المقدمة :
يندرج هذا السؤال في اطار فلسفة المعرفة، ويطرح مشكلة تتعلق بوضوع الفلسفة ووظيفتها وقيمتها المعرفية، والسبب في طرح هذه المشكلة يعود أساسا الى التطور الذي شهدته المعرفة العلمية في العصر الحديث على الخصوص .
فالمعلوم أن الفلسفة قديما طوت جميع المعارف تحت جناحها،وتمكنت حينذاك من تقديم الكثير من المعارف الدقيقة وخصوصا في ميادين الطبيعة الجامدة والطبيعة الحية وفي الرياضيات، والطب والفلك، لكن ظهور العلوم سلب منها علومها واحد بعد الآخر، ابتداء بالرياضيات والفلك وانتهاءا بالعلوم الإنسانية ، الأمر الذي أبعدها عن المشكلات التي يطرحها الواقع وأدى الى التساؤل عن الدور الذي على الفلسفة أنه تضلع به وعن الميدان الذي يحق لها أن تتخده كموضوع لها وعن امكانية تقديمها معرفة يقينية مثلما هو شأن العلم. والسؤال الذي يبرز الآن هو: هل بقيت الفلسفة محافظة على مكانتها أم فقدت خصوصيتها ؟
التحليل
1- إن الدور الذي لعبته الفلسفة في القديم حين كانت تحتضن جميع العلوم قد ساهم فعلا في اعطاء معارف دقيقة في مجال الرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية والطب. وحتى في بعض مجالات العلوم الإنسانية لكنها كانت معارف بسيطة وقليلة، وكان بعضها يتميز بالدقة والوضوح وبعضها غامض متضارب.ولكنها كانت في نفس الوقت تؤسس لظهور العلم،ولما خرجت العلوم من رحمها ،واستقلت عنها بمواضيعها ومناهجها،ابتداء بالرياضيات التي انفصلت عن الفلسفة على يد الرياضي اليوناني اقليدس ،وذلك في القرن الثالث قبل الميلاد، وانتهاء بالعلوم الإنسانية في العصر الحديث مرورا باستقلال العلوم الطبيعية بين القرنين 17 و 18 .إن التطور الذي شهده العلم واحتلاله لمعظم الميادين التي كانت تابعة للفلسفة فرض عليها التوجه نحو نظرية المعرفة،والتحول في عصرنا هذا إلى التفكير في العلوم، فلم تعد تعتبر علما كما كان الحال في عصورها الأولى .
2- إن الذي يؤكد لنا هذا التوجه الجديد للفلسفة هو أنها كانت في البداية تعتبر الميتافيزيقا فلسفة في الوجود، وليست فلسفة في معرفة الوجود،لذلك انصب اهتمام الفلاسفة في البحث عن المبدأ الذي صدر عنه الوجود، والمصير الذي سينتهي إليه،وقد عرف أرسطو الفلسفة بقوله هي " علم الوجود بما هو موجود" أي البحث في الوجود من حيث هو وجود بإطلاق.
أما في العصر الحديث فقد أصبحت مشكلة المعرفة هي المطروحة بقوة على الفلاسفة ،واعتبرت الميتافيزيقا بحثا في معرفة الوجود،وهكذا أصبحت نظرية المعرفة هي مركز اهتمام الفلاسفة المحدثين أمثال جون لوك ،وكانط وغيرهما .
أم الفلسفة المعاصرة فقد اتجهت صوب العلم ،وأصبحت عبارة عن تفكير في العلم،لأن العلم لا يفكر في ذاته،ولا يهتم بتاريخه وذاكرته ولذلك تكفلت فلسفة العلم بالتفكير في ذات العلم،وانصب اهتمامها على التفكير في منهج العلم ،وفي المنطق الذي يسوده ،وخصائص المعرفة التي يبنيها وفي ماضيه،وحركته التقدمية ، ومبادئه،وفرضياته ،وقيمة مايتوصل اليه من نتائج، وما يتحقق له من اكتشافات.
ركزت الفلسفة قديما على البحث من حيث هو موجود على الإطلاق،فبحثت في خصائص الوجود العامة قصد وضع نظرية حول طبيعة العالم، وذلك من خلال الإجابة على العديد من المشكلات التي يطرحها الوجود مثل الوجود؟ وماهي طبيعته وأسبابه؟ وما مصيره؟ وهل هذا الوجود مادي أو روحي؟ وهل ما يقع في الكون من أحداث مصادفة أم هو خاضع في ذلك لقانون ثابت ، اضافة الى مشكلة التغيرات ،والصيرورة والمكان والزمان ،والوحدة والتعدد.. الخ.
إلى جانب ذلك ركزت الفلسفة في العصرالحديث على المعرفة وما تطرحه من مشكلات مثل هل المعرفة ممكنة أم لا ؟وإذا كانت ممكنة،فما طبيعتها؟ هل هي واقعية أم مثالية ؟وما مصدرها؟ أهو الحس أم العقل أم الحدس ؟ وما حدودها؟ وهل هي احتمالية أم يقينية؟ وما معيار الحقيقة فيها ..الخ.
أما في عصرنا هذا فقد ركزت فيه الفلسفة على التفكير في العلم وما يطرحه من مشكلات ناجمة عن التقدم الذي يحرزه والنمو الذي يحققه، مثل تلك المشكلات التي تطرحها الابستمولوجيا باعتبارها دراسة نقدية للعلم تنتقده في مبادئه ومناهجه ونتائجه، فنجدها تهتم بأصول المعرفة العلمية النفسية والمنطقية،وبقيمتها ومدى موضوعيتها وبحدودها وأثرها في بنية الفكر،وبتقدمها وكيفية نموها،وبانتقال الفكر فيها من المعرفة العامية إلى المعرفة العلمية ،وبكيفية تعرف العلماء الى الطبيعة واكتشافهم للقوانين العلمية.
كما تهتم بالبحث عن العوائق الابستمولوجيا وعن علاقة الفكر العلمي بالواقع،ومدى قدرة العقل البشري على عقلنته وفهمه، وأثر لاشعور العالم في المعرفة العلمية.ولعل هذا بالذات الذي أدى بالعديد من المفكرين والعلماء إلى القول أن الفلسفة ليست علما يقبل الإنتقال من عقل إلى عقل عن طريق التعليم، بل موقف من الوجود والحياة، وتجربة حية خاصة بكل فيلسوف ومرتبطة بواقعه، وبالتالي فهي لا تتحقق إلا عن طريق ممارسة التفلسف، و معايشة مشكلات الواقع والحياة،والعمل على ابراز قيم المعرفة العلمية المعاصرة، وما تطرحه من إشكالات على الفكر الإنساني.
3- إن هذا التحول الذي شهدته الفلسفة عبر تاريخها لا يعني أبدا أنها لم تهتم بالعلم إلا في عصرنا هذا،بل العكس هو الصحيح ،إذ لا يكمن وجه الإختلاف في تباين مواقفها من العلم عبر العصور.ففي القديم كانت الفلسفة تصب اهتماها على تآويل العلم، وتحويله إلى مجرد وسيلة لبناء نسقها أو أنساقها المختلفة، والفلسفة اليوم من جهة تسعى إلى تقويم المفاهيم السابقة و الركائز التي تقوم عليها الفلسفات القديمة ،وتعمل من جهة ثانية على مواكبة العلم ومسايرته في تقدمه من خلال نظرة نقدية لمبادئه وفرضياته ونتائجه وتاريخه الابستمولوحي ،لا من خلال العمل على تآويله واحتوائه، واخضاعه لنسقها الخاص.
من جهة ثالثة لا ينبغي تفسير هذا التحول لموضوع الفلسفة بعدم اهتمامها اليوم إلا بالمعرفة العلمية، بل لها مجالات أخرى لا تقل أهمية عن مجال العلم من حيث نفعها للبشرية، وتتمثل أساسا في مجال القيم العليا ،كالخير والحق والجمال ، وكثير من المشاكل الميتافيزيقية الأخرى كالبحث في العقل والروح والمادة والحرية والجبر ...الخ. وكذا مشكلات التاريخ والأخلاق والسياسة، والمشكلات المتعلقة بالإنسان كإنسان ،و بمصيره وبعلاقته بالله وبالكون وما إلى ذلك من المشكلات المتجاوزة لحدود العلم، والتي ينساق اليها العقل بفطرته، وكثيرا ما تكون ضرورية للعمل نفسه.
الخاتمة
ليست الفلسفة علما بل هي تفكير نقدي تحليلي ينصب على المعرفة وأدواتها ومناهجها وعلى الإنسان والوجود، وإذا كانت في الماضي تعتبر نفسها علما فهي اليوم استراتيجية وليست علما .
هي موقف من معطيات العصر المتمثلة في الثورات العلمية والتقدم السريع في مختلف مجالات الحياة، وفي الكشف عن معوقات التقدم العلمي والمعرفي والحضاري، وما ينشأ عن ذلك من أوضاع اجتماعية وقيم متجددة.




l;hkm hgtgstm fdk hgug,l hghovn