أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



رحلة الجسد بعد الموت (الدفن)

رحلة الجسد بعد الموت.......... الدفن أينما يممنا وجوهنا شرقا وغربا سنجد من يحدثنا عن رحلة الروح بعد الموت ، فالأديان تجمع على أهمية الروح، فهي التي تحاسب، تثاب



رحلة الجسد بعد الموت (الدفن)


النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Mar 2014
    المشاركات
    1,612
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة جامعية
    شعاري
    لا اله الا الله محمد رسول الله

    افتراضي رحلة الجسد بعد الموت (الدفن)

     
    رحلة الجسد بعد الموت..........


    الدفن

    أينما يممنا وجوهنا شرقا وغربا سنجد من يحدثنا عن رحلة الروح بعد الموت ، فالأديان تجمع على أهمية الروح، فهي التي تحاسب، تثاب أو تعاقب، ثم تمضي إلى نعيم أو جحيم، أما الجسد فيقبع في القبر بلا أهمية، فهو لا محالة عائد إلى عناصره الأولية، ولن يتبقى منه في النهاية، من كل ذلك الكبر والغرور، سوى حفنة تراب!. بيد أن الناس لا تفكر في أرواحها قدر تفكرها في أجسادها، فالروح من علم الغيب، أما الجسد فهو ذات الإنسان وكيانه الذي عاش معه وأهتم لسلامته طيلة حياته، وهو الذي سيبقى في النهاية وحيدا يتعفن ببطء في ظلمات القبور. وبسبب الأهمية الكبرى التي يوليها البشر لأجسادهم، قررنا أن نترك الروح في حالها، لأنها من شأن بارئها، وعزمنا على ملاحقة الجسد في رحلته الأخيرة نحو الفناء، فمن الجيد أن يعرف الإنسان أي درب سيطوي إذا أزف وقت الرحيل.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 221.jpg
    هذه هي النهاية الحتمية

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 222.jpg
    هابيل وقابيل

    الكتب المقدسة حدثتنا عن أول الأموات، هابيل أبن آدم، الشقيق الذي راح ضحية مشاعر الحسد والغيرة المتأججة في قلب شقيقه فأضحى بذلك أول قتيل في التاريخ، ولعلها ليست من باب الصدف أن يبدأ تاريخ البشر مع الموت بجريمة قتل، بل هي حتما توطئة ومقدمة لصراع طويل بين الخير والشر سيستمر فوق هذه الأرض إلى ما شاء الله ولنفس أسباب الجريمة الأولى .. الحسد والغيرة .. ونحن هنا لسنا بصدد التطرق إلى تفاصيل قصة هابيل وقابيل، فهي معروفة لمعظم الناس، لكن الذي يعنينا منها، هو حيرة القاتل وتخبطه في كيفية التخلص مع جثة القتيل، فقابيل لم ير ميتا ولا شاهد قبرا في حياته، لذا تدخلت العناية الآلهية لتريه السبيل الأمثل. يقول القرآن الكريم : }فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)} سورة المائدة. ويقال في تفسير هذه الآية بأن الله أرسل غرابين يقتتلان على مرأى من قابيل، وقد انتهى ذلك القتال بموت أحدهما، فعمد الغراب القاتل إلى نبش الأرض بمخالبه حتى تكونت حفرة عميقة دفع إليها جسد الغراب القتيل ثم حثا التراب فوقه مواريا إياه الثرى، فألهم بصنيعه هذا قابيل ليدفن شقيقه بطريقة مماثلة.
    أول قبر في التاريخ

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 223.jpg
    قبور بدائية

    الدلائل التاريخية تتفق عموما مع ما ذكرته النصوص المقدسة حول أن البشر دفنوا موتاهم منذ عصور سحيقة ضاربة في القدم. لكن علماء الآثار لا يعلمون شيئا بالطبع عن زمن مقتل هابيل، ولا عن مكان القبر الذي ضم رفاته، فهم لا يستندون في عملهم إلى النصوص الدينية المقدسة، وإنما إلى الآثار واللقى التي يستخرجونها من خلال تنقيبهم للأماكن التاريخية، وأول تلك الآثار المتعلقة بالدفن كانت عبارة عن هياكل عظمية لإنسان النياندرتال عثروا عليها مدفونة جزئيا في مغارة الكبارة في فلسطين وكهف شنايدر في شمال العراق، والى جانبها عثروا على مجموعة من الأدوات البدائية الحجرية، الأمر الذي عده البعض دليلا على ممارسة الدفن والطقوس الجنائزية منذ أكثر من ثلاثين ألف عام، لكن هذا استنتاج يدور حوله الكثير من الخلاف والجدل، والرأي الراجح والمتفق عليه، هو أن المقابر الأولى للإنسان الحديث، والتي لا لبس في أنها قبور حقيقية، تعود في حقيقة الأمر إلى حوالي 13 ألف سنة فقط، وقد عثر المنقبون على تلك القبور البدائية داخل مغارات جبل الكرمل في فلسطين.
    طقوس الدفن .. لمحة سريعة

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 224.jpg
    النواويس المصرية

    بالنسبة لمعظم الناس فأن الدفن يعني ببساطة وضع الميت تحت التراب، لكن الأمر في الحقيقة أعمق بكثير من مجرد حفرة في الأرض، فالدفن ممارسة بشرية ذات تاريخ طويل تنوعت طرقها وأساليبها بتنوع الثقافات والأديان وتناوب العصور التاريخية، ففي البداية كان الناس يدفنون موتاهم في مدافن بدائية داخل الكهوف والبيوت أو بالقرب منها، وفي زمن لاحق صاروا يدفنون في مقابر صغيرة بجوار معابد الآلهة والكنائس والمساجد لاعتقادهم بأن طبيعة الأرض وقدسيتها تلعب دورا كبيرا في تحديد مصير الميت في العالم الآخر. وبالطبع كانت تلك القبور الأولى غاية في البدائية والبساطة، مجرد حفرة ترابية تضم جثة أو أكثر، لكن بمرور الزمن، تطورت تلك الحفر فسويت جوانبها



    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 225.jpg
    كفن تورين .. يقال بأنه يحمل صورة السيد المسيح

    وبطنت باللبن والآجر والصخور وبنيت فوقها القباب والمشاهد، وأصبح لبعضها شاهد صغير يحمل أسم الميت وعمره؛ أما الجثة نفسها، فبعد أن كانت تدفن عارية في القبر مع بعض الأغراض البسيطة كالأواني والحلي والتمائم وغيرها من الأشياء التي أعتقد الأقدمون بأن الميت سيحتاج إليها خلال رحلته الأخروية، صارت في عهود لاحقة توضع داخل ناووس أو تابوت (Coffin ) من الخشب أو الحجر، وقد ظهرت التوابيت لأول مرة في مصر القديمة قبل آلاف السنين ثم تنوعت أشكالها وأحجامها بمرور الزمان ومازالت تستعمل حتى اليوم في الكثير من بقاع العالم. كما ظهر في القرن الثالث قبل الميلاد الكفن القماشي (Shroud )، أستخدمه اليهود لأول مرة ثم أخذه عنهم المسيحيون والمسلمون، ولعل أشهر الأكفان في التاريخ هو كفن تورينو (Shroud of Turin ) الذي تظهر عليه صورة غامضة يقال بأنها تعود للسيد المسيح.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 226.jpg
    الدفن الأسلامي

    مثلما تطورت أساليب الدفن، من مجرد حفرة حقيرة إلى أضرحة مهيبة تخطف الأبصار، فقد تطورت وتنوعت أيضا الرسوم والطقوس المرافقة للدفن، فعلى سبيل المثال، هناك من يدفن الميت في نفس اليوم الذي يلفظ فيه أنفاسه الأخيرة، لا يؤخره إلى اليوم التالي إلا لظروف قاهرة، في حين يرى آخرون وجوب تأخير الدفن لمدة معينة، فالبوذيون لا يدفنون إلا بعد مرور ثلاثة أيام على حدوث الوفاة. ولا يقتصر تنوع الطقوس على المدة، بل يمتد إلى كل ما يتعلق بالجنازة من تشييع وتغسيل وتكفين وعزاء وحتى طريقة الحزن والبكاء، فهناك شعوب تملئ الدنيا نواحا على موتاها، تضرب الخدود وتشق الجيوب، في حين يكتفي آخرون بمجرد دمعة !. ويشمل التنوع أيضا وضعية الميت داخل القبر، فرغم أن الرقود هو الأكثر شيوعا، إلا أن هناك استثناءات طبعا، فبعض الشعوب مثلا درجت على دفن محاربيها بوضعية الوقوف تكريما لهم.
    التابوت هو مثال آخر على تنوع واختلاف أساليب الدفن، فالمسيحيون مثلا يضعون موتاهم داخل تابوت محكم الإغلاق من الخشب أو المعدن، واليهود أيضا يستعملون التابوت، لكن الأرثوذكس منهم لديهم شروطهم الخاصة في التابوت، إذ يجب أن يكون منبسطا ومصنوع من الخشب فقط، حتى مساميره يجب أن تكون خشبية. أما المسلمون فلا يستخدمون التابوت للدفن ويكتفون بالكفن القماشي، لكنهم يلحدون القبر أو يجعلون فيه شقا توضع الجثة داخله، مع حرصهم على أن يكون وجه الميت باتجاه القبلة.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 227.jpg
    جنازة المغني جيمس براون

    وإذا كانت الأديان والثقافات تلعب دورا كبيرا في اختلاف أساليب الدفن وطقوسه، فأن هذه الأديان والثقافات تتفق على وجوب دفن الميت بصورة لائقة وعلى ضرورة احترام رفاته، وقد يعود هذا الحرص والالتزام في جذوره إلى معتقدات بدائية قديمة أمنت بأن الموتى الذين لا يحظون بمراسم دفن محترمة لن تعرف أرواحهم أبدا الراحة والسلام، وقد تتحول إلى أشباح وكائنات شريرة تعود لتنتقم من الأحياء، لهذا يعتبر التمثيل بالجثث أو دفنها بالمقلوب، أي الوجه نحو الأسفل، من الأمور المستنكرة والمستقبحة لدى معظم الشعوب، والأمر نفسه يصح على الدفن الجماعي التي يمكن اعتباره من أكثر أساليب الدفن انتهاكا لحرمة الموتى، والمؤسف حقا هو أن العالم عرف خلال حروبه ومجاعاته وأوبئته عددا لا يحصى من هذه المقابر الجماعية.
    سراديب الموتى

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 228.jpg
    سراديب الموتى .. الثقوب في الجدران لحفظ الجثث

    هي سراديب وأقبية ودهاليز تحت الأرض تستخدم لدفن الموتى ويطلق عليها تسمية (Catacombs )، وتعد سراديب الموتى أسفل مدينة روما هي الأقدم تاريخيا، فهي تضم قبور تعود إلى القرن الثاني الميلادي، وهي كذلك الأكثر قدسية من بين جميع سراديب الموتى، حيث يعتقد بأنها تضم رفات القديسين بطرس وبولس. والدفن في هذه السراديب يشبه في أسلوبه خلية النحل، فالجثث توضع داخل ثقوب محفورة في الجدران، وهذه الثقوب عادة ما تكون بعرض 40 – 60 سنتمتر وبعمق 150 – 160 سنتمتر، وهي تغلق ببلاطة تحمل أسم الميت، وهناك المئات من هذه الثقوب على طول تلك الدهاليز التي تمتد أحيانا لعدة كيلومترات.
    ترتبط سراديب الموتى بشكل وثيق بتاريخ المسيحية، ذلك أن الشعوب الأوربية الوثنية، ومنهم الرومان، كانوا يحرقون موتاهم، في حين حبذ المسيحيون الدفن، ولأن المسيحيون الأوائل كانوا أقلية مضطهدة في روما، لذا قاموا بدفن موتاهم في سراديب مخفية تحت الأرض بعيدا عن أعين الرومان الوثنيين، وهكذا ظهرت إلى الوجود أول سراديب الموتى ثم توسعت لاحقا بانتشار المسيحية لتمتد إلى فيينا وباريس ولندن وجمهورية التشيك ومصر وبيرو ومالطا وأوكرانيا وأسبانيا .. الخ.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 229.jpg
    مستودع للعظام .. حتى الثريا مصنوعة من الجماجم العظام

    بعض سراديب الموتى لم تحفر أصلا من أجل دفن الموتى، كما هو الحال مع سراديب باريس فقد كانت بالأساس مناجم لاستخراج الكلس والحجر الجيري، لكنها أصبحت ملاذا لملايين الهياكل العظمية بسبب رغبة الدولة في التخلص من المقابر القديمة التي كانت تحتل حيزا داخليا كبيرا تحتاجه المدينة من أجل التوسع وبناء المزيد من الوحدات السكنية. وهذه العملية، أي إزالة المقابر القديمة، تجري في كل مدن العالم على حد سواء، إذ غالبا ما تسوى تلك المقابر بالأرض بعد أن يتم نقل البقايا العظمية إلى قبور جماعية جديدة أو إلى مستودعات خاصة بالعظام، فسكان تلك المقابر من الموتى ماتوا منذ زمن بعيد ولم يعد لديهم أي أقارب يزورونهم أو يهتمون بالمطالبة برفاتهم.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 230.jpg
    مستودع للعظام في بيرو

    مستودعات العظام بدورها ليست فكرة جديدة، فهناك مستودعات عظام يعود تاريخها إلى الألف الأول قبل الميلاد، حيث كان الزرادشتيون في بلاد فارس يحفظون عظام موتاهم في حفر وآبار عميقة خارج المدن تدعى أستودان، ولاحقا أستعمل المسيحيون الكاثوليك نفس الطريقة في تخزين عظام موتاهم داخل سراديب وحجرات تدعى (Ossuary)، فمن أجل إفساح مجال اكبر لاستيعاب الموتى داخل المقابر، خاصة تلك الملحقة بالكنائس، غالبا ما كان القساوسة يقومون باستخراج بقايا الموتى القدماء من قبورهم من أجل إفساح المجال أمام المزيد من الموتى الجدد، وكانت البقايا العظمية المستخرجة تنقل إلى مستودعات قريبة من المقبرة وتستعمل أحيانا كقطع ديكور لتزيين جدران تلك المستودعات.





    عد الموت..........


    الدفن

    أينما يممنا وجوهنا شرقا وغربا سنجد من يحدثنا عن رحلة الروح بعد الموت ، فالأديان تجمع على أهمية الروح، فهي التي تحاسب، تثاب أو تعاقب، ثم تمضي إلى نعيم أو جحيم، أما الجسد فيقبع في القبر بلا أهمية، فهو لا محالة عائد إلى عناصره الأولية، ولن يتبقى منه في النهاية، من كل ذلك الكبر والغرور، سوى حفنة تراب!. بيد أن الناس لا تفكر في أرواحها قدر تفكرها في أجسادها، فالروح من علم الغيب، أما الجسد فهو ذات الإنسان وكيانه الذي عاش معه وأهتم لسلامته طيلة حياته، وهو الذي سيبقى في النهاية وحيدا يتعفن ببطء في ظلمات القبور. وبسبب الأهمية الكبرى التي يوليها البشر لأجسادهم، قررنا أن نترك الروح في حالها، لأنها من شأن بارئها، وعزمنا على ملاحقة الجسد في رحلته الأخيرة نحو الفناء، فمن الجيد أن يعرف الإنسان أي درب سيطوي إذا أزف وقت الرحيل.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 221.jpg
    هذه هي النهاية الحتمية

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 222.jpg
    هابيل وقابيل

    الكتب المقدسة حدثتنا عن أول الأموات، هابيل أبن آدم، الشقيق الذي راح ضحية مشاعر الحسد والغيرة المتأججة في قلب شقيقه فأضحى بذلك أول قتيل في التاريخ، ولعلها ليست من باب الصدف أن يبدأ تاريخ البشر مع الموت بجريمة قتل، بل هي حتما توطئة ومقدمة لصراع طويل بين الخير والشر سيستمر فوق هذه الأرض إلى ما شاء الله ولنفس أسباب الجريمة الأولى .. الحسد والغيرة .. ونحن هنا لسنا بصدد التطرق إلى تفاصيل قصة هابيل وقابيل، فهي معروفة لمعظم الناس، لكن الذي يعنينا منها، هو حيرة القاتل وتخبطه في كيفية التخلص مع جثة القتيل، فقابيل لم ير ميتا ولا شاهد قبرا في حياته، لذا تدخلت العناية الآلهية لتريه السبيل الأمثل. يقول القرآن الكريم : }فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)} سورة المائدة. ويقال في تفسير هذه الآية بأن الله أرسل غرابين يقتتلان على مرأى من قابيل، وقد انتهى ذلك القتال بموت أحدهما، فعمد الغراب القاتل إلى نبش الأرض بمخالبه حتى تكونت حفرة عميقة دفع إليها جسد الغراب القتيل ثم حثا التراب فوقه مواريا إياه الثرى، فألهم بصنيعه هذا قابيل ليدفن شقيقه بطريقة مماثلة.
    أول قبر في التاريخ

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 223.jpg
    قبور بدائية

    الدلائل التاريخية تتفق عموما مع ما ذكرته النصوص المقدسة حول أن البشر دفنوا موتاهم منذ عصور سحيقة ضاربة في القدم. لكن علماء الآثار لا يعلمون شيئا بالطبع عن زمن مقتل هابيل، ولا عن مكان القبر الذي ضم رفاته، فهم لا يستندون في عملهم إلى النصوص الدينية المقدسة، وإنما إلى الآثار واللقى التي يستخرجونها من خلال تنقيبهم للأماكن التاريخية، وأول تلك الآثار المتعلقة بالدفن كانت عبارة عن هياكل عظمية لإنسان النياندرتال عثروا عليها مدفونة جزئيا في مغارة الكبارة في فلسطين وكهف شنايدر في شمال العراق، والى جانبها عثروا على مجموعة من الأدوات البدائية الحجرية، الأمر الذي عده البعض دليلا على ممارسة الدفن والطقوس الجنائزية منذ أكثر من ثلاثين ألف عام، لكن هذا استنتاج يدور حوله الكثير من الخلاف والجدل، والرأي الراجح والمتفق عليه، هو أن المقابر الأولى للإنسان الحديث، والتي لا لبس في أنها قبور حقيقية، تعود في حقيقة الأمر إلى حوالي 13 ألف سنة فقط، وقد عثر المنقبون على تلك القبور البدائية داخل مغارات جبل الكرمل في فلسطين.
    طقوس الدفن .. لمحة سريعة

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 224.jpg
    النواويس المصرية

    بالنسبة لمعظم الناس فأن الدفن يعني ببساطة وضع الميت تحت التراب، لكن الأمر في الحقيقة أعمق بكثير من مجرد حفرة في الأرض، فالدفن ممارسة بشرية ذات تاريخ طويل تنوعت طرقها وأساليبها بتنوع الثقافات والأديان وتناوب العصور التاريخية، ففي البداية كان الناس يدفنون موتاهم في مدافن بدائية داخل الكهوف والبيوت أو بالقرب منها، وفي زمن لاحق صاروا يدفنون في مقابر صغيرة بجوار معابد الآلهة والكنائس والمساجد لاعتقادهم بأن طبيعة الأرض وقدسيتها تلعب دورا كبيرا في تحديد مصير الميت في العالم الآخر. وبالطبع كانت تلك القبور الأولى غاية في البدائية والبساطة، مجرد حفرة ترابية تضم جثة أو أكثر، لكن بمرور الزمن، تطورت تلك الحفر فسويت جوانبها
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 225.jpg
    كفن تورين .. يقال بأنه يحمل صورة السيد المسيح

    وبطنت باللبن والآجر والصخور وبنيت فوقها القباب والمشاهد، وأصبح لبعضها شاهد صغير يحمل أسم الميت وعمره؛ أما الجثة نفسها، فبعد أن كانت تدفن عارية في القبر مع بعض الأغراض البسيطة كالأواني والحلي والتمائم وغيرها من الأشياء التي أعتقد الأقدمون بأن الميت سيحتاج إليها خلال رحلته الأخروية، صارت في عهود لاحقة توضع داخل ناووس أو تابوت (Coffin ) من الخشب أو الحجر، وقد ظهرت التوابيت لأول مرة في مصر القديمة قبل آلاف السنين ثم تنوعت أشكالها وأحجامها بمرور الزمان ومازالت تستعمل حتى اليوم في الكثير من بقاع العالم. كما ظهر في القرن الثالث قبل الميلاد الكفن القماشي (Shroud )، أستخدمه اليهود لأول مرة ثم أخذه عنهم المسيحيون والمسلمون، ولعل أشهر الأكفان في التاريخ هو كفن تورينو (Shroud of Turin ) الذي تظهر عليه صورة غامضة يقال بأنها تعود للسيد المسيح.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 226.jpg
    الدفن الأسلامي

    مثلما تطورت أساليب الدفن، من مجرد حفرة حقيرة إلى أضرحة مهيبة تخطف الأبصار، فقد تطورت وتنوعت أيضا الرسوم والطقوس المرافقة للدفن، فعلى سبيل المثال، هناك من يدفن الميت في نفس اليوم الذي يلفظ فيه أنفاسه الأخيرة، لا يؤخره إلى اليوم التالي إلا لظروف قاهرة، في حين يرى آخرون وجوب تأخير الدفن لمدة معينة، فالبوذيون لا يدفنون إلا بعد مرور ثلاثة أيام على حدوث الوفاة. ولا يقتصر تنوع الطقوس على المدة، بل يمتد إلى كل ما يتعلق بالجنازة من تشييع وتغسيل وتكفين وعزاء وحتى طريقة الحزن والبكاء، فهناك شعوب تملئ الدنيا نواحا على موتاها، تضرب الخدود وتشق الجيوب، في حين يكتفي آخرون بمجرد دمعة !. ويشمل التنوع أيضا وضعية الميت داخل القبر، فرغم أن الرقود هو الأكثر شيوعا، إلا أن هناك استثناءات طبعا، فبعض الشعوب مثلا درجت على دفن محاربيها بوضعية الوقوف تكريما لهم.
    التابوت هو مثال آخر على تنوع واختلاف أساليب الدفن، فالمسيحيون مثلا يضعون موتاهم داخل تابوت محكم الإغلاق من الخشب أو المعدن، واليهود أيضا يستعملون التابوت، لكن الأرثوذكس منهم لديهم شروطهم الخاصة في التابوت، إذ يجب أن يكون منبسطا ومصنوع من الخشب فقط، حتى مساميره يجب أن تكون خشبية. أما المسلمون فلا يستخدمون التابوت للدفن ويكتفون بالكفن القماشي، لكنهم يلحدون القبر أو يجعلون فيه شقا توضع الجثة داخله، مع حرصهم على أن يكون وجه الميت باتجاه القبلة.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 227.jpg
    جنازة المغني جيمس براون

    وإذا كانت الأديان والثقافات تلعب دورا كبيرا في اختلاف أساليب الدفن وطقوسه، فأن هذه الأديان والثقافات تتفق على وجوب دفن الميت بصورة لائقة وعلى ضرورة احترام رفاته، وقد يعود هذا الحرص والالتزام في جذوره إلى معتقدات بدائية قديمة أمنت بأن الموتى الذين لا يحظون بمراسم دفن محترمة لن تعرف أرواحهم أبدا الراحة والسلام، وقد تتحول إلى أشباح وكائنات شريرة تعود لتنتقم من الأحياء، لهذا يعتبر التمثيل بالجثث أو دفنها بالمقلوب، أي الوجه نحو الأسفل، من الأمور المستنكرة والمستقبحة لدى معظم الشعوب، والأمر نفسه يصح على الدفن الجماعي التي يمكن اعتباره من أكثر أساليب الدفن انتهاكا لحرمة الموتى، والمؤسف حقا هو أن العالم عرف خلال حروبه ومجاعاته وأوبئته عددا لا يحصى من هذه المقابر الجماعية.
    سراديب الموتى

    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 228.jpg
    سراديب الموتى .. الثقوب في الجدران لحفظ الجثث

    هي سراديب وأقبية ودهاليز تحت الأرض تستخدم لدفن الموتى ويطلق عليها تسمية (Catacombs )، وتعد سراديب الموتى أسفل مدينة روما هي الأقدم تاريخيا، فهي تضم قبور تعود إلى القرن الثاني الميلادي، وهي كذلك الأكثر قدسية من بين جميع سراديب الموتى، حيث يعتقد بأنها تضم رفات القديسين بطرس وبولس. والدفن في هذه السراديب يشبه في أسلوبه خلية النحل، فالجثث توضع داخل ثقوب محفورة في الجدران، وهذه الثقوب عادة ما تكون بعرض 40 – 60 سنتمتر وبعمق 150 – 160 سنتمتر، وهي تغلق ببلاطة تحمل أسم الميت، وهناك المئات من هذه الثقوب على طول تلك الدهاليز التي تمتد أحيانا لعدة كيلومترات.
    ترتبط سراديب الموتى بشكل وثيق بتاريخ المسيحية، ذلك أن الشعوب الأوربية الوثنية، ومنهم الرومان، كانوا يحرقون موتاهم، في حين حبذ المسيحيون الدفن، ولأن المسيحيون الأوائل كانوا أقلية مضطهدة في روما، لذا قاموا بدفن موتاهم في سراديب مخفية تحت الأرض بعيدا عن أعين الرومان الوثنيين، وهكذا ظهرت إلى الوجود أول سراديب الموتى ثم توسعت لاحقا بانتشار المسيحية لتمتد إلى فيينا وباريس ولندن وجمهورية التشيك ومصر وبيرو ومالطا وأوكرانيا وأسبانيا .. الخ.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 229.jpg
    مستودع للعظام .. حتى الثريا مصنوعة من الجماجم العظام

    بعض سراديب الموتى لم تحفر أصلا من أجل دفن الموتى، كما هو الحال مع سراديب باريس فقد كانت بالأساس مناجم لاستخراج الكلس والحجر الجيري، لكنها أصبحت ملاذا لملايين الهياكل العظمية بسبب رغبة الدولة في التخلص من المقابر القديمة التي كانت تحتل حيزا داخليا كبيرا تحتاجه المدينة من أجل التوسع وبناء المزيد من الوحدات السكنية. وهذه العملية، أي إزالة المقابر القديمة، تجري في كل مدن العالم على حد سواء، إذ غالبا ما تسوى تلك المقابر بالأرض بعد أن يتم نقل البقايا العظمية إلى قبور جماعية جديدة أو إلى مستودعات خاصة بالعظام، فسكان تلك المقابر من الموتى ماتوا منذ زمن بعيد ولم يعد لديهم أي أقارب يزورونهم أو يهتمون بالمطالبة برفاتهم.
    رحلة الجسد بعد الموت (الدفن) 230.jpg
    مستودع للعظام في بيرو

    مستودعات العظام بدورها ليست فكرة جديدة، فهناك مستودعات عظام يعود تاريخها إلى الألف الأول قبل الميلاد، حيث كان الزرادشتيون في بلاد فارس يحفظون عظام موتاهم في حفر وآبار عميقة خارج المدن تدعى أستودان، ولاحقا أستعمل المسيحيون الكاثوليك نفس الطريقة في تخزين عظام موتاهم داخل سراديب وحجرات تدعى (Ossuary)، فمن أجل إفساح مجال اكبر لاستيعاب الموتى داخل المقابر، خاصة تلك الملحقة بالكنائس، غالبا ما كان القساوسة يقومون باستخراج بقايا الموتى القدماء من قبورهم من أجل إفساح المجال أمام المزيد من الموتى الجدد، وكانت البقايا العظمية المستخرجة تنقل إلى مستودعات قريبة من المقبرة وتستعمل أحيانا كقطع ديكور لتزيين جدران تلك المستودعات.






    vpgm hg[s] fu] hgl,j (hg]tk)


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    المشاركات
    Many
     

  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    32
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة في التناوية
    هواياتي
    المطالعة
    شعاري
    بالاخلاق نرتقي

    افتراضي رد: رحلة الجسد بعد الموت (الدفن)

    فكرتي في كتاب قريتو اسمو الرحلة الى دار الاخرة احسنت الاختيار في الموضوع تسلمي
    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: ميس الريم

  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Mar 2014
    المشاركات
    1,612
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة جامعية
    شعاري
    لا اله الا الله محمد رسول الله

    افتراضي رد: رحلة الجسد بعد الموت (الدفن)

    لك الشكر والتقدير على هذا المرور الكريم
    يسعدني ويشرفني مرورك العطر
    دمتي بحفظ الله ورعايته.
    التعديل الأخير تم بواسطة ميس الريم ; 24-08-2014 الساعة 16:06

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. رموز لغة الجسد
    بواسطة siluna في المنتدى التنمية البشرية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-06-2014, 14:17
  2. ألم النفس وألم الجسد
    بواسطة بسمة حنين في المنتدى قسم المواضيع العامة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 09-05-2013, 12:45
  3. هذا الجسد لا يموت
    بواسطة وردة فاطمة في المنتدى نبض الشعر والخواطر
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-04-2013, 21:59

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •