عندما فقد الجيش اعتباره اثر الهزيمة النكراء في حرب جزر فوكلاند (1982) الخرقاء ضد انكلترا، واضطر لتسليم المدنيين السلطة، لم تعد الارجنتين التي ترأسها الراديكالي راوول الفونسين هي نفسها. فبعدما تلقته من صدمات القمع بدأت تعاني اولى نتائج الليبيرالية الاقتصادية والمالية. تقلصت الطبقة الوسطى وبدأت تعاني الفقر الحقيقي اضافة الى توسع الهوة الاجتماعية حيث بات 6،5 في المئة من الاكثر ثراء يحوزون دخلاً يومياً (95،6 دولار) يوازي ثلاثين ضعف الـ 3،2 دولار التي يتقاضاها 14،6 في المئة من الاشد فقرا [3] . ففي ظل الديكتاتورية اطلق الارجنتينيون اسم "هود روبن" على وزير المالية لانه وخلافا لروبن هود "يأخذ من الفقراء ليعطي الاغنياء."


مع عودة الديموقراطية عام 1983 لم يتغير شيء لجهة سيطرة الرأسمال على العمل كون المضاربات المالية تدر ارباحا اعلى من مدخول الزراعة والمواشي والاستثمار الصناعي وخصوصا اذا وظفت الارباح في الخارج. تمكن البيروني كارلوس منعم عبر ربط سعر البيزوس بالدولار الاميركي من وقف التضخم المتعاظم لكنه اشعل قنبلة موقوتة. فلقد عانت الصادرات الارجنتينية الجمود بسبب ارتفاع اسعارها واصطدامها بسياسة الحماية التي تنتهجها الولايات المتحدة بينما ازدادت عمليات الاستيراد.
شرع منعم في الخصخصة المتسارعة لكل ما كان بيرون قد أممه، ويقال انه اقتطع لصالحه الخاص قسما من العائدات البالغة 40 مليار دولار. تضاعف الدين الخارجي وزعم ان الارجنتين دخلت الى "العالم الاول" فأدخل بلاده في رخاء اصطناعي وتصرف كزعيم للمافيا. وقد اعلن نائبه السابق ادواردو دوهالده أخيرا: "نحن طبقة سياسية سيئة وانا جزء منها" [4] . وها هو يرتفع من رئاسة الكونغرس الى رئاسة الدولة. فسارع الى انتقاد ليبيرالية منعم التي جعلت من الارجنتين بلدا "تحت السيطرة". مسكينة الارجنتين التي ابتعدت كثيرا عن الله لتقترب من صندوق النقد الدولي!
ننسى ان المجتمع الارجنتيني عرف خلال الربع الاخير من القرن الماضي تحولات عميقة. وقد ادت ظاهرة التهميش الواسعة ليس فقط الى افقار الطبقات الشعبية بل ايضا الطبقة الوسطى الشهيرة التي كانت مفخرة الارجنتين. وقد كبر جيل ابناء هؤلاء "الفقراء الجدد" من دون ان يستفيد من النظام التربوي الضعيف النتائج والذي اهمل في طريقة تدريجية. اما القتلى والمخطوفون والمنفيون على يد النظام الديكتاتوري فأحدثوا من جهة اخرى "فراغا" بين الاجيال يصعب ردمه.
في ما يتجاوز الازمة الاقتصادية والمالية تظهر مرة اخرى ولو في صورة اقل بروزا حقيقة ازمة قيم ترجع الى عمق التاريخ الارجنتيني، وادت الديماغوجية البيرونية الى تفاقمها. ازمة قيمة العمل المعتبر سذاجة في مجتمع مقتنع بأن ثراء البلاد في متناول اليد على الدوام. وازمة الاخلاق في نظام شاعت فيه الشطارة للاحتيال على القانون من خلال شبكة الوساطات لدى الاصدقاء من اصحاب النفوذ. ازمة القيم المدنية القائمة على الامتناع عن دفع الضرائب وعن اعادة استثمار الارباح في الوطن وتفضيل تهريبها الى احدى الجنات الضريبية. واخيرا ازمة قيم على مستوى التعابير نفسها اذ ان احد مساوئ "حزب العدالة" البيروني انه افسد المفاهيم الاساسية للايديولوجيا الاشتراكية من خلال تسفيهها بحيث بات من الضروري في كل مرة اعادة التعريف بالكلمات والصيغ المتداولة مثل "العدالة الاجتماعية" مثلا، في وقت تتكاثر فيه المظالم والفساد.
هل نفقد اذاً ثقتنا بالارجنتين؟ بالطبع لا. فرغم غياب الايجابيات المباشرة، يعج البلد بالقدرات المتنوعة، فيما يبدو أن قدرة الابداع الثقافي والطاقة السياسية قد نشطت في مجتمع مدني ينبت فيه اليوم زعماء الغد. من اجل اخراج الارجنتين من الوحل الذي تغرق فيه، اقترح احد اعضاء مجلس الشيوخ من الحزب البيروني وصفة عجائبية بسيطة: "يكفينا عامين من دون فساد لكي تستعيد الارجنتين رخاءها". وان يعود الله ارجنتينيا؟
لم يُسمح في حرب جزر فوكلاند وفي حرب الخليج الأولى للصحفيين بالوصول إلى ميدان المعركة. ربما شخص ما في وزارة الدفاع الأمريكية قد قال: "لماذا نبعدهم؟ دعونا نجعلهم يقتربون ونحدد لهم ما يكتبوه وما يبثوه، وهكذا نطعمهم بأيدينا كالكلاب."
# الخزي والعار. إنني صحفي منذ بلغت التاسعة عشرة من عمري. وكنت أتفاخر بذلك دائما، وكتبت في استمارات لا تعد ولا تحصى: "المهنة: صحفي"، أما الآن فأخجل من كتابة ذلك.
أخجل عندما أرى مجموعة كبيرة من الصحفيين من مختلف أنحاء العالم، جالسين أمام جنرال تعلو أكتافه الرتب العسكرية، يستمعون إليه بإصغاء شديد لما يسمى "التوجيه الصحفي" ولا يسألون أبسط الأسئلة. وعندما يجرؤ أحدهم على السؤال، لا ينتفض أحد منهم عندما يقوم الجنرال بالتفوه بكلمات ترويجية إعلامية عوضا عن الرد على هذا السؤال.
هل تذكرون الفرقة العسكرية العراقية 51 التي قيل بأنها قد استسلمت؟ وانتفاضة الشعب في البصرة التي لا أساس لها من الصحة؟ والآلاف المؤلفة من الأكاذيب الأخرى التي ذهبت أدراج الرياح؟ أين كان الصحفيون عندما حدث كل هذا؟
إن أغلبية التقارير الصحفية في هذه الحرب هي بمثابة مرآة مشوهة. تظهر فيها الحقيقة مشوهة، زائفة وكاذبة. لذلك يستحق القليلون الثناء، مثل بيطر ارنط، المستعدين لتقديم مستقبلهم المهني على مذبح الحقيقة.
# الحضيض الأسفل. أخجل من القول بأنني صحفي. وأخجل خجلا مضاعفا لكوني صحفي إسرائيلي.
لقد وصلت وسائل الإعلام الإسرائيلية في هذه الحرب إلى حضيض لم يسبق له مثيل. فهي لا تتفوه حتى ولو بكلمة انتقاد واحدة بحق هذه الحرب. لقد تم إسكات معارضي الحرب تماما. ما زالت تظهر بعض المقالات الانتقادية هنا وهناك في الصحافة الأمريكية. أما في وسائل الإعلام الإسرائيلية فهذا الأمر غير ممكن، فانه أسوأ من الخيانة.
الشاذ الوحيد عن هذه القاعدة هو المراسل دان سمماه، الصحفي الذي تسلل إلى العراق وقبض عليه الأمريكيون فاعتقل وتم تجويعه لمدة 48 ساعة، ورأى ما يحدث هناك بالفعل. لقد تم نشر ما قاله هنا وهناك، وحينها نزلت فوق رأسه ستارة الإسكات. أما الباقون من الصحفيين والمحللين والضباط المتقاعدين من كل حدب وصوب، فيظهرون على شاشاتنا على مدار الساعة ويرددون، مثل الببغاوات، الخط الدعائي الأمريكي، حتى عندما يكون سخيفا.

# جنود الشوكولاطة. لدي حساسية بشكل خاص لـ"المراسلين العسكريين"، فهم فصيلة إنسانية نادرة. هم اكثر الناس رجولة، وهم أبرع الجنود، أما في الحقيقة فما هم سوى منتحلين لشخصيات أخرى.
لقد رأيتهم لأول مرة في حرب عام 1948، عندما كنت جنديا مقاتلا آنذاك. ففي حين كنا نحن الجنود ننغمس في الوحل ونزحف بأجسادنا على الأشواك، ظهر في بعض الأحيان "جندي" من عالم آخر، ليبس بزة عسكرية نظيفة ومرتبة، حليق الذقن، يعتمر الخوذة تشع من وجهه هالة عسكرية نقية. لقد كان هذا أحد المراسلين العسكريين الذين رافقوا الحرب، من غرف عمليات الوحدات المختلفة، بمصاحبة الضباط ذوي الرتب العالية، بعيدا عن الجبهة.
(ولكن لا يجدر بي أن أشكو من هذا الأمر، فعندما نشرت مذكراتي العسكرية بعد الحرب، تحولت هذه المذكرات إلى كتاب تم بيعه بكمية لم يسبق لها مثيل، وذلك لأنه لم يصدر عن أحد من جنود الشوكولاطة هؤلاء أي وصف حقيقي للحرب.)

# الديكور الحربي. لقد قرأت بأن مصممة مهنية قامت بتصميم غرفة التوجيه الصحفي التابعة للجنرال طومي فرانكس، لقاء أجر وصل إلى ربع مليون دولار. الجيش الأمريكي يرصد أموالا طائلة لديكور هذه الحرب.
أعتقد بأن هناك مبالغ أضخم يتم رصدها ودفعها للمخرجين المهنيين الذين يقومون بإخراج ظهور الرئيس بوش على الشاشة. يجب الانتباه إلى الديكور، فهو أكثر أهمية من كلامه.
منذ عدة أشهر يظهر بوش دائما تقريبا على خلفية جنود عسكريين، وقد اهتم المصمم بأن يحيط الجنود الرئيس من كل جهة، بحيث يمكن رؤية وجوههم المعجبة بالرئيس من أي زاوية.
قبل عدة أيام استطاع المخرجون الوصول إلى مؤثرات اكثر نجاحا: فمن وراء الرئيس ظهرت سفينة حرس السواحل، وعلى ظهرها ملاحون يرتدون أزياء حمراء، منتظمين بمجموعات ملونة. وقد ظهرت مجموعات أخرى من الجنود على جانبي الرئيس وأمامه. لا يمكن لأي مخرج أوبرا أن يقدم افضل من هذا المشهد. لم أكن لأتعجب لو شرع الرئيس بغناء مقطع من "كارمن" (مثل: إلى المعركة يا ثوريادور)، ولكنه مع الأسف كرر كلماته التافهة المعهودة.

# الحرب الوطنية الكبرى. عندما غزى النازيون الإتحاد السوفييتي، أدرك ستالين بأن عامة الشعب الروسي لن يقدموا أرواحهم في سبيل الماركسية-اللينينية، فتحول بلحظة عين إلى مسار آخر. لقد أخرج إيفان الرهيب وبطرس الأكبر والمارشال سوبوروف والمارشال قوطوزوف من قبورهم لكي يحرك مشاعر الناس بما سمي آنذاك "الحرب الوطنية الكبرى".
يفعل هذا الآن صدام حسين. انه يناشد أبناء شعبه بالنهوض وقتل الغزاة – ليس تحت راية أيديولوجية حزب البعث (الذي أسسه المسيحيون)، إنما تحت راية الله والإسلام.



________________________________________
[1] صحافي وكاتب، من مؤلفاته Che, Ernesto Guevara. Une légende du siècle, Seuil, Paris, 1997.
[2] Georges Béarn, La décade péroniste, Paris, Gallimard-Julliard, 1975
[3] Artemio Lopez, Accorralados, la historia del otro corralito, Buenos Aires, Equipo de investigacion social, janvier 2002 et Distribucion del ingreso entre ricos et pobres, Buenos Aires, Equipo de investigacion social, novembre 2001.
[4] Francesc Relea, El Pais, Madrid, 21 octobre 2001
http://www.mondiploar.com/




fpe p,g pvf [.v t,;ghk] 1982