عدوان إسرائيلي همجي مخيف، وهجمات جويَّة مركزة، وضربات وحشية سافرة، تُسْقِط صواريخها على قطاع غزة‏ بعنف؛ ليدقَّ ناقوس الخطر بانعدام السلام والأمن بالشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، وليعيد هذا العدوان إلى الأذهان مرارات العقود الماضية، وحروبها الاحتلالية، منذ نكبة فلسطين عام 1948، ونكسة الجيوش العربية عام 1967، وصولاً إلى سلسلة الاعتداءات والاجتياحات المتعاقبة للاحتلال، ضد الشعب الفلسطيني المنكوب دون تمييز؛ لتُسَمِّي تل أبيب عدوانها هذه المرة بـ"الرصاص المصبوب"،‏ حيث أطلقت المقاتلات الإسرائيلية صواريخها، في هجمات مفاجئة، ومكثفة، ومتزامنة، علي ما زعمت أنها المقارُّ الأمنية لحركة حماس،‏ التي تقع في مناطق مأهولة بالسكان،‏ وتركزت بشكل متعمد في أوقات خروج أطفال المدارس.

مما أسفر عن مجازر وحشية،‏ راح ضحيتَها المئاتُ ما بين قتيل وجريح؛ لتبدو غزة أمام العيان ككتلة ملتهبة بالدماء، ونقطة سوداء على خريطة المنطقة؛ نتيجة الحرائق الضخمة بالمقارِّ والمنازل المحيطة بها،‏ وسط حالة من الرعب والهلع‏ اكتنفت الآلاف هناك؛ ليخرجوا إلى الشوارع‏، بينما امتلأت المستشفيات بالمصابين في ظل النقص الشديد في الأجهزة الطبية والمعدات؛ نتيجة الحصار المستمر منذ ‏20‏ شهرًا‏ على القطاع،‏ وتناثرت عشرات الجثث لرجال الأمن علي الأرض؛ لتجذب كاميرات الأعلام، ومعها أنظار العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها -‏ لما يجري من جرائم حقيقية، بلا هوادة، وبلا رادع، وبلا رحمة، من قِبَل إسرائيل، فيما لقي مئات القتلى والجرحى مصيرهم تحت الأنقاض؛‏ لتصرخ غزةُ باحثةً عن عاصم لها فلا تَجِد، وعن ناصر لها من هذا الجبروت والظلم اللاإنساني، الذي فاق الحروب العالمية، وما قامت به الحركات النازية والعنصرية على مرِّ التاريخ.


انهيار القيم العالمية
في تحدٍّ صارخ‏ للمجتمع الدولي، وزَهْوٍ كاذب لمجرمي الحروب، يحمل العار لمرتكبيه،‏ هدَّدت إسرائيل بمواصلة العمليات العسكرية في غزة في أي وقت،‏ وكأنها تجاهر بالقتل والتنكيل والإرهاب، ولا يهمُّها شيء،‏ وتعلِّل ذلك بأنه الخيار الوحيد أمامها لوقف ما زعمت بأنه الإرهاب؛ ليتساءل الجميع: مَن الإرهابيُّ المتغطرس؟! وألوان العجز تخنق المجتمع الدولي؛ لتشلَّ أواصر الأمم المتحدة، وتُقَيدها عن التحرك الصحيح والعادل لدرء عدوان واضح المعالم على شعب أعزل، وحتى ما لدى الفلسطينيين من فصائل مسلحة وشرطة وغيرها، لا يعدو كونه مجرد تشكيلات لميلشيات وفرق محدودة القوى، وذلك بلغة الجنرالات، حيث لا يُمْكنها مواجهة طوفان المقاتلات الإسرائيلية الجامح، بعدما أعادت مذابح غزة للأذهان ذكرياتِ مذابح صبرا وشاتيلا في لبنان، وكيف تجرَّع العرب مرارة الهزيمة في عام 1967، وهم غير قادرين على مجاراة التفوق الجويِّ للدولة العبرية، حيث تساقط الفلسطينيون، وبينهم رجال حماس المسلحون، في مشهد جديد عليهم؛ لأنهم في هذه المرة كانوا مدركين لخطورة الأوضاع، لكنهم لا يملكون سوى أسلحة خفيفة، ومدافع هاون، وصواريخ القسام، وجميعها لا تصلح سوى لاشتباكات مباشرة على الأرض، ولا حول ولا قوة لها أمام ترسانة الأسلحة الثقيلة وطائرات إف 16 الإسرائيلية، حتى إن بعض المحطات الفضائية قارنت بين مشاهد تساقط الشهداء الفلسطينيين، وما يقوم به المتظاهرون الرافضون للحروب في الغرب.

فلم يَعُدْ خافيًا عدمُ جدوى موجات الاستنكار والشجب، واستدعاء السفراء مع إسرائيل، التي كانت ولا تزال تؤمن بشريعة الغاب، والسطو على ممتلكات الآخرين، وتعتريها نزعات سفك دماء الأبرياء.

وما يثير الدهشةَ حقًّا في هذه الكارثة الغزِّية صمتُ الأمم المتحدة المطبق، على ما يُقْترف من جرائم أدَّت لمصرع مئات المدنيين الفلسطينيين بدم بارد؛ بل وزاد الأمرَ ما أطلقته واشنطن من رسائل لحمل تل أبيب على مراعاة عدم استهداف المدنيين، وبالطبع ليس خافيًا الاتفاقاتُ الدبلوماسية السرِّية على تأمين ظهر إسرائيل السياسي بالفيتو الأمريكي، الذي طالما تصدَّعت أمامه مشروعات قرارات دولية، تدين الاحتلال السافر، والاعتداءات المشينة التي تمضى في تنفيذها الدولة العبرية بالشرق الأوسط دون حساب، فليس المطلوب من قبل العرب العويل والحزن على القتلى، وفتح المستشفيات للجرحى فحسب؛ بل إن كانت هذه المشاعر صادقة، فالحاجة صارت ماسة لتعديل موازين القوى، وميزان العدالة بالمنطقة، ونبذ القتلة قبل طلب محاكمتهم، وعدم الانخراط في اتفاقيات للتعاون الإقليمي مع إسرائيل، حتى لا تنجرف إلى نقطة اللاعودة، فكيف يكون الطريق للسلام والتطبيع الكامل، وأيدي غلاة المحتلين الإسرائيليين ملطخة بدماء الشهداء، ومقاتلاتهم تُمْطِر سماء غزة، وتهدد كذلك بين وقت وآخر بهمجيتها وتجاوزاتها للأجواء السورية واللبنانية وغيرها؟!


المخاطر تهدد الشرق الأوسط
يتساءل الخبراء العسكريون: هل تتحول المنطقة العربية إلى ساحات للصراعات دون وقفة دولية، أو حتى إقليمية؛ لرأب هذا الانهيار في القيم والمبادىء، التي جعلت العالم لا يعير اهتمامًا لأرواح المئات المزهقة بغزة، وكأنها نفوس رخيصة لا تصل إلى قيمة نظيرتها الغربية والأمريكية والإسرائيلية؟

لقد فشلت تل أبيب في جنوب لبنان وانسحبت، وفشلت الولايات المتحدة في العراق وستنسحب، ولن تقوم قائمة لمحتل في أرض العرب، أما ما يجري بفلسطين، فهو شيء آخر؛ لأنه استعمار يهدف إلى استبدال شعب بفلول يهود جاؤوا من شتات الأرض، وتخريب لكيان دولة من أجل اغتصاب أرضها، والطغيان على سكانها، ونهب ثرواتها، بالقضاء على أهلها بموجات تجويع وحصار، واستنزاف وعدوان متكرر، يؤرق مضاجع العرب، ولعله يوقظهم من غفوتهم بعدما تكالبت عليهم إسرائيل بترساناتها العسكرية، سواء التقليدية أم النووية، فالأولى تقتل بها شعوبهم، والثانية تهدد بها الشرق
الأوسط بأسره.

وهنا يحضر الكثيرين قولُه تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، لكن لسان رجال الدين يُشَدِّد على أنه: ((من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، فالإخلاص هو المطلوب من المسلمين نحو قضيتهم؛ لصَوْن شرفهم وأرواحهم، ودمائهم وأرضهم من أعداء الأمة، بدلاً من الوقوف دقائق حداد بدون تحرك حقيقي يرهب هؤلاء المجرمين المعتدين، الذين يعيثون فسادًا في الأرض.

ولعل المفاجأة قد كشفتها تقارير سياسية غربية مؤخرًا، حيث أشارت إلى وجود حوالي 45 ألف عنصر تابع للاستخبارات الإسرائيلية بالضفة الغربية وقطاع غزة، يقومون بنقل تفاصيل دقيقة حول كوادر المقاومة الفلسطينية وتحركاتها وعملياتها للموساد، حتى أن نتائج هذه الصفقات الرخيصة تشاهدها العيون بمدى دقَّة المعلومات، التي تضرب على أساسها المقاتلات الإسرائيلية مراكز حماس، وسيارات كوادر وقيادات المقاومة، فبِئْرُ الخيانة دائمًا عبر التاريخ هو سبب نكبات الشعوب باستمرار الاحتلال، كما عانى من ذلك العراقيون إبان الغزو الأمريكي لبلادهم وحتى الآن، وتحاول حماس حاليًا توحيد الصفوف لمواجهة العدو الذي – للأسف - استفاد كثيرًا من التشرذم الفصيلي والخلافات العميقة، في حين يركز المسؤولون الإسرائيليون على المناورات الدبلوماسية مع العرب، التي تضيع فرص السلام، فرصة تلو أخرى؛ لتتبدد معها معالم الدولة الفلسطينية، وتدق معاول التخريب بجسد المسجد الأقصى بالقدس، وتزرع المستوطنات اليهودية، وتنهب ممتلكات أصحاب الأرض بحماية ومباركة المستعمرين ونيران جيوشهم.


الثأر وروح المقاومة
رغم كل المحن يبقى خيار المقاومة هو الرد المناسب؛ لحمل إسرائيل على التراجع، وإجبارها على وقف هذا العدوان، فليس هناك سوى معيار القوة الذي تعتقد به تل أبيب لتقدير الأمور، حتى أنها خسرت رغم جبروتها المزعوم من حزب الله في حرب صيف 2006؛ لينكسر مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي كانت تُرَوِّج له الولايات المتحدة آنذاك، في حين تستعد إدارة بوش الآن لتُلِمْلم نكباتِها وأوراقَ فشلها للرحيل عن البيت الأبيض بعد ما خلف، ونسي جورج بوش وعده بإقامة دولة فلسطينية مستقلة في نهاية ولايته، وبحلول عام 2009، لكن المؤامرات الإسرائيلية التوسعية لا تزال حيَّة في خيال قادة تل أبيب، وأحلام أجيالها، وحكوماتها التي تريد صناعة وجود سرطاني بأرض العرب.

لتكون دولة من النيل للفرات، حتى أنها قذفت بالأمريكيين إلى معارك العراق؛ لتنفيذ جزء من هذه الخطط، وباتت تنتظر النتائج، وتحاول بترسانتها الجوية تهديد الشعوب المجاورة، في حين تنظر للفلسطينيين على كونهم بقايا شعب دُمِّر، وفلول لفصائل متناحرة تتنازع فيما بينها، وتلك طامة كبرى أصابت قلب وعقل المقاومة الباسلة، التي طالما تعاطفت معها شعوب العالمين العربي والإسلامي، وساندتها كرمز للنضال، لكنها فقدت الكثير من بريقها، في أعقاب سلسلة أحداث هزَّت صورة الشعب الفلسطيني أمام الرأي العام العالمي، خاصة في أعقاب قتال أنصار الحركتين بالقطاع ثم بالضفة، في مشاهد مأساوية تكررت لتسعد إسرائيل واللوبي الصهيوني، بينما زادت الموقف تأزمًا، خاصة مع فشل حوار المصالحة الوطني بالقاهرة.

فأيًّا كان مصدر وأسباب الخلافات الداخلية، والمتحمل لأعبائها، فالخاسر في النهاية كل الفلسطينيين، والمستفيد منها إسرائيل التي تحيَّنت الوقت لتضرب ضرباتها من جديد؛ لتنهي على البقية الباقية من القوى الفلسطينية بالقطاع، وهى تثق في عدم تحرك أحد لرفع يدها الجوية الطويلة عن البطش بالمدنيين والأهالي هناك.




فلكِ الله يا غزة، ولينقذك الله يا فلسطين، ويا قدس، ويا ليت العرب يعتبرون من هذا العدوان الغاشم، حتى لا يتحولوا إلى ضحية المستقبل التي تترقبها بسهامها إسرائيل، لتسَطِّر صفحات أخرى من تاريخها الهمجي والبربري، ويا ليت الفلسطينيين يدركون أخطاء الماضي التي وقعوا فيها بخلافاتهم وفرقتهم، حتى أن مسؤولي حماس طالبوا بالوحدة في أعقاب الاعتداءات؛ من أجل توجيه ردٍّ مزلزل ضد إسرائيل.

فالأوضاع الراهنة حرَّكت مشاعر الجميع، الذين وجدوا أنفسهم في خندق واحد تحت النيران، وفى مواجهة عدو واحد، فالمصائب قد تحرك الشعوب نحو التماسك، ونبذ الصراعات الرخيصة على المناصب والسلطة، وتنقية النفوس من الأحقاد، قبل أن يزهقها الأعداء بنيرانهم.






رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/4482/#ixzz39nhDFQDm

y.m jk.t hg]lhx f'ukhj hgy]v hgYsvhzdgdm