في سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم. والمقصود من الحديث أنها مبعدة عن الله والدار الآخرة لذلك ذمت.
قال في جامع العلوم والحكم: فالدنيا وكل ما فيها ملعونة، أي مبعدة عن الله؛ لأنها تشغل عنه، إلا العلم النافع الدال على الله وعلى معرفته، وطلب قربه ورضاه، وذكر الله وما والاه، مما يقرب من الله. فهذا هو المقصود من الدنيا؛ فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوام ذكره كما قال ابن مسعود: تقوى الله حق تقواه: أن يذكر فلا ينسى، وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره، وكذلك الحج والطواف، وأفضل أهل العبادات أكثرهم لله ذكرا فيها. فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة، وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها؛ كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.
وقال في فيض القدير: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان منها لله عز وجل. يمكن أن يكون المراد بلعنها ملاذ شهواتها، وجمع حطامها، وما زين من حب النساء والبنين، وقناطير الذهب والفضة، وحب البقاء بها. فيكون قوله: ملعونة متروكة مبعدة، متروك ما فيها، واللعن الترك، وقد يراد أنها متروكة للأنبياء والأصفياء. كما في خبر: لهم الدنيا، ولنا الآخرة. (حل والضياء) المقدسي عن جابر بن عبد الله رمز المصنف لحسنه .......
الدنيا ملعونة لأنها غرت النفوس بزهرتها ولذاتها، وإمالتها عن العبودية إلى الهوى حتى سلكت غير طريق الهدى. ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه. أي ما يحبه الله في الدنيا، والموالاة المحبة بين اثنين، وقد تكون من واحد وهو المراد هنا. يعني ملعون ما في الدنيا إلا ذكر الله وما أحبه الله مما يجري في الدنيا، وما سواه ملعون. وقال الأشرفي: المراد بما يوالي ذكر الله: طاعته واتباع أمره، وتجنب نهيه؛ لأن ذكر الله يقتضي ذلك، وعالما أو متعلما أي هي وما فيها مبعد عن الله تعالى إلا العلم النافع الدال على الله. فهذا هو المقصود منها. قوله: عالما أو متعلما بالنصب عطفا على ذكر الله ..... كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمد مما فيها إلا ذكر الله، وعالم ومتعلم، وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله: وما والاه؛ لاحتوائه على جميع الخيرات والفاضلات، ومستحسنات الشرع، لكنه خصص بعد التعميم دلالة على فضل العالم والمتعلم، وتفخيما لشأنهما صريحا، وإيذانا بأن جميع الناس سواهما همج. وتنبيها على أن المعنى بالعالم والمتعلم العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل فيخرج الجهلاء، وعالم لم يعمل بعلمه، ومن يعمل عمل الفضول وما لا يتعلق بالدين. وفيه أن ذكر الله أفضل الأعمال، ورأس كل عبادة. والحديث من كنوز الحكم وجوامع الكلم، لدلالته بالمنطوق على جميع الخلال الحميدة، وبالمفهوم على رذائلها القبيحة.
والله أعلم.





p]de hg]kdh lgu,km