تعدد الزوجات , الحق المرّ.
كم هي مظلومة هذه المرأة , مظلومة لأن أصحاب المصالح من الرجال والنساء يتخذون من الدفاع عن حقوقها السلعة التي يتاجرون بها ابتغاء الشهرة والمنصب وربما المال , أما المرأة فآخر المستفيدين من هذه المطالبات التي تصرع آذاننا , بل قد تكون بالفعل أول المتضررين منها .
ابتداء لا أحد ينكر أن المرأة في الدول العربية الإسلامية غالبا ليست في أحسن أحوالها , ولا بد من المطالبة بحقوقها بل والكفاح من أجل ما سلبته من حقوقها التي أعطاها لها خالقها , والحقوق تؤخذ ولا تعطى . لكننا وابتداء أيضا نطالب بحقوق المرأة التي وهبها الله لها ضمن إطار التفاضل الفطري بين الرجال والنساء ولا ننظر للأمر من باب مساواة تامة تصل إلى درجة المماثلة بينها وبين الرجل , ففي هذا ظلم فادح للطرفين لا يقبله أحد , ولا يجادل عاقل في أنه " ليس الذكر كالأنثى " . لكننا نجادل في أنه ليس أفضل منها مطلقا كما أنها ليست أفضل منه كذلك مطلقا , وانظروا معي وتدبروا قول الله تعالى " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض , للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله " يعني لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن , ولا يتمنى الرجال ما فضل الله به النساء عليهم , والفضل هنا بمعنى الزيادة , فما زاد عند المرأة من عاطفة تكمل به ما نقص من عاطفة الرجل , وما زاد عنده من حزم يكمل به ما نقص منه عندها , وما زاد عنده من قدرة على التعامل مع الأرقام زاد عندها في منطقة التعبير واللغويات , فهو تفاضل فطري في الخلق يؤدي إلى تكامل في الأدوار المنوطة بكل منهما , تكامل تستقيم به الحياة , لا تماثل يؤدي إلى التنافس والعداء كما يحاول البعض أن يصوره عن جهل أو عن هوى وكم قلنا وكم عدنا أن اختلاف الخلق بين الجنسين يقتضي اختلاف الوظيفة , واختلاف الوظيفة لا يعني تشريف أحد الجنسين على الآخر , كيف وقد خلقا من نفس واحدة ابتداء ؟ وكلاهما مكلف بواجب الاستخلاف في الأرض كل حسب إمكاناته وطبيعة خلقه .
هذه كلها أمور بدهية ينبغي ألا نحتاج إلى إقرارها والتأكيد عليها , لكنه الران على القلوب الذي أفسد الفطرة , ومكر الليل والنهار الذي يريدون به أن يخرجوا المرأة عن طبيعتها لتكون الدمية التي تحقق غاياتهم الدنيئة , ويشغلوها بأمور صغيرة , يوهمونها بأنه قد وقع عليها ظلم فظيع , ويضربون على الوتر الحساس بالنسبة لها , وهو وتر تعدد الزوجات , ويحاولون تصويره على أنه تشريع راعى رغبات الرجال وأنانيتهم على حساب النساء , فهل الأمر كذلك فعلا ؟؟
وهل إباحة التعدد كانت شريعة إسلامية أصلا ؟ بمعنى هل كان التعدد ممنوعا فأباحه الإسلام ؟
معلوم أن التعدد كان معروفا قبل الإسلام بل لم يكن له حد ولم تكن له شروط فكان الرجل يسلم وله عشر زوجات , فيطلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبقى على أربع ويطلق الباقيات , لأنه لن يستطيع القيام عليهن , بل لقد كان التعدد مباحا في الشرائع السابقة وقد ورد أنه كان لسليمان عليه السلام ألف زوجة وكان ليعقوب أكثر من زوجة , ومن المعروف أن الكنيسة ظلت حتى القرن السابع عشر تعترف بتعدد الزوجات. يقول الدكتور محمد فؤاد الهاشمي وقد كان مسيحيا ثم أسلم يقول في كتابه الأديان في كفة الميزان : لا يوجد نص صريح في أي من الأناجيل الأربعة يحظر تعدد الزوجات ، أما العهد القديم أو التوراة ففيها نصوص صريحة على إباحة التعدد في دين الخليل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وشريعة داود وسليمان ، وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام .
بل إن علماء الاجتماع والمؤرخين ، ومنهم وستر مارك و هوبهوس و هيلير و جنربرج وغيرهم ، يرون أن التعدد لم ينتشر إلا بين الشعوب التي بلغت قدرا معينا من الحضارة .. وهى الشعوب التي استقرت في وديان الأنهار ومناطق الأمطار الغزيرة ، وتحولت إلى الزراعة المنظمة والرعي بدلا من الصيد وجمع ثمار الغابات و الزراعة البدائية .. ففي المرحلة البدائية من عمر المجتمعات كان السائد هو نظام وحدة الأسرة ، ووحدة الزوجة.
ويرى هؤلاء المؤرخون وعلماء الاجتماع أن نظام التعدد سوف يتسع نطاقه كلما تقدمت المدنية ، واتسع نطاق الحضارة في العالم .وشهادة هؤلاء العلماء – وهم جميعا من غير المسلمين – هي أقوى رد على المغالطين من معارضي التعدد الذين يزعمون أنه قد انقضى زمانه وانتهى عصره !!
لماذا أباح الله التعدد ؟ هذا التشريع الحكيم الذي تمقته المرأة من حيث لا تدري أنه من أجلها شرع أولا , وأنه ما كان ليتم لو لم تشارك به امرأة أخرى ثانيا , فلو كان التعدد كما يحاولون إظهاره هو جريمة ضد المرأة , فلقد شاركت بهذه الجريمة المزعومة امرأة أخرى , وإن منعنا التعدد من أجل مصلحة امرأة فقد فوتنا بلا شك مصلحة امرأة أخرى أو نساء أخريات ! فعمن ذهبنا نحارب ؟!
وللحق فقد راعى الشارع الحكيم تبارك وتعالى فيما أرى مصلحة المجتمع بالدرجة الأولى , ثم مصلحة النساء وهذه لا تنفك عن تلك , ونظر أخيرا في حاجة بعض الرجال وميولهم إلى التعدد وإن كان حملهم مقابل مراعاة هذه الميول التي أحسبها فطرية تبعات خيارهم وهي المسئولية الجسيمة في القيام على أكثر من أسرة ماديا ومعنويا , ثم العدل بين الزوجات الذي جعله الله تعالى شرطا للتعدد . وهذا ما ذهب إليه الأستاذ محمد الغزالي فقد قال في كتابه الشهير فقه السيرة : ومع المبررات الكثيرة للتعدد ، فإن الإسلام الذي أباحه رفض رفضا باتا أن يجعله امتدادا لشهوات بعض الرجال وميلهم إلى المزيد من التمتع و التسلط ، فالغرم على قدر الغنم ، والمتع الميسرة تتبعها حقوق ثقيلة .

أما مصلحة المجتمع فوجود عدد من النساء الأيامى من عوانس ومطلقات وأرامل , بأعداد بلغت الملايين يؤدي إلى مفاسد جمة لا تخفى على عاقل , وها هم المصلحون يدقون أجراس الخطر ويبحثون عن حلول ممكنة لتجنب كوارث يؤدي إليها الفرق الهائل بين أعداد النساء والرجال , سيما بعد الحروب , ولو ذهبنا نستعرض بعض الأرقام على سبيل المثال لا الحصر من بعض الدول العربية والإسلامية لأصابنا الذهول من هذه الأرقام المخيفة , ففي بعض المناطق من العراق تصل نسبة عدد الرجال إلى عدد النساء كنسبة 1 : 5 وفي مناطق أخرى 1: 7 بسبب الحرب مع إيران وهذا الرقم كان قبل الغزو الأمريكي الغاشم الذي أدى بالتأكيد إلى تفاقم المشكلة , وأشد الإحصائيات إثارة للألم هي في البوسنة والهرسك فقد وصلت نسبة عدد الرجال إلى عدد النساء كنسبة 1 : 27 بعد حرب الإبادة الظالمة التي تعرضت لها هذه البلاد المنكوبة . وهذه الأرقام أوردها على سبيل المثال لا الحصر , ولو ذهبت أجمعها لطال الأمر , فماذا لو ذكرنا أعداد النساء الوحيدات التي تعد بالملايين في الدول العربية الإسلامية وماذا لو ذهبنا نحصي أعداد الأطفال الذين يولدون سفاحا كل عام خاصة في الدول التي تمنع التعدد وتبيح بالمقابل العلاقات خارج إطار الزوجية , وماذا لو فتحنا ملف الزواج العرفي , الذي اضطرت السلطات في بعض البلدان إلى بحث تقنينه بعد منعه اعترافا بالأمر الواقع ؟
فما هو الحل في نظر هؤلاء الذين يرفضون التعدد ؟؟ وهل هذه المرأة التي ترفض التعدد كتشريع , تفضل أن تبقى أختها أو ابنتها أيِّما طيلة حياتها على أن تقترن برجل متزوج تقاسم به امرأة أخرى ؟ أنا متأكدة أنها ستقبل أن تتزوج ابنتها أو حتى صديقتها من متزوج وربما لا تفكر في هذه الحال في مصلحة الزوجة الأولى , مادام الأمر لمصلحة تخصها وربما تقبل أن تكون هي أو قريبتها الزوجة الثالثة أو الرابعة , ويكون هذا أفضل من حرمانها من حقها الطبيعي في الزواج وتكوين أسرة تتبادل فيها العواطف في جو نظيف .
ومن الجدير بالذكر أن بعض علماء النفس الغربيين يرى أن الميل إلى التعدد فطري في أصل خلقة الرجل، وهناك دراسة أمريكية حديثة تقول: إن السائد لدى علماء النفس والاجتماع الغربيين هو أن الرجل يميل تكوينيا إلى تعدد الزوجات، ونظام "الزوجة الواحدة" يتعارض مع طبيعته التكوينية ، فقد أكدت دراسة ذكرها موقع إسلام أونلاين أجريت على أكثر من "16" ألف شخص من كل قارات الأرض، أن الرجال في أي موقع؛ عزابا كانوا أم متزوجين، يرغبون أكثر من النساء في أن يكون لهم أكثر من شريك جنسي واحد ، ومن الطريف أنني أثناء حديثي مع بعض النساء في الموضوع رددت أكثر من امرأة القول : لو كنت رجلا لتزوجت أربعا من النساء !
نعم طبيعي جدا أن الوضع المثالي للأسرة أن يكون لكل زوج زوجة واحدة , لكن هذا الوضع المثالي لا يعيش إلا في خيالات الناس أما على أرض الواقع فالوضع مختلف جدا , والله تعالى عندما يشرع لا يشرع لرجل واحد ولا لامرأة واحدة ولا لأسرة واحدة , بل يشرع لكل الناس رجالا ونساء في كل زمان ومكان , والأحوال تختلف من أسرة لأسرة , فماذا عن المرأة المريضة جسديا أو نفسيا ؟ وماذا عن تلك العقيم ؟ بل ماذا لو كانت من أصحاب الاحتياجات الخاصة , أو كانت من صاحبات العاهات الخلقية أو الطارئة ؟ هل كانت لتجد لها زوجا تسكن إليه لولا إباحة التعدد ؟ نعم فالرجل لو لم يكن مسموحا له إلا بزوجة واحدة فهو بالتأكيد سيبحث عن الزوجة المثالية , وكان سيضطر إلى طلاق المريضة أو العقيم أو المشلولة مثلا من أجل أن يسمح له بالزواج من امرأة سليمة تنجب له أطفالا , ومن يلوم الزوج في هذه الحال إذا نظر إلى مصلحته ؟ ومن يلزمه بإمساك الزوجة غير القادرة على القيام بأعباء الزوجية ما لم يكن مسموحا له أن يجمع إليها غيرها ؟ أم أن العدل هو بقاء هذه الشريحة من النساء محرومة من حقها في الزواج من أجل شريحة أخرى من النساء أيضا ؟
ومن جهة أخرى فلو لم يكن التعدد مباحا لاضطرت الزوجة لاحتمال الزوج مهما ساءت عشرته لها لأنها إن طلقت لن تجد زوجا غيره , فمن يتزوج امرأة مطلقة ربما جاوزت ربيع العمر وربما كان لها من الأولاد ما يجعل اقترانها برجل آخر ( غير متزوج ) بعد طلاقها شبه مستحيل ؟
وماذا عن أمر عمت به البلوى وهو أن يلتقى الرجل المتزوج بامرأة يحبها إلى درجة تملك عليه فؤاده , ومنع هذا الرجل من اتخاذها زوجة ثانية , فما الحل ؟ هل سيضطرونه إلى طلاق الزوجة الأولى وتخريب العلاقة الزوجية القائمة ليبني على أنقاضها زواجه الجديد ؟ أم سيلجئونه إلى إقامة علاقة محرمة معها حفاظا على الزوجية الموجودة ؟ إنه الحق المر أو لنقل هو الدواء المر الذي لا بد منه لعلاج بعض أمراض المجتمع , ومن الضروري في الدواء أن يلجأ إليه عند اللزوم , وأن يؤخذ بجرعات مناسبة وشروط دقيقة نزولا عند رأي صانعه الخبير به , ولا بد أيضا أن نحتمل بعض الآثار الجانبية السلبية للدواء إذا كان لا بد من أخذه .
وما دمنا نتحدث عن الدواء فجدير بالذكر أن الطب قد أثبت انعدام الضرر من الناحية الصحية من وجود أكثر من زوجة للرجل الواحد , وأن كل الخطر في إباحة العلاقة المتعددة للمرأة .
ثم من قال إن إباحة التعدد هو أمر بالتعدد أو هو واجب شرعي على كل مسلم , أو حتى هو فرض كفاية ؟ هو إباحة فقط , وكل فرد من الرجال والنساء يعرف خياراته والأمة تعرف خياراتها وكل زمان له ظروفه وكذلك كل مكان , فإن أنفت امرأة أن يجمع عليها زوجها أخرى فأمامها حلول , فهي إما أن تطلب الطلاق من زوجها , وهو يجيبها إن شاء إلى ما طلبت أو يرفض, وله الحق في ذلك ما لم تكن قد اشترطت عليه ذلك في عقد الزواج , وإن رفض فأمامها الصلح إن شاءت أو يمكنها أن تلجأ إلى طلب الخلع حيث ترى المحكمة رأيها في ذلك .



ولا أدري تحت أي شيء أصنف دعوة نشازا جعجع بها بعض الجهلة الذين دعوا إلى إباحة تعدد الأزواج للمرأة الواحدة بالنظر إلى ضرورة المساواة بين الجنسين, وذلك دون أي التفات لطبيعة الخلاف بينهما على تساويهما في الإنسانية كما أسلفت , وهذه دعوة لا تستحق الإشارة إليها فضلا عن الرد عليها .
في الوقت الذي نجد فيه أصواتا أوصلها إعمال الفكر والتدبر إلى المناداة بإباحة التعدد في الغرب , تتعالى عندنا أصوات تنادي بمنعه , بل تقدم منعه مشروعا لمجلس الأمة , فهل تريد هذه المحامية العربية أن تحذو مصر حذو تونس التي تحتفل بمرور خميسن عاما على تطبيقها قانون الأحوال الشخصية الجديد , ومن أعجب ما حدث في تونس أنه أثناء محاكمة رجل تونسي لأنه تزوج بامرأة أخرى وأنجب منها عدة أولاد , لم يجد الرجل مخرجا من التهمة إلا إنكار الزوجية القائمة بينه وبين الزوجة الثانية , وعندما سئل عن طبيعة العلاقة معها قال إنها عشيقته فنجا من العقوبة !! فأي منطق أعوج هذا , أإذا كانت زوجة لها حقوق الاعتبار والنفقة والمبيت وحقوق أولادها في أبوة والدهم ونسبتهم إليه , يعتبر هذا ذنبا يحاكم عليه , أما أن ينجب منها أطفالا غير شرعيين ويتخذها مجرد عشيقة فلا كرامة لها ولا حق يزورها كلما حركه الهوى ويهجرها إذا شاء دون أي اعتبار لإنسانيتها وحقوقها فلا يعترض عليه أحد ولا عزاء لها ؟!
في أمريكا بدأت الأصوات من بعض الطوائف تعلو مطالبة بعدم تجريم تعدد الزوجات , ومن عجب أنهم يبنون مطالبتهم على القانون الذي نص على عدم مشروعية التدخل الحكومي في حياة الفرد الشخصية , وهذا القانون نفسه هو الذي أباح العلاقات المتعددة دون زواج بل هو القانون الذي أباح زواج الشواذ الذي تنكره كل الشرائع السماوية كما تنكره الفطرة السليمة.
وبالرغم من أن الرأي العام الأمريكي يعارض التعدد ويعتبره سلوكا غير شرعي إلا أن هناك عددا قد يصل إلى خمسين ألف شخص يمارسون التعدد ويعملون على الدفاع عنه قانونيا ونشر فكرته والانتصار لها حتى عن طريق الأعمال الفنية من أفلام ومسلسلات قد لا يكون آخرها المسلسل الذي يعرض حاليا على إحدى القنوات الفضائية بعنوان ( الحب الكبير ) ,
وهذا يقودني إلى تساؤل طريف ؛هل ننتظر حتى تبيح أمريكا تعدد الزوجات حتى نرى محاسنه وحكمة مشروعيته ؟
أعجب كل العجب من مسلمين يتحدثون عن انبهارهم ببديع صنع الله في الكون والدقة المتناهية في دوران الأجرام السماوية, من نجوم وكواكب وأقمار, ثم لا يقبلون حكم الله في تنظيم شؤون الأفراد والأسر.

ju]] hg.,[hj < hgpr hglv~>