بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فهذه رسالة موجزة في الطيرة والتحذير منها، كتبتها تحذيرًا لإخواني المسلمين من الوقوع في هذا القادح من قوادح العقيدة، التي هي ملاك أمر المسلم، ومعقد نجاته، وسميتها (خطر التطير والتشاؤم) سائلًا الله أن ينفع بها، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الطيرة
التعريف: التطير في اللغة: التشاؤم وهو توقع حصول الشر. وسمي التشاؤم تطيرًا، لأن العرب كانوا في الجاهلية إذا خرج أحدهم لأمر قصد عش طائر فيهيجه، فإذا طار الطائر جهة اليمين، تيمن به ومضى في الأمر، ويسمون الطائر في هذه الحالة: (السانح). أما إذا طار جهة يسار الإنسان تشاءم به، ورجع عما عزم عليه، وكانوا يسمون الطير في هذه الحالة: (البارح). فجاء الإسلام فأبطل هذا الأمر، ونهى عنه، وشدد في النكير على فاعله، ورد الأمر إلى سنن الله الثابتة، وإلى قدرته المطلقة. وضد التطير: التفاؤل: وهو التيمن بسماع كلمة طيبة، ويشمل كل قول أو فعل يستبشر به. والفرق بين التطير والتفاؤل: أن الفأل يستعمل فيما يستحب، والتطير فيما يكره غالبًا. قال الحافظ ابن حجر: (وأما الشرع فخص الطيرة بما يسوء، والفأل بما يسر، ومن شرطه ألا يقصد إليه فيصير من الطيرة)([1]). ومثال التفاؤل: أن يسمع عند عزمه على فعل أمر كلمة طيبة، أو اسمًا حسنًا، أو يرى شيئًا طيبًا. وقد كان النبي r يتفاءل ولا يتطير([2]). وكان رسول الله r إذا خرج من بيته يحب أن يسمع: يا راشدُ يا نجيحُ([3]) تاريخ التطير وأمثلته: كان التطير موجودًا عند العرب على الصفة المذكورة آنفًا، وصفات أخرى تقاربها، ونقل البيهقي في (الشعب) عن الحليمي ما ملخصه: (كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة، قال: وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء، فسموا الكل تطيرًا، لأن أصله الأول، قال: وكان التشاؤم في العجم: إذا رأى الصبي ذاهبًا إلى المعلم تشاءم، أو راجعًا تيمن، وكذا إذا رأى الجمل موقرًا حملًا تشاءم، فإن رآه واضعًا حمله تيمن، ونحو ذلك، فجاء الشرع برفع ذلك كله)([4]). والتطير قديم الوجود في الأمم: فقد أخبرنا الله سبحانه أن فرعون وقومه تطيروا بموسى عليه السلام ومن معه: ]فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ[ [الأعراف:131]. قبل ذلك تشاءم قوم صالح بصالح عليه السلام: ]قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ[ [النمل:47]. وكذلك أصحاب القرية تطيروا برسول الله إليهم: ]قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ[. وكان الرد عليهم جميعًا أن ما حل بهم من شر أو نقص في نفس أو مال أو ما نزل بهم من عقوبة ما هو إلا من قبل أنفسهم بسبب كفرهم وعنادهم واستكبارهم: ]أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ[ [الأعراف:131]، وقال الرسل الثلاثة لأهل القرية: ]طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ[ [يس:19]. ومازال الناس إلى يومنا هذا يتطيرون، وتطيرهم دليل ضعيف توكلهم على ربهم، ونقص عقولهم، وإلا فأي شأن للتطير أو غيره بمستقبل الإنسان وقدره. وللناس في التشاؤم من أيام معينة أو ساعات محددة أو أعداد معروفة أخبار كثيرة ينقضي منها العجب. فالرافضة (يكرهون التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة، حتى البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك، لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة)([5]). وكثير من الناس في الغرب يتشاءمون برقم (13).
ولذا حذفته بعض شركات الطيران من ترقيم المقاعد، كما حذفوه من ترقيم المصاعد والأدوار في العمائر الكبار. وآخرون يتشاءمون بنعيق البوم والغراب، ورؤية الأعور والأعرج والعليل والمعتوه. قال الشيخ ابن عثيمين ([6]): والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم، فإنها تضيق عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم، وقال: اليوم يوم سوء وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتر –والعياذ بالله– وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، ويقول: إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولاسيما في النكاح. وقد نقضت عائشة هذا التشاؤم بأنه r عقد عليها في شوال، وبني بها في شوال، فكانت تقول: أيكن كانت أحظى عنده مني([7]). وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم:
ولقد غدرت وكنت لا

أغدو على واقٍ وحاتم

فإذا الأشائم كالأيا

من، والأيامن كالأشائم

وقال آخر:
الزجر والطير والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال
وقال آخر:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى

ولا زاجرات الطير ما الله صانع([8])

حكم التطير: التطير محرم، مخل بالتوحيد، قد نفى النبي r تأثيره، وجعله شركًا، وأخبر أنه لا يرد المسلم، وأن الطيرة من الجبت. 1- أما نفي تأثيره: ففي قوله r: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»([9]) حيث نفى تأثير الطيرة. 2- وأما جعله عليه الصلاة والسلام الطيرة شركًا فقد روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي r أنه قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك»([10]) وقوله r في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»([11]). وإنما جعل التطير شركًا، لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى، وهذا الاعتقاد مناف لقوله تعالى: ]وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ[ [يونس:107]، فالله هو النافع الضار، وهذه الطيور لا تعلم الغيب، ولا تدل على المخبأ من الأمور بوجه. قال ابن القيم: (التطير: هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، والتطير مما يراه أو يسمعه، وذلك قاطع على مقام: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[، ]فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ[ [هود:123]، ]عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ[ [الشورى:10] فيصير قلبه متعلقًا بغير الله عبادة وتوكلًا، فيفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله، يبقى هدفًا لسهام الطيرة، ويساق إليه من كل أرب، ويقيض له الشيطان من يفسد عليه دينه ودنياه، وكم هلك بسبب ذلك وخسر الدنيا والآخرة). قال الشيخ ابن عثيمين ([12]): فإذا تطير الإنسان بشيء رآه أو سمعه، فإنه لا يعد مشركًا شركًا يخرجه من الملة، لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل على الله، ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركًا من هذه الناحية. والقاعدة: (أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببًا فإنه مشرك) وهذا نوع من الإشراك مع الله، إما في التشريع إن كان هذا السبب شرعيًّا، وإما في التقدير إن كان السبب كونيًّا. لكن لو اعتقد هذا المتشائم المتطير أن هذا فاعل بنفسه دون الله فهو مشرك شركًا أكبر، لأنه جعل لله شريكًا في الخلق والإيجاد. 3- وأما إخباره بأن الطيرة تنافي حقيقة الإسلام، ويخشى على صاحبها: فقد قال النبي r: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد r»([13]). وعن عروة بن عامر القرشي قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله r فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا...» الحديث ([14]). 4- وأما إخباره أنها من الجبت: ففي قوله r: «العيافة والطيرة والطرق من الجبت»([15])، وذلك أن المتطير يعتمد في معرفة المغيبات على أمر خفي، كالساحر الذي يعتمد في قلب حقائق الأشياء على أمر خفي. ***
أقسام الناس في الطيرة
ينقسم الناس تجاه الطيرة ثلاثة أقسام: القسم الأول: من يتطير، ويستجيب لداعي التطير، فيحجم عن أمر أو يقدم عليه بدافع من طيرته، فهذا قد واقع المحرم، وولج باب الشرك، على التفصيل المذكور سابقًا. القسم الثاني: من إذا وقع له ما يدعو إلى الطيرة عند الناس لم يترك ما بدا له فعله، لكنه يمضي في قلق واضطراب وغم، يخشى من تأثير الطيرة، فهذا أهون من الأول، حيث لم يجب داعي الطيرة، لكن بقي فيه شيء من أثرها، وعليه أن يمضي متوكلًا على الله سبحانه مفوضًا أموره إليه. قال الحليمي: (إن علم أن الله هو المدبر ولكنه أشفق من الشر، لأن التجارب قضت بأن صوتًا من أصواتها معلومًا أو حالًا من أحوالها معلومة يردفها مكروه، فإن وطن نفسه عي ذلك أساء، وإن سأل الله الخير واستعاذ به من الشر، ومضى متوكلًا لم يضره ما وجد في نفسه من ذلك، وإلا فيؤخذ به، وربما وقع ذلك المكروه بعينه الذي اعتقده عقوبة له، كما كان يقع كثيرًا لأهل الجاهلية، والله أعلم)([16]). القسم الثالث: وهو أعلى الأقسام، وهم من لا يتطيرون، ولا يستجيبون لداعي الطيرة، ولا يعني ذلك أنه لا ينقدح في قلوبهم شيء أصلًا، ولكن متى انقدح في قلوبهم شيء ردوه بالتوكل على الله وتفويض الأمور إليه، قال معاوية بن الحكم: قلت يا رسول الله، منا رجال يتطيرون، قال: «ذلك شيء يجدونه في صدروهم فلا يصدنهم»([17]). وروي ابن مسعود عن النبي r أنه قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، ثلاثًا، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» فقوله: «إلا» أي ما منا إنسان يسلم من التطير، لكن الله يذهبه بالتوكل. وهذه الجملة في الحديث مدرجة من كلام ابن مسعود كما ذكر العلماء ([18]). وعن بريدة: أن رسول الله r كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به، ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رؤي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها، ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رؤى ذلك في وجهه([19]). علاج الطيرة وكفارتها: بين النبي r أنه لا يجوز أن يلتفت المسلم إلى الطيرة فترده عن حاجته، وعليه أن يمضي متوكلًا على الله، ويقول الذكر الوارد في ذلك. عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله r: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك»([20]). وفي حديث عروة السابق قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله r فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك»([21]). الشؤم في ثلاثة: ثبت عن النبي r أنه قال: «لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار»، وفي رواية: «إن كان الشؤم ففي الدار والمرأة والفرس»([22]). قال النووي ([23]): اختلف العلماء في هذا الحديث، فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله سكناها سببًا للضرر والهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة، أو الفرس أو الخادم، قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه: قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة. وقال الخطابي وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يسكنها، أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم، فليفارق الجميع. وقال ابن القيم: إخباره r بالشؤم في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة، وإنما غايته أن الله – سبحانه – قد يخلق أعيانًا مشئومة على من قاربها ساكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم وشر، وهذا كما يعطي الله الوالدين ولدًا مباركًا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا مشئومًا يريان الشر على وجهه. وكذلك ما حصله العبد من ولاية وغيرها، فكذلك الدار والمرأة والفرس، والله – سبحانه – خلق الخير والشر والسعود والنحوس، فيخلق بعد هذه الأعيان سعودًا مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها، وحصول اليمن والبركة له، ويخلق بعضها نحوسًا ينحس بها من قاربها، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، كما خلق الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة. والفرق بين هذين النوعين مدرك بالحس، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون والطيرة لون. وقد أرشد النبي r إلى دعاء ينتفع به المسلم في دفع الضر عند الزواج بالمرأة أو شراء الخادم والدابة، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله r: «إذا تزوج أحدكم امرأة أو أشترى خادمًا فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه». «وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه، وليقل مثل ذلك»([24]). الفأل: بينا معنى الفأل والفرق بينه وبين الطيرة، وأن النبي r كان يتفاءل ولا يتطير، روى أنس أن النبي r قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل» قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة»([25])، وفي رواية لمسلم: «الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة». قال الحليمي:(وإنما كان r يعجبه الفأل، لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال). وقال الطيبي: معنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة: هو أن الشخص لو رأى شيئًا فظنه حسنًا محرضًا على طلب حاجته فليفعل ذلك. وإن رآه بضد ذلك فلا يقبله، بل يمضي لسبيله، فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم)([26]). وقال الشيخ ابن عثيمين ([27]): فالكلمة الطيبة تعجبه r، لما فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط، والمضي قدمًا لما يسعى إليه الإنسان، وليس هذا من الطيرة بل هذا مما يشجع الإنسان، لأنها لا تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وإقدامًا وإقبالًا). قال ابن الأثير ([28]): الفأل فيما يرجى وقوعه من الخير ويحسن ظاهره ويسر، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أحب النبي r الفأل، لأن الناس إذا أملوا فائدة من الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإن لم يدركوا ما أملوا فقد أصابوا في الرجاء من الله وطلب ما عنده، وفي الرجاء لهم خير معجل. ألا ترى أنهم إذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر، فأما الطيرة فإن فيها سوء ظن وقطع الرجاء وتوقع البلاء وقنوط النفس من الخير، وذلك مذموم بين العقلاء، منهي عنه من جهة الشرع. في قول النبي r لما ذكرت عنده الطيرة قال: «أحسنها الفأل». قال الشيخ ابن عثيمين ([29]): سبق أن الفأل ليس من الطيرة، لكنه شبيه بالطيرة من حيث الإقدام، فإنه يزيد الإنسان نشاطًا إقدامًا فيما يوجه إليه، فهو يشبه الطيرة من هذا الوجه، وإلا فبينهما فرق، لأن الطيرة توجب تعلق الإنسان بالمتطير به، وضعف توكله على الله، ورجوعه عما هو به من أجل ما رأى، لكن الفأل يزيده قوة وثباتًا ونشاطًا، فالشبه بينهما هو التأثير في كل منهما. تنبيهات: 1- بعض الناس إذا انتهى من شيء في صفر أرخ ذلك وقال:انتهى في صفر الخير، فهذا من باب مداواة البدعة ببدعة، والجهل بالجهل، فهو ليس شهر خير ولا شهر شر، أما شهر رمضان، وقولنا: إنه شهر خير فالمراد بالخير العبادة... وقولهم: رجب المعظم بناء على أنه من الأشهر الحرم، ولهذا أنكر السلف على من إذا سمع البومة تنعق قال: خيرًا إن شاء الله، فلا يقال: خير ولا شر، بل هي تنعق كبقية الطيور([30]). 2- بعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل، فإذا نظر ذكر النار تشاءم، وإذا نظر ذكر الجنة قال: هذا فأل طيب، فهذا مثل عمل أهل الجاهلية، الذين يستقسمون بالأزلام ([31]). 3- بعض الناس إذا حاول الأمر مرة بعد أخرى تشاءم بأنه لن ينجح فيه وتركه، وهذا خطأ، فكل شيء ترى فيه المصلحة فلا تتقاعس عنه في أول محاولة، وحاول مرة بعد أخرى حتى يفتح الله عليك ([32]). 4- ذهب بعض العلماء إلى كراهية تسمية المولود بما يتطير بنفيه أو إثباته، لحديث سمرة قال: قال رسول الله r: «لا تسم غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون، فتقول: لا»([33])، إلا أنه ليس بمحرم، لحديث عمر وفيه: أن الآذن على مشربة رسول الله r عبد يقال له: رباح([34]). وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

([1]) فتح الباري 10/215.
([2]) رواه أحمد وصححه أحمد شاكر.
([3]) رواه الترمذي وصححه (1616).
([4]) فتح الباري (10/215).
([5]) منهاج السنة لابن تيمية (1/10).
([6]) المجموع المفيد 2/32 طبعة دار العاصمة الأولى.
([7]) مسلم 2/1039.
([8]) فتح الباري 10/213.
([9]) رواه البخاري 10/206، في الطب، ومسلم برقم (2220). وقوله: (لا هامة) وهو طائر كانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل تخرج من هامته – أي: رأسه – هامة فلا تزال تقول: اسقوني، اسقوني، حتى يقتل قاتله . وقوله: (لا صفر) قيل: كانوا يتشاءمون بشهر صفر، وقيل: كانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا، فأبطله الإسلام، وقيل: داء يصيب البطن يزعمون أنه معدٍ.
([10]) رواه أبو داود (3910) في الطب، والترمذي (1614) في السير وقال: هذا حديث حسن صحيح. .
([11]) رواه أحمد 2/220 وابن السني (287) وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة برقم 1065).
([12]) القول المفيد على كتاب التوحيد 2/93.
([13]) رواه البزار، قال المنذري: إسناده جيد (الترغيب 4/33) وجود إسناده الحافظ ابن حجر (الفتح 10/213) وروى الطبراني أوله بإسناد حسن، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع.
([14]) رواه أبو داود في الطب برقم (3919) وعروة ليس صحابيًّا والحديث صححه النووي في رياض الصالحين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد.
([15]) رواه أحمد 3/477، وأبو داود برقم 3907 بسند جيد، وحسنه النووي. والجبت: السحر، كما فسره به عمر بن الخطاب . والعيافة: زجر الطير والتفاؤل بها، كما كانت العرب تفعله، عاف الطير يعيفه : إذا زجره . والطرق: الضرب بالعصا، قيل: هو الخط في الرمل كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه.
([16]) فتح الباري 10/215.
([17]) أخرجه مسلم 4/1748.
([18]) الحديث تقدم تخريجه، قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل (يعني: البخاري) يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: (وما منا إ ولكن الله يذهبه بالتوكل) هذا عندي قول عبد الله بن مسعود).



([19]) رواه أحمد 5/347 وأبو داود في الطب (3920) وحسن الحافظ ابن حجر إسناده (الفتح 10/215).
([20]) رواه أحمد 2/220، وابن السني (293) والطبراني كما في المجمع (5/105).
([21]) تقدم تخريجه.
([22]) رواه البخاري ومسلم .
([23]) شرح مسلم 14/221.
([24]) رواه أبو داود (2160) ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم (240) وابن ماجه برقم (1918) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه النووي في الأذكار.
([25]) رواه البخاري 10/181 في الطب، ومسلم برقم (2224) في السلام.
([26]) فتح الباري 10/10/215.
([27]) القول المفيد 2/88.
([28]) جامع الأصول 7/631.
([29])القول المفيد 2/89.
([30])القول المفيد 2/85.
([31])القول المفيد 2/86
([32])القول المفيد 2/32.
([33]) رواه مسلم (2137) في الأدب.
([34]) أخرجه البخاري (فتح 9/278) ومسلم برقم 1479 في الطلاق للاستزادة في موضوع الطيرة ينظر: 1-كتاب التوحيد وشروحه . 2- القول المفيد على كتاب التوحيد للشيخ ابن عثيمين. 3- الموسوعة الفقهية الكويتية 5/328 وما بعدها، و 12/182 وما بعدها. 4- جامع الأصول لابن الأثير 7/628 وما بعدها . 5- عالم السحر والشعوذة للأشقر.

o'v hgj'dv ,hgjahcl