إذا كانت النفايات بصفة عامة تشمل "كل المواد التي تتخلف من نشاط الإنسان، والتي لم يعد محتاجا إليها، و إنما يحتاج بدلا من ذلك إلى التخلص منها، وهي تعتبر في هذه الحالة من ملوثات البيئة إلا إذا أمكن التخلص منها بطريقة لا تترك آثارا ضارة" فإن بعض الدول المتقدمة وجدت طرقا للتخلص من نفاياتها بأنواعها المتعددة بدون ترك آثار ضارة على بيئتها وإن كانت في المقابل تقوم بتلويث بيئات أخرى تتمثل في بيئات العالم الثالث، وهو ما يعرف بتصدير النفايات من العالم المتقدم إلى العالم النامي.
من أهم أنواع النفايات التي تقوم الدول المتقدمة بتصديرها للعالم الثالث..
- النفايات الصناعية
- المواد التي تلقى في البحار والمياه الشاطئية من مصادر مختلفة
- النفايات النووية

النفايات الصناعية
تتباين النفايات الصناعية تباينا كبيرا في نوعيتها ودرجة خطورتها، على حسب نوع الصناعة وطرق التصنيع والمواد المستخدمة فيها، وتوصف النفايات الصناعية بالخطورة لما يحتاجه تخزينها من عناية للتأكد من عزلها عن التجمعات البشرية بطرق تمنع تلويثها للبيئة، وتنتج معظم النفايات الصناعية من مخلفات الصناعات الكيميائية، وبعضها الآخر يأتي من مصادر معدنية وبترولية ووسائل نقل ومولدات كهربائية ومصانع الجلود والدباغة، كل هذه المصادر قد تنتج عنها مقادير كبيرة من النفايات الصناعية الخطرة.
وتحتوي النفايات الصناعية على مواد سامة مثل الأحماض والكيماويات الغير قابلة للتحلل والمعادن الثقيلة ويعتبر السيانيد من أخطر المواد السامة في النفايات الصناعية.
وبناءً على هذه المواصفات التي توجد في النفايات الصناعية تصبح عملية التخلص منها وأين يتم ذلك أمرا في غاية الأهمية، فكيف يتم التخلص من تلك النفايات؟
كانت الطريقة المألوفة في التخلص من النفايات الصناعية هي تصريفها في مياه البحار والمجاري المائية أو دفنها في مدافن تحفر خصيصا لهذه العملية، ويقدر أن عدد المدافن التي تم دفن النفايات الخطرة بها في الولايات المتحدة وحدها حوالي 50 ألف موقع.
إلا أنه مع تزايد النشاط الصناعي في أوروبا وأمريكا خلال النهضة الصناعية الحديثة تزايدت كميات النفايات الضارة المتخلفة من الصناعات المختلفة وتزايدت بالتالي مشكلات التخلص منها في أراضي الدول التي تنتجها وخاصة مع إصدار معظم الدول الصناعية المنتجة للنفايات الصناعية قوانين مشددة لحماية البيئة من أخطار النفايات بعدم السماح بدفنها في أراضيها.
وعندها بدأت هذه الدول تتوجه إلى أراضي ومياه الدول النامية لتلقي فيها بنفاياتها إما خلسة بدون علمها أو موافقتها وخاصة خلال فترات عدم الاستقرار أو الحروب الأهلية أو بناء على اتفاقيات تحصل بمقتضاها الدولة النامية على تعويض مالي مقابل السماح بإلقاء مخلفات أو دفنها في أراضيها

بحث حول النفايات 371.jpg


وقد تحولت مشكلة تصدير النفايات الصناعية لتشكل مشكلة سياسية دولية، وتمت مناقشتها في عدد من المؤتمرات والملتقيات الدولية التي أوصت بحظرها وإيقافها بالإضافة إلى جهود الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية المناهضة للتلوث البيئي كمنظمة السلام الأخضر (Greenpeace).
المواد التي تلقى في البحار والمياه الشاطئية من مصادر مختلفة
حيث يتم تلويث مياه البحار في وقتنا الحاضر بطرق عديدة بعضها تقوم به الدول الواقعة تلك المياه في إقليمها عبر تصريف مياه المجاري والصرف الصحي في تلك المياه، ولكن هناك دور آخر تلعبه السفن والناقلات النفطية والأساطيل البحرية في تلويث مياه البحار والمحيطات، ولعل أبسط مثال على ذلك هو دور الأساطيل البحرية التي تجول في المياه الإقليمية لدول العالم الثالث والتي تساهم بشكل كبير في تلويث تلك المياه بسبب ما تستخدمه من طاقة نووية لمحركاتها وما ترميه من فضلات وما تطلقه من أبخرة خلال مناوراتها.
كما تقوم بعض الدول المتقدمة بإلقاء نفاياتها في مياه الدول النامية، كما حدث أثناء فترة الحرب الأهلية في لبنان عندما أدت الفوضى التي سادت البلاد إلى تعدد السلطات في الدولة حيث خضعت بعض المواني لسيطرة الميليشيات التي استغلتها لاستيراد النفايات مقابل مبالغ مالية للاستفادة منها في تسليح نفسها.
النفايات النووية
مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي بدأ استخدام الطاقة النووية يتوسع سواء في الأغراض السلمية أو العسكرية، ومن أهم المشكلات التي صاحبت هذا التوسع مشكلة التخلص من النفايات النووية، ونظرا لأن النفايات النووية لها طبيعة خاصة تتمثل في عدم اختفاء آثارها السلبية على البيئة وصحة الإنسان حتى مع دفنها في مسافات عميقة تحت سطح الأرض.
على سبيل المثال إذا كانت هذه النفايات تحوي عنصر البلوتونيوم 239 وإذا عرفنا أن فترة نصف الحياة لهذا العنصر هي 24 ألف سنة، فإن الوصول إلى مرحلة موته وعدم تأثيره يتطلب مرور عشرة مراحل من أنصاف الحياة أي ضرورة مرور حوالي ربع مليون سنة قبل أن يصبح عديم الخطورة على الإنسان.
بناء على ذلك يبدو من الواضح أن سعي الدول المتقدمة لدفن نفاياتها النووية في أراضي دول العالم الثالث يعد جريمة بحد ذاته، ولعل أقرب مثال على ذلك هو فضيحة قيام الحكومة الأمريكية بدفن نفاياتها النووية المتمثلة في اليورانيوم المنضب في أراضي الخليج العربي خلال فترة حرب الخليج الثانية وما بعدها، الأمر الذي يجعل المنطقة بأكملها ملوثة بالنفايات النووية لمدة لا تقل عن نصف مليون سنة قادمة.



وفي النهاية..
فقد حاولنا أن نلقي الضوء على الوضع الحالي الذي تحولت بموجبه دول العالم الثالث إلى ملاجئ بنفايات صناعات الدول المتقدمة، وبالتالي يتعرض سكان العالم الثالث بشكل مباشر للأضرار التي يتسبب بها دفن هذه النفايات في أراضيهم ورميها في مياههم، فالفلاحين مثلا يستخدمون بطريقة مباشرة ويومية المصادر الطبيعية المحيطة كمياه السواقي والآبار والتي تتعرض للتلوث من تلك النفايات.
وفي نفس الإطار قامت مجلة (ايكونوميست) بنشر تقريرا عام 1992 تقول فيه بأن الفائدة الاقتصادية ونقل الصناعات الملوثة إلى العالم الثالث لها ثلاثة مبررات..
1. من الأفضل تلويث البلدان التي تدفع أجورا زهيدة لموظفيها وعمالها لأن تكاليف حماية البيئة والمحيط فيها تصبح أيضا متدنية.
2. من الأفضل تلويث المناطق التي لم يطالها التلوث لأن ذلك يكلف أقل من البداية.
3. من الأفضل تلويث المناطق ذات المستوى الحياتي المتدني، حيث للسكان مشاكل أخرى.
ما تنادي به المجلة هو نفس ما يطرحه تقرير الصناعة والتنمية الذي نشرته الأمم المتحدة من أجل التنمية الصناعية سنة 1990 والذي يشير إلى أن مشكلة تصدير التلوث للعالم الثالث متمثلا في الصناعات والنفايات الخاصة بالدول المتقدمة هو مشكلة خطيرة خصوصا في ميدان المنتجات الخطرة، فالعديد من صناعيي البلدان المتطورة الذين اصطدموا في بلدانهم بتنظيمات البيئة رأوا أن من مصلحتهم نقل المصانع المنتجة للمواد الخطرة والنفايات التي لا تقل خطورة عنها إلى حيث المضايقات أقل قسوة والرقابة شبه غائبة وحياة الإنسان - في نظرهم- أقل قيمة في العالم الثالث.



fpe p,g hgkthdhj