أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



الإنسان القزم

(*) يُظهر اكتشاف مدهش في أندونيسيا أن إنسانا مختلفا عنا تماما كان يعيش مع نوعنا البشري في الماضي غير البعيد. لطالما روى قرويو جزيرة فلوريس



الإنسان القزم


النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    5,730
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    sage femme
    هواياتي
    الشعرْ والخوآطــرْ ؛؛ وأشيآء اخرى
    شعاري
    دعْ الأيآم تفعلْ ما تشآء ×× وطب نفسآ بما حكمـ القضآءْ

    افتراضي الإنسان القزم

     
    (*)
    يُظهر اكتشاف مدهش في أندونيسيا أن إنسانا مختلفا عنا
    تماما كان يعيش مع نوعنا البشري في الماضي غير البعيد.
    <K. وونگ>

    لطالما روى قرويو جزيرة فلوريس بأندونيسيا حكايات عن مخلوق صغير الحجم كان يمشي منتصب القامة ويعرج في مشيته، ويتصف بالنهم، وصوته رقيق يشبه الهمهمة. أطلق القرويون على هذا المخلوق اسم إيبو گوگو ebu gogo، أي «الجدة التي تأكل كل شيء». ورجح العلماء أن قردة المكاك(1) هي التي أوحت بهذه الأسطورة. ولكن في الشهر 10/2004 ظهر بديل رائع، فقد اكتشف فريق من الباحثين الأستراليين والأندونيسيين عند تنقيبهم في كهف بجزيرة فلوريس بقايا إنسان ضئيل الجسم يبلغ طوله بالكاد مترا واحدا كان يعيش (مع أقرانه) قبل 13 ألف سنة.

    أثار النبأ مجتمع علم الإنسان القديم، فقد كان يُظن أن الإنسان العاقل (هومو ساپيانز) كان يعيش وحده على الكرة الأرضية منذ 25 ألف سنة، بدون أي منازع من أفراد آخرين من البشر، وذلك بعد اختفاء الإنسان النياندرثالي Neandertals في أوروبا والإنسان المنتصب Homo erectus في آسيا. إضافة إلى ذلك فإن هذه الحجوم الصغيرة من البشر كانت معروفة فقط من أحافير أفراد الجنس أسترالوپيثيكس (مثل لوسي Lucy وما شابهها) [انظر: «مستحاثات بشرية من أفريقيا ترجع إلى نحو أربعة ملايين سنة»، مجلة العلوم، العدد 11(1997)، ص 54]. الذين كانوا يعيشون قبل نحو 3 ملايين سنة، قبل مدة طويلة من ظهور الإنسان العاقل. ولم يكن أحد يتوقع أن يكون نوعنا قد عاصر إنسانا صغير الحجم بدائي المظهر مثل الإنسان الفلوريسي القزم، كما لم يفترض أحد أن مخلوقا يمتلك جمجمة بحجم ثمرة الگريب فروت، يمكن أن يكون له قدرات إدراكية مماثلة لقدرات أفراد البشر الحاليين.

    جزيرة الإثارة(**)
    إنها ليست المرة الأولى التي تتمخض فيها جزيرة فلوريس عن مفاجآت. ففي عام 1998 أعلن علماء الآثار بقيادة <.J .M. موروود> [من جامعة نيوإنگلند في أرميدال بأستراليا] أنهم اكتشفوا أدوات حجرية غير مصقولة يعود تاريخها إلى نحو 000 840 سنة، في حوض صوا Soa بأواسط جزيرة فلوريس. ومع أنه لم يعثر على أي بقايا بشرية مع هذه الأدوات، فهذا يعني ضمنيا أن الإنسان المنتصب، وهو الإنسان الوحيد الذي عُرف أنه عاش في جنوب شرق آسيا، كان قد عبر المياه العميقة التي تفصل جزيرة فلوريس عن جزيرة جاوة. واستنتج فريق العلماء من هذا الاكتشاف أن الإنسان المنتصب كان ملاحا جاب البحار، وكان هذا أمرا مذهلا، إذ إن الإنسان المنتصب لم يترك وراءه في أي مكان آخر مواد حضارية توحي بأنه كان قادرا على تصنيع مركب. وفي الحقيقة، فإن التاريخ الأبكر المقبول لبناء المراكب يعود إلى 000 40 – 000 60 سنة، عندما استعمر أفراد الإنسان الحديث أستراليا. ومن المحتمل أن وصول الحيوانات المبكر إلى فلوريس كان عن طريق السباحة أو عن طريق انسياقها بصورة عرضية على حطام عائم. أما أفراد البشر فلم يكونوا سباحين ماهرين بصورة كافية للقيام بهذه الرحلة، ولكن المشككين يقولون إنهم ربما انساقوا على طوافات طبيعية.

    وعلى أمل توثيق فصول لاحقة عن احتلال البشر للجزيرة، ركز <M. موروود> و<P .R. سوجونو> [من المركز الأندونيسي لعلم الآثار في جاكارتا] اهتمامهما نحو كهف في صخور كلسية يدعى ليانگ بوا Liang Bua يقع في غرب جزيرة فلوريس. كان علماء الآثار في أندونيسيا ينقبون في الكهف بصورة متقطعة منذ السبعينات، بقدر ما يسمح به التمويل المتاح. ولكن العمال لم يخترقوا سوى طبقات الرواسب العليا. وقد قرر كل من <M. موروود> و<P .R. سوجونو> الوصول إلى صخر الأساس bedrock. وبدأ التنقيب في الشهر7/2001، وبعد مدة قصيرة عثر الفريق على أدوات حجرية وفيرة مع عظام لنسخة قزمة من نسيب لفيل منقرض معروف باسم ستيگودون Stegodon. غير أنه لم تُكتشف مادة تشخيصية تنتمي إلى البشر إلا في نهاية الفصل الثالث تقريبا من العمل الحقلي، حيث اكتشفوا سنا معزولة. حمل <موروود> قالبا للسن إلى أرميدال بأستراليا لعرضه على زميله في القسم <P. براون>. ويستذكر <براون>: «إن من الواضح أن السن الضاحكة premolar تشابه إلى حد بعيد تلك التي يملكها البشر، غير أنها لم تكن لإنسان حديث. وبعد سبعة أيام تلقى <موروود> رسالة مفادها أن الأندونيسيين عثروا على هيكل عظمي، وعلى إثر ذلك توجه الأستراليان إلى جاكرتا على أول طائرة.

    على الرغم مما تميزت به السن الضاحكة من أهمية، فإنه لا شيء يمكن أن يقدم للعلماء أفضل من الهيكل الذي كان، فيما عدا أنه بدون ذراعين، كاملا إلى أبعد الحدود. فقد كشف التركيب التشريحي للحوض أن صاحبه كان يمشي على قدمين، ومن المحتمل أنه كان لأنثى. كما دل ظهور الأسنان من اللثة، واهتراؤها، على أن الهيكل كان لأنثى بالغة؛ ومع ذلك كان طولها بطول إنسان حالي عمره ثلاث سنوات فقط. وكان الدماغ صغيرا بحجم أصغر دماغ معروف لأفراد الجنس أسترالوپيثيكس. وهناك ملامح بدائية أخرى تشتمل على حوض عريض وعلى عنق عظم فخذ طويل. ومع ذلك، بدت العينة من نواح أخرى مألوفة بأسنانها الصغيرة وبمنخرها الضيق وبالشكل العام لجمجمتها وبثخانة عظامها القحفية، وجميعها سمات تستدعي إلى الذاكرة جنس الإنسان هومو Homo.

    قضى <براون> الأشهر الثلاثة التالية في تحليل الهيكل اللغز، وصنفه بالأحرف (LB1)، وأعطاه بعض أعضاء الفريق اسم «هوبيت»(2) Hobbit، وهو الاسم الذي كان الكاتب <R .R .J. تولكين> قد أطلقه على الكائنات الصغيرة التي شكلت شخوص روايته المعروفة بالاسم نفسه The Hobbit. لم يكن قرار تصنيفه سهلا. في البداية، تأثر <براون> بالصفات المميزة للعينة LB1 التي تشترك مع أفراد البشر المبكرين مثل أفراد مجموعة الأسترالوپيثيكس، ولذا اقترح أنه يمثل جنسا جديدا من البشر. ولكنه ـ بعد مزيد من التأمل ـ بدت التشابهات مع الجنس هومو أكثر إقناعا. واستنادا إلى عمر العينة LB1 الذي قدر بنحو 000 18 سنة، كان بوسع المرء أن يتوقع بصورة معقولة أن العظام كانت تخص قزما ينتمي إلى الإنسان العاقل. ولكن عندما نظر <براون> وزملاؤه في الصفات المورفولوجية لأفراد ذوي أجسام صغيرة من الإنسان الحالي ـ سواء كانوا أفرادا أسوياء مثل الأقزام، أو غير أسوياء مثل الأفراد المصابين بمرض التقزم النخامي pituitary dwarfs ـ فإن العينة LB1 بدت غير متوافقة مع أوصاف أي من الأفراد المذكورين. فالأقزام يتميزون بأجسام صغيرة وأدمغة كبيرة، وهذا نتيجة لنمو متأخر خلال البلوغ عندما يكون الدماغ قد بلغ حجمه الكامل. أما الأفراد الذين يعانون اضطرابات جينية تؤدي إلى التقزم النخامي (قامة قصيرة وأدمغة صغيرة)، فلهم مجموعة من الملامح المميزة لا تُرى في العينة LB1، وهم نادرا ما يصلون إلى مرحلة البلوغ، كما يقول <براون>. وعلى العكس من ذلك، يشير <براون> إلى أن هيكل فلوريس يُبدي ملامح قديمة archaic لم يسبق مطلقا أن سجلت لدى أفراد الإنسان العاقل غير السوية (الصغيرة الحجم).

    استخلص الباحثون أن أكثر ما تشبهه العينة LB1 هو إنسان منتصب صغير الحجم. فعند وصفهم الاكتشاف في مجلة نيتشر نسبوا العينة LB1 وكذلك السن المنعزلة وعظم الذراع الذي عُثِر عليه في رواسب أقدم، إلى نوع جديد أسموه الإنسان الفلوريسي Homo floresiensis. وأضافوا إلى ذلك أنه سليل الإنسان المنتصب، عزل في جزيرة فلوريس وتطور ـ في عزلته ـ إلى نوع قزم، على نحو يشبه كثيرا ما حصل لشبيه الفيل المسمى ستيگودون.

    منذ مدة طويلة، يسلم البيولوجيون بأن الثدييات الأكبر من الأرانب تميل إلى إنقاص حجمها على الجزر الصغيرة، ويفترض أن ذلك يمثل استجابة تكيفية للمدد الغذائي المحدود. فهي لا تخسر شيئا بهذا العمل، لأن هذه البيئات تؤوي عددا قليلا من الضواري. فالضواري الوحيدة الكبيرة الحجم على جزيرة فلوريس كانت عظاءة كومودو التنينية Komodo dragon وأخرى أكبر منها هي عظاءة الوَرل monitor lizard. أما الحيوانات الأصغر من الأرانب فتميل إلى بلوغ أحجام ضخمة، لأن الأحجام الأكبر تكون أكثر فعالية ـ من حيث الطاقة ـ من الأحجام الصغيرة. وقد أعطى كهف ليانگ بوا دليلا على ذلك أيضا، في صورة جرذ في قوة الأرانب وشدته.

    نظرة إجمالية/ بشر أقزام(***)
    ▪ من المعروف أن الإنسان العاقل كان هو النوع البشري الوحيد على الكرة الأرضية في الخمسة والعشرين ألف سنة الماضية. لكن البقايا المكتشفة على جزيرة فلوريس الأندونيسية قلبت هذه النظرة.
    ▪ يقال إن العظام تخص نوعا قزما من جنس الإنسان (هومو) كان يعيش قبل 13 ألف سنة.
    ▪ على الرغم من أن هذا الإنسان هو صغير بحجمه وحجم دماغه، مثل أبكر أفراد البشر، فيبدو أنه صنع أدوات حجرية متطورة طرحت أسئلة عن علاقة حجم الدماغ بالذكاء.
    ▪ إن الاكتشاف بحد ذاته مشكوك فيه، إذ يتساءل بعض الخبراء عما إذا كان المكتشفون قد شخصوا العظام بصورة صحيحة، وعما إذا كان أفراد البشر الأحدث من الوجهة التشريحية هم الذين قاموا بصنع تلك الأدوات المتطورة.

    إن إرجاع التقزم البشري إلى ما يدعى نظام الجزيرة Island Rule (أي السلوك التطوري الذي تسلكه الكائنات الحية على جزيرة فلوريس) ما هو إلا سبق مدهش. فالمعلومات المتوارثة في علم الإنسان القديم تشير إلى أن الحضارة قد حمتنا ـ نحن البشر ـ من الكثير من الضغوط الانتقائية selective pressures التي شكلت مخلوقات أخرى. فمثلا، يتغلب الإنسان على البرودة بإيقاد النار وبارتداء الملابس، بدلا من أن يُطور فروا pelage خاصا به. ويشير اكتشاف نوع قزم من البشر (هومو فلوريسيانسيز) إلى أن أفراد البشر يمكنهم في الواقع، تحت ظروف معينة، الاستجابة بالطريقة نفسها التي تستجيب بها الثدييات الكبيرة الأخرى للضغوط الانتقائية حينما تسوء الظروف. إن هذه الفكرة كان قد أثارها <R. پوتس> [من المعهد السميثسوني] عند اكتشافه في بداية عام 2004 قحفا لإنسان منتصب صغير الحجم نسبيا في أولورگيسالي بكينيا. فقد ذكر أن التحول نحو التقزم هو إحدى الأدوات التي امتلكها الإنسان المنتصب في صندوق عِدَّته البيولوجية(3).

    الأكثر غرابة(****)
    إن دماغ الإنسان الفلوريسي البالغ الصغر كان محيرا؛ إذ إن ما يمكن أن يكون الفرد قد حققه بمثل هذا الدماغ المحدود يعتبر أمرا بالغ الغرابة. فالأدمغة الكبيرة علامة مميزة على التطور البشري. وفي الواقع، خلال6-7 ملايين سنة تضاعف حجم جماجم أسلافنا أكثر من ثلاث مرات، من نحو 360 سنتيمترا مكعبا في الجنس ساحيلانثروپس Sahelanthropus، الإنسان الأبكر المفترض، إلى نحو 1350 سنتيمترا مكعبا لأفراد الإنسان الحالي. وتؤكد البيانات الأركيولوجية (الآثارية) أن السلوك أصبح متطورا بصورة مناظرة. فوجود دماغ كبير يبدو ضروريا للممارسات الثقافية (الإدراكية) المتقدمة. ومع ذلك فبينما لم يخلف أفراد مجموعة الأسترالوپيثيكس من ذوي الأدمغة الصغيرة سوى أدوات حجرية بسيطة في أحسن الأحوال (يبدو أن معظمهم لم يقوموا بعمل أية أدوات حجرية على الإطلاق)، يشير دماغ الإنسان الفلوريسي الفقير نسبيا بالمادة الرمادية إلى أنهم صنعوا أدوات صوانية محسنة ومتطورة، تعكس المستوى نفسه الذي ارتبط حصريا بأفراد الإنسان العاقل.

    إن معظم المصنوعات اليدوية التي وجدت في كهف ليانگ بوا هي أدوات بسيطة شظوية صُنّعت من صخور بركانية وصوان. وهي بدائية مثل الأدوات التي صنعها أفراد مجموعة الأسترالوپيثيكس والأفراد الأوائل من الجنس هومو. ولكن خلال أعمال التنقيب وجدت مجموعة متقنة من الأدوات مختلطة مع بقايا الستيگودون القزم، شملت إحداها أسلحة مستدقة الطرف ومشغولة بصورة دقيقة، إضافة إلى نصول كبيرة ومخازن ونصول صغيرة يمكن أن تزود بمقبض لاستخدامها كرماح. وبحسب فريق العمل، فإن هذا يوحي إلى أن الإنسان الفلوريسي كان يصطاد الستيگودون بصورة منتظمة. إن الكثير من عظام الستيگودون كانت عظاما لأفراد من الحيوانات الفتية بحيث كان بالإمكان لفرد من الإنسان الفلوريسي أن يصرعه وحده. ولكن بعض العظام كانت تخص حيوانات بالغة قد يبلغ وزنها حتى نصف طن، حيث كان يتطلب صيدها ونقلها نشاط مجموعة متعاونة، ومن المحتمل أن ذلك كان يتطلب استخدام لغة للتخاطب، كما يعتقد أحد أعضاء الفريق: <G .R. روبرتس> [من جامعة وولونگونگ في أستراليا].

    ويدل اكتشاف بقايا حيوانية متفحمة في الكهف على أن الطبخ كان أيضا جزءا من الذخيرة الحضارية لإنسان فلوريس. إن إنسانا ذا دماغ محدود مثل إنسان فلوريس يجعلنا نتمهل ونتساءل عما إذا كان قد تمكن من السيطرة على النار. فالمعروف أن البشر لم يروضوا النار حتى وقت متأخر نسبيا من تطورنا الإدراكي (المعرفي) الجماعي، وأبكر دليل يؤكد استخدام النار أتى من مواقد يعود عمرها إلى ما قبل 000 200 سنة في أوروبا وكانت من إنجاز النياندرثاليين من ذوي الأدمغة الكبيرة.

    إذا كان مكتشفو الإنسان الفلوريسي مصيبين في تفسيرهم، فهذا يعني أن اكتشافهم هو أحد الاكتشافات الأكثر أهمية في مجال علم الإنسان القديم خلال عقود. وهذا الاكتشاف لا يعني فقط أن نوعا آخر من البشر كان يتعايش مع أسلافنا بالأمس القريب (بحسب التعبير الجيولوجي) وأن جنسنا (هومو) يبدي تنوعا أكثر مما توقعنا، وإنما يثير جميع أنواع الأسئلة حول حجم الدماغ والذكاء. ولعل هذا هو السبب في أن ادعاءات المكتشفين أثارت الكثير من الخلاف.

    تميل الأقزام والعمالقة إلى أن تتطور على الجزر، حيث تتقلص الحيوانات الأكبر حجما من الأرانب وتكبر الحيوانات الأصغر من الأرانب. ويبدو أن هذه التغيرات هي استجابات تكيفية للموارد الغذائية المحدودة المتاحة في مثل هذه البيئات. ففيل الستيگودون، وهو أحد الخرطوميات المنقرضة، قطن جزيرة فلوريس عدة مرات وتقزم من حجم الفيل العادي إلى حجم جاموس الماء. وعلى العكس أصبحت بعض الجرذان على مر الزمن بحجم الأرانب. ويبدو أن الإنسان الفلوريسي قد سلك أيضا «نظام (قانون) الجزيرة» أي الأسلوب نفسه في التكيف، ويعتقد أنه سليل مقزم للإنسان المنتصب الذي كان حجمه تقريبا بحجم الإنسان الحديث.
    الإنسان القزم 581.jpg
    الفيل الهندي الحالي (الحديث) (إلفاس ماكسيمس)

    تضارب تصنيفي(*****)
    لم يمض وقت طويل حتى ظهرت فرضيات بديلة. ففي مقالة نشرت في طبعة 31/10/2004 في جريدة «ساندي ميل» الأسترالية بعد ثلاثة أيام من نشر التقارير الأولية عن الاكتشاف في مجلة «نيتشر»، أشار المختص في علم الإنسان القديم <M. هِنّبِرْگ> [من جامعة أدلايد] إلى أن الصفات غير الاعتيادية للهيكل LB1 يمكن أن تكون ناجمة عن حالة مرضية تدعى صغر الرأس microcephaly (من اليونانية، ويعني صغر الرأس). فالأفراد الذين أصيبوا بالشكل الخلقي الأسوأ من مرض صغر الرأس يموتون في مرحلة الطفولة. غير أن أولئك الذين أصيبوا بالشكل المرضي الأقل سوءا يمكن أن يستمروا في الحياة حتى مرحلة البلوغ، ولكنهم يكونون متخلفين عقليا. لم يجد <هنبرگ> فروقا ذات مغزى بين أبعاد الرأس والوجه في العينة LB1 وبين جمجمة قديمة عُثِر عليها في گريت يعود عمرها إلى ما قبل 4000 سنة وعُرف عنها أنها تنتمي إلى فرد مصاب بصغر الرأس. وإضافة إلى ذلك فقد بين <هنبرگ> أن عظم الساعد المنعزل الذي وُجِد في طبقات رسوبية أعمق يخص فردا يراوح ارتفاع قامته ما بين 151 و 162 سم، وهو ارتفاع قامة الكثير من النساء ـ بل حتى بعض الرجال ـ من أفراد البشر الحاليين، وليس قامة قزم. وهذا ما يوحي إلى أن أناسا من ذوي الأحجام الكبيرة كانوا يعيشون أيضا في ليانگ بوا. فمن وجهة نظر <هنبرگ> تشير هذه الاكتشافات إلى أن العينة LB1 إنما تمثل ـ على الأرجح ـ فردا من أفراد الإنسان العاقل مصابا بمرض صغر الرأس وليس فرعا جديدا من الجنس هومو.

    الإنسان القزم 582.jpg
    تقود الملامح المشتركة بين العينة LB1 وبين أعضاء جنسنا البشري إلى تصنيف إنسان جزيرة فلوريس في الجنس هومو Homo على الرغم من دماغه الصغير. ومع ملاحظة أن العينة تشابه إلى حد بعيد الإنسان المنتصب، يفترض الباحثون أن هذه العينة تمثل نوعا جديدا دعوه هومو فلوريسيانسيز (إنسان فلوريس) Homo floresiensis الذي تقزم من سليفه الإنسان المنتصب. ويختلف إنسان فلوريس عن الإنسان العاقل بصفات عديدة أهمها غياب الذقن، والوجه الناتئ نسبيا، والقوسان الحاجبيان البارزان، والجمجمة المنخفضة.

    أما <C .S. أنطون> [من جامعة نيويورك] فتخالف رأي <هنبرگ> لأن مورفولوجية (الشكل الظاهري) الوجه تختلف تماما في أفراد البشر الحاليين من ذوي الرؤوس الصغيرة عن مورفولوجية وجه العينة LB1، ولأن أحجام أجسامهم تكون عادية وليست صغيرة. مع ذلك، تشكك <أنطون> فيما إذا كانت العينة LB1 تمثل فعلا نوعًا جديدا. وتضيف: «تكاد لا توجد اختلافات في الشكل تميزها من أفراد الإنسان المنتصب.» وتسلم <أنطون> بأنه يمكن للمرء أن يحاج بأنها نوع جديد، ولكن الاختلافات الشكلية بين العينة LB1 وبين أفراد الإنسان المنتصب هي أقل وضوحا من الفروق بين كلب الداني(4) وكلب الشيواوا(5). وترى <أنطون> أنه من المحتمل أن تكون العينة LB1 هي فرد من أفراد الإنسان المنتصب عانى ظروف نمو مَرَضية نجمت عن صغر الرأس أو حرمان غذائي.

    بيد أن بعض المتخصصين يذكر أن المعالم التشريحية لإنسان فلوريس تُبدي نمطا أكثر بدائية. وبحسب <P .C. گروڤز> [من جامعة أستراليا الوطنية] و<W .D. كامِرون> [من جامعة سدني] فإن الدماغ الصغير وطول عنق عظم الفخذ وصفات مميزة أخرى توحي بانتماء العينة LB1 إلى سلف يشبه الإنسان الماهر Homo habilis ـ الممثل الأول لجنسنا ـ أكثر من انتمائه إلى الإنسان المنتصب الأكثر تطورا. ويتساءل <H .M. وولپوف> [من جامعة ميتشيگان في آن آربر] عما إذا كان من الممكن أن تمثل العينة LB1 فرعا من الجنس أسترالوپيثيكس، إذ يذكر <وولپوف> أنه إذا كانت العينة LB1 من أنسال الإنسان العاقل أو الإنسان المنتصب فإنه يصعب تصور كيفية أن الانتقاء الطبيعي قد جهزها بدماغ أصغر مما هو متوقع بالنسبة إلى طولها. فإذا كانت من أنسال الجنس أسترالوپيثيكس ذي الفكين الضخمين والأسنان القوية فكيف نفسر الضعف النسبي لفكيّها وصغر أسنانها؟ ومع ذلك يؤكد <وولپوف> أن حل هذا اللغز التطوري هو أقل صعوبة من حل لغز صغر دماغها. ومع ذلك، يمكن أن يفسر تغير نوع الغذاء diet اختزال جهاز المضغ؛ ولكن لماذا انتقى التطور دماغا صغيرا إلى هذا الحد؟

    إن اكتشاف فرد من مجموعة الأسترالوپيثيكس عاش خارج إفريقيا، فضلا عن أنه وصل حتى جنوب شرق آسيا، ويعود عمره إلى ما قبل 000 18 سنة، لهو أمر مهم. لقد ظن علماء الأحافير أن أفراد هذا الجنس قد انقرضوا في إفريقيا قبل مليون ونصف مليون سنة ولم يحدث أن تركوا قارتهم الأصلية مطلقا. وبحسب بعض الباحثين، ربما كان أفراد البشر بحاجة إلى أطراف طويلة نشطة وأدمغة كبيرة وتقانات أفضل قبل أن يغامروا بالخروج إلى بقية العالم القديم. غير أن الاكتشاف الحديث لأحافير تنتمي إلى الجنس هومو Homo ويعود عمرها إلى ما قبل 1.8 مليون سنة في موقع دمانيزي Dmanisi بجمهورية جورجيا يدحض هذا التفسير. فقد كان أفراد البشر الجورجيون في الواقع بدائيين وصغيري الحجم وكانوا يستعملون أدوات مشابهة لأدوات أفراد مجموعة الأسترالوپيثيكس التي صنعوها قبل مليون سنة. وإذا أخذنا هذه الفكرة بالحسبان، لا يوجد سبب بديهي يمنع أفراد الأسترالوپيثيكس (أو أفراد الإنسان الماهر hablines) من الخروج من إفريقيا واستعمار القارات الأخرى.

    أدوات مزعجة(******)
    ومع ذلك إذا كان أفراد الأسترالوپيثيكس قد نجحوا في الخروج من إفريقيا وبقوا على قيد الحياة على جزيرة فلوريس إلى وقت حديث، فلماذا لم تُكتشف في المنطقة بقايا أخرى تدعم هذا السيناريو؟ بحسب <وولپوف>، لعل هذا ما حدث فعلا؛ فثمة عدد محدود من الأحافير الأندونيسية اكتشفت في الأربعينات من القرن الماضي ولم تحظ بالدراسة الكافية، فقد صنفت بصور مختلفة، فتارة ينسبونها إلى الأسترالوپيثيكس، وتارة إلى الميگانثروپس Meganthropus، بل في دراسة حديثة إلى الإنسان المنتصب. ولذلك، على ضوء اكتشاف الإنسان الفلوريسي، فإنها تستحق إعادة الدراسة من جديد.

    الإنسان القزم 583.jpg
    أدوات متطورة يبدو أنها كانت من عمل إنسان فلوريس. إن الأفراد الأبكر من البشر من ذوي الأدمغة المماثلة في الحجم لدماغ إنسان فلوريس كانوا يصنعون فقط أدوات شظوية بسيطة على الأكثر. ولكن الباحثين في المستويات الطباقية نفسها التي وُجدت فيها بقايا الإنسان في كهف ليانگ بوا، عثروا على مجموعة من الأدوات المتطورة تتضمن مثاقب ونصالا وأزاميل تعرض مستوى من التعقيد، ظن من قبل أنه مقتصر على الإنسان العاقل.

    ومع ذلك فإن الكثير من الخبراء الذين لم يشاركوا في الاكتشاف، يدعمون قرار <براون> و<موروود> التصنيفي. «إن معظم الاختلافات (بين الإنسان الفلوريسي وبين أفراد معروفين في الجنس هومو)، بما فيها أوجه التشابه الظاهرة مع مجموعة الأسترالوپيثيكس، تتعلق بصورة شبه مؤكدة بحجم الجسم الصغير جدا،» بحسب ما أكده <R .D. بيگان> [من جامعة تورنتو]. وبتعبير آخر، ففي الوقت الذي تقزم فيه الإنسان المنتصب وتحول إلى الإنسان الفلوريسي، فإن بعض معالمه التشريحية تقاربت أيضا، بكل بساطة، من المعالم التشريحية لأفراد مجموعة الأسترالوپيثيكس الصغيرة الحجم أيضا. وفي الواقع تتقاسم العينة LB1 بعض سماتها الأساسية المشتقة مع سمات الإنسان المنتصب وبعضها الآخر مع الأفراد الآخرين من الجنس هومو. ويضيف <بيگان>: «إن أكثر الخيارات دقة هي أن تسميها نوعا جديدا من الجنس هومو.» ويرى <P .G. رايتماير> [من جامعة بينگهامتون، الخبير والمتخصص في نوع الإنسان المنتصب] «أن هذا تفسير معقول ومناسب.»

    وثمة أمر أكثر مدعاة للخلاف من وضع أولئك البشر الصغار على شجرة نسب الإنسان، ألا وهي فكرة أنهم صنعوا تلك الأدوات ذات المظهر المتطور. يبين عالم الإنسان القديم <R. كلاين> [من جامعة ستانفورد] أن المصنوعات اليدوية التي وُجِدت بالقرب من العينة LB1 تضمنت أعدادا قليلة من الأنماط المتطورة التي وجدت في أمكنة أخرى في الكهف. ويتساءل عما إذا كانت هذه الأدوات ذات المظهر الحديث هي من صنع أفراد البشر الحديثين الذين يحتمل أنهم قطنوا كهف ليانگ بوا في أزمنة مختلفة؟ ولذلك يعتقد <كلاين> أنه من الضروري القيام بتحريات لاحقة لتحديد العلاقة الزمنية (الطباقية) بين الأدوات الحجرية وبقايا البشر. إن مثل هذه الجهود قد تكشف عن وجود أفراد مثلنا من البشر الحديثين. والسؤال الذي سيطرح نفسه عندئذ، كما يذكر <كلاين>هو ما إذا كان هنالك نوعان تعايشا في الموقع، أو أن أفراد البشر الحديثين هم وحدهم الذين قطنوا كهف ليانگ بوا، وهو ما يعني أن العينة LB1 لم تكن سوى فرد حديث من البشر تعرض إلى نمو شاذ (مرضي).

    موطن الهوبيت (*******)
    الإنسان القزم 584.jpg
    قبل عقد من الزمن، اندهش الدارسون من اكتشاف أن الإنسان المنتصب ربما كان على قيد الحياة في جزيرة جاوة في أندونيسيا حتى ما قبل 000 25 سنة، بعد وصول الإنسان العاقل إلى المنطقة بفترة طويلة، وحتى بعد اختفاء النياندرثاليين الأوروبيين. والأمر الأكثر إثارة هو الاكتشاف الحديث لنوع ثالث دعي إنسان فلوريس، كان يعيش في المنطقة حتى ما قبل 000 13 سنة.
    عثر علماء الآثار على بقايا أحفورية في كهف كبير من الحجر الكلسي يعرف باسم ليانگ بوا يقع غرب جزيرة فلوريس. لم يعرف أحد تماما كيف وصل أفراد البشر إلى الجزيرة أول مرة. ربما يكونون قد صنعوا مستلزمات عبور البحر بالمركب أو يكونون قد انساقوا على طوافات طبيعية بالمصادفة. إن الإنسان المنتصب الجاويّ هو، من الناحية الجغرافية، مرشح جيد لأن يكون سليف الإنسان الفلوريسي. ولكن التشابه مع العينات الإفريقية والجورجية يثير السؤال عما إذا كان الإنسان الفلوريسي قد نشأ من هجرة بشرية مختلفة إلى جنوب شرق آسيا تختلف عن تلك التي أعطت الإنسان المنتصب الجاوي. ويمكن لعمليات تنقيب مفصلة في المستقبل على جزيرة فلوريس وجزر أندونيسية أخرى أن توضح هذه الألغاز.

    وإذا نحينا جانبا العلاقة الزمنية، فإن الأدوات، بحسب <گروڤز>، كانت متطورة وكبيرة الحجم أيضا لدرجة لا يمكن أن يصنعها مثل هذا الإنسان البدائي الصغير الحجم. وعلى الرغم من أن عمر أدوات كهف ليانگ بوا يعود، كما قُدر، إلى ما قبل 000 94 سنة ـ وهذا يجعل الفريق يحاج بأنها مبكرة جدا، أي أقدم من أن يكون الإنسان العاقل قد صنعها، فإن <گروڤز> يشير إلى اكتشاف أدوات في ليوجانگ بالصين يعود عمرها إلى 000 67 سنة، وأنه قد تظهر أدلة أقدم على وجود الإنسان الحديث في الشرق الأقصى. ويضيف <كروڤز>: «إن انتشار الإنسان العاقل في شرق آسيا لم يستغرق وقتا طويلا بعد خروجه من إفريقيا.»

    لا يوجد حاليا أي دليل كاف يبرهن على أن الإنسان الفلوريسي قد صنع أدوات متطورة، وهي فكرة يتفق معها <B. وود> [من جامعة جورج واشنطن]. وإذا افترض أن هذا الإنسان قد صنعها بالفعل لا بد من تفسير كيف أمكنه ذلك بمثل مهاراته الإدراكية وحجم دماغه الصغير. فإذا كان هناك إنسان له دماغ بحجم دماغ الشمپانزي وكان بإمكانه تصنيع مثل تلك المواد، فلماذا استغرق البشر مثل هذا الوقت الطويل لتصنيع الأدوات في المقام الأول؟

    «فإذا كان الإنسان الفلوريسي قادرا على تصنيع أدوات متطورة لا بد من القول بأن حجم الدماغ لا يعكس كليا المهارات الإدراكية،» وذلك حسبما انتهى إليه <رايتماير>. ففي الوقت الحاضر يبدي الإنسان الحالي اختلافات كبيرة في حجم المادة الرمادية، وحجوم أدمغة المفكرين الكبار تتفاوت؛ فالكاتب الفرنسي <F .A .J. تيبو> والمعروف أيضا باسم <A. فرانس> الحائز جائزة نوبل في الآداب عام 1921، لم يتجاوز حجم دماغه 1000 سنتيمتر مكعب. أما الجنرال الإنكليزي <O. كرومويل> فقد بلغ حجم دماغه أكثر من ضعفي هذا الحجم. ويذكر <پوتس>: «إن ما يعنيه ذلك هو أنه في اللحظة التي يصل فيها الدماغ إلى حجم محدد، فإن الحجم لا يهم، وإنما الذي يهم هو تعضي organization الدماغ.» ويضيف أنه في مرحلة معينة «يمكن أن يتيح التشبيك الداخلي internal wiring للدماغ كفاءته حتى لو بدا صغيرا.»




    اختفى دماغ العينة LB1 منذ مدة طويلة جدا ولذلك فإن مسألة كيف كان شكل تشبيكه ستبقى لغزا من الألغاز. ومع ذلك فإن المفتاح الذي يقودنا إلى تعضي الدماغ قد يكمن داخل جوف القحف، إذ يمكن لعلماء الأحافير أحيانا الحصول على قوالب من اللاتكس latex لداخل الجماجم الأحفورية، وبعد ذلك تُعمل قوالب داخلية من الجص plaster endocasts تكشف عن شكل الدماغ. ولكون عظام العينة LB1 هشة جدا لا تتحمل إجراءات القولبة، يعمل <براون> على إنتاج قالب داخلي افتراضي virtual اعتمادا على إجراء مسوح مقطعية محوسبة CT scans للجمجمة، ويمكن عنذئذ أن يستعملها لتوليد قالب داخلي مادي عن طريق عملية الليثوگرافيا المجسمة stereolithography، وهي تقانة لعمل نموذج أولي سريع rapidprototype technology.

    وتقول المتخصصة في علم الأعصاب القديم paleoneurology <D. فولك> [من جامعة فلوريدا] «إنها سوف تعترف بهزيمتها إذا ثبت أن جمجمة الإنسان الفلوريسي نسخة مصغرة من دماغ إنسان بالغ.» وتساءلت مع ذلك: ماذا سيحدث إذا ظهرت التلافيف الدماغية لإنسان فلوريس مشابهة لتلافيف الشمپانزي؟ ولطالما تساءل المتخصصون عما إذا كانت الأدمغة الكبيرة تتميز بتلافيف خاصة لمجرد أنها كبيرة الحجم أو لأن هذا التعضي يعكس عملية انتقاء طبيعي تساعد على ظهور قدرات إدراكية متزايدة. «إن هذه العينة يمكن أن تجيب بصورة معقولة عن هذا السؤال،» بحسب <فولك>.

    عودة إلى العالم الضائع(********)
    منذ أن قدم منقبو كهف ليانگ بوا أبحاثهم التقنية إلى مجلة نيتشر Nature «أعلنوا عن كشف خمسة أفراد آخرين أو نحو ذلك يتوافق مظهرهم مع مظهر الإنسان الفلوريسي. إن أي فرد من هذه الأفراد لم يكن كاملا مثل العينة LB1 التي اكتُشف ذراعاها الطويلان خلال أحدث فصل من فصول التنقيب الحقلي. واكتُشف أيضا فك سفلي ثان ذُكر أنه مماثل في الحجم والشكل لفك العينة LB1. إن مثل هذه العظام الجديدة ستكون حاسمة لدعم وجهة نظر أولئك المنقبين، إذ لديهم الآن جماعة من هؤلاء الأفراد الصغار الحجم من البشر (مقارنة بمجموعة من العظام المبعثرة التي تنتمي إلى فرد واحد). وهذا لا بد أن يبطل فرضية أن العينة LB1 كانت فردا مريضا.

    ويمكن الحصول على دليل إضافي من خلال دراسة الدنا DNA، إذ يجري حاليا في جامعة أكسفورد تحليل عينات من الشعر يبدو أنها تعود إلى الإنسان الفلوريسي. وقد تضم العظام والأسنان البشرية أيضا دنا قابلا للحياة. ومع ذلك يجب أن لا نعول كثيرا على هذا التحليل؛ لأن البيئات المدارية، بحسب <روبرتس>، لا تمثل البيئة الملائمة لحفظ الدنا القديم. ومع ذلك لا يوجد بالتأكيد أي ضرر من إجراء هذا التحليل.

    إن الاستمرار مستقبلا في دراسة هذه العظام (وأي دنا تحتويها) أمر غير مؤكد. ففي الشهر 11/2004 أمر <T. جاكوب> [من جامعة گدجاه مادا في يوگياكارتا بجاوه] الذي لم يشارك في الاكتشاف وفي أعمال التحليل، بنقل العينات الهشة من مخزنها في المركز الأركيولوجي الأندونيسي إلى مختبره الخاص بمساعدة <سوجونو>. ويعتقد <جاكوب> [وهو عميد قسم علم البشر القديم في أندونيسيا] أن العينة LB1 كانت مصابة بمرض صغر الدماغ. وزُعِم أنه أمر بنقلها، مع المكتشفات الجديدة التي لم توصف بعد، من أجل دراستها وحفظها، على الرغم من الاعتراضات الشديدة من أعضاء هيئة المركز الآخرين. وفي الوقت الذي أُرسلت فيه هذه المقالة للنشر كان من المنتظر أن يعيد <جاكوب> البقايا في1/1/2005 إلى جاكرتا وفاءً بوعده، ولكن ما يعرف عنه من الاستيلاء على الأحافير ومنع العلماء من الوصول إليها جعلت الخبراء يتوقعون أن العظام لن تدرس مرة ثانية.

    الأزمنة التي عاشوا فيها(*********)
    شخص <P. براون> [من جامعة نيوإنگلند في أرميدال (أستراليا)] وزملاؤه البقايا البشرية التي عثروا عليها في جزيرة فلوريس كنوع جديد ينتمي إلى الجنس هومو Homo دعاه هومو فلوريسيانسيز (الإنسان الفلوريسي)، مضيفا بذلك فرعا آخر إلى شجرة نسب فصيلة البشر، وهذا يرفع عدد أنواع الجنس هومو الذين كانوا أحياء في زمن الإنسان العاقل المبكر إلى أربعة أنواع، إذا اعتبرنا أن النياندرثاليين يمثلون نوعا منفصلا عن نوعنا، كما يُرى في الشكل. ويعتقد <براون> أن الإنسان الفلوريسي يتحدر من الإنسان المنتصب (الإطار). أما العلماء الآخرون فيفترضون أن الإنسان الفلوريسي ما هو إلا إنسان عاقل غريب الشكل أو أنه إنسان منتصب أو فرع أبكر وأكثر بدائية من مجموعة الإنسان الماهر أو من مجموعة الأسترالوپيثيكس.
    الإنسان القزم 585.jpg

    ومهما يكن من أمر ستتواصل الجهود لتجميع ألغاز الإنسان الفلوريسي. إن <براون> من جهته تواق إلى العثور على الأجداد الكبيرة الأجسام للإنسان ذي الحجم الصغير. فقد بيّن أن الاحتمالات تقع في ثلاثة أمور: إما أن السليف تقزم على جزيرة فلوريس (وربما كان هو صانع الأدوات التي وجدت بحوض صوا Soa في الجزيرة ـ تلك الأدوات التي يعود عمرها إلى 000 840 سنة)، أو أنه تقزم على جزيرة أخرى ووصل فيما بعد إلى فلوريس، أو أن السليف كان صغير الحجم حتى قبل أن يصل إلى جنوب غرب آسيا. وفي الواقع، أشار <براون> إلى أن العينة LB1 تشابه كثيرا، من عدة وجوه، الإنسان المنتصب الإفريقي وكذلك أفراد الإنسان الجورجي أكثر من مشابهتها للإنسان المنتصب الجاويّ، مع العلم أنه الأقرب منها من الناحية الجغرافية. يبقى أن نحدد ما إذا كان هذا التشابه يشير إلى أن الإنسان الفلوريسي ظهر نتيجة غزو الإنسان المنتصب جنوب شرق آسيا في وقت أبكر من الغزوة التي أعطت الإنسان المنتصب الجاوي، أو أن هذا التشابه ما هو إلا مجرد مصادفة ناجمة عن عملية التقزم. ويمكن لعمليات التنقيب في المستقبل أن تربط هذه الأفكار. ويخطط الفريق لمتابعة عمليات التنقيب في جزيرتي فلوريس وجاوة. وسيبدأ في العام القادم العمل في جزر أندونيسية أخرى تشمل جزيرة سولاويزي إلى الشمال.

    إن عظام الإنسان في كهف ليانگ بوا تمتد الآن زمنيا من ما قبل 000 95 سنة إلى ما قبل 000 13 سنة، وهذا يوحي إلى أن أفراد الإنسان الفلوريسي الصغيري الحجم قد انقرضوا في الوقت نفسه الذي انقرض فيه فيل الستيگودون القزم، نتيجة لحصول اندفاعات بركانية ضخمة في المنطقة قبل 000 12 سنة تقريبا، على الرغم من أنهم قد يكونون قد بقوا على قيد الحياة مدة أطول من ذلك في منطقة أبعد نحو الشرق. وإذا كان الإنسان المنتصب قد بقي في جاوة القريبة حتى ما قبل 000 25 سنة، كما توحي بعض الأدلة. وإذا كان الإنسان العاقل قد وصل إلى المنطقة قبل 000 40 سنة، فهذا يعني أن ثلاثة أنواع من البشر عاشت جنبا إلى جنب في جنوب شرق آسيا لمدة 000 15 سنة على الأقل. ويتوقع مكتشفو الإنسان الفلوريسي اكتشاف المزيد. وقد تكون جزيرتا لومبوك وسومباوا شكّلتا جسورا طبيعية للبشر الذين كانوا ينتقلون من جاوة أو من قارة آسيا إلى فلوريس. ومن الممكن أن أولئك الذين أسسوا الجذور على هذه الجزر قد ساروا على مساراتهم التطورية الخاصة بهم.

    وبحسب ما اقترحه بعض العلماء، فربما بقيت فروع من سلالة جنس الإنسان (هومو) على قيد الحياة حتى العصور التاريخية. ويمكن أن يكونوا مازالوا يعيشون في جيوب بعيدة في الغابات الكثيفة المطرية في جنوب شرق آسيا وينتظرون (أو يتفادون) اكتشافهم. وتذكر الأساطير المتناقلة على جزيرة فلوريس أن شعب «إيبو گوگو» كان موجودا عندما وصل الاستعمار الهولندي إلى هناك في القرن التاسع عشر. ويصف الفولكلور الماليزي كائنا صغيرا يشبه الإنسان كان معروفا باسم «أورانگ پندك» orang pendek يفترض أنه يسكن جزيرة سومطرة حتى اليوم.

    وبحسب <براون>، يبدو أن لكل بلد أساطيره عن هذه الأشياء، ولكن عمليات التنقيب التي أجريناها في الكثير من المواقع حول العالم لم تمكّنا من العثور على أي من تلك الأشياء على الإطلاق. ولكن وجدنا أخيرا في الشهر9/2003 العينة LB1. وقد لا يعرف العلماء مطلقا ما إذا كانت القصص التي تروى عن «إيبو گوگو» و«أورانگ پندك» تحكي مشاهدات فعلية لأنواع أخرى من البشر، ولكن هذه الإمكانية المكتشفة حديثا ستشجع بدون أدنى شك البحث عن مثل هذه المخلوقات لعدة أجيال قادمة.

    المؤلفة
    Kate Wong
    مديرة تحرير في ساينتفيك أمريكان.


    hgYkshk hgr.l


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    المشاركات
    Many
     

  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    العمر
    23
    المشاركات
    5,274
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    /////
    هواياتي
    fOOtt BaaLL
    شعاري
    madrid amado por las mas

    افتراضي رد: الإنسان القزم

    بارك الله فيك

  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    العمر
    27
    المشاركات
    479
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    ممرضة
    هواياتي
    القراءة
    شعاري
    لا اله الا الله

    افتراضي رد: الإنسان القزم

    ان في خلق الله لايات كثيرة

    شكرا على الموضوع

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. المنتدى ... مثل الإنسان !!
    بواسطة SaLiiMaa في المنتدى قسم المواضيع العامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-07-2016, 11:09
  2. بحث حول حقوق الإنسان
    بواسطة ~حنين الروح~ في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-11-2014, 12:01
  3. بحث حول الاستنساخ و الإنسان
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى Wiki Tomohna
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-10-2014, 16:17
  4. الإنسان
    بواسطة manal montana في المنتدى نبض الشعر والخواطر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 29-12-2013, 19:23
  5. حقوق الإنسان
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى قسم الاعلام والصحافة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 31-08-2012, 14:33

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •