا .
تقويم سنوى
لا ريب أن الرياضيات والفلك تدين للعرب بفضل عظيم ، وكما أورد جورج سانتون المؤرخ العلمى العظيم فى كتابه الضخم " مقدمة لتاريخ العلم فانه " بداية من القرن الثامن إلى نهاية القرن الحادى عشر كانت العربية هى اللغة الحسرية للعلم والتقدم 000 فعندما وصلت البشرية إلى درجة كافية من النضج تحس فيها بالحاجة إلى قدر أعمق من المعرفة فانها لم تتجه بانتباها أولاً إلى المصادر الاغريقية بل إلى المصادر العربية .
وفى القرن الثانى عشر أصبحت أوربا على دراية بالإنجازات التى حققها العرب ،وعكفت على ترجمات جادة لميراثهم الثرى وقد أنشئت فى برلين وأسبانيا كلية خاصة لإعداد المترجمين وهناك وكذلك فى غيرها من المراكز قام الدارسين بترجمة معظم الاعمال العربية ، فى الرياضيات والفلك ، وشكلت المقالات أو الدراسات العربية الأساس لدراسة الرياضيات فى معظم الجامعات الاوربية .
وقد بدأ تاريخ الرياضيات عند العرب بمحمد بن موسى الخوارزمى الذى رحل فى القرن التاسع شرقاً إلى الهند ليتحصل علوم ذلك العصر وقد قدم الارقام الهندية بما فيها مفهوم الصفر إلى العالم العربى ونقل هذا النظام الرقمى بعد ذلك إلى الغرب ، وكان الغرب يعتمد مثل الارقام العربية كما نعرفها اليوم على نظام الأعداد الرومانية المتعب بينما يمكن فى النظام العشرى كتابة العدد 1948 فى أربعة أرقام فاننا نحتاج إلى أحد عشر رقما فى النظام الرومانى على النحو التالى : MDCCCXLVIII
من الواضح اذا أنه حتى لحل أبسط المسائل الحسابية فان الترقيم الرومانى يحتاج إلى استنفاد وقت وجهد هائلين . وفى المقابل فإن الارقام العربية ترجمت العمليات الحسابية المعقدة بشكل أبسط نسبياً .
ولم يكن هناك أى فرصة لأن تتحقق أوجه التقدم العلمى لدى الغرب اذا ما أستمر على الاعتماد على الأرقام الرومانية وحرموا بالتالى من بساطة ومرونة النظام العشرى الرئيسية أى الصفر . وعلى الرغم من أن الارقام العربية كانت فى الأصل اختراعاً هندياً ، فان للعرب فضل تحويلها إلى نظام عملى فتسجيل الصفر العربى يعود إلى 873 م بينما أول صفر هندى يعود إلى 876 م وظلت أوربا لأربعة قرون تلت ذلك تسخر من الطريقة التى تعتمد على الصفر وأعتبرته : لاشئ وبلا معنى " A meaningless nothing "
ولو لم يعطينا العرب شيئاً سوى النظام العشرى لكفاهم ذلك تقديراً لإسهامهم فى التقدم . والواقع أنهم أعطونا ما هو أكثر من ذلك بكثير . وبالرغم من أن الدين ينظر إليه فى الغالب باعتباره معوقاً للتقدم العلمى ، فاننا يمكن أن نرى من خلال دراسة الرياضيات العربية كيف كانت العقيدة الدينية مصدر للإلهام فى الاكتشافات العلمية .
فنظراً لأن القران كان دقيقاً جداً بالنسبة لتقسيم التركة بين ورثة الشخص المتوفى ، فانه كان من اللازم على العرب أن يجدوا الوسائل التى يقيسون بها الارض قياساً دقيقاً . وعلى سبيل المثال فأنه أذا ترك أب قطعة أرض غير منسقة الشكل ومساحتها سبعة عشر إكر * لابنائه الستة ، فانه نصيب كل واحد من التركه يكون على وجه الدقة هو السدس . وكان حساب مثل هذه القسمة من خلال الرياضيات التى ورثها العرب عن الاغريق غاية فى التعقيد ان لم يكن مستحيل وكان البحث عن طريق أكثر دقة وأكثر شمولاً وأكثر مرونة هو الذى قاد الخوارزمى لاختراع الجبر . وعلى حد تعبير البروفسير سارتون فان الخوارزمى احدث تأثيراً على الفكر الرياضى إلى درجة عظيمة لم يبلغها أى مؤلف أخر فى العصر الوسيط ونحن ندين له بكل كلمة الجبرا algebra بالمعنى الاصطلاحى لها والمصطلح نفسه الجبر ( بلفظه العربى ) . والى جانب الرياضيات ، فقد قام الخوارزمى بعمل رائع فى مجالات الفلك والجغرافيا ونظرية الموسيقى.
وتجدر الاشارة إلى نموذج آخر من نماذج الحضارة العربية وهو القفزة الهائلة فى الجبر بعد قرنين من الخوارزمى ويعود الفضل فى ذلك العصر إلى عمر الخيام ( 1040 - 1123 )الذى يعرف فى الغرب على أنه مؤلف " الرباعيات " وهى قصيدة شعر أشتهرت بعد ترجمة ادوارد فتزجيرالد لها أما فى الشرق فقد أشتهر أنه رياضى أساسا وقد تنبأ من خلال استخدامه للهندسة التحليلية بهندسة " ديكارت ". ولما كلف من قبل السلطان السلجوقى جلقشاه باصلاح التقويم الفارسى فانه قام باعداد تقويم يقال أنه أدق من التقويم الجريجورى الذى يستخدم فى أيامنا هذه فبينما يودى استعمال الاخير إلى خطا مقداره يوم واحد كل 3300 سنة فإن تقويم عمر الخيام يؤدى إلى ذلك المقدار من الخطأ كل 5000 سنة .
* الأكر مقياس للمساحة يساوى 4840ياردة مربعة أو نحو أربعة الاف متر مربع ( المترجم )
وكان من الضرورى بالنسبة للعرب بسبب عقيدتهم الاسلامية أن يتحصلوا على معارف أكثر دقة فى الفلك والجغرافيا من القدر المتاح حينئذ ، فعلى المسلم أن يؤدى عدد من الملاحظات الدينية لها تطبيقات فلكية وجغرافيا دقيقية . فانه عندما يصلى عليه أن يولى وجهة شطر مكة ، فان من الواجب عليه أن يعرف أولاً الاتجاه والمسافة المطلوبه لسفره . وكانت هذه الرحلة قبل الف سنة مضت يمكن أن تستغرق شهوراً أو حتى سنوات ، لان ذلك الذى يشرع فى الحج ممكن أن يكون من سكان أسبانيا أو صقلية أو اسيا الصغرى التى كانت كلها جزء من الامبراطورية العربية . وفى خلال رمضان وهو شهر الصوم ، حيث يفرض على المسلمين الامتناع عن الطعام والشراب من طلوع * الشمس إلى غروبها ، فأن عليه أن يعرف مقدمًا اللحظة التى يظهر فيها الفجر بالضبط ، وكذلك اللحظة التى يغرب فيها ** وتحتاج كل هذه الواجبات معرفة تفصيلية للفلك والجغرافيا .
وهكذا فقد شرع العرب بحماس فى دراساتهم للفلك فى عصر الخليفة العظيم المأمون ( 813 - 833 ) وقام المأمون وهو ابن الخليفة هارون الرشيد المشهور بالليالى العربية ( ألف ليلة وليلة ) - ببناء مرصد خاص بالميره فى سوريا،واستطاع علماؤه بالتدرج أن يحددوا طول الدرجة وهكذا إنشاؤه خطوط الطول والعرض .
ومن بين العرب الذين أرسوا أسس الفلك الحديث كان البطانى ( 858 - 929 ) والبيرونى ( 973 - 1048 ) ولم يكتفى الغرب بأن يتبنى بترحاب القوائم الفلكية للبطانى وأنما ظل يستخدمها حتى عصر النهضة ، وكان البطانى أول من أحل الزاوية محل الوتر الإغريقي فى علم المثلثات وقد ظلت أعماله تترجم وتنشر فى أوربا من القرن الثانى عشر حتى منتصف القرن السادس عشر .
ويعتبر البرفسور سارتون " البيرونى " واحد من أعظم العلماء فى كل العصور لقد وضع الرجل تحديداً لخطوط الطول والعرض ، كما أنه هو الذى ناقش قبل ستمائة سنة من اكتشاف جاليليو إمكانية دوران الأرض حول نفسها كما أنه قام بدراسة السرعات النسبية لكل من الصوت والضوء.
ومع أن كثير من دراسة الفلك تعتمد على الرياضيات ، فان الآلات تساويها فى أهميتها الحيوية ، وقد أثبت العرب أنهم الرواد البارزون فى هذا المجال أيضاً ، ففى بداية العصور الوسيطة كانت القياسات تتم بالآلات ميكانيكية بحتة مثل الربعية أو السدسية أو الاسطرلاب وللتقليل من هامش الخطأ قام العرب بصناعة الاتهم بحجم أكبر مما عرف من قبل ، وبالتالى تسنى لهم الحصول على نتائج ذات دقة عالية وكان أعظم المراصد شهره فى إستخدام تلك الآلات موجود فى مراقا فى القرن الثالث عشر حيث تعاون الفلكيون البارزون من بلاد كثيرة ولم يقتصر على المسلمين بل شارك أيضاً فيها المسيحيون اليهود وحتى الصينيون ، وكان هؤلاء الاخيرون هم الذين كانوا وراء الظهور المدهش لعلم المثلثات العربى على الجانب الاخر فى الصين .
الخاتمة

لقد تمت الاشارة إلى أن الرياضيات أكتسبت على يد العرب نوعاً جديداً من الحركة الديناميكية ، إذ إننا نجد ذلك فى علم المثلثات على يد البيرونى ، حيث أصبحت الأعداد عناصر وظيفية ، وفى جبر الخوارزمى حيث احتوت رموز الجبر فى ذاتها على احتمالات اللانهائية ومن الأمور ذات المغزى حول هذا التطور أن يكشف عن تطابق قطرى أو تلقائى بين الرياضيات والدين فالقران لا يعرض الكون على أنه خلق تام أو منته ، بل أن الله قائم على الخلق المتجدد فى كل لحظة تمر على الوجود . وبعبارة أخرى فإن الخلق عملية مستمرة ، وأن العالم ليس جامداً بل يموج بالحركة . وهذه السمة الديناميكية شائعة بكثرة فى الرياضيات العربية .
* * *
* *

الفهــــــــــــــــــــر س




م الموضوع رقم الصفحة
1- مقدمة 1
2- مؤلفاته 1
3- تقويم سنوى 2
4- سيرته 5
5- الخاتمة 6
6- الفهرس 7

المراجع
• عمر كحالة : معجم المؤلفين 3/741
• خير الدين الزركلى : الأعلام 3/116 .


pdhm hgo,hv.ld