عدة إنشاء الشعر في اللغة العربية








تهدف هذه المساهمة المتواضعة إلى استبانة القاعدة التي تحكم إنشاء الشعر في اللغة العربية، باعتبارها سر الإبداع الشعري في الأدب العربي. ونلتمس هذه القاعدة أولا في التصور الحاصل لإنشاء الشعر من خلال التعابير الدالة عليه في اللغة العربية ثم نلتمسها فيما يسهم به علم العروض من وصف لأوزان الشعر، وأخيرا في واقع تأليف الأشعار لدى العرب. ونأمل بذلك أن نسمع تعليق المتخصصين في الأدب ونستفيد من آرائهم في الموضوع.


التعابير الدالة على إنشاء الشعر

نذكر منها ما يأتي:
نظم الشعر: كأننا نشير إلى أن الشاعر يجعله سائرا على نظام وترتيب معهود قبل الإنشاء وهو وزن الشعر.
قرض الشعر: كأننا نشير إلى أن الشاعر يسلف الشعر أثناء إنتاجه له (باعتبار أن القرض والإقراض هو السلفة والتسليف) مما يدل على أن أساس الإبداع الشعري موجود سلفا لديه.
صناعة الشعر: وهو ما يوجد في عنوان كتاب "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها" للبروفيسور عبدالله الطيب. والصناعة أيضا تدل على وجود "خام" تقوم عليه وهو شكل للشعر سابق لتأليفه.

نرى أن التعابير الثلاثة السابقة تدل على تصور معين لعملية إنشاء الشعر متسق مع تعريف الشعر الذي تعلمناه منذ الصغر "الكلام الموزون المقفى". يعني أن هذا التصور يعطي أولوية للأوزان بحيث لا بد من وجودها أولا في ذهن الشاعر سواء أوَعى بذلك أم لم يعِ ثم ينشئ الشعر مراعيا تلك الأوزان. كما نجد القافية في التعريف المذكور، وهي والوزن عاملان متعلقان بشكل الكلام.

وبذلك نرى ان التعابير المذكورة تشكل أدلة لغوية على أن الثقافة العربية "الكلاسيكية" حددت الإبداع في المقام الأول على مستوى شكل الشعر وليس على مستوى مضمونه أو طريقة أدائه أو أي عامل آخر. ونعتقد أن مصطلح "قصيدة" يدل على أن الشاعر يقصد الإنشاء أي يعمد إلى وزن معين يسير عليه في إنشائه (Bencheikh, 1989).


دور العروض والكتابة في تجلية قاعدة الإنشاء

العروض علم يصف أوزان الشعر العربي فهو يعنى بالشكل الموسيقي للشعر. وبتعريفه هذا يكون علما وصفيا لكنه منذ نشأته أصبح إرشاديا لأن الطبقة المثقفة ترجع إلى أوزان العروض في حكمها على الإنتاج الشعري.

ونشأت لدى الشعراء أسبقية تقليدية للأوزان على ضوء التفعيلات التى يفصّلها العروضيون الذين أصبحوا المصدر الذي يحدد كيف يكون الشعر "الفصيح الصحيح" تماما مثل النحويين الذين يحددون كيف تكون الجملة الصحيحة في اللغة. واستعان الشعراء بالكتابة في الإنشاء حتى يراعوا هذه الأوزان. مثلا الإنشاء الأول لقصيدة المتنبي الشهيرة عن الحمى "وزائرتي كأن بها حياء ..." كان كتابةً.

واستقر في أذهان المتعلمين من الناس أن الشعر العربي الفصيح (وهو الصحيح؟) لا يُرتجَل، بل ولا يؤلف كيفما اتفق، وإنما يشترط قبل تأليفه استحضار قوالبه الجاهزة وصب الإنتاج في هذه القوالب صبًّا.

وليس العروض وحده الذي رسخ لقاعدة الشكل في إنشاء الشعر. بل كان هناك دور الكتابة وأهميتها تاريخيا في الوطن العربي. وسميت المعلقات بهذا الاسم لأنها قصائد علقت في جدار الكعبة بعد أن كتبت. والكتابة كانت لتشريفها وتمييزها عن أي تأليف آخر ولتكون نموذجا يحتذى. وكان المثل العربي "أشهر من قِفا نبك" يدل على شهرة تطبق الآفاق و"قفا نبك" بداية المطلع في معلقة امرئ القبس وهي إحدى المعلقات السبعة.


واقع تأليف الأشعار

بمرور الزمن حدث فصام بين الفهم التعليمي الذي يعطي الأولوية لشكل الشعر وبين ما يحدث على المستوى الشعبي حيث يؤلف الناس في كل بلد من البلدان العربية أشعارا كما يحلو لهم.

ذكر كامل مصطفى الشيبي (1985) أنه قرأ في مخطوط أودع متحف برلين وهو بعنوان "دفع الشك والمين في تحرير الفنين" لكاتبه تاج الدين عبد الوهاب بن يوسف الكردي المتوفي عام 1456م أن المؤلف (وهو في القرن الخامس عشر الميلادي) وضع سبعة عشر وزنا للشعر العربي الشعبي مختلفة عن أوزان الخليل بن أحمد والتي يبلغ عددها ستة عشر وزنا وسمى هذه الأوزان "سنج" وهي لم تكن تفعيلات بل كانت عبارات من أشعار مشهورة في ذلك الزمان.

وفي القرن الثامن عشر اقترح أحمد الدرويش البرلسي المغربي في كتابه "العقيدة الدرويشية" أن يزاد عدد هذه الأوزان الشعرية الشعبية ليصبح أربعة وعشرين وزنا وأن لا تقتصر على عبارات بل تكون أبيات مطالع كاملة. وذكر البرلسي أن ثمانية فقط من هذه الأوزان مطابقة لأوزان الخليل. وهذا اعتراف ضمني من البرلسي بأن إيقاعات الشعر الشعبي في زمانه كانت أغنى بتعددها إذ بلغت ثلاثة أضعاف الأوزان التقليدية العربية.

ويوجد بين دارسي الأدب الشعبي العربي المعاصرين من يقول بإرجاع وزنه إلى أوزان الخليل بن أحمد بأي حال من الأحوال. على سبيل المثال في السودان عزالدين أحمد الحسن (1963) وعزالدين إسماعيل (1968)، وفي العراق علي الخاقاني (1962). وهم يعتبرون اختلال تفعيلات الخليل مخالفة للوزن الذي يجب أن يكون عليه "الشعر".

ويفسر هذا الفصام بين أوزان "أكاديمية" وأخرى شعبية وجود قاعدتين مختلفتين لإنشاء الشعر إحداهما متعلقة بشكل الشعر وتشرحها أوزان العروض والأخرى متعلقة بعوامل أخرى غير الشكل ويشرحها تعاطي الناس لمسألة الإبداع الشعري العربي في حياتهم اليومية منذ قديم الزمان وإلى يومنا هذا.

المصادر:

- عز الدين أحمد الحسن 1963، الأدب الشعبي في السودان، القاهرة (دار النشر غير معروفة).
- عز الدين إسماعيل 1968، الشعر القومي في السودان، بيروت، دار العودة.
- علي الخاقاني 1962، فنون الأدب الشعبي، بغداد (دار النشر غير معروفة).
- كامل مصطفى الشيبي 1985، الأدب الشعبي، مفهومه وخصائصه، ندوة التخطيط لجمع وتصنيف ودراسة الأدب الشعبي، الدوحة.
- Bencheikh J. 1989, Poétique arabe, Paris, Gallimard


rhu]m hkahx hgauv