أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



عظام امي

قصة في سطورها روعة ......هي حروف حقا حقيقية والتعمق فيها له معاني عدة في معاناة متقطعة القصة فازت بجائزة تقديرية في مجال "القصة الصحفية"في "مسابقة العودة"2011 التي نظمها "مركز



عظام امي


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 25
  1. #1
    ♥•- مشرفة سابقة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    العمر
    18
    المشاركات
    1,339
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة
    هواياتي
    المطالعة , العزف على الكمان وركوب الخيل
    شعاري
    لا اله الا الله وان محمدا رسول الله

    جديد عظام امي

     
    قصة في سطورها روعة ......هي حروف حقا حقيقية والتعمق فيها له معاني عدة في معاناة متقطعة



    القصة فازت بجائزة تقديرية في مجال "القصة الصحفية"في "مسابقة العودة"2011 التي نظمها "مركز بديل"(المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين) في بيت لحم.


    بقلم: د. عدنان جابر


    مر العمر بسرعة. في ذلك اليوم، في 5 حزيران عام 1969، عندما رأتني أمي في مستشفى عالية في الخليل ورصاص المحتلين قد أصابني في رقبتي وقدمي، كنتُ في السابعة عشر من عمري. كان سلاحي "سيخ كباب"صنعتُه في مدرسة الأمير محمد الإعدادية، وطعنتُ به ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحرم الإبراهيمي.

    في ذلك اليوم، وأنا بين الصحو واليقظة، نظرت أمي إلى وجهي المشوه الدامي، وقالت: "معلش يما، المهم إنك عايش". كانت قوية، مثلما عرفتها دائماً. أنعشتني كلماتها، وأنعشتني أنفاسها المشبعة بالحنان.

    أخذني الجنود في عربة عسكرية من طرف شارع "السهلة"أمام الحرم الإبراهيمي حيث اشتبكت معهم إلى الثكنة العسكرية "العمارة"المتواجدة على تلة مرتفعة، وهي مسافة طويلة بالنسبة لجريح ينزف من فمه ورقبته وقدمه. ويبدو أنهم اعتقدوا بأنني على وشك الموت، لذلك قفلوا عائدين بي وأدخلوني إلى "مستشفى عالية"كي أموت هناك، ولكن تحت حراسة من قبل شرطة الخليل المحلية، ومداهمة مفاجئة متكررة من جنود الاحتلال للتأكد من عدم هروبي أو تهريبي. لم تطل إقامتي هناك، إذ عندما عرفوا بأنني لم أمت سرعان ما تم نقلي إلى مستشفى سجن الرملة.


    طوال سنوات أسرى، كانت أمي تطارد ورائي من سجن إلى سجن، وكانت أكثر حيوية ومعنوياتها أقوى مقارنة بوالدي الطيب. كانت تتمتع بصوت جميل، قالت لي قريبتنا "أم العبد": "أمك كانت تحيي كل عرس تحضره". قبل الاحتلال، كان غناؤها يشي بالفرح والقوة، مع مجيء الاحتلال وتكرس الفراق وتشتت الأسرة بين الوطن ومنافي الغربة صار غناؤها مفعماً بالحزن والأسى لكن لم يخل من القوة والصبر. أدركنا أن أمنا تغني كي لا تبكي، وإن بكت فبعيداً عن أنظار الآخرين.. كانت تغني لأنها اعتادت صناعة الأمل.

    كنت أعرف أن لي مكانة أثيرة في قلبها، بسب كوني أسيراً وجريحاً. وأنا خلف القضبان خصصت لي بعض قصائدها الزجلية، وبعد خروجي من السجن، أثناء وجودي في رومانيا للعلاج تلقيت منها رسالة تقول فيها: "ليتني قطعة شاش أبيض، ألتف بها على قدمك يا ولدي الحبيب".

    في صوفيا، أثناء دراستي هناك، أسمعتُ بعض الزملاء والأصدقاء شريطاً لها كنت قد سجلته لها أثناء زيارتها لي في سورية. وأثناء استماعهم لصوتها، سألتهم مازحاً: "هل تعرفون مغنية في فلسطين اسمها سعاد صلاح؟"، فأجابوا: ""لا، ولكن صوتها حلو". فقلت: "هي أمي".


    امتد زمن الفراق، صَعُبَ على الحاجة سعاد أن يكون أولادها مشتتين في فلسطين والأردن والكويت وسورية والعراق والصين وبلغاريا، فعانت من عنت الزيارة وعبء السفر. مرة، تطلعتْ إلى شجرة التوت أمام بيتنا في الخليل، ورأت عصفوراً ينطنط على أغصانها فأنشدتْ تقول: "عصفور يا كتكوت.. يا مغرد فوق التوت.. أيام عم بتفوت.. وحبابي ما عادوا لَيِّ". وعلى جسر الأردن، طلعت معها: "مقساك يا دهر.. وما أصعبك يا جسر".

    كانت تأتي لزيارتنا مجتمعين أو فرادى. في البداية، وهي في صحتها، كانت تأتي لوحدها، ثم صارت تأتي برفقة أحد أبنائها أو إحدى بناتها، وأخيراً، لم تعد تأتي.. تعبت عظام أمي!

    انتظرتني في عمان سنتين كي تراني، لكن ذلك لم يحصل. فلا هي قادرة على السفر إلى سورية بسبب عظامها المتعبة، ولا أنا كنت قادراً على السفر إلى الأردن لأنني مبعد عن البلاد.

    بسبب وضعها الصحي، ارتأى إخوتي وأخواتي في الأردن أن يُبقوا الوالدة لديهم، وأن "تدور"على بيوتهم، أسبوع في كل بيت، إلى أن يأخذ الله الوديعة. كانت تلح للعودة إلى الخليل، وهم يراهنون على "النسيان"الذي بدأ يفعل فعله في ذاكرتها، ويقولوا لها: "يا حاجة لسه امبارح جيتي!". لكن ذلك لم يعد يفلح معها، وصارت تبكي كالأطفال كي تعود إلى الخليل. وعادت وماتت ودفنت هناك.


    .. حققت أمي "حق العودة"بأن يكون لها قبر في الوطن!



    عظام امي xx.gif »


    حُلْمُنا الغالي "حق العودة"سيشمل الأحياء، فهل سيشمل الشهداء، والأموات، والعظام، وكيف؟!


    ربما سيكتفي الشهداء بالنصر، فهو العودة.. ويكفي أن نقرأ الفاتحة، كلٌّ من مكانه، على أعزائنا الذين تضمهم القبور.. في أربع رياح الأرض.

    يحزنني تشتت قبورنا.. يؤلمني تشتت العظام. أبي وأمي مدفونان في الخليل، أخي الأكبر غازي مدفون في الكويت، وابني مارسيل مدفون في صوفيا: اختار في بلغاريا، صوفيا، الساعة الواحدة ظهراً، يوم السبت الموافق 26 تموز 2008، وهو في الرابعةِ والعشرين من العمر، أن يُتوِّج نجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطابق السادس. كان على وشك التخرج من الجامعة.. لكنه فضَّل أن يخرجَ من الحياة!

    وأنا.. أين سيكون قبري؟! لقد قالها محمود درويش: أرى الجنازة ولا أرى القبر..

    كما حصل مع عظام أمي، لم تعد عظامي تحملني بيسر، مع أنني أتوكأ على عصا، فالشظايا ترافق قدمي منذ 5 حزيران 1969 وحتى الآن، والجرح لا يلتئم.

    عندما زارني والدي المسكين في بغداد قال لي بألم: "يابا، إذا بتتعبك كتير، وما بتشفى، اقطعها وارتاح"! لكنني قررت التمسك بها، وعندما يسألني إخوتي وأخواتي على الهاتف من فلسطين أو الأردن أو الصين: "كيف وضع رجلك؟"، أجيبهم: أفضل من الوضع السياسي!

    صمدت رجلي أكثر من 40 عاماً، وهناك دول لا تصمد 40 يوماً. بعد أن رافقتني كل هذه السنوات، وتحملتني في السراء والضراء، وبعد 14 عملية جراحية، وبفضلها رأيت عدة دول في العالم، هل أتخلى عنها؟! وإذا تم بترها، كيف سأنزل إلى البحر، أو أنزل إلى الدبكة وأدْبكُ مع من يدبكون؟!

    تخيلتها وهم يبتروها ويرموها في النفايات، تخيلتها بعد هذا الصمود وهذه "العِشْرة"، تخيلتها تقول بأسى: يا عيب الشوم!

    رِجلي جاءت إلى الدنيا معي، وستغادرها معي، لن أتخلى عنها.. جئنا معاً، وسنذهب إلى القبر معاً، أحتفظ بها مثلما أحتفظ بـ (البنطلون) المثقَّب بالرصاص.. الحمد لله أنه رصاص الأعداء!

    عندما رأتني أمي في مستشفى عالية كنت في السابعة عشر من عمري، أما الآن فأقترب من الستين. كان سلاحي "سيخ كباب"، وأصبح سلاحي القلم، أحمل شهادتين: دكتوراه في الفلسفة ودكتوراه في القهر، القهر من جهتين: من الغربة والمنافي، ومن وجود مفارقة باهظة ودامية: شعبنا الفلسطيني شعب عظيم مبدع معطاء، وزعماؤنا يتقنون الفشل والتبديد والخواء.. زعماء يرون الكرسي.. ولا يرون زيتون البلاد!

    أصابني مرض الضغط بعد الاقتتال في غزة.. و"انتصار"ثورتنا.. وبعد أن "رزقنا"الله "دولتين"بدل دولة واحدة! كنت أعرف أن الدواء والحمية لا يكفيان، بل لا بد من إطعام الروح. لذلك، من أجل تعزيز الأمل ومحاربة الكآبة، قمت بشراء "سيديات"مختارة لفيروز، أم كلثوم، عبد الوهاب، خوليو اغليسيس، ياني، وموسيقى كلاسيكية لموسيقيين مختلفين من عدة قرون.

    لا أملك ما أُوَرِّثُهُ لأولادي سوى بنطلوني المصاب وبعض المؤلفات، لا أملك بيتاً أُوَرِّثُهُ لهم كي أريحهم وأريح فاطمة من هَمِّ الإيجار و"شحشطة البيوت"، لا أملك شيئاً سوى حُلْمٍ بامتلاك قبر.. قبر في الوطن!

    ولي حُلْمٌ بسيط: ابني عُمَر (8 سنوات) وابنتي دالية (10 سنوات) أن يعيشا طويلاً وان لا ينقصف عمرهما كما انقصفَ عُمْرُ أخيهما مارسيل، ألا تموت فاطمة قبلي بل أن أموت أنا قبلها، وأن تعيش هي وأولادي بكرامة، لا أريدها أن تصطف في طابور الأرامل أمام باب أي مسؤول تافه، أو سافل!

    وأريدُ كبوةً أخيرة
    كبوةً ترافقها السلامة
    قبراً جميلاً
    أُعَلِّقُ عليه التعب
    وأنامُ فيه إلى القيامة

    لا أريده في وحشة الغربة وفي صقيع المنافي، أريد قبراً هناك في تراب الخليل، قرب كروم العنب، بجانب عظام أمي
    * كاتب فلسطيني، أسير سابق ومبعد، مقيم في دمشق

    u/hl hld


  2. #2
    ♥•- مشرفة سابقة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Mar 2013
    المشاركات
    6,160
    الجنس
    أنثى

    مميز رد: عظام امي

    موضوع مميز فريد وراقي

    بوركتي اختي

    سعدت بقراءة هكذا موضوع
    وسأكون أسعد بقراءة المزيد من قلمك المميز

    واصلي اختاه ولا تفاصلي
    3 من الأعضاء مٌعجبين بهذه المشاركة: همسة مشاعر,كنزة احلام,LàmMìã

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    المشاركات
    1,614
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة
    هواياتي
    المٌُُطًٌَُالٌُعة + كٌُتٌُأبة الرٌُوٌٍُايًُاتًُ
    شعاري
    دائما مع همي متبسمة

    افتراضي رد: عظام امي

    رائع قصة مؤثرة إنه حنان الأم
    2 من الأعضاء مٌعجبين بهذه المشاركة: همسة مشاعر,LàmMìã

  4. #4
    ♥•- مشرفة سابقة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    العمر
    18
    المشاركات
    1,339
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة
    هواياتي
    المطالعة , العزف على الكمان وركوب الخيل
    شعاري
    لا اله الا الله وان محمدا رسول الله

    افتراضي رد: عظام امي

    سعدت لمروركم العطرالذي نور صفحتي
    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: همسة مشاعر

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Mar 2014
    العمر
    18
    المشاركات
    37
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    تلميذ يسعى لنيل النجاح
    هواياتي
    الرسم
    شعاري
    نحن نسير على درب الحب وفي الطريق سنلتقي مجددا

    افتراضي رد: عظام امي

    بوركت يااختي موضوع مميز
    2 من الأعضاء مٌعجبين بهذه المشاركة: همسة مشاعر,LàmMìã

  6. #6
    ♥•- مشرفة سابقة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    العمر
    18
    المشاركات
    1,339
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة
    هواياتي
    المطالعة , العزف على الكمان وركوب الخيل
    شعاري
    لا اله الا الله وان محمدا رسول الله

    افتراضي رد: عظام امي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الولد الشقي مشاهدة المشاركة
    بوركت يااختي موضوع مميز
    zada laho fika baraka
    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: همسة مشاعر

  7. #7

    تاريخ التسجيل
    Mar 2014
    العمر
    27
    المشاركات
    185
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    متخرج جامعي
    هواياتي
    المطالعة وكتابة الخواطر
    شعاري
    كن كالفراشة لا تقع الا على الطيب

    افتراضي رد: عظام امي

    rai3333333
    2 من الأعضاء مٌعجبين بهذه المشاركة: همسة مشاعر,LàmMìã

  8. #8

    تاريخ التسجيل
    Feb 2014
    المشاركات
    33
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة
    هواياتي
    العزف على الكمان و ركوب الخيل والمطالة
    شعاري
    كرامة كالدواء لا اتركها بمتناول الاطفال

    افتراضي رد: عظام امي

    :1264884372::1264884372:
    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: LàmMìã

  9. #9

    تاريخ التسجيل
    Mar 2014
    العمر
    20
    المشاركات
    64
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    ادرس
    هواياتي
    المطالعة
    شعاري
    لست ملاك بلا اخطاء

    افتراضي رد: عظام امي

    موضوع مميز فريد وراقي
    بوركتي اختي
    سعدت بقراءة هكذا موضوع



    وتحية لكل الشعب الفلسطيني والسوري
    وان شاء الله يارب يتحرر الاقصى وسوريا تحرر من ايادي الضالمين
    يــــــــــــــــــــــــ ــــــارب
    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: LàmMìã

  10. #10
    ♥•- مشرفة سابقة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    العمر
    18
    المشاركات
    1,339
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة
    هواياتي
    المطالعة , العزف على الكمان وركوب الخيل
    شعاري
    لا اله الا الله وان محمدا رسول الله

    افتراضي رد: عظام امي

    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: همسة مشاعر

 

 
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •