إن السعي إلى عقلنة التاريخ في تأليف حقيقي و نهائي يجمع مختلف لحظات التاريخ ولد فلسفة التاريخ التي تتمركز حول مفهوم معنى التاريخ، و يبدو أن تاريخ البشر في كليته له نظام عميق، هدف و غاية، فالتاريخ يسير نحو تمام نهائي.

ذلك هو جوهر فلسفة التاريخ عند هيقل. ففلسفة التاريخ عنده تقدم مبدأ معقولية لشتات الأحداث التاريخية و كثرتها. ذلك أن التاريخ عند هيقل هو متوالية من الأشكال المختلفة التي تنتشر في الزمن و التي تتقدم لنا في شكل جمهرة خليط. فما الذي يدبر هذه الجمهرة ؟ يرى هيقل أن الفكرة، أي المبدأ الروحي الأعلى المحايث للعالم، هي التي تدبر التاريخ. و الفكرة المتمثلة كشكل توحيد نهائي تصبح واضحة أكثر فأكثر في الزمن، و هكذا يستطيع هيقل أن يكتشف تاريخا أكثر فأكثر معقولية، تاريخا متصالحا مع ذاته و متطابقا مع صيرورة الفكرة، يقول هيقل : « إن ما يعلمه لنا المفهوم هو أيضا ما يكشف عنه التاريخ بنفس الضرورة، وهو أنه من خلال نضج الكائنات فحسب، يظهر المثل الأعلى تجاه الواقع و يعيد بناء هذا العالم ذاته في صورة مملكة عقلية، بعد إدراكه في جوهره.» فالتاريخ يتمثل الفكرة سائرة، و من لحظة تاريخية إلى أخرى يتضح التاريخ و يتوحد، و كل لحظة أفضل من سابقتها و تهدي مشهد التحسن الروحي. و هذا يعني أن سير التاريخ لا يكون مفهوما دون مفهوم التقدم، فكل مرحلة تاريخية أرقى من المرحلة التي تمثل كيانها السابق.
معنى التاريخ عند ماركس Marx
تنعت نظرية ماركس في فلسفة التاريخ بالمادية التاريخية، إذ يرى ماركس أن وسائل الإنتاج و بالتالي المحيط التقني هو الذي يحدد ضروب الوجود، فالحياة المادية للبشر تفسر كل الأنشطة و تحدد كذلك صيرورة الإنسان. ومن هذا المنطلق يجب أخذ فعل القوى المنتجة بعين الاعتبار لفهم التاريخ، و القوى المنتجة تمثل مجموع الوسائل المادية و كل أصناف القوى التي بحوزة المجتمع الإنساني. و علاقات الإنتاج تحدد العلاقات الاجتماعية المترابطة في سيرورة الإنتاج، وهذا ما يمثل حقل العمل و هو حقل الصراع الدائم، و بالتالي فإن صراع الطبقات يمثل نواة التاريخ الموحد، فالصراع الطبقي هو الذي يعطي معنى شامل للتطور التاريخي، فهو محرك الصيرورة، و ثورة البروليتريا تعلن حضور الزمن الذي يسيطر فيه الإنسان على ظروفه و قدره و تتحقق الحرية.



نقد فلسفات التاريخ
تشهد فلسفات التاريخ على الحاجة الملحة بالنسبة للإنسان لأن يضفي معنى على قدره الخاص بأن يضمنه في صيرورة تاريخية معقولة. لكن هذه التصورات لا تبدو محقة، ففلسفات التاريخ في القرن التاسع عشر تنبأت لنا بإنسان حر و عاقل في عالم حر و عاقل، و هو ما سفهه الواقع التاريخي للقرن العشرين الذي يبدو حولية من حوليات الجحيم، و لا حاجة لذكر الأمثلة التي تبرز ذلك. ثم إن الإقرار بكون التاريخ له معنى يمكن أن يصب مباشرة في الذعر السياسي و الاعتباط، بالإضافة إلى كون إرادة صهر كل الأحداث في نسق متجانس تؤدي إلى استبعاد دراسة أحداث الحياة اليومية. و من هذا المنطلق ظهرت مدارس تاريخية جديدة تحاول الدراسة النسقية المعزولة لتاريخ المجموعات المحلية أو تطور استعمالات الحياة اليومية.

lukn hgjhvdo uk] idrg Hegel