أفلام الرعب... تلك الآفة التي لا يتصور خطرها الأهل! rou3b.jpg

غالباً ما لا يقدر الأهل خطر هذا النوع من الأفلام على الأطفال، خاصة في سن المراهقة أو ما قبلها، حيث مرحلة تكوّن الشخصية، حتى بالنسبة للعديد من الكبار تعد هذه الأفلام نوعاًَ من المتعة، حيث يشاهدها البعض بشيء من الطقوس والإدمان بشكل يدعو للاستغراب كثيراً، خاصة عندما نتعرف إلى أشخاص ناضجين يحبون أفلام الرعب ويحرصون على متابعة أحدث الإنتاج السينمائي منها..
الموضوع ينطوي على تحليلات نفسية كثيرة، يشير معظمها إلى شحنات عاطفية ومشاكل معينة في الشخصية ربما تتفاقم مع مرور الزمن، خاصة إذا كان المرء قابلاً للإصابة بحالات الضعف النفسي المختلفة، فالمعروف أن هذا النوع من الأعمال يخصص عادة للكبار فوق سن الثامنة عشرة لكن في الغالب يتم خرق هذا العرف جراء الانفتاح على مجمل قنوات التلفزيون ونظراً لأن هذا النوع من الأفلام باتت له قنوات مختصة بتقديم وجبات الهلع في أواخر الليل بشكل لا مبرر له على الصعيد الإنساني والعاطفي.
تقول سلمى: إن طقوس مشاهدة أفلام الرعب بالنسبة إليها ضرورية جداً فهي تقوم بإطفاء النور في الغرفة ثم تحضر مجموعة من الأطعمة المسلية لتشاهد بعدها أشهر أفلام الرعب المعلن عنها في المحطات وهي جالسة في الفراش، حيث هذا الأمر لا يشكل لديها أي مشكلة في النوم بعد المشاهدة لأنها تشاهدها وهي على قناعة مسبقة أن جميع اللقطات عبارة عن خدعة ولا داعي بالتالي لتشغيل المخيلة واستحضار أشكال الخوف عند النوم.. لكن ورغم كل ذلك لا تستطيع سلمى أن تحدد السبب الأساسي الذي يدفعها لمشاهدة أفلام الرعب سوى أنها تحصل على المتعة حتى إنها تضحك كثيراً عند أشد المشاهد قسوة ورعباً!.
هذا الأمر الذي يبدو متوازناً عند سلمى لا نجده عند آخرين، فمنى تضطر إلى متابعة هذا النوع من الأفلام لمجرد أن أخاها يحب تلك المشاهدة ولا يتمكن من رؤيتها وحيداً بسبب الخوف الذي ينتابه، لكنه وطيلة النهار يجلس كي يقلد الأصوات والأشكال التي ظهرت في الفيلم كي يثير في نفسها الرعب، ورغم أنها أخبرت أهلها عن مخاطر هذا الموضوع إلا أنهم لم يعطوا للأمر أهمية وأكدوا أن هذه مرحلة مؤقتة سوف تزول عندما يكبر قليلاً في العمر!.
على الجانب الآخر، يؤكد محمد أنه ومنذ أن لاحظ تعلق ابنه بمتابعة أفلام الرعب، بادر على الفور إلى شغله بمسائل أخرى اكثر أهمية وإنسانية، بالإضافة إلى أنه شرح له مخاطر تلك المشاهدات المتكررة على المخيلة والذاكرة والتعامل مع الآخرين.. يتابع محمد: سجلت لابني في ناد رياضي كي يبذل المزيد من الجهد العضلي ويتعرف إلى أوساط جديدة وآفاق مختلفة، كما شجعته على اقتناء مكتبة موسيقية يستمع خلالها إلى الموسيقا العالمية والهادئة بحيث حاولت تنمية الاهتمامات المختلفة لديه.. فما عاناه المراهق في المراحل الماضية كان يشكل إنذاراً بمشكلة صعبة قد يمر بها على الصعيد النفسي، خاصة من جهة القلق في الليل وعدم الجرأة على دخول الأماكن المظلمة، إذ كان يتخيل دائماً تلك الأشكال التي يشاهدها في التلفزيون، الأمر الذي اقتضى التصرف بسرعة كبيرة!.
الطب النفسي
يقول الأطباء إن تأثير الأفلام المرعبة أو مشاهدتها يختلف من شخص لآخر، فالبعض يرى فيها صورة من صور الإثارة إلى حد الاستمتاع، والآخر يرى فيها عكس ما يشعر به داخلياً من الخضوع والاستسلام والضعف والسلبية وكأنه بمشاهدتها يتمنى أن تكون حياته بمثل هذا النوع من الحيوية والتجدد والنشاط، والبعض الثالث قد يرى فيها تحقيقاً لبعض الرغبات المكبوتة لديه في إلحاق الألم بالناس والتلذذ به.
وحول تأثير مشاهدة هذه الأفلام على المراهقين، يؤكد الأطباء أن حياة المراهقين تمتاز بعدم النضج الانفعالي وبالتالي قد يتصورون أن مثل هذه الأفلام قد تعطيهم الإحساس بالقوة والسيطرة التي يتوقون إليها وعند أي احتكاك فعلي بالعالم الخارجي سوف يشعرون بكذب هذه الأحاسيس وتواضع قدرتهم في مواجهة مواقف يتصورون أنهم عاشوها في تلك الأفلام.. والملفت أن إحدى الدراسات الحديثة في هذا الأمر أشارت إلى أن مشاكل النوم عند الصغار، تزداد سوءاً بمشاهدة أفلام العنف أو قضاء أوقات أطول في المساء أمام التلفاز أو أجهزة الحاسوب أو ألعاب الفيديو. وقام باحثون من ولاية سياتل في هذه الدراسة، باستعراض تقارير الآباء والرسائل الإعلامية التي يشاهدها 617 طفلاً في مرحلة ما قبل المدرسة، ووجدوا أن كل ساعة إضافية يقضيها الأطفال أمام وسائل الإعلام ترتبط بارتفاع مشاكل النوم كما هو الحال مع مشاهدة أفلام العنف في أي وقت من اليوم.
وأشارت إلى أنه في المتوسط يقضي الأطفال الصغار ما يقرب من 73 دقيقة في المشاهدة كل يوم، 14 دقيقة منها تحدث بعد الساعة السابعة مساءً، أما الأطفال الذين لديهم تلفاز في غرف نومهم فيقضون أوقات أطول أمام الشاشة ويكونون أكثر عرضة لاضطرابات النوم.
وقال الباحثون: كنا نتصور أن التأثير يحدث نتيجة الأفلام التي تحتوي على العنف خاصة في فترة المساء، إلا أننا وجدنا أن أي محتوى في المساء يمثل مشكلة، وليس بالضرورة مشاهد العنف فقط التي تؤثر في مشاكل النوم.
وقد أثبتت الدراسة أن حوالي 21 بالمئة من الأطفال في سن ما قبل المدرسة يواجهون على الأقل مشكلتين في النوم، بما في ذلك صعوبة النوم، والكوابيس، وتكرار الاستيقاظ أثناء الليل أو الشعور بالإعياء أثناء النهار.
وقد أشارت دراسة سابقة إلى أنه ما بين 20 بالمئة إلى 43 بالمئة من الأطفال الأمريكيين في عمر ما قبل المدرسة لديهم تلفاز في حجرات نومهم.



رغم أن الأسرة العربية لاتمتلك في الغالب عدة أجهزة تلفاز، إلا أن الإهمال وترك هذا الجهاز أمام الأطفال بحرية فائقة يجعل منه وسيلة سلبية وذات أثر كبير على مخيلتهم وعقولهم ما يهدد بنوع من الفصام الكبير عن الواقع والدخول بعالم متخيل ومختلف يشبه ما يسببه جهاز الكمبيوتر والألعاب العنيفة أو المخيفة التي يمارسها الأطفال عليه.. وكم من الأطفال اضطروا إلى مراجعة الأطباء النفسانيين جراء الإصابة بنوع من الشحنات الكهربائية والتوتر الدائم وكأن الطفل يتعرض إلى عملية تشويه وإعاقة مبكرة تمنعه من التفكير بشكل سليم وسوي!.
الانطوائية وعدم التوازن!
ربما من أشد الحالات الناتجة عن إدمان المشاهدة العنيفة والمرعبة هي مرض الانطوائية والغرق في عالم مختلف ومواز يركن إليه المراهق وينشغل به حتى تتغير الظروف أو ينتبه الأهل فيهبوا لمساعدة ابنهم قبل فوات الأوان، وأمثلة الأمراض النفسية المختلفة أكثر من أن تحصى في هذه المرحلة بين المراهقين، خاصة من جهة عدم التوازن والقلق وضعف الشخصية، فالشخص في مرحلة التأسيس يبدو غير قادر حقيقة على الفرز وإقامة التوازن بين مختلف الأدوات الجديدة التي ينبهر بها بدءاً من الموبايل إلى الكمبيوتر والتلفاز، وإن أشد ما يضحك هنا أن يعمد الأهل إلى تحديد ساعات معينة للطفل يجلس خلالها خلف الكمبيوتر، ليقوم بعدها إلى الأجهزة الأخرى التي لا تقل عنه أثراً، وأهمها التلفزيون، فالقصة هنا تفترض ترك فسحة للمخيلة وحتى للجسد أن ينمو ويتحرك ويمارس الرياضة ويستخدم مختلف الحواس الأخرى في التواصل مع الأشياء وليس متابعة التواصل الإلكتروني مع الأجهزة نفسها!.
تقول أم عمر إنها طلبت من زوجها حذف جميع قنوات الأفلام من على جهاز التلفزيون بحيث لا يعثر الطفل على أي مشاهد تسبب له أذى نفسياً لا تحمد عقباه، لكن المشكلة كانت في جهاز الكمبيوتر الذي لا تعرف كيفية استخدامه أو فلترته على نحو مضمون، خاصة أن أبناءها باتوا يشترون الأقراص الليزرية من المكتبات ويشاهدون جميع أنواع الأفلام، بالإضافة إلى إدمان متابعة الألعاب!. تقول أم محمد إن بيتها يتحول في العطلة إلى مقهى جراء المباريات في تحقيق أرقام قياسية على الألعاب بين أبنائها، الأمر الذي يؤكد أن الكمبيوتر أخطر بكثير من التلفزيون على اعتبار تعدد الوسائل والخيارات فيه أكثر من مجرد وجود محطات!.
يؤكد الجميع أن المشكلة في موضوع الإدمان وليس في المشاهدة العابرة التي يمكن التغلب عليها ببساطة فيما لو كان الطفل يمارس حياته العادية خارج المنزل أو في النادي الرياضي والمدرسة والهوايات الأخرى التي يمكن أن يحبها، لكن المشكلة اليوم تكمن في اختلاف مفهوم الزمن في هذا العصر ومفهوم التربية، حيث بتنا نشاهد الأهل يهرعون لجلب كافة أنواع التسلية إلى المنزل من أجل أن يتفرغوا للعمل ساعات طويلة معتقدين أنهم بذلك يقدمون لأبنائهم كل وسائل الراحة!. هذا الواقع يعيد طرح مشكلة غياب مكتبة المنزل وموضوع الاعتناء بالثقافة، وكذلك حرص الوالدين على تغذية الذائقة البصرية لدى أبنائهم عبر زيارة الأماكن المختلفة والتعرف إلى أجواء جديدة، لكن وفي جميع الأحوال يبدو من الملحّ اليوم إعادة صياغة الخريطة التربية بشكل جديد لأن ما نظنه مجرد مشكلات عابرة اليوم قد يتحول إلى كوارث نفسية لا يتخيل أرباب الأسر حجمها في المستقبل!.

Htghl hgvuf>>> jg; hgNtm hgjd gh djw,v o'vih hgHig!