ما سر تقدم الغرب وتخلف العرب


الشيخ مختار الأخضر طيباوي




سؤال يطرح نفسه بجدية في وقت وصل فيه العرب الى أدنى الدرجات على جميع الأصعدة والمجالات بما فيها السياسة والإقتصاد والجانب الاجتماعي .. وصاروا لعبة وبيادق يلعب بها الغرب ويحركها أينما شاء ... في حين يشهد الغرب نهضة وتقدما جنونيا على جميع المستويات ... فما الفرق بيننا وبينهم وما سر هذا الاختلاف ونتائجه ؟

الجواب: ((المرء الصالح حاكم على نفسه بالعدل و الإنصاف، وقد يتعجب كثير من الناس من أحوال الصحابة الجهادية و أحوالهم في نظام الحكم، وكيف تمكنوا من فتح العالم وهم قلة ضعيفة تعاني من الفقر و الجوع، و كيف تمكنوا من تحقيق تلك الملاحم الرائعة، وبنوا دولة على غرار لم يسبق له مثال،فيعتقد الناس أن ذلك محض اختيار الله و مشيئته و انه لا علاقة له بالأمر و النهي ،وهذا غير صحيح بالمرة،وهو اعتقاد فاسد تراه في كثير من الناس يظنون بالله الظنون إذا رأوا الكفار منتصرين على المسلمين أو رأوا المنافقين و الفجار لهم الكلمة و الوجاهة و القوة في الدول الإسلامية ورأوا المؤمنين مستضعفين ظن هؤلاء هذه الظنون الفاسدة ولم يستطيعوا أن يوفقوا بين الشرع و القدر.
الناس إنما يرتكبون هذا الشرك في الدعاء المنافي للصبر و التوكل اللذين أمروا بهما لسوء اعتقادهم في القدر، وهم بذلك يضيعون أصلا عظيما في الدين ،هو صخرة التوحيد و مداره،فقد وقع بسبب إهماله كثير من الناس في ضلال عظيم فاسترسلوا مع القدر وجروا خلفه مستسلمين غير محققين لما أمروا به ونهوا عنه، جاعلين ذلك من باب التفويض و التوكل و الفناء في الحقيقة القدرية كما يزعم مشايخهم، قال جابر ـ رضي الله عنه ـ:"أتى رجل النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إن لي جارية هي خادمتنا و سانيتنا في النخل، و أنا أطوف عليها و أكره أن تحمل، فقال:"أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها " رواه مسلم في" النكاح"{1439/134}.
فالنبي صلى الله عليه و سلم أمره بأخذ السبب الشرعي،وفي الوقت نفسه أخبره أن ذلك لا يمنع من ما قدر عليه،وهذا الخلط في الفهم بين الأسباب الشرعية و الكونية بين الدين و القدر يتخبط فيه المسلمون اليوم في أهم ما يشغلهم وهو الرقي و الازدهار و تحصيل النمو الاقتصادي و الرفاهية و التطور التقني.
فلا يفرق أكثرهم بين ما أمر الله به و أحبه و رضيه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه و سلمن وبين ما نهى عنه و أبغضه و سخطه، فينتهي بهم الأمر إلى عدم الفرق بين الأوامر الشرعية و الأحوال الوجودية، فيسوون بين أمر الله بالتزام كتابه و سنة نبيه، وبين ما يجري على أيدي الكفار و الفجار من أحوال وجودية كالصناعة و التقدم التقني،وهي محض القدر و الأمر الكوني.
وقد يشهدون وجع الجمع بين الشرع و القدر فيعتقدون كون الجميع بقضاء الله وقدره وربوبيته و إرادته العامة، و انه داخل في ملكه، ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه و أعدائه، و الأبرار و الفجار، و المؤمنين و الكافرين، فيوالون أعداء الله و يحبونهم و يغضبون لهم وغير ذلك.
فإذا رأوا ما عليه الكفار من أساب القوة و الازدهار الاقتصادي و التطاول في العمران، ومستوى المعيشة و الرفاهية، وما اخترعوه من آلات و معدات تخترق الفضاء و تغوص في أعماق البحار انبهروا به وعادوا لأجله الدين و أهله، ورأوا أن الدين من العوائق التي تعيقهم عن مثل ما صار إليه الكفار،إذ كونهم كفارا و صلوا هذا الموصل من التقدم فيدفعهم ذلك إلى الاعتقاد أن الازدهار و التقدم غير مرتبط بالدين، ولا صلة له بالإيمان، و إنما هو محض العمل و الصنع!
و بإزائهم من يرى أن هذا محض القدر و مشيئة الله النافذة ، فلا يفرقون بين ما يلزم المؤمن و يرتبط بدينه ، وبين ما يلزم الكافر ولا علاقة له بالدين أبدا.
وقد يعلم هؤلاء أن جميع ما يجري في الكون قد علمه الله و قدره حتى أسماء الأشياء،وقد لا يعلمون، فإن أحدهم لا يستحضر أن تلك الرقاقة السيلكونية، أو ذاك الجهاز المعقد في مسبر الفضاء أوفي الحاسوب و الذي تتكالب عليه الناس لصنعه أو اقتنائه قد قدر الله أن يكون، وقدر له من يصنعه، و قدر له اسمه الذي سيحمله، و أن كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من أشياء و ليس من أحداث فقط، فقد جرى عليه القلم قبل أن يكون بخمسين ألف سنة قبل أن تكون السماوات و الأرض.
ولو قلت لأحدهم من المعجبين بالحاسوب و الهاتف المحمول و الإنترنت:إن هذا الجهاز الذي لا تمل من الحديث عنه، و قد جعلته ربما من الفروض قد قدره الله قبل أن يكون بآلاف السنين، وما قاموا بتطويره و صنعه من جميع ما تراه ، ومالم تره إنما هو قدر الله ينزل الأرض في وقته و مكانه، فهو فضل الله قد جعله حيث يريد، و قد يكون محض عقوبته وخزيه لمن تجري هذه الأشياء على يديه.
فليس مجرد الاختراع و الصنع الباهر بتأثير يوافق إرادة الله الكونية هو كرامة، بل قد يكون إهانة بالغة، فإن الكرامة التي دل عليها القرآن و السنة هي لزوم الاستقامة، فإن الله لم يكرم عبده كرامة أعظم من موافقة ما يحبه و يرضاه ،و يطيعه و يطيع رسوله.
فإن ما يبتلي الله به عباده الغربيين بمثل هذا التقدم التقني أو بالضراء بالحروب و الأوبئة و التفاوت و التفكك الاجتماعي و الأسري و غيرها، فليس ذلك لأجل كرامتهم عليه ولا هوانهم، بل قد يسعد بها قوم إذا أطاعوه في ذلك كما يسعد المسلمون بكثير مما يصنعه الغرب لاستعمالهم له فيما يرضي الله، في حين يشقى به صانعوه الكفار في الدنيا قبل الآخرة،فإن أحدهم إما لا يقدر على اقتنائه فيصير له فتنة، أو يسبب له مضرة لا حصر لها كما هو مشاهد اليوم، أما في الآخرة فالأمر أشهر من أن يذكر.
ولو كانت الدنيا بزينتها بمالها و قوتها و بنوكها و أساطيلها تساوي عند الله جناح بعوضة لم يسق الكافر فيها جرعة ماء، و إنما هي حكمته تسري فيها لا يعزب عنها بر ولا فاجر.
قال تعالى:{ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمني و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا}"الفجر".
فالناس بإزاء ما يخرق لهم من أسرار الوجود في الصناعات المختلفة و العلوم المختلفة ، وماهو في ضمنها ثلاثة أقسام:
قسم ترتفع درجاتهم بها إذا استعملوها في طاعة الله
وقسم يتعرضون بها لعذاب الله إذا استعملوها في معصيته وهم الكفار و فساق المسلمين.
وقوم تكون في حقهم بمنزلة المباحات.
فالقسم الأول هم المؤمنون حقا، المتبعون لنبيهم الذي كانت الخوارق له كالمعجزات التي لا يقاس عليها خوارق الصناعات اليوم بوجه من الوجوه حجة يقيم بها دين الله أو يستعين بها على طاعة الله، فهل ما يطلبه المسلمون اليوم من خوارق الصناعات لتحصيل أسباب القوة يطلبونه لطاعة الله و تعمير الأرض بالإيمان أم للتسلط على شعوبهم و التكالب على الدنيا و معاداة دين الله، فالأموال التي يجنونها و الأسلحة التي يشترونها توجه ضد المسلمين قبل الكافرين، وجميع ما يريدون صنعه و اقتنائه يريدونه لإعلاء كلمة الله ورفع الذين آمنوا فوق الذين كفروا أم يريدونه للفسق و الغصب و التسلط و الظلم؟
إن المسلمين ما من اختراع يخترعونه و صناعة يصنعونها في الطب و الفيزياء و الزراعة و الصناعة و غيرها يجب أن يريدوا به قوة الأمة الإسلامية و ازدهارها كأمة إسلامية لا كعرقيات و قوميات متناحرة، يجب أن يريدوه ليقوى دينهم و تزدهر أخلاقهم و عاداتهم فتنتشر في الأرض بانتشار صناعتهم و ثقافتهم، فهذا من جنس حرص المسلم على ما ينفعه و ينفع أمته على أساس أنها أمة مسلمة في جميع الميادين يطابق قوله تعالى:{إياك نعبد و إياك نستعين} وقو له تعالى:{فاعبده وتوكل عليه}"هود".
فإن حرص المسلم على ما ينفع أمته و يحفظ كيانها هو طاعة لله و عبادة له، إن هذا الحرص عبادة و إرادة تعبدية، فالنافع له و لغيره هو طاعة الله، ولا شيء أنفع له من ذلك أن يحرص على ما ينفع المسلمين لأنهم مسلمين، وكذلك كل ما يستعين به على الطاعة فهو طاعة، و إن كان من جنس المباح.
قال النبي صلى الله عليه و سلم:" إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك"[البخاري في الوصايا27/42، و مسلم1628/5].
لقد بدأت مصر نهضتها الصناعية و العلمية قبل اليابان و الصين وكوريا و البرازيل و الأرجنتين بل قبل إسبانيا و البرتغال، فهذه الدول خاصة إسبانيا و البرتغال قبل ثلاثة عقود كانت في تخلف كبير يعرفه من زارها في تلك الحقبة، ومواطنوها مشتتين في أوروبا الغربية يعملون بأبخس الأجور و يعيشون في أسوء الأحياء، ولم تكن لهم صناعة متطورة بالمرة، جل ما تجده عندهم من صناعة بعض الصناعات الغذائية التحويلية كصناعة المعلبات من الخضر و الأسماك، و تعتمد على الصيد البحري اعتمادا كبيرا، أما صناعة السيارات و الشاحنات و الطائرات ولمعدات و الصناعات النفطية و الغازية و الكيميائية فكانت تستوردها من فرنسا و ألمانيا وبريطانيا.
فانظر إليها كيف صارت الآن تشهد أعلى نسبة نمو في أوروبا و اقتصادها في تسارع كبير ينافس الدول المتطورة، وكذلك بدرجة أقل البرازيل و اليونان و الأرجنتين.
أما مصر فمع أنها أول دول العالم المتخلف صناعيا التي أرسلت بعثات علمية إلى أوروبا قبل أن تصير أمريكا دولة رائدة في العالم ،فلا زالت تعاني الفقر و التخلف و تعيش على مساعدات الصندوق العالمي للنقد و الدول الرأسمالية، وفي كل مرة يعاد جدولة ديونها أو محوها لأن الدول الكبرى تخاف من انهيار النظام فيها و انفجار الوضع وهي دولة لها وزنها و ثقلها في اخطر مناطق العالم و أكثرها تأثيرا على استقرار الغرب.
فما السبب في كل هذا، وما الذي ينقصها لمواكبة دول العالم المتطورة و عندها فائض في المهندسين ورجال التقنية،بل مهندسوها يشغّلون أكبر الشركات و المصانع في العالم المتطور صناعيا؟
لاشك أن التفصيل الذي قدمناه سابقا يوضح الصورة للمسلمين ليقتنعوا نهائيا أن لا سبيل لبلد مسلم إلى الازدهار و التقدم على حساب الدين، لا مجال أبدا، كتب على المسلمين الذل و الهوان إن هم تركوا دينهم وراءهم ظهريا، لا سبيل أبدا للتقدم بثقافة البدع و الخرافات و الانحراف عن تعاليم الدين، لا سبيل للمسلمين إلا العودة إلى دينهم كما أنزله الله إن هم أرادوا أن يتقدموا و يتطوروا صناعيا.



إن عناصر الحضارة ثلاثة أشياء: الأرض و الإنسان و الزمن، فتحصيل الأرض و تخطيط المخططات الزمنية المحددة، و البرامج التنموية دون إعداد الإنسان إعدادا كافيا عقائديا و أخلاقيا لمزاولة مهامه وفق المنظور الإسلامي الصحيح لن نجني منه إلا الخيبة وراء الخيبة والخزي وراء الخزي.
يعتقد هؤلاء الذين لم يجمعوا بين الشرع و القدر والكون أن العالم الغربي تطور بمثل المظاهر التي نشاهدها الآن وهي مظاهر الشذوذ و الانحلال و الشباب الطائش في كل مكان، و ليس هذا بصحيح إطلاقا، لأن ما نشهده اليوم يخالف سنن الله في الكون ، فما هو إلا مظهر من مظاهر الانحطاط و التولي، فهو الانحدار بعد القمة، لقد أصبحت أوروبا اليوم تعيش طبقية مستترة تشبه طبقية القرون الوسطى الإقطاعية، فالطبقة التي هي مصدر القوة المالية و العلمية ليست ذاك الشباب التائه الذي يحاول شبابنا تقليده، إنها طبقة الباحثين في المراكز العلمية و أرباب الشركات العالمية الذين يقولون: ننام عندما ينام المال، الذين تراهم في أدغال إفريقيا ، وعلى قمم البراكين وفي المخابر يفترشون الكرتون و يأكلون الخبز، غالبيتهم ليس عنده الوقت لحلق ذقنه ، هؤلاء هم مصدر قوة الغرب ، لا المغنيات و الممثلات و العاهرات.
لقد بدأت النهضة عندهم منذ حوالي ثلاثة قرون بدأ بنيوتن ولا فوازيه و باسكال ثم إديسون و غيرهم، فإذا عدت إلى مؤلفات هؤلاء و فلسفتهم و آدابهم و أخلاقهم، و كيف كانوا ينظرون للعالم و لأمتهم فسيبهرك صلابتهم و جديتهم،تجد في كتبهم الكلام عن كيفية تسير المجتمع و تنظيمه و ضبطه و تطويره، وتجد الحرص على النزاهة و الإتقان و الجد في العلم جعلوا كل ذلك شعارا لهم.
عندما دخل الجيش الفرنسي المغرب الأقصى دخل احد جنرالاته على الملك آنذاك فاستخفه الملك و استحقره لما رآه من ملبسه قطعة كتان علقت عليها حديدات و سيف و مسدس،ففطن الفرنسي للملك فقال له: إن أردت أن يبقى ملكك فأكثر من الحديد.
هكذا كان رواد الغرب الذين فتحوا العالم و طافوا حوله و اكتشفوه، هكذا كان مستعمروهم الأوائل يصبرون على الجوع و العطش و القمل و الجرب و المرض في الصحاري و الأدغال و البحار بعيدين عن ذويهم و أوطانهم لتعيش أمتهم وتملك العالم، لم تسيطر أوروبا على العالم و تأخذ ثرواته التي بها قامت الشركات الكبرى في النفط و الذهب و السيارات و الطائرات بالمغنين و الممثلين و لكن بأولئك الرجال الأصلاب الذين كانت لهم مبادئ يدافعون عنها و يجاهدون لتحقيقها و كلهم نصرانية ، أخرجتهم النصرانية ليغزوا العالم، و نحن أو البعض منا يظل نهاره يدندن حول التقدم و الحضارة لا لينهض بأمته و حضارته و قيمه الصحيحة ولكن ليزداد أكلا وشربا و مجونا.
هذا هو الفارق بيننا و بينهم، ليس في معرفة هذا أي ذكاء أو فطنة أو بعد نظر، لأن نبينا صلى الله عليه و سلم أخبرنا بكل ذلك عندما قال:" المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف،وفي كل خير، احرص على ما ينفعك و استعن بالله ولا تعجزن، و إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"[ مسلم في القدر2664/34].
و قال:" إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله و نعم الوكيل[أبو داود في الأقضية 3627].
وهو القائل:" إذا رضيتم بالزرع و تبايعتم بالعينة و تركتم الجهاد و اتبعتم أذناب البقر سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تعودوا".
فكيف لأمة يعتقد جزء كبير منها أن إمامه مختبئ في جحر لا يخرج حتى تمتلئ الأرض بالجور و الظلم؟! أمة تعتقد في البشر الموتى بله الأحياء أنه يرزقون و ينصرون و ينفعون و يضرون، أمة تعطلت فيها سنة نبيها إلا في القلة القليلة،أمة تذبح و تنحر و تهدي للموتى و للصخور و الشجر،أمة تقدس الرجال لا الأعمال،أمة تعتقد في الخرافات و الأساطير كيف لها أن تنهض من سباتها العميق، كيف لها أن تقود من هم الآن أحسن فكرا منها في الطبيعيات و العلميات؟
كيف لأمة تعادي علمائها قد جعلتهم في ذيل المجتمع خلف الغواني و الممثلين ولا عبي كرة القدم تمجيدا و احتراما،أقل الناس قدرا، لا تطيعهم إلا فيما يرضيها ، كيف لها أن تعود إلى ما كانت عليه من قوة، ولم تعد إلى ما كانت عليه من توحيد و إتباع لسنة نبيها و ألفة؟
ليس الأمر أمر حشد الناس حول إمام واحد أو توحيد الكلمة و القلوب متنافرة، أو تحقيق للحاكمية بقدر ما هو أمر نزلت من أجله الكتب من السماء و أرسلت لأجله الرسل تترى، كلما مات رسول خلفه رسول، هو أمر قامت من أجله السماوات و الأرض و خلق لأجله الإنسان ، هو أمر يمتحن به العباد في قبورهم،إنه التوحيد و تعظيم مقام النبوة إتباعا و إجلالا لا غير ، لا سر، لا فهم، لا سفسطة، لا تمويه، لا بحث، لا تحقيق، لا تحليل، لا شيء، إنه التوحيد و التوحيد فقط، هو الإمام الذي يجب أن يلتف من حوله المسلمون، هو الكتاب الذي يجب أن يقرؤوه كلهم، وهو ما يلزمهم للتقدم و الازدهار، كل رؤية لا تأخذه بعين الاعتبار و في الحسبان هي رؤية خاسرة وهي رؤية من وحي الشيطان.
فهذه الكتب المنزلة ، و التاريخ المسطور و الواقع المر يشهد لنا بذلك.
و إذا أردت أن تجمع عليك أمر نفسك فلا تتيه بك السبل في الكتب و البحوث التي يكتبها دعاة اليوم فخذ بحديث واحد من أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم ينجيك، و ينجي أهلك و أسرتك، وينجي مدينتك وقومك، و ينجي أمتك و العالم بأسره،وهو قوله: "يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة،إذا سألت فسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا"[ رواه أحمد].
فهذا الحديث دستور المسلم في الحياة، ومصباحه الذي يضيء له في ظلمات الشرك و الكفر، فلا تخف قبرا ولا حجرا، لا تخف أسطولا ولا صواريخ، ولكن خف الله و احفظه يحفظك، فلو كان الأمر بيد الكفار و المشركين و قد أوتوا من أسباب القوة ما تعلم لم يبق مسلم على وجه الأرض ولأفنونا جميعا، ولكن للوجود رب يديره و يصرفه لم يكلفك إلا عبادته و توحيده ووعدك التمكين و النصر، فإن لم تتمكن في الأرض و لم تنتصر على أعدائك فقد عرفت السبب،ولا حاجة بك إلى الإحصائيات الصحفية ، وفقه الواقع، ومواكبة الأحداث الإخبارية ، لأن القرآن و السنة ليسا نصوصا مثالية في عالم الخيال بل الواقع كل الواقع فيهما ، فالفقه فيهما هو الفقه للواقع وفي الواقع، ولا فقه بدونهما لا للواقع ولا لغير الواقع.))

lh sv jr]l hgyvf ,jogt hguvf