الصناعات والحرف التقليدية وأهميتها لاقتصاد الدولة
تشكل الصناعات والحرف التقليدية في مختلف دول العالم ولدى مختلف الشعوب أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، وتولي حكومات تلك الدول،
هذه الصناعات اهتماما كبيرا على الرغم من ان بعض هذه الدول هي دول صناعية كبرى ولديها صناعات حديثة عملاقة، إلا انها تجد في الصناعات التقليدية أهمية اقتصادية واجتماعية.
وتأتي أهمية هذه الصناعات التقليدية من كونها تسهم في نمو الناتج المحلي الاجمالي، وتخلق فرص عمل لشريحة كبيرة من مواطني تلك الدول ومصدرا للدخل القومي والفردي، وتجد اقبالا كبيرا من مختلف شرائح المجتمع خاصة وان هناك أسرا تعيش على تلك الصناعات والمهن والحرف التقليدية لا سيما في دول جنوب شرق آسيا ودول عظمى كالصين واليابان.
والامارات احدى المناطق التي اعتمدت على الصناعات والحرف والمهن التقليدية لردح من الزمان وذلك خلال العقود الماضية والتي سبقت الطفرة النفطية في امارات الدولة، وكانت تلك الصناعات توفر متطلبات حياتية مهمة لأفراد المجتمع، فيما يتم تصدير الجزء الفائض منها إلى خارج حدود الامارات، إلا ان هذه الصناعات وكذلك الحرف والمهن تعاني من الانقراض والاندثار في ظل الطفرة الاقتصادية النفطية وغياب اهتمام الدولة والحكومات المحلية بها، ثم لهجرة أصحابها ولا سيما أهل الريف والالتحاق بالوظائف الحكومية الإدارية والمدنية، ثم بالجيش والشرطة، وذلك في المدن الرئيسية.
لقد مارست الأجيال الماضية هذه الحرف والمهن وأقامت هذه الصناعات التقليدية اعتمادا على أساليب تقليدية ومعارف وخبرات توارثتها من الأجيال المتعاقبة وأضافت إليها من فكرها من منطلق تطويرها لتكون منافسة كما انها لم تكن تحتاج إلى شهادات علمية أو مؤهلات وخبرات فنية أو رأسمال كبير، كما هو الأمر بالنسبة للصناعات في وقتنا الحاضر، ولم تكن يحتاج ممارسوها إلى رخصة تجارية أو موافقة جهات رسمية، بل انها كانت تحظى باهتمام حكومي لكونها تمثل دخلا للأفراد ثم دخلا للحكومات المحلية من خلال الضرائب المفروضة عليها، هذا اضافة إلى توفر المواد الأولية لتلك الصناعات في الامارات وبعض المواد التكميلية أو الداخلة فيها تجلب من أسواق خارجية، وكانت تستوعب شرائح مختلفة من أفراد المجتمع للعمل فيها وتسد احتياجات المجتمع الأساسية، وتشكل أهمية اقتصادية في الاقتصاد الوطني.
لقد جاءت أهمية الصناعات التقليدية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لا لكونها تغطي متطلبات المجتمع واحتياجاته فحسب ولا لكونها تشكل مصدرا للدخل القومي أيضا وإنما كانت مرتبطة بالنشاط الاقتصادي ولا سيما البحري (كصناعة الغوص والنشاط التجاري والبحري وصناعة السفن بأنواعها) ثم بالحياة اليومية كصيد السمك والزراعة والرعي والثروة الحيوانية، ثم الصناعات التقليدية الأخرى كبيوت الشعر والخيام والسجاد والأدوات المنزلية، والصناعات الغذائية والدوائية ثم الملابس والمنسوجات والاكسسوارات وأدوات الزينة النسائية ثم السيوف والخناجر، والعديد من الصناعات التقليدية وكذلك المهن والحرف الأخرى.
وعلى الرغم من بساطة تلك الصناعات سواء في تركيبتها والأدوات المرتبطة بصناعتها إلا انها كانت تجسد اضافة نوعية في اقتصادات الامارات آنذاك الذي كان يتسم بقاعدة الانتاجية العريضة والمتنوعة على عكس ما هو عليه، حيث يتسم بالريعية!! من ناحية أخرى تأتي أهمية هذه الصناعات على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي من كونها قد خلقت فرص عمل لشريحة كبرى من القوى العاملة المواطنة خاصة والوافدة عامة، وشملت هذه الصناعات مختلف أفراد المجتمع على مختلف أجناسهم (رجال ونساء) وأعمارهم (صغار وكبار) ومستوياتهم العلمية (المتعلم والأمي) وجعلت منهم أفرادا منتجين وفاعلين ومنتمين من أجل خدمة اقتصاد وطنهم، ومتعاونين في تقديم العون والدعم المادي لحكوماتهم المحلية للقيام بواجباتها ووظائفها.
ولكن بسبب الاكتشافات النفطية وهجرة العمالة الحرفية والمهنية لهذه الصناعات والمهن والتحاقهم بوظائف ذات دخل مرتفع، ثم لعدم الاهتمام الحكومي بها، وغياب التخطيط الصناعي وغياب رؤية أو استراتيجية التنمية الاقتصادية في الدولة، ثم تغير نظرة المجتمع لهذه المهن والحرف ثم للسياسة الاقتصادية التي اتبعتها الدولة بترك أبواب الاستيراد مشرعة أمام الصناعات الأجنبية وغياب الحماية الصناعية المطلوبة لكل هذه الأسباب والعوامل اندثرت هذه الصناعات وانقرض الجزء الأكبر منها.
واليوم الذي أصبح الاقتصاد الوطني خاصة والمجتمع الاماراتي عامة يعاني من تحديات شديدة الأثر سواء من حيث معدلات نمو واستقراره وتنميته أو من حيث تركيبته الاقتصادية الضعيفة والمحدودة وفي ظل تفاعل مختلف العوامل الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، ثم المستجدة من العوامل الخارجية فإن الانعكاسات سوف تكون خطيرة ومباشرة على الاقتصاد الوطني الذي ارتفعت درجة حساسيته ودرجة ارتباطه الخارجي خلال السنوات الأخيرة وضحت من خلال الصدمات التي تعرض لها والهزات الخارجية التي أثرت فيه بشكل كبير وبالتالي فإن الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية مطالبة بالاضطلاع بمسئولياتها والقيام بدورها الحقيقي في ترميم الاقتصاد الوطني وبالتالي المجتمع الاماراتي من خلال اجراءات اصلاحية لاحداث تنمية اقتصادية واجتماعية يكون الاهتمام بالصناعات التقليدية أحد محاورها الأساسية واضلاعها الرئيسية.
وإذا كانت الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية تخطط لزيادة معدلات النمو الاقتصادي لتواكب الزيادة في معدلات النمو السكاني، وتعمل على تحقيق اصلاحات اقتصادية في الامارات فإنه يتحتم عليها الاهتمام بهذه الصناعات وتنميتها خاصة وان هذه الصناعات تحقق ما يلي: ـ توفير فرص عمل لشريحة من المواطنين الذين يعانون من بطالة من شأنها أن تشكل قلقا حقيقيا وصداعا مزمنا على الصعيد الامني والاجتماعي والاقتصادي، وسوف تزيد درجة القلق والصداع خلال السنوات المقبلة في ظل العشوائية التي تشهدها سوق العمل وغياب التنمية البشرية أو التخطيط البشري، كما ان الاهتمام بتنمية هذه الصناعات من شأنه أن يحقق الاستقرار الاجتماعي والنفسي وتوفير أسباب الحياة الكريمة لشرائح من أفراد المجتمع ككبار السن من الجنسين، وكذلك شريحة المتقاعدين بعد ان أصبحت أعدادهم في تزايد وهم في كامل الاستعداد للعمل، وكذلك شريحة المعاقين القادرين على العمل، وبالتالي ومن خلال هذه الصناعات يمكن تحويل هذه الشرائح إلى عناصر منتجة وفاعلة في المجتمع الاقتصادي بالامارات، فضلا عن تحسين المستوى المعيشي وزيادة دخل هذه الشرائح.
ـ يمكن لهذه الصناعات أن تشكل اضافة نوعية في اطار التخطيط نحو توسيع قاعدة الانتاج في الاقتصاد الوطني، وتسهم في امتصاص الصدمات التي قد يتعرض لها الاقتصاد خلال السنوات المقبلة، وتمكنه من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية المستقبلية.



ـ يمكن لهذه الصناعات في حال اقامتها في المناطق النائية والقرى أن تشجع المواطنين على الاستقرار في مناطقهم دون أن يضطروا للهجرة إلى المدن ومن هنا يمكن تخفيف الضغط السكاني وكذلك المروري على المدن بالدولة لا سيما بعد أن أصبح للضغط السكاني هذا تداعيات وآثار كبيرة على المجتمع.
ـ يأتي الاهتمام بهذه الصناعات من منطلق أهمية توطين الاقتصاد الوطني من حيث توظيف رؤوس الأموال الوطنية والقدرات البشرية المواطنة من أجل تفعيل مختلف القطاعات الاقتصادية، وخاصة القطاع الخاص كي يصبح الاقتصاد ذا هوية وطنية فعليا.
ـ يأتي الاهتمام بهذه الصناعات انسجاما مع التوجهات الأخيرة في تبني المشاريع الصغيرة حيث ان تنمية هذه الصناعات إنما يعزز المسار نحو انجاح المشاريع الخاصة وتشجيع صغار المستثمرين لتساهم تلك المشاريع في تحقيق قاعدة اقتصادية وطنية وترجمة أهداف صغار المستثمرين إلى واقع ملموس وحقيقي. إن انشاء ورش صناعية صغيرة تساهم فيها الحكومات المحلية في اطار خطة على مستوى الدولة ويكون لوزارة العمل والشئون الاجتماعية من خلال مشروع الأسرة المنتجة، إنما يترجم توجهات الوزارة وأهدافها في تمويل الأسر المتلقية للمساعدات الاجتماعية إلى أسر منتجة تحصل على رواتب وأجور بدلا من المساعدات الاجتماعية وهذه المشاريع من شأنها أن تحقق أهداف الوزارة في هذا الجانب.
إن تنمية الصناعات التقليدية في مجتمع الامارات تحتاج إلى تضافر جهود مؤسسات اقتصادية واجتماعية عديدة سواء على صعيد الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية، فعلى وزارة التخطيط وبالتنسيق مع الوزارات المعنية كوزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة المالية والصناعة أن تخطط لهذا المشروع الكبير في اطار رؤية مشتركة مع تلك الوزارات والمؤسسات، وعلى الدوائر الحكومية المحلية كدوائر الاقتصاد بالامارات وغرف التجارة والصناعة وبلديات الدولة أو مختلف مؤسسات القطاع الخاص أن تتعاون مع المؤسسات الاتحادية في ترجمة الخطط الرامية لتنمية مشاريع الصناعات التقليدية وكذلك على المصارف التجارية ولا سيما الوطنية أن تسهم بدورها في خدمة الاقتصاد الوطني من خلال تمويل هذه المشاريع. إن التحديات الراهنة سواء الخارجية أو الداخلية تتطلب من مختلف مؤسسات الدولة وقطاعها الخاص أن تتعاون من أجل تجاوزها ومن أجل صياغة اقتصاد وطني صلب وقادر على امتصاص الصدمات وتجاوز المعوقات.
وهنا نشير إلى ان هناك تجارب ناجحة لمثل هذه المشاريع في دول تشترك مع الامارات في السمات الاقتصادية كسلطنة عمان، البحرين والسعودية نحتاج إلى دراستها وتعميمها في الامارات وصولا للنهوض بالاقتصاد الوطني وبمجتمع الامارات.

hgwkhuhj ,hgpvt hgjrgd]dm ,Hildjih ghrjwh] hg],gm