أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

إخواني أخواتي ..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعذروني على هذا الغياب الطويل .. جئتكم بخلاصة كاملة في أحكام الصوم وجدتها مجموعة ،فنقلتها فجزى الله خيرا جامعها ،وأثابنا الله معه ،ونفع



الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي


النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

     
    إخواني أخواتي ..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أعذروني على هذا الغياب الطويل ..
    جئتكم بخلاصة كاملة في أحكام الصوم وجدتها مجموعة ،فنقلتها
    فجزى الله خيرا جامعها ،وأثابنا الله معه ،ونفع بها كل من يقرأها
    فإليكموها ،ولا تنسونا من صالح دعائكم بتفريج الكرب ..

    هذه خلاصة لأحكام الصيام في الفقه الإسلامي المقارن


    وفي الموسوعة الفقهية :
    صُوْم *
    التّعريف :
    1 - الصّوم في اللّغة : الإمساك مطلقاً عن الطّعام والشّراب والكلام والنّكاح والسّير .
    قال تعالى - حكايةً عن مريم عليها السلام - : { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً } .
    والصّوم : مصدر صام يصوم صوماً وصياماً .
    وفي الاصطلاح : هو الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص .
    الألفاظ ذات الصّلة :
    أ - الإمساك :
    2 - الإمساك لغةً : هو حبس الشّيء والاعتصام به ، وأخذه وقبضه ، والإمساك عن الكلام هو : السّكوت ، والإمساك : البخل .
    وقوله تعالى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } أمر بحبسهنّ وهو بذلك أعمّ من الصّوم .
    ب - الكفّ :
    3 - الكفّ عن الشّيء لغةً : تركه ، وإذا ذكر المتعلّق من الطّعام والشّراب كان مساوياً للصّوم .
    ج - الصّمت :
    4 - الصّمت وكذا السّكوت لغةً : الإمساك عن النّطق ، وهما أخصّ من الصّوم لغةً ، لا شرعاً ، لأنّ بينهما وبينه تبايناً .
    الحكم التّكليفيّ :
    5 - أجمعت الأمّة على أنّ صوم شهر رمضان فرض .
    والدّليل على الفرضيّة الكتاب والسّنّة والإجماع .
    أمّا الكتاب : فقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وقوله { كُتِبَ عَلَيْكُمُ } : أي فرض .
    وقوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
    وأمّا السّنّة : فحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وإقام الصّلاة ، وإيتاء الزّكاة ، والحجّ ، وصوم رمضان « .
    كما انعقد الإجماع على فرضيّة صوم شهر رمضان ، لا يجحدها إلاّ كافر .
    فضل الصّوم :
    6 - وردت في فضل الصّوم أحاديث كثيرة ، نذكر منها ما يلي :
    أ - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » من صام رمضان إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدّم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه « .
    ب - وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : » كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يبشّر أصحابه بقدوم رمضان ، يقول : قد جاءكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، كتب اللّه عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنّة ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغلّ فيه الشّياطين ، فيه ليلة خير من ألف شهر « .
    ج - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » إنّ في الجنّة باباً ، يقال له : الرّيّان ، يدخل منه الصّائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال : أين الصّائمون ؟ فيقومون ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق ، فلم يدخل منه أحد « .
    د - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثمّ انسلخ قبل أن يغفر له « .
    حكمة الصّوم :
    7 - تتجلّى حكمة الصّوم فيما يلي :
    أ - أنّ الصّوم وسيلة إلى شكر النّعمة ، إذ هو كفّ النّفس عن الأكل والشّرب والجماع ، وإنّها من أجلّ النّعم وأعلاها ، والامتناع عنها زماناً معتبراً يعرّف قدرها ، إذ النّعم مجهولة، فإذا فقدت عرفت ، فيحمله ذلك على قضاء حقّها بالشّكر ، وشكر النّعم فرض عقلاً وشرعاً، وإليه أشار الرّبّ سبحانه وتعالى بقوله في آية الصّيام : { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
    ب - أنّ الصّوم وسيلة إلى التّقوى ، لأنّه إذا انقادت نفس للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضاة اللّه تعالى ، وخوفاً من أليم عقابه ، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام ، فكان الصّوم سبباً لاتّقاء محارم اللّه تعالى ، وإنّه فرض ، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى في آخر آية الصّوم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
    ج - أنّ في الصّوم قهر الطّبع وكسر الشّهوة ، لأنّ النّفس إذا شبعت تمنّت الشّهوات ، وإذا جاعت امتنعت عمّا تهوى ، ولذا قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » يا معشر الشّباب : من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ، فإنّه أغضّ للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم ، فإنّه له وجاء « فكان الصّوم ذريعةً إلى الامتناع عن المعاصي .
    د - أنّ الصّوم موجب للرّحمة والعطف على المساكين ، فإنّ الصّائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ، ذكر من هذا حاله في جميع الأوقات ، فتسارع إليه الرّقّة عليه ، والرّحمة به ، بالإحسان إليه ، فينال بذلك ما عند اللّه تعالى من حسن الجزاء .
    هـ - في الصّوم موافقة الفقراء ، بتحمّل ما يتحمّلون أحياناً ، وفي ذلك رفع حاله عند اللّه تعالى .
    و - في الصّوم قهر للشّيطان ، فإنّ وسيلته إلى الإضلال والإغواء : الشّهوات ، وإنّما تقوى الشّهوات بالأكل والشّرب ، ولذلك جاء في حديث صفيّة رضي الله عنها قوله - عليه الصلاة والسلام - : » إنّ الشّيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدّم ، فضيّقوا مجاريه بالجوع « .
    أنواع الصّوم :
    8 - ينقسم الصّوم إلى صوم عين ، وصوم دين .
    وصوم العين : ماله وقت معيّن :
    أ - إمّا بتعيين اللّه تعالى ، كصوم رمضان ، وصوم التّطوّع خارج رمضان ، لأنّ خارج رمضان متعيّن للنّفل شرعاً .
    ب - وإمّا بتعيين العبد ، كالصّوم المنذور به في وقت بعينه .
    وأمّا صوم الدّين ، فما ليس له وقت معيّن ، كصوم قضاء رمضان ، وصوم كفّارة القتل والظّهار واليمين والإفطار في رمضان ، وصوم متعة الحجّ ، وصوم فدية الحلق ، وصوم جزاء الصّيد ، وصوم النّذر المطلق عن الوقت ، وصوم اليمين ، بأن قال : واللّه لأصومنّ شهراً .
    الصّوم المفروض :
    ينقسم الصّوم المفروض من العين والدّين ، إلى قسمين :
    منه ما هو متتابع ، ومنه ما هو غير متتابع ، بل صاحبه بالخيار : إن شاء تابع ، وإن شاء فرّق .
    أوّلاً : ما يجب فيه التّتابع ، ويشمل ما يلي :
    9 - أ - صوم رمضان ، فقد أمر اللّه تعالى بصوم الشّهر بقوله سبحانه : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } والشّهر متتابع ، لتتابع أيّامه ، فيكون صومه متتابعا ضرورةً .
    ب - صوم كفّارة القتل الخطأ ، وصوم كفّارة الظّهار ، والصّوم المنذور به في وقت بعينه ، وصوم كفّارة الجماع في نهار رمضان .
    وتفصيله في مصطلح : ( تتابع ) .
    ثانياً : ما لا يجب فيه التّتابع ، ويشمل ما يلي :
    10 - أ - قضاء رمضان ، فمذهب الجمهور عدم اشتراط التّتابع فيه ، لقوله تعالى : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فإنّه ذكر الصّوم مطلقاً عن التّتابع .
    ويروى عن جماعة من الصّحابة ، منهم : عليّ ، وابن عبّاس ، وأبو سعيد ، وعائشة ، رضي الله تعالى عنهم أنّهم قالوا : إن شاء تابع ، وإن شاء فرّق .
    ولو كان التّتابع شرطاً ، لما احتمل الخفاء على هؤلاء الصّحابة ، ولما احتمل مخالفتهم إيّاه. ومذهب الجمهور هو : ندب التّتابع أو استحبابه للمسارعة إلى إسقاط الفرض .
    وروي عن مجاهد أنّه يشترط تتابعه لأنّ القضاء يكون على حسب الأداء ، والأداء وجب متتابعاً ، فكذا القضاء .
    ب - الصّوم في كفّارة اليمين ، وفي تتابعه خلاف ، وتفصيله في مصطلح : ( تتابع ) .
    ج - صوم المتعة في الحجّ ، وصوم كفّارة الحلق ، وصوم جزاء الصّيد ، وصوم النّذر المطلق ، وصوم اليمين المطلقة .
    قال اللّه - عزّ وجلّ - في صوم المتعة : { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ } .
    وقال في كفّارة الحلق : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } .
    وقال في جزاء الصّيد : { أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } .
    فذكر الصّوم في هذه الآيات مطلقاً عن شرط التّتابع .
    وكذا : النّاذر ، والحالف في النّذر المطلق ، واليمين المطلقة ، ذكر الصّوم فيها مطلقاً عن شرط التّتابع .
    وللتّفصيل انظر مصطلح : ( نذر ، وأيمان ) .
    الصّوم المختلف في وجوبه ، ويشمل ما يلي :
    الأوّل : وهو قضاء ما أفسده من صوم النّفل :
    11 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ قضاء نفل الصّوم إذا أفسده واجب ، واستدلّ له الحنفيّة : بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : » كنت أنا وحفصة صائمتين ، فعرض لنا طعام اشتهيناه ، فأكلنا منه . فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة - وكانت ابنة أبيها - فقالت يا رسول اللّه : إنّا كنّا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه قال : اقضيا يوماً آخر مكانه « .
    وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه خرج يوماً على أصحابه ، فقال : إنّي أصبحت صائماً ، فمرّت بي جارية لي ، فوقعت عليها ، فما ترون ؟ فقال عليّ : أصبت حلالاً ، وتقضي يوماً مكانه ، كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . قال عمر : أنت أحسنهم فتيا .
    ولأنّ ما أتى به قربةً ، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان ، وقضاؤه عند الإفساد ، لقوله تعالى : { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ولا يمكن ذلك إلاّ بإتيان الباقي ، فيجب إتمامه وقضاؤه عند الإفساد ضرورةً ، فصار كالحجّ والعمرة المتطوّعين .
    والحنفيّة لا يختلفون في وجوب القضاء إذا فسد صوم النّافلة عن قصد ، أو غير قصد بأن عرض الحيض للصّائمة المتطوّعة .
    وإنّما اختلفوا في الإفساد نفسه ، هل يباح أو لا ؟ فظاهر الرّواية ، أنّه لا يباح إلاّ بعذر ، وهذه الرّواية الصّحيحة .
    وفي رواية أخرى ، هي رواية المنتقى : يباح بلا عذر ، واستوجهها الكمال إذ قال : واعتقادي أنّ رواية المنتقى أوجه لكن قيّدت بشرط أن يكون من نيّته القضاء .
    واختلفوا - على ظاهر الرّواية - هل الضّيافة عذر أو لا ؟ .
    قال في الدّرّ : والضّيافة عذر ، إن كان صاحبها ممّن لا يرضى بمجرّد حضوره ، ويتأذّى بترك الإفطار ، فيفطر ، وإلاّ لا ، هذا هو الصّحيح من المذهب ، حتّى لو حلف عليه رجل بالطّلاق الثّلاث ، أفطر ولو كان صومه قضاءً ، ولا يحنّثه على المعتمد .
    وقيل : إن كان صاحب الطّعام يرضى بمجرّد حضوره ، وإن لم يأكل ، لا يباح له الفطر . وإن كان يتأذّى بذلك يفطر .
    وهذا إذا كان قبل الزّوال ، أمّا بعده فلا ، إلاّ لأحد أبويه إلى العصر ، لا بعده .
    والمالكيّة أوجبوا القضاء بالفطر العمد الحرام ، احترازاً عن الفطر نسياناً أو إكراهاً ، أو بسبب الحيض والنّفاس ، أو خوف مرض أو زيادته ، أو شدّة جوع أو عطش ، حتّى لو أفطر لحلف شخص عليه بطلاق باتّ ، فلا يجوز الفطر ، وإن أفطر قضى .
    واستثنوا ما إذا كان لفطره وجه :
    كأن حلف بطلاقها ، ويخشى أن لا يتركها إن حنث ، فيجوز الفطر ولا قضاء .
    أو أن يأمره أبوه أو أمّه بالفطر ، حناناً وإشفاقاً عليه من إدامة الصّوم ، فيجوز له الفطر ، ولا قضاء عليه .
    أو يأمره أستاذه أو مربّيه بالإفطار ، وإن لم يحلف الوالدان أو الشّيخ .
    12 - والشّافعيّة والحنابلة ، لا يوجبون إتمام نافلة الصّوم ، ولا يوجبون قضاءها إن فسدت، وذلك لقول عائشة رضي الله تعالى عنها : » يا رسول اللّه ، أهدي إلينا حيس فقال: أرنيه فلقد أصبحت صائماً . فأكل « وزاد النّسائيّ : » إنّما مثل صوم المتطوّع مثل الرّجل يخرج من ماله الصّدقة ، فإن شاء أمضاها ، وإن شاء حبسها « .
    ولحديث أمّ هانئ رضي الله تعالى عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل عليها ، فدعا بشراب فشرب ، ثمّ ناولها فشربت ، فقالت : يا رسول اللّه ، أما إنّي كنت صائمةً ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » الصّائم المتطوّع أمين نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر « وفي رواية : » أمير نفسه « .
    ولحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال : صنعت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم طعاماً ، فأتاني هو وأصحابه ، فلمّا وضع الطّعام قال رجل من القوم : إنّي صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » دعاكم أخوكم ، وتكلّف لكم . ثمّ قال له : أفطر ، وصم مكانه يوماً إن شئت « .
    ولأنّ القضاء يتبع المقضيّ عنه ، فإذا لم يكن واجباً ، لم يكن القضاء واجباً ، بل يستحبّ . ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّ من شرع في نافلة صوم لم يلزمه الإتمام ، لكن يستحبّ ، ولا كراهة ولا قضاء في قطع صوم التّطوّع مع العذر .
    أمّا مع عدم العذر فيكره ، لقوله تعالى : { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .
    ومن العذر أن يعزّ على من ضيّفه امتناعه من الأكل .
    وإذا أفطر فإنّه لا يثاب على ما مضى إن أفطر بغير عذر ، وإلاّ أثيب .
    الثّاني : صوم الاعتكاف ، وفيه خلاف ، وتفصيله في مصطلح : ( اعتكاف ج 5 ف 17 ) .
    صوم التّطوّع :
    13 - وهو :
    أ - صوم يوم عاشوراء .



    ب - صوم يوم عرفة .
    ج - صوم يوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع .
    د - صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، وهي الأيّام البيض .
    هـ- صيام ستّة أيّام من شوّال .
    و- صوم شهر شعبان .
    ز- صوم شهر المحرّم .
    ح- صوم شهر رجب .
    ط- صيام ما ثبت طلبه والوعد عليه في السّنّة الشّريفة .
    وتفصيل أحكام هذا الصّوم في مصطلح : ( صوم التّطوّع ) .
    الصّوم المكروه ، ويشمل ما يلي :
    أ - إفراد يوم الجمعة بالصّوم :
    14 - نصّ على كراهته الجمهور ، وقد ورد فيه حديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : » لا تصوموا يوم الجمعة ، إلاّ وقبله يوم ، أو بعده يوم « ، وفي رواية : » إنّ يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم ، إلاّ أن تصوموا قبله أو بعده « .
    وورد في حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » لا تصوموا يوم الجمعة وحده « .
    وذكر في الخانيّة أنّه لا بأس بصوم يوم الجمعة عند أبي حنيفة ومحمّد ، لما روي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه كان يصومه ولا يفطر ، وظاهر هذا أنّ المراد - بلا بأس- الاستحباب ، وقد صرّح الحصكفيّ بندب صومه ، ولو منفرداً .
    وكذا الدّردير صرّح بندب صومه وحده فقط ، لا قبله ولا بعده وهو المذهب عند المالكيّة ، وقال : فإن ضمّ إليه آخر فلا خلاف في ندبه .
    وقال الطّحطاويّ : ثبت في السّنّة طلب صومه، والنّهي عنه ، والأخير منهما : النّهي .
    وقال أبو يوسف : جاء حديث في كراهة صومه ، إلاّ أن يصوم قبله أو بعده ، فكان الاحتياط في أن يضمّ إليه يوماً آخر .
    قال الشّوكانيّ : فمطلق النّهي عن صومه مقيّد بالإفراد .
    وتنتفي الكراهة بضمّ يوم آخر إليه ، لحديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة ، وهي صائمة ، فقال : أصمت أمس ؟ قالت : لا . قال : تريدين أن تصومي غداً ؟ قالت : لا . قال : فأفطري « .
    ب – صوم يوم السّبت وحده خصوصاً :
    15 - وهو متّفق على كراهته ، وقد ورد فيه حديث عبد اللّه بن بسر ، عن أخته ، واسمها الصّمّاء رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » لا تصوموا يوم السّبت إلاّ فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلاّ لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه « ووجه الكراهة أنّه يوم تعظّمه اليهود ، ففي إفراده بالصّوم تشبّه بهم ، إلاّ أن يوافق صومه بخصوصه يوماً اعتاد صومه ، كيوم عرفة أو عاشوراء .
    ج - صوم يوم الأحد بخصوصه :
    16 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ تعمّد صوم يوم الأحد بخصوصه مكروه ، إلاّ إذا وافق يوماً كان يصومه ، واستظهر ابن عابدين أنّ صوم السّبت والأحد معاً ليس فيه تشبّه باليهود والنّصارى ، لأنّه لم تتّفق طائفة منهم على تعظيمهما ، كما لو صام الأحد مع الاثنين، فإنّه تزول الكراهة ، ويستظهر من نصّ الحنابلة أنّه يكره صيام كلّ عيد لليهود والنّصارى أو يوم يفردونه بالتّعظيم إلاّ أن يوافق عادةً للصّائم .
    د - إفراد يوم النّيروز بالصّوم :
    17 - يكره إفراد يوم النّيروز ، ويوم المهرجان بالصّوم ، وذلك لأنّهما يومان يعظّمهما الكفّار ، وهما عيدان للفرس ، فيكون تخصيصهما بالصّوم - دون غيرهما - موافقةً لهم في تعظيمهما ، فكره ، كيوم السّبت .
    وعلى قياس هذا كلّ عيد للكفّار ، أو يوم يفردونه بالتّعظيم ونصّ ابن عابدين على أنّ الصّائم إذا قصد بصومه التّشبّه ، كانت الكراهة تحريميّةً .
    هـ – صوم الوصال :
    18 – ذهب جمهور الفقهاء – الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول – إلى كراهة صوم الوصال ، وهو : أن لا يفطر بعد الغروب أصلاً ، حتّى يتّصل صوم الغد بالأمس ، فلا يفطر بين يومين ، وفسّره بعض الحنفيّة بأن يصوم السّنة ولا يفطر في الأيّام المنهيّة . وإنّما كره ، لما روي عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قال : » واصل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فواصل النّاس .. فنهاهم ، قيل له : إنّك تواصل ، قال : إنّي لست مثلكم ، إنّي أطعم وأسقى « .
    والنّهي وقع رفقاً ورحمةً ، ولهذا واصل النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
    وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها ، وكذا بمجرّد الشّرب لانتفاء الوصال .
    ولا يكره الوصال إلى السّحر عند الحنابلة ، لحديث أبي سعيد - رضي الله عنه - مرفوعاً : » فأيّكم إذا أراد أن يواصل ، فليواصل حتّى السّحر « ولكنّه ترك سنّةً ، وهي : تعجيل الفطر ، فترك ذلك أولى محافظةً على السّنّة .
    وعند الشّافعيّة قولان : الأوّل وهو الصّحيح : بأنّ الوصال مكروه كراهة تحريم ، وهو ظاهر نصّ الشّافعيّ رحمه الله ، والثّاني : يكره كراهة تنزيه .
    و - صوم الدّهر - صوم العمر - :
    19 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة - على وجه العموم إلى كراهة صوم الدّهر ، وعلّلت الكراهة بأنّه يضعف الصّائم عن الفرائص والواجبات والكسب الّذي لا بدّ منه ، أو بأنّه يصير الصّوم طبعاً له ، ومبنى العبادة على مخالفة العادة. واستدلّ للكراهة ، بحديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » لا صام من صام الأبد « .
    وفي حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - قال : » قال عمر : يا رسول اللّه ، كيف بمن يصوم الدّهر كلّه ؟ قال : لا صام ولا أفطر ، أو لم يصم ولم يفطر « أي : لم يحصّل أجر الصّوم لمخالفته ، ولم يفطر لأنّه أمسك .
    وقال الغزاليّ : هو مسنون .
    وقال الأكثرون من الشّافعيّة : إن خاف منه ضرراً ، أو فوّت به حقّاً كره ، وإلاّ فلا .
    والمراد بصوم الدّهر عند الشّافعيّة : سرد الصّوم في جميع الأيّام إلاّ الأيّام الّتي لا يصحّ صومها وهي : العيدان وأيّام التّشريق .


    hgoghwm td Hp;hl hgw,l td hgtri hgYsghld


  2. #2
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    الصّوم المحرّم :
    20 - ذهب الجمهور إلى تحريم صوم الأيّام التّالية :
    أ - صوم يوم عيد الفطر ، ويوم عيد الأضحى ، وأيّام التّشريق ، وهي : ثلاثة أيّام بعد يوم النّحر .
    وذلك لأنّ هذه الأيّام منع صومها لحديث أبي سعيد - رضي الله عنه - : » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين : يوم الفطر ، ويوم النّحر « .
    وحديث نبيشة الهذليّ - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » أيّام التّشريق أيّام أكل وشرب ، وذكر اللّه - عزّ وجلّ - « .
    وذهب الحنفيّة إلى جواز الصّوم فيها مع الكراهة التّحريميّة ، لما في صومها من الإعراض عن ضيافة اللّه تعالى ، فالكراهة ليست لذات اليوم ، بل لمعنىً خارج مجاور ، كالبيع عند الأذان يوم الجمعة ، حتّى لو نذر صومها صحّ ، ويفطر وجوباً تحامياً عن المعصية ، ويقضيها إسقاطاً للواجب ، ولو صامها خرج عن العهدة ، مع الحرمة .
    وصرّح الحنابلة بأنّ صومها لا يصحّ فرضاً ولا نفلاً ، وفي رواية عن أحمد أنّه يصومها عن الفرض .
    واستثنى المالكيّة والحنابلة في رواية : صوم أيّام التّشريق عن دم المتعة والقران ، ونقل المرداويّ أنّها المذهب ، لقول ابن عمر وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - لم يرخّص في أيّام التّشريق أن يصمن إلاّ لمن لم يجد الهدي .
    وهذا هو القديم عند الشّافعيّة ، والأصحّ الّذي اختاره النّوويّ ما في الجديد وهو : عدم صحّة الصّوم فيها مطلقاً .
    قال الغزاليّ : وأمّا صوم يوم النّحر ، فقطع الشّافعيّ - رحمه الله تعالى - ببطلانه ، لأنّه لم يظهر انصراف النّهي عن عينه ووصفه ، ولم يرتض قولهم : إنّه نهى عنه ، لما فيه من ترك إجابة الدّعوة بالأكل .
    ب - ويحرم صيام الحائض والنّفساء ، وصيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه .
    ثبوت هلال شهر رمضان :
    21 - يجب صوم رمضان بإكمال شعبان ثلاثين يوماً اتّفاقاً ، أو رؤية الهلال ليلة الثّلاثين ، وفي ثبوت الرّؤية خلاف بين الفقهاء ينظر في مصطلح : ( رؤية ف 2 ، ورمضان ف 2 ).
    صوم من رأى الهلال وحده :
    22 - من رأى هلال رمضان وحده ، وردّت شهادته ، لزمه الصّوم وجوباً ، عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو مشهور مذهب أحمد ، وذلك : للآية الكريمة، وهي قوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
    ولحديث : » صوموا لرؤيته « .
    وحديث : » الصّوم يوم تصومون ، والفطر يوم تفطرون « .
    ولأنّه تيقّن أنّه من رمضان ، فلزمه صومه ، كما لو حكم به الحاكم .
    وروي عن أحمد : أنّه لا يصوم إلاّ في جماعة من النّاس .
    وقيل : يصوم ندباً احتياطاً ، كما ذكره الكاسانيّ .
    وقال المالكيّة : إن أفطر فعليه القضاء ، وإذا اعتقد عدم وجوب الصّوم عليه كغيره لجهله فقولان عندهم في وجوب الكفّارة ، لأنّه ليس بعد العيان بيان ، أو عدم وجوب الكفّارة ، بسبب عدم وجوب الصّوم على غيره .
    23 - وإن رأى هلال شوّال وحده ، لم يفطر عند الجمهور ، خوف التّهمة وسدّاً للذّريعة ، وقيل : يفطر إن خفي له ذلك ، وقال أشهب : ينوي الفطر بقلبه ، وعلى المذهب - وقول الجمهور الّذين منهم المالكيّة - إن أفطر فليس عليه شيء فيما بينه وبين اللّه تعالى ، فإن عثر عليه عوقب إن اتّهم ، ولا كفّارة ، كما نصّ عليه الحنفيّة ، لشبهة الرّدّ .
    وقال الشّافعيّ : له أن يفطر ، لأنّه تيقّن من شوّال ، فجاز له الأكل كما لو قامت بيّنة لكن يفطر سرّاً ، بحيث لا يراه أحد ، لأنّه إذا أظهر الفطر عرّض نفسه للتّهمة ، وعقوبة السّلطان .
    وقال الحنفيّة : لو أفطر من رأى الهلال وحده في الوقتين : رمضان وشوّال قضى ولا كفّارة عليه ، لأنّه بردّ شهادته في رمضان ، صار مكذّباً شرعاً ، ولو كان فطره قبل ما ردّ القاضي شهادته لا كفّارة عليه في الصّحيح الرّاجح ، لقيام الشّبهة ، لأنّ ما رآه يحتمل أن يكون خيالاً ، لا هلالاً - كما يقول الحصكفيّ - .
    وقيل : تجب الكفّارة فيهما - أي في الفطر وفي رمضان - وذلك للظّاهر بين النّاس في الفطر ، وللحقيقة الّتي عنده في رمضان .
    ركن الصّوم :
    24 - ركن الصّوم باتّفاق الفقهاء هو : الإمساك عن المفطرات ، وذلك من طلوع الفجر الصّادق ، حتّى غروب الشّمس .
    ودليله قوله تعالى : { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } .
    والمراد من النّصّ : بياض النّهار وظلمة اللّيل ، لا حقيقة الخيطين ، فقد أباح اللّه تعالى هذه الجملة من المفطرات ليالي الصّيام ، ثمّ أمر بالإمساك عنهنّ في النّهار ، فدلّ على أنّ حقيقة الصّوم وقوامه هو ذلك الإمساك .
    شروط وجوب الصّوم :
    25 - شروط وجوب الصّوم ، أي : اشتغال الذّمّة بالواجب - كما يقول الكاسانيّ - هي شروط افتراضه والخطاب به . وهي :
    أ - الإسلام ، وهو شرط عامّ للخطاب بفروع الشّريعة .
    ب - العقل ، إذ لا فائدة من توجّه الخطاب بدونه ، فلا يجب الصّوم على مجنون إلاّ إذا أثم بزوال عقله ، في شراب أو غيره ، ويلزمه قضاؤه بعد الإفاقة .
    وعبّر الحنفيّة بالإفاقة بدلاً من العقل ، أي الإفاقة من الجنون والإغماء أو النّوم ، وهي اليقظة .
    ج - البلوغ ، ولا تكليف إلاّ به ، لأنّ الغرض من التّكليف هو الامتثال ، وذلك بالإدراك والقدرة على الفعل - كما هو معلوم في الأصول - والصّبا والطّفولة عجز .
    ونصّ الفقهاء على أنّه يؤمر به الصّبيّ لسبع - كالصّلاة - إن أطاقه ، ويضرب على تركه لعشر .
    والحنابلة قالوا : يجب على وليّه أمره بالصّوم إذا أطاقه ، وضربه حينئذ إذا تركه ليعتاده ، كالصّلاة ، إلاّ أنّ الصّوم أشقّ ، فاعتبرت له الطّاقة ، لأنّه قد يطيق الصّلاة من لا يطيق الصّوم .
    د - العلم بالوجوب ، فمن أسلم في دار الحرب ، يحصل له العلم الموجب ، بإخبار رجلين عدلين ، أو رجل مستور وامرأتين مستورتين ، أو واحد عدل ، ومن كان مقيماً في دار الإسلام ، يحصل له العلم بنشأته في دار الإسلام ، ولا عذر له بالجهل .
    شروط وجوب أدائه :
    26 - شروط وجوب الأداء الّذي هو تفريغ ذمّة المكلّف عن الواجب في وقته المعيّن له هي:
    أ - الصّحّة والسّلامة من المرض ، لقوله تعالى : { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
    ب - الإقامة ، للآية نفسها . قال ابن جزيّ : وأمّا الصّحّة والإقامة ، فشرطان في وجوب الصّيام ، لا في صحّته ، ولا في وجوب القضاء ، فإنّ وجوب الصّوم يسقط عن المريض والمسافر ، ويجب عليهما القضاء ، إن أفطرا إجماعاً ، ويصحّ صومهما إن صاما .
    ج - خلوّ المرأة من الحيض والنّفاس ، لأنّ الحائض والنّفساء ليستا أهلاً للصّوم ، ولحديث عائشة رضي الله تعالى عنها لمّا سألتها معاذة : » ما بال الحائض ، تقضي الصّوم ولا تقضي الصّلاة ؟ فقالت : أحروريّة أنت ؟ قلت : لست بحروريّة ، ولكنّي أسأل ، قالت : كان يصيبنا ذلك ، فنؤمر بقضاء الصّوم ، ولا نؤمر بقضاء الصّلاة « .
    فالأمر بالقضاء فرع وجوب الأداء .
    والإجماع منعقد على منعهما من الصّوم ، وعلى وجوب القضاء عليهما .
    شروط صحّة الصّوم :
    27 - شروط صحّة الصّوم هي :
    أ - الطّهارة من الحيض والنّفاس ، وقد عدّها بعض الفقهاء من شروط الصّحّة ، كالكمال من الحنفيّة ، وابن جزيّ من المالكيّة .
    وعدّها بعضهم من شروط وجوب الأداء ، وشروط الصّحّة معاً .
    ب - خلوّه عمّا يفسد الصّوم بطروّه عليه كالجماع .
    ج - النّيّة . وذلك لأنّ صوم رمضان عبادة ، فلا يجوز إلاّ بالنّيّة ، كسائر العبادات . ولحديث : » إنّما الأعمال بالنّيّات « .
    والإمساك قد يكون للعادة ، أو لعدم الاشتهاء ، أو للمرض ، أو للرّياضة ، فلا يتعيّن إلاّ بالنّيّة ، كالقيام إلى الصّلاة والحجّ .
    قال النّوويّ : لا يصحّ الصّوم إلاّ بنيّة ، ومحلّها القلب ، ولا يشترط النّطق بها ، بلا خلاف . وقال الحنفيّة : التّلفّظ بها سنّة .
    صفة النّيّة :
    صفة النّيّة ، أن تكون جازمةً ، معيّنةً ، مبيّتةً ، مجدّدةً ، على ما يلي :
    28 - أوّلاً : الجزم ، فقد اشترط في نيّة الصّوم ، قطعاً للتّردّد ، حتّى لو نوى ليلة الشّكّ ، صيام غد ، إن كان من رمضان لم يجزه ، ولا يصير صائماً لعدم الجزم ، فصار كما إذا نوى أنّه إن وجد غداءً غداً يفطر ، وإن لم يجد يصوم .
    ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إن قال : إن كان غداً من رمضان فهو فرضي ، وإلاّ فهو نفل ، أو فأنا مفطر ، لم يصحّ صومه ، إن ظهر أنّه من رمضان ، لعدم جزمه بالنّيّة .
    وإن قال ذلك ليلة الثّلاثين من رمضان ، صحّ صومه إن بان منه ، لأنّه مبنيّ على أصل لم يثبت زواله ، ولا يقدح تردّده ، لأنّه حكم صومه مع الجزم . بخلاف ما إذا قاله ليلة الثّلاثين من شعبان ، لأنّه لا أصل معه يبني عليه ، بل الأصل بقاء شعبان .
    29 - ثانياً : التّعيين ، والجمهور من الفقهاء ذهبوا إلى أنّه لا بدّ من تعيين النّيّة في صوم رمضان ، وصوم الفرض والواجب ، ولا يكفي تعيين مطلق الصّوم ، ولا تعيين صوم معيّن غير رمضان .
    وكمال النّيّة - كما قال النّوويّ - : أن ينوي صوم غد ، عن أداء فرض رمضان هذه السّنة للّه تعالى .
    وإنّما اشترط التّعيين في ذلك ، لأنّ الصّوم عبادة مضافة إلى وقت ، فيجب التّعيين في نيّتها، كالصّلوات الخمس ، ولأنّ التّعيين مقصود في نفسه ، فيجزئ التّعيين عن نيّة الفريضة في الفرض ، والوجوب في الواجب .
    وذهب الحنفيّة في التّعيين إلى تقسيم الصّيام إلى قسمين :
    القسم الآول : لا يشترط فيه التّعيين ، وهو : أداء رمضان ، والنّذر المعيّن زمانه ، وكذا النّفل ، فإنّه يصحّ بمطلق نيّة الصّوم ، من غير تعيين .
    وذلك لأنّ رمضان معيار - كما يقول الأصوليّون - وهو مضيق ، لا يسع غيره من جنسه وهو الصّوم ، فلم يشرع فيه صوم آخر ، فكان متعيّناً للفرض ، والمتعيّن لا يحتاج إلى تعيين ، والنّذر المعيّن معتبر بإيجاب اللّه تعالى ، فيصاب كلّ منهما بمطلق النّيّة ، وبأصلها، وبنيّة نفل ، لعدم المزاحم كما يقول الحصكفيّ .
    وكلّ يوم معيّن للنّفل - كما سيأتي - ما عدا رمضان ، والأيّام المحرّم صومها ، وما يعيّنه المكلّف بنفسه ، فكلّ ذلك متعيّن ، ولا يحتاج إلى التّعيين .
    والقسم الثّاني : يشترط فيه التّعيين ، وهو : قضاء رمضان ، وقضاء ما أفسده من النّفل ، وصوم الكفّارات بأنواعها ، والنّذر المطلق عن التّقييد بزمان ، سواء أكان معلّقاً بشرط ، أم كان مطلقاً ، لأنّه ليس له وقت معيّن ، فلم يتّأد إلاّ بنيّة مخصوصة ، قطعاً للمزاحمة .
    30 - ثالثاً - التّبييت : وهو شرط في صوم الفرض عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والتّبييت : إيقاع النّيّة في اللّيل ، ما بين غروب الشّمس إلى طلوع الفجر ، فلو قارن الغروب أو الفجر أو شكّ ، لم يصحّ ، كما هو قضيّة التّبييت .
    وفي قول للمالكيّة ، يصحّ لو قارنت الفجر ، كما في تكبيرة الإحرام ، لأنّ الأصل في النّيّة المقارنة للمنويّ .
    ويجوز أن تقدّم من أوّل اللّيل ، ولا تجوز قبل اللّيل .
    وذلك لحديث ابن عمر ، عن حفصة رضي الله تعالى عنهم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » من لم يجمع الصّيام قبل الفجر ، فلا صيام له « .
    ولأنّ صوم القضاء والكفّارات ، لا بدّ لها من تبييت النّيّة ، فكذا كلّ صوم فرض معيّن .
    ولا تجزئ بعد الفجر ويجزئ مع طلوع الفجر إن اتّفق ذلك ، وإن روى ابن عبد الحكم أنّها لا تجزئ مع الفجر ، وكلام القرافيّ وآخرين يفيد أنّ الأصل كونها مقارنةً للفجر ، ورخّص تقدّمها عليه للمشقّة في مقارنتها له .
    والصّحيح عند الشّافعيّة والحنابلة : أنّه لا يشترط في التّبييت النّصف الآخر من اللّيل ، لإطلاقه في الحديث ، ولأنّ تخصيص النّيّة بالنّصف الأخير يفضي إلى تفويت الصّوم ، لأنّه وقت النّوم ، وكثير من النّاس لا ينتبه فيه ، ولا يذكر الصّوم ، والشّارع إنّما رخّص في تقديم النّيّة على ابتدائه ، لحرج اعتبارها عنده ، فلا يخصّها بمحلّ لا تندفع المشقّة بتخصيصها به ، ولأنّ تخصيصها بالنّصف الأخير تحكّم من غير دليل ، بل تقرّب النّيّة من العبادة ، لمّا تعذّر اقترانها بها .
    والصّحيح أيضاً : أنّه لا يضرّ الأكل والجماع بعد النّيّة ما دام في اللّيل ، لأنّه لم يلتبس بالعبادة ، وقيل : يضرّ فتحتاج إلى تجديدها ، تحرّزاً عن تخلّل المناقض بينها وبين العبادة ، لمّا تعذّر اقترانها بها .
    والصّحيح أيضاً : أنّه لا يجب التّجديد لها إذا نام بعدها ، ثمّ تنبّه قبل الفجر ، وقيل : يجب ، تقريباً للنّيّة من العبادة بقدر الوسع .
    والحنفيّة لم يشترطوا التّبييت في رمضان . ولمّا لم يشترطوا تبييت النّيّة في ليل رمضان ، أجازوا النّيّة بعد الفجر دفعاً للحرج أيضاً ، حتّى الضّحوة الكبرى ، فينوي قبلها ليكون الأكثر منويّاً ، فيكون له حكم الكلّ ، حتّى لو نوى بعد ذلك لا يجوز ، لخلوّ الأكثر عن النّيّة ، تغليباً للأكثر .
    والضّحوة الكبرى : نصف النّهار الشّرعيّ ، وهو من وقت طلوع الفجر إلى غروب الشّمس. وقال الحنفيّة ، منهم الموصليّ : والأفضل الصّوم بنيّة معيّنة مبيّتة للخروج عن الخلاف . ودليل الحنفيّة على ما ذهبوا إليه ، من صحّة النّيّة حتّى الضّحوة الكبرى ، وعدم شرطيّة التّبييت : حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : » أنّ النّاس أصبحوا يوم الشّكّ ، فقدم أعرابيّ ، وشهد برؤية الهلال ، فقال صلى الله عليه وسلم : أتشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّي رسول اللّه ؟ فقال : نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام : اللّه أكبر ، يكفي المسلمين أحدهم ، فصام وأمر بالصّيام ، وأمر منادياً فنادى : ألا من أكل فلا يأكل بقيّة يومه ، ومن لم يأكل فليصم « .
    فقد أمر بالصّوم ، وأنّه يقتضي القدرة على الصّوم الشّرعيّ ، ولو شرطت النّيّة من اللّيل لما كان قادراً عليه ، فدلّ على عدم اشتراطها .
    واستدلّوا أيضاً ، بما ورد في الحديث : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار : من أصبح مفطراً فليتمّ بقيّة يومه ، ومن أصبح صائماً فليصم« . وكان صوم عاشوراء واجباً ، ثمّ نسخ بفرض رمضان .
    واشترط الحنفيّة تبييت النّيّة في صوم الكفّارات والنّذور المطلقة وقضاء رمضان .
    31 - أمّا النّفل فيجوز صومه عند الجمهور - خلافاً للمالكيّة - بنيّة قبل الزّوال ، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : » دخل عليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فقال: هل عندكم شيء ؟ ، فقلنا : لا فقال : فإنّي إذن صائم « .
    ولأنّ النّفل أخفّ من الفرض ، والدّليل عليه : أنّه يجوز ترك القيام في النّفل مع القدرة ، ولا يجوز في الفرض .
    وعند بعض الشّافعيّة يجوز بنيّة بعد الزّوال ، والمذهب في القديم والجديد : لا يجوز ، لأنّ النّيّة لم تصحب معظم العبادة .
    ومذهب المالكيّة : أنّه يشترط في صحّة الصّوم مطلقاً ، فرضاً أو نفلاً ، نيّة مبيّتة ، وذلك لإطلاق الحديث المتقدّم : » من لم يجمع الصّيام من اللّيل ، فلا صيام له « .
    ومذهب الحنابلة جواز النّيّة في النّفل ، قبل الزّوال وبعده ، واستدلّوا بحديث عائشة ، وحديث صوم يوم عاشوراء ، وأنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم وأنّه لم ينقل عن أحد من الصّحابة ما يخالفه صريحاً ، والنّيّة وجدت في جزء من النّهار ، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظه .
    ويشترط لجواز نيّة النّفل في النّهار عند الحنابلة : أن لا يكون فعل ما يفطره قبل النّيّة ، فإن فعل فلا يجزئه الصّوم ، قال البهوتيّ : بغير خلاف نعلمه ، قاله في الشّرح ، لكن خالف فيه أبو زيد الشّافعيّ .
    وعند الشّافعيّة وجهان في اعتبار الثّواب : من أوّل النّهار ، أم من وقت النّيّة ؟ أصحّهما عند الأكثرين : أنّه صائم من أوّل النّهار ، كما إذا أدرك الإمام في الرّكوع ، يكون مدركاً لثواب جميع الرّكعة ، فعلى هذا يشترط جميع شروط الصّوم من أوّل النّهار .
    32 - رابعاً : تجديد النّيّة : ذهب الجمهور إلى تجديد النّيّة في كلّ يوم من رمضان ، من اللّيل أو قبل الزّوال - على الخلاف السّابق - وذلك : لكي يتميّز الإمساك عبادةً ، عن الإمساك عادةً أو حميةً .
    ولأنّ كلّ يوم عبادة مستقلّة ، لا يرتبط بعضه ببعض ، ولا يفسد بفساد بعض ، ويتخلّلها ما ينافيها ، وهو اللّيالي الّتي يحلّ فيها ما يحرّم في النّهار ، فأشبهت القضاء ، بخلاف الحجّ وركعات الصّلاة .
    وذهب زفر ومالك - وهو رواية عن أحمد - أنّه تكفي نيّة واحدة عن الشّهر كلّه في أوّله ، كالصّلاة . وكذلك في كلّ صوم متتابع ، ككفّارة الصّوم والظّهار ، ما لم يقطعه أو يكن على حاله يجوز له الفطر فيها ، فيلزمه استئناف النّيّة ، وذلك لارتباط بعضها ببعض ، وعدم جواز التّفريق ، فكفت نيّة واحدة ، وإن كانت لا تبطل ببطلان بعضها ، كالصّلاة .
    فعلى ذلك لو أفطر يوماً لعذر أو غيره ، لم يصحّ صيام الباقي بتلك النّيّة ، كما جزم به بعضهم ، وقيل : يصحّ ، وقدّمه بعضهم .
    ويقاس على ذلك النّذر المعيّن ومع ذلك ، فقد قال ابن عبد الحكم - من المالكيّة - : لا بدّ في الصّوم الواجب المتتابع من النّيّة كلّ يوم ، نظراً إلى أنّه كالعبادات المتعدّدة ، من حيث عدم فساد ما مضى منه بفساد ما بعده .
    بل روي عن زفر أنّ المقيم الصّحيح ، لا يحتاج إلى نيّة ، لأنّ الإمساك متردّد بين العادة والعبادة ، فكان متردّداً بأصله متعيّناً بوصفه ، فعلى أيّ وجه أتى به وقع عنه .
    استمرار النّيّة :
    33 - اشترط الفقهاء الدّوام على النّيّة ، فلو نوى الصّيام من اللّيل ثمّ رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر لا يصير صائماً .
    قال الطّحطاويّ : ويشترط الدّوام عليها .
    فلو نوى من اللّيل ، ثمّ رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر ، صحّ رجوعه ولا يصير صائماً ، ولو أفطر لا شيء عليه إلاّ القضاء ، بانقطاع النّيّة بالرّجوع ، فلا كفّارة عليه في رمضان ، لشبهة خلاف من اشترط التّبييت ، إلاّ إذا جدّد النّيّة ، بأن ينوي الصّوم في وقت النّيّة ، تحصيلاً لها ، لأنّ الأولى غير معتبرة ، بسبب الرّجوع عنها .
    ولا تبطل النّيّة بقوله : أصوم غداً إن شاء اللّه ، لأنّه بمعنى الاستعانة ، وطلب التّوفيق والتّيسير . والمشيئة إنّما تبطل اللّفظ ، والنّيّة فعل القلب .
    قال البهوتيّ : وكذا سائر العبادات ، لا تبطل بذكر المشيئة في نيّتها .
    ولا تبطل النّيّة بأكله أو شربه أو جماعه بعدها عند جمهور الفقهاء ،وحكي عن أبي إسحاق بطلانها ، ولو رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر صحّ رجوعه .
    ولو نوى الإفطار في أثناء النّهار فمذهب الحنفيّة والشّافعيّة أنّه لا يفطر ، كما لو نوى التّكلّم في صلاته ولم يتكلّم ، قال البيجوريّ : ويضرّ رفض النّيّة ليلاً ، ولا يضرّ نهاراً .
    وقال المالكيّة والحنابلة : يفطر ، لأنّه قطع نيّة الصّوم بنيّة الإفطار ، فكأنّه لم يأت بها ابتداءً.
    الإغماء والجنون والسّكر بعد النّيّة :
    34 - اختلف الفقهاء فيما إذا نوى الصّيام من اللّيل ، ثمّ طرأ عليه إغماء أو جنون أو سكر، فإن لم يفق إلاّ بعد غروب الشّمس ، فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم صحّة صومه ، لأنّ الصّوم هو الإمساك مع النّيّة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » قال اللّه : كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّوم ، فإنّه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي « فأضاف ترك الطّعام والشّراب إليه ، فإذا كان مغمىً عليه فلا يضاف الإمساك إليه ، فلم يجزئه .
    وذهب الحنفيّة إلى صحّة صومه ، لأنّ نيّته قد صحّت ، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحّة الصّوم ، كالنّوم .
    أمّا إذا أفاق أثناء النّهار ، فذهب الحنفيّة إلى تجديد النّيّة إذا أفاق قبل الزّوال ، وذهب المالكيّة إلى عدم صحّة صومه ، وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا أفاق في أيّ جزء من النّهار صحّ صومه ، سواء أكان في أوّله أم في آخره .
    وفرّق الشّافعيّة بين الجنون والإغماء ، فالمذهب : أنّه لو جنّ في أثناء النّهار بطل صومه ، وقيل : هو كالإغماء .
    وأمّا الرّدّة بعد نيّة الصّوم فتبطل الصّوم بلا خلاف .
    سنن الصّوم ومستحبّاته :
    35 - سنن الصّوم ومستحبّاته كثيرة ، أهمّها :
    أ - السّحور ، وقد ورد فيه حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » تسحّروا فإنّ في السّحور بركةً «

  3. #3
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    ب - تأخير السّحور ، وتعجيل الفطر ، وممّا ورد فيه حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » لا يزال النّاس بخير ما عجّلوا الفطر « .
    وحديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - : » تسحّرنا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ قام إلى الصّلاة . قلت : كم كان بين الأذان والسّحور ؟ قال : قدر خمسين آيةً « .
    ج – ويستحبّ أن يكون الإفطار على رطبات ، فإن لم تكن فعلى تمرات ، وفي هذا ورد حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : » كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلّي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء « .
    وورد فيه حديث عن سلمان بن عامر الضّبّيّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ، فإنّه بركة ، فمن لم يجد فليفطر على ماء، فإنّه طهور « .
    د - ويستحبّ أن يدعو عند الإفطار ، فقد ورد عن عبد اللّه بن عمرو رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً : » إنّ للصّائم دعوةً لا تردّ « .
    وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: » ذهب الظّمأ ، وابتلّت العروق ، وثبت الأجر إن شاء اللّه تعالى « .
    وهناك فضائل من خصائص شهر رمضان كالتّراويح ، والإكثار من الصّدقات ، والاعتكاف ، وغيرها تنظر في مصطلحاتها .
    36 -
    ومن أهمّ ما ينبغي أن يترفّع عنه الصّائم ويحذره : ما يحبط صومه من المعاصي الظّاهرة والباطنة ، فيصون لسانه عن اللّغو والهذيان والكذب ، والغيبة والنّميمة ، والفحش والجفاء ، والخصومة والمراء ، ويكفّ جوارحه عن جميع الشّهوات والمحرّمات ، ويشتغل بالعبادة ، وذكر اللّه ، وتلاوة القرآن وهذا كما يقول الغزاليّ : هو سرّ الصّوم .
    وفي الصّحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » قال اللّه تعالى : كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّيام ، فإنّه لي وأنا أجزي به ، والصّيام جنّة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم ، فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابّه أحد أو قاتله ، فليقل : إنّي امرؤ صائم « ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » الصّيام جنّة ، ما لم يخرقها بكذب أو غيبة « .
    وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » من لم يدع قول الزّور ، والعمل به ، فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه « .

    يتبع
    مفسدات الصّوم :
    37 - يفسد الصّوم - بوجه عامّ - كلّما انتفى شرط من شروطه ، أو اختلّ أحد أركانه ، كالرّدّة ، وكطروء الحيض والنّفاس ، وكلّ ما ينافيه من أكل وشرب ونحوهما ، ودخول شيء من خارج البدن إلى جوف الصّائم .
    38 - ويشترط في فساد الصّوم بما يدخل إلى الجوف ما يلي :
    أ - أن يكون الدّاخل إلى الجوف ، من المنافذ الواسعة - كما قيّده بذلك المالكيّة - والمفتوحة - كما قال الشّافعيّة - أي : المخارق الطّبيعيّة الأصليّة في الجسم ، والّتي تعتبر موصّلةً للمادّة من الخارج إلى الدّاخل ، كالفم والأنف والأذن .
    وقد استدلّ لذلك ، بالاتّفاق على أنّ من اغتسل في ماء ، فوجد برده في باطنه لا يفطر ، ومن طلى بطنه بدهن لا يضرّ ، لأنّ وصوله إلى الجوف بتشرّب .
    ولم يشترط الحنابلة ذلك ، بل اكتفوا بتحقّق وصوله إلى الحلق والجوف ، والدّماغ جوف .
    ب - أن يكون الدّاخل إلى الجوف ممّا يمكن الاحتراز عنه ، كدخول المطر والثّلج بنفسه حلق الصّائم إذا لم يبتلعه بصنعه ، فإن لم يمكن الاحتراز عنه - كالذّباب يطير إلى الحلق ، وغبار الطّريق - لم يفطر إجماعاً .
    وهذا استحسان ، والقياس : الفساد ، لوصول المفطر إلى جوفه .
    وجه الاستحسان ، أنّه لا يستطاع الاحتراز عنه ، فأشبه الدّخان .
    والجوف هو : الباطن ، سواء أكان ممّا يحيل الغذاء والدّواء ، أي يغيّرهما كالبطن والأمعاء، أم كان ممّا يحيل الدّواء فقط كباطن الرّأس أو الأذن ، أم كان ممّا لا يحيل شيئاً كباطن الحلق.
    قال النّوويّ : جعلوا الحلق كالجوف ، في بطلان الصّوم بوصول الواصل إليه ، وقال الإمام : إذا جاوز الشّيء الحلقوم أفطر .
    قال : وعلى الوجهين جميعاً : باطن الدّماغ والأمعاء والمثانة ممّا يفطر الوصول إليه .
    ج - والجمهور على أنّه لا يشترط أن يكون الدّاخل إلى الجوف مغذّياً ، فيفسد الصّوم بالدّاخل إلى الجوف ، ممّا يغذّي أو لا يغذّي ، كابتلاع التّراب ونحوه ، وإن فرّق بينهما بعض المالكيّة ، قال ابن رشد : وتحصيل مذهب مالك ، أنّه يجب الإمساك عمّا يصل إلى الحلق ، من أيّ المنافذ وصل ، مغذّياً كان أو غير مغذّ .
    د - وشرط كون الصّائم قاصداً ذاكراً لصومه ، أمّا لو كان ناسياً أنّه صائم ، فلا يفسد صومه عند الجمهور ، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » من نسي وهو صائم ، فأكل أو شرب ، فليتمّ صومه ، فإنّما أطعمه اللّه وسقاه« .
    ويستوي في ذلك الفرض والنّفل لعموم الأدلّة .
    وخالف مالك في صوم رمضان فذهب إلى أنّ من نسي في رمضان ، فأكل أو شرب ، عليه القضاء ، أمّا لو نسي في غير رمضان ، فأكل أو شرب ، فإنّه يتمّ صومه ، ولا قضاء عليه. هـ – وشرط الحنفيّة والمالكيّة استقرار المادّة في الجوف ، وعلّلوه بأنّ الحصاة – مثلاً – تشغل المعدة شغلاً ما وتنقص الجوع .
    ولم يشترط الشّافعيّة والحنابلة استقرار المادّة في الجوف إذا كان باختياره .
    وعلى قول الحنفيّة والمالكيّة : لو لم تستقرّ المادّة ، بأن خرجت من الجوف لساعتها لا يفسد الصّوم ، كما لو أصابته سهام فاخترقت بطنه ونفذت من ظهره ، ولو بقي النّصل في جوفه فسد صومه ، ولو كان ذلك بفعله يفسد صومه ، قال الغزاليّ : ولو كان بعض السّكّين خارجاً .
    و - وشرط الشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة ، أن يكون الصّائم مختاراً فيما يتناوله ، من طعام أو شراب أو دواء ، فلو أوجر الماء ، أو صبّ الدّواء في حلقه مكرهاً ، لم يفسد صومه عندهم ، لأنّه لم يفعل ولم يقصد .
    ولو أكره على الإفطار ، فأكل أو شرب ، فللشّافعيّة قولان مشهوران في الفطر وعدمه . أصحّهما : عدم الفطر ، وعلّلوا عدم الإفطار بأنّ الحكم الّذي ينبني على اختياره ساقط ، لعدم وجود الاختيار .
    ومذهب الحنابلة : أنّه لا يفسد صومه قولاً واحداً ، وهو كالإيجار ، وذلك لحديث : » إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه « . فإنّه عامّ .
    ومذهب الحنفيّة والمالكيّة : أنّ الإكراه على الإفطار يفسد الصّوم ، ويستوجب القضاء ، وذلك لأنّ المراد من حديث : » إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان ، وما استكرهوا عليه « رفع الحكم ، لتصحيح الكلام اقتضاءً ، والمقتضي لا عموم له ، والإثم مراد إجماعاً ، فلا تصحّ إرادة الحكم الآخر - وهو الدّنيويّ - بالفساد .
    ما يفسد الصّوم ، ويوجب القضاء :
    39 - وذلك يرجع إلى الإخلال بأركانه وشروطه ، ويمكن حصره فيما يلي :
    أ - تناول ما لا يؤكل في العادة .
    ب - قضاء الوطر قاصراً .
    ج - شئون المعالجة والمداواة .
    د - التّقصير في حفظ الصّوم والجهل بأحكامه .
    هـ- الإفطار بسبب العوارض .
    أوّلاً : تناول ما لا يؤكل عادةً :
    40 - تناول ما لا يؤكل عادةً كالتّراب والحصى ، والدّقيق غير المخلوط - على الصّحيح - والحبوب النّيئة ، كالقمح والشّعير والحمّص والعدس ، والثّمار الفجّة الّتي لا تؤكل قبل النّضج ، كالسّفرجل والجوز ، وكذا تناول ملح كثير دفعةً واحدةً يوجب القضاء دون الكفّارة، أمّا إذا أكله على دفعات ، بتناول دفعة قليلة ، في كلّ مرّة ، فيجب القضاء والكفّارة عند الحنفيّة .
    أمّا في أكل نواة أو قطن أو ورق ، أو ابتلاع حصاة ، أو حديد أو ذهب أو فضّة ، وكذا شرب ما لا يشرب من السّوائل كالبترول فالقضاء دون كفّارة لقصور الجناية بسبب الاستقذار والعيافة ومنافاة الطّبع ، فانعدم معنى الفطر ، وهو بإيصال ما فيه نفع البدن إلى الجوف ، سواء أكان ممّا يتغذّى به أم يتداوى به . ولأنّ هذه المذكورات ليست غذائيّةً ، ولا في معنى الغذاء - كما يقول الطّحاويّ - ولتحقّق الإفطار في الصّورة ، وهو الابتلاع .
    قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : الفطر ممّا دخل .
    وقال الزّيلعيّ : كلّ ما لا يتغذّى به ، ولا يتداوى به عادةً ، لا يوجب الكفّارة .
    ثانياً : قضاء الوطر أو الشّهوة على وجه القصور :
    وذلك في الصّور الآتية :
    41 - أ - تعمّد إنزال المنيّ بلا جماع ، وذلك كالاستمناء بالكفّ أو بالتّبطين والتّفخيذ ، أو باللّمس والتّقبيل ونحوهما فإنّه يوجب القضاء دون الكفّارة عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - وعند المالكيّة يوجب القضاء والكفّارة معاً .
    ب - الإنزال بوطء ميّتة أو بهيمة ، أو صغيرة لا تشتهى :
    42 - وهو يفسد الصّوم ، لأنّ فيه قضاء إحدى الشّهوتين ، وأنّه ينافي الصّوم ، ولا يوجب الكفّارة ، لتمكّن النّقصان في قضاء الشّهوة ، فليس بجماع خلافاً للحنابلة ، فإنّه لا فرق عندهم بين كون الموطوءة كبيرةً أو صغيرةً ، ولا بين العمد والسّهو ، ولا بين الجهل والخطأ ، وفي كلّ ذلك القضاء والكفّارة ، لإطلاق حديث الأعرابيّ .
    والمالكيّة يوجبون في ذلك الكفّارة ، لتعمّد إخراج المنيّ .
    ج - المساحقة بين المرأتين إذا أنزلت :
    43 - عمل المرأتين ، كعمل الرّجال ، جماع فيما دون الفرج ، ولا قضاء على واحدة منهما، إلاّ إذا أنزلت ، ولا كفّارة مع الإنزال ، وهذا عند الحنفيّة وهو وجه عند الحنابلة ، وعلّله الحنابلة بأنّه ، لا نصّ في الكفّارة ، ولا يصحّ قياسه على الجماع .
    قال ابن قدامة : وأصحّ الوجهين أنّهما لا كفّارة عليهما ، لأنّ ذلك ليس بمنصوص عليه ، ولا في معنى المنصوص عليه ، فيبقى على الأصل .
    د - الإنزال بالفكر والنّظر :
    44 - إنزال المنيّ بالنّظر أو الفكر ، فيه التّفصيل الآتي :
    مذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلاّ قليلاً منهم أنّ الإنزال بالفكر - وإن طال - وبالنّظر بشهوة ، ولو إلى فرج المرأة مراراً ، لا يفسد الصّوم ، وإن علم أنّه ينزل به ، لأنّه إنزال من غير مباشرة ، فأشبه الاحتلام .
    قال القليوبيّ : النّظر والفكر المحرّك للشّهوة ، كالقبلة ، فيحرم وإن لم يفطر به .
    ومذهب المالكيّة أنّه إن أمنى بمجرّد الفكر أو النّظر ، من غير استدامة لهما ، يفسد صومه ويجب القضاء دون الكفّارة . وإن استدامهما حتّى أنزل فإن كانت عادته الإنزال بهما عند الاستدامة ، فالكفّارة قطعاً ، وإن كانت عادته عدم الإنزال بهما عند الاستدامة ، فخالف عادته وأمنى ، فقولان في لزوم الكفّارة ، واختار اللّخميّ عدم اللّزوم .
    ولو أمنى في أداء رمضان بتعمّد نظرة واحدة يفسد صومه ويجب القضاء ، وفي وجوب الكفّارة وعدمه تأويلان ، محلّهما إذا كانت عادته الإنزال بمجرّد النّظر ، وإلاّ فلا كفّارة اتّفاقاً.
    وقال الأذرعيّ من الشّافعيّة ، وتبعه شيخ القليوبيّ ، والرّمليّ : يفطر إذا علم الإنزال بالفكر والنّظر ، وإن لم يكرّره .
    ومذهب الحنابلة ، التّفرقة بين النّظر وبين الفكر ، ففي النّظر ، إذا أمنى يفسد الصّوم ، لأنّه أنزل بفعل يتلذّذ به ، ويمكن التّحرّز منه ، فأفسد الصّوم ، كالإنزال باللّمس ، والفكر لا يمكن التّحرّز منه ، بخلاف النّظر .
    ولو أمذى بتكرار النّظر ، فظاهر كلام أحمد لا يفطر به ، لأنّه لا نصّ في الفطر به ، ولا يمكن قياسه على إنزال المنيّ ، لمخالفته إيّاه في الأحكام ، فيبقى على الأصل .
    وإذا لم يكرّر النّظر لا يفطر ، سواء أمنى أو أمذى ، وهو المذهب ، لعدم إمكان التّحرّز ، ونصّ أحمد : يفطر بالمنيّ لا بالمذي .
    أمّا الفكر ، فإنّ الإنزال به لا يفسد الصّوم . واختار ابن عقيل : الإفساد به ، لأنّ الفكر يدخل تحت الاختيار ، لكن جمهورهم استدلّوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه : » إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عمّا وسوست أو حدّثت به أنفسها ، ما لم تعمل به أو تكلّم « .
    ولأنّه لا نصّ في الفطر به ولا إجماع ، ولا يمكن قياسه على المباشرة ولا تكرار النّظر ، لأنّه دونهما في استدعاء الشّهوة ، وإفضائه إلى الإنزال .
    ثالثاً : المعالجات ونحوها ، وهي أنواع أهمّها :
    أ - الاستعاط :
    45 - الاستعاط : افتعال من السّعوط ، مثال رسول : دواء يصبّ في الأنف ، والاستعاط والإسعاط عند الفقهاء : إيصال الشّيء إلى الدّماغ من الأنف .
    وإنّما يفسد الاستعاط الصّوم ، بشرط أن يصل الدّواء إلى الدّماغ ، والأنف منفذ إلى الجوف ، فلو لم يصل إلى الدّماغ لم يضرّ ، بأن لم يجاوز الخيشوم ، فلو وضع دواءً في أنفه ليلاً ، وهبط نهاراً ، فلا شيء عليه .
    ولو وضعه في النّهار ، ووصل إلى دماغه أفطر ، لأنّه واصل إلى جوف الصّائم باختياره فيفطّره كالواصل إلى الحلق ، والدّماغ جوف - كما قرّروا - والواصل إليه يغذّيه ، فيفطّره، كجوف البدن .
    والواجب فيه القضاء لا الكفّارة ، هذا هو الأصحّ ، لأنّ الكفّارة موجب الإفطار صورةً ومعنىً، والصّورة هي الابتلاع ، وهي منعدمة ، والنّفع المجرّد عنها يوجب القضاء فقط . وهذا الحكم لا يخصّ صبّ الدّواء ، بل لو استنشق الماء ، فوصل إلى دماغه أفطر عند الحنفيّة .
    ب - استعمال البخور :
    46 - ويكون بإيصال الدّخان إلى الحلق ، فيفطر ، أمّا شمّ رائحة البخور ونحوه بلا وصول دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو جاءته الرّائحة واستنشقها ، لأنّ الرّائحة لا جسم لها .
    فمن أدخل بصنعه دخاناً حلقه ، بأيّة صورة كان الإدخال ، فسد صومه ، سواء أكان دخان عنبر أم عود أم غيرهما ، حتّى من تبخّر بعود ، فآواه إلى نفسه ، واشتمّ دخانه ، ذاكراً لصومه ، أفطر ، لإمكان التّحرّز من إدخال المفطر جوفه ودماغه .
    قال الشرنبلالي : هذا ممّا يغفل عنه كثير من النّاس ، فلينبّه له ، ولا يتوهّم أنّه كشمّ الورد والمسك ، لوضوح الفرق بين هواء تطيّب بريح المسك وشبهه ، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله
    ج - بخار القدر :
    47 - بخار القدر ، متى وصل للحلق باستنشاق أوجب القضاء ، لأنّ دخان البخور وبخار القدر كلّ منهما جسم يتكيّف به الدّماغ ، ويتقوّى به ، أي تحصل له قوّة كالّتي تحصل من الأكل ، أمّا لو وصل واحد منهما للحلق بغير اختياره فلا قضاء عليه .
    هذا بخلاف دخان الحطب ، فإنّه لا قضاء في وصوله للحلق ، ولو تعمّد استنشاقه ، لأنّه لا يحصل للدّماغ به قوّة كالّتي تحصل له من الأكل .
    وقال الشّافعيّة : لو فتح فاه عمداً حتّى دخل الغبار في جوفه ، لم يفطر على الأصحّ . ومذهب الحنابلة الإفطار بابتلاع غربلة الدّقيق وغبار الطّريق ، إن تعمّده .
    د - التّدخين :
    48 - اتّفق الفقهاء على أنّ شرب الدّخان المعروف أثناء الصّوم يفسد الصّيام ، لأنّه من المفطرات .
    وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح : ( تبغ ، الموسوعة الفقهيّة 10 فقرة 30 ) .
    هـ – التّقطير في الأذن :
    49 – ذهب جمهور الفقهاء ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة إلى فساد الصّوم بتقطير الدّواء أو الدّهن أو الماء في الأذن .
    فقال المالكيّة : يجب الإمساك عمّا يصل إلى الحلق ، ممّا ينماع أو لا ينماع .
    والمذهب : أنّ الواصل إلى الحلق مفطّر ولو لم يجاوزه ، إن وصل إليه ، ولو من أنف أو أذن أو عين نهاراً .
    وتوجيهه عندهم : أنّه واصل من أحد المنافذ الواسعة في البدن ، وهي : الفم والأنف والأذن، وأنّ كلّ ما وصل إلى المعدة من منفذ عال ، موجب للقضاء ، سواء أكان ذلك المنفذ واسعاً أم ضيّقاً . وأنّه لا تفرقة عندهم ، بين المائع وبين غيره في الواصل إلى المعدة من الحلق . وقال النّوويّ : لو صبّ الماء أو غيره في أذنيه ، فوصل دماغه أفطر على الأصحّ عندنا ، ولم ير الغزاليّ الإفطار بالتّقطير في الأذنين .
    وقال البهوتيّ : إذا قطّر في أذنه فوصل إلى دماغه فسد صومه ، لأنّ الدّماغ أحد الجوفين ، فالواصل إليه يغذّيه ، فأفسد الصّوم .
    والحنفيّة قالوا : بفساد الصّوم بتقطير الدّواء والدّهن في الأذن ، لأنّ فيه صلاحاً لجزء من البدن ، فوجد إفساد الصّوم معنىً .
    واختلف الحنفيّة في تقطير الماء في الأذن : فاختار المرغينانيّ في الهداية - وهو الّذي صحّحه غيره - عدم الإفطار به مطلقاً ، دخل بنفسه أو أدخله .
    وفرّق قاضي خان ، بين الإدخال قصداً فأفسد به الصّوم ، وبين الدّخول فلم يفسده به ، وهذا الّذي صحّحوه ، لأنّ الماء يضرّ الدّماغ ، فانعدم الإفساد صورةً ومعنىً .
    فالاتّفاق عند الحنفيّة على الفطر بصبّ الدّهن ، وعلى عدمه بدخول الماء ، والاختلاف في التّصحيح في إدخاله .
    و - مداواة الآمّة والجائفة والجراح :
    50 - الآمّة : جراحة في الرّأس ، والجائفة : جراحة في البطن .
    والمراد بهذا - كما يقول الكاسانيّ - ما يصل إلى الجوف من غير المخارق الأصليّة .
    فإذا داوى الصّائم الآمّة أو الجراح ، فمذهب الجمهور - بوجه عامّ - فساد الصّوم ، إذا وصل الدّواء إلى الجوف .
    قال النّوويّ : لو داوى جرحه فوصل الدّواء إلى جوفه أو دماغه أفطر عندنا سواء أكان الدّواء رطباً أم يابساً .
    وعلّله الحنابلة بأنّه أوصل إلى جوفه شيئاً باختياره ، فأشبه ما لو أكل .
    قال المرداويّ : وهذا هو المذهب ، وعليه الأصحاب .
    وعلّله الحنفيّة - مع نصّهم على عدم التّفرقة بين الدّواء الرّطب وبين الدّواء اليابس - بأنّ بين جوف الرّأس وجوف المعدة منفذاً أصليّاً ، فمتى وصل إلى جوف الرّأس ، يصل إلى جوف البطن .
    أمّا إذا شكّ في وصول الدّواء إلى الجوف ، فعند الحنفيّة بعض التّفصيل والخلاف : فإن كان الدّواء رطباً ، فعند أبي حنيفة الظّاهر هو الوصول ، لوجود المنفذ إلى الجوف ، وهو السّبب، فيبنى الحكم على الظّاهر ، وهو الوصول عادةً ، وقال الصّاحبان : لا يفطر ، لعدم العلم به ، فلا يفطر بالشّكّ ، فهما يعتبران المخارق الأصليّة ، لأنّ الوصول إلى الجوف من المخارق الأصليّة متيقّن به ، ومن غيرها مشكوك به ، فلا نحكم بالفساد مع الشّكّ .
    وأمّا إذا كان الدّواء يابساً ، فلا فطر اتّفاقاً ، لأنّه لم يصل إلى الجوف ولا إلى الدّماغ .
    لكن قال البابرتيّ : وأكثر مشايخنا على أنّ العبرة بالوصول ، حتّى إذا علم أنّ الدّواء اليابس وصل إلى جوفه ، فسد صومه ، وإن علم أنّ الرّطب لم يصل إلى جوفه ، لم يفسد صومه عنده ، إلاّ أنّه ذكر الرّطب واليابس بناءً على العادة .
    وإذا لم يعلم يقيناً فسد عند أبي حنيفة ، نظراً إلى العادة ، لا عندهما .
    ومذهب المالكيّة عدم الإفطار بمداواة الجراح ، وهو اختيار الشّيح تقيّ الدّين .
    قال المرداويّ : واختار الشّيخ تقيّ الدّين عدم الإفطار بمداواة جائفة ومأمومة .
    قال ابن جزيّ : أمّا دواء الجرح بما يصل إلى الجوف ، فلا يفطر .
    وقال الدّردير ، معلّلاً عدم الإفطار بوضع الدّهن على الجائفة ، والجرح الكائن في البطن الواصل للجوف : لأنّه لا يصل لمحلّ الطّعام والشّراب ، وإلاّ لمات من ساعته .
    ز - الاحتقان :
    51 - الاحتقان : صبّ الدّواء أو إدخال نحوه في الدّبر .
    وقد يكون بمائع أو بغيره : فالاحتقان بالمائع من الماء - وهو الغالب - أو غير الماء ، يفسد الصّوم ويوجب القضاء ، فيما ذهب إليه الجمهور ، وهو مشهور مذهب المالكيّة ، ومنصوص خليل ، وهو معلّل بأنّه يصل به الماء إلى الجوف من منفذ مفتوح ، وبأنّ غير المعتاد كالمعتاد في الواصل ، وبأنّه أبلغ وأولى بوجوب القضاء من الاستعاط استدراكاً للفريضة الفاسدة .
    ولا تجب الكفّارة ، لعدم استكمال الجناية على الصّوم صورةً ومعنىً ، كما هو سبب الكفّارة ، بل هو لوجود معنى الفطر ، وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف ، دون صورته ، وهو الوصول من الفم دون ما سواه .
    واستدلّ المرغينانيّ وغيره للإفطار بالاحتقان وغيره ، كالاستعاط والإفطار ، بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها : إنّما الإفطار ممّا دخل ، وليس ممّا خرج .
    وقول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : الفطر ممّا دخل ، وليس ممّا يخرج .


  4. #4
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    أمّا الاحتقان بالجامد ، ففيه بعض الخلاف :
    فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ ما يدخل إلى الجوف من الدّبر بالحقنة يفطر ، لأنّه واصل إلى الجوف باختياره ، فأشبه الأكل .
    كذلك دخول طرف أصبع في المخرج حال الاستنجاء يفطر ، قال النّوويّ : لو أدخل الرّجل أصبعه أو غيرها دبره ، وبقي البعض خارجاً ، بطل الصّوم ، باتّفاق أصحابنا .
    وذهب الحنفيّة إلى أنّ تغييب القطن ونحوه من الجوامد الجافّة ، يفسد الصّوم ، وعدم التّغييب لا يفسده ، كما لو بقي طرفه خارجاً ، لأنّ عدم تمام الدّخول كعدم دخول شيء بالمرّة ، كإدخال الأصبع غير المبلولة ، أمّا المبلولة بالماء والدّهن فيفسده .
    وخصّ المالكيّة الإفطار وإبطال الصّوم ، بالحقنة المائعة نصّاً .
    وقالوا : احترز " خليل " بالمائع عن الحقنة بالجامد ، فلا قضاء فيها ، ولا في فتائل عليها دهن لخفّتها .
    وفي المدوّنة ، قال ابن القاسم : سئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة ؟ قال مالك : أرى ذلك خفيفاً ، ولا أرى عليه فيه شيئاً ، قال مالك : وإن احتقن بشيء يصل إلى جوفه ، فأرى عليه القضاء ، قال ابن القاسم : ولا كفّارة عليه .
    ويبدو مع ذلك تلخيصاً ، أنّ للمالكيّة في الحقنة أربعة أقوال :
    أحدها : وهو المشهور المنصوص عليه في مختصر خليل : الإفطار بالحقنة المائعة .
    الثّاني : أنّ الحقنة تفطر مطلقاً .
    الثّالث : أنّها لا تفطر ، واستحسنه اللّخميّ ، لأنّ ذلك لا يصل إلى المعدة ، ولا موضع يتصرّف منه ما يغذّي الجسم بحال .
    الرّابع : أنّ استعمال الحقنة مكروه .
    قال ابن حبيب : وكان من مضى من السّلف وأهل العلم يكرهون التّعالج بالحقن إلاّ من ضرورة غالبة ، لا توجد عن التّعالج بها مندوحة ، فلهذا استحبّ قضاء الصّوم باستعمالها . ح - الحقنة المتّخذة في مسالك البول :
    ويعبّر عن هذا الشّافعيّة بالتّقطير ، ولا يسمّونه احتقاناً وفيه هذا التّفصيل :
    الأوّل : التّقطير في الإحليل ، أي الذّكر :
    52 - في التّقطير أقوال : فذهب أبو حنيفة ومحمّد ومالك وأحمد ، وهو وجه عند الشّافعيّة، إلى أنّه لا يفطر ، سواء أوصل إلى المثانة أم لم يصل ، لأنّه ليس بين باطن الذّكر وبين الجوف منفذ ، وإنّما يمرّ البول رشحاً ، فالّذي يتركه فيه لا يصل إلى الجوف ، فلا يفطر ، كالّذي يتركه في فيه ولا يبتلعه ، وقال الموّاق : هو أخفّ من الحقنة .
    وقال البهوتيّ : لو قطّر فيه ، أو غيّب فيه شيئاً فوصل إلى المثانة لم يبطل صومه . وللشّافعيّة - مع ذلك - في المسألة أقوال :
    أحدها : إذا قطّر فيه شيئاً لم يصل إلى المثانة لم يفطر ، وهذا أصحّها ، لأنّه - كما قال المحلّيّ - في جوف غير محيل .
    الثّاني : لا يفطر .
    الثّالث : إن جاوز الحشفة أفطر ، وإلاّ لا .
    وذهب أبو يوسف إلى أنّه يفطر إذا وصل إلى المثانة ، أمّا ما دام في قصبة الذّكر فلا يفسد. الثّاني : التّقطير في فرج المرأة :
    53 - الأصحّ عند الحنفيّة ، والمنصوص في مذهب المالكيّة ، والّذي يؤخذ من مذهب الشّافعيّة والحنابلة - الّذين نصّوا على الإحليل فقط - هو فساد الصّوم به ، وعلّله الحنفيّة بأنّه شبيه بالحقنة .
    ووجهه عند المالكيّة ، استجماع شرطين :
    أحدهما : أنّه من المنفذ السّافل الواسع ، والآخر : الاحتقان بالمائع .
    وقد نصّ الدّردير على الإفطار به ، ونصّ الدّسوقيّ على وجوب القضاء على المشهور ، ومقابله ما لابن حبيب من استحباب القضاء ، بسبب الحقنة من المائع الواصلة إلى المعدة ، من الدّبر أو فرج المرأة ، كما نصّ الدّردير على أنّ الاحتقان بالجامد لا قضاء فيه ، ولا في الفتائل الّتي عليها دهن .
    رابعاً : التّقصير في حفظ الصّوم والجهل به :
    الأوّل : التّقصير :
    54 - أ - من صور التّقصير ما لو تسحّر أو جامع ، ظانّاً عدم طلوع الفجر ، والحال أنّ الفجر طالع ، فإنّه يفطر ويجب عليه القضاء دون الكفّارة ، وهذا مذهب الحنفيّة ، ومشهور مذهب المالكيّة ، والصّحيح من مذهب الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وذلك للشّبهة، لأنّ الأصل بقاء اللّيل ، والجناية قاصرة ، وهي جناية عدم التّثبّت ، لا جناية الإفطار ، لأنّه لم يقصده ، ولهذا صرّحوا بعدم الإثم عليه .
    واختار الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة - أنّه لا قضاء عليه .
    وإذا لم يتبيّن له شيء ، لا يجب عليه القضاء في ظاهر الرّواية - عند الحنفيّة - وقيل : يقضي احتياطاً وكذلك الحكم إذا أفطر بظنّ الغروب ، والحال أنّ الشّمس لم تغرب ، عليه القضاء ولا كفّارة عليه ، لأنّ الأصل بقاء النّهار ، وابن نجيم فرّع هذين الحكمين على قاعدة: اليقين لا يزول بالشّكّ .
    قال ابن جزيّ : من شكّ في طلوع الفجر ، حرّم عليه الأكل ، وقيل : يكره .
    فإن أكل فعليه القضاء وجوباً - على المشهور - وقيل : استحباباً ، وإن شكّ في الغروب ، لم يأكل اتّفاقاً ، فإن أكل فعليه القضاء والكفّارة ، وقيل : القضاء فقط ، وقال الدّسوقيّ : المشهور عدمها .
    ومن المالكيّة من خصّ القضاء بصيام الفرض في الشّكّ في الفجر ، دون صيام النّفل ، ومنهم من سوّى بينهما .
    وقيل عند الشّافعيّة : لا يفطر في صورتي الشّكّ في الغروب والفجر ، وقيل : يفطر في الأولى ، دون الثّانية .
    ومن ظنّ أو اشتبه في الفطر ، كمن أكل ناسياً فظنّ أنّه أفطر ، فأكل عامداً ، فإنّه لا تجب عليه الكفّارة ، لقيام الشّبهة الشّرعيّة .
    والقضاء هو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة وهو الأصحّ .
    أمّا لو فعل ما لا يظنّ به الفطر ، كالفصد والحجامة والاكتحال واللّمس والتّقبيل بشهوة ونحو ذلك ، فظنّ أنّه أفطر بذلك ، فأكل عمداً ، فإنّه يقضي في تلك الصّور ويكفّر لأنّه ظنّ في غير محلّه .
    فلو كان ظنّه في محلّه فلا كفّارة ، كما لو أفتاه مفت - يعتمد على قوله ويؤخذ بفتواه في البلد - بالإفطار في الحجامة فأكل عامداً ، بعدما احتجم لا يكفّر .
    والمالكيّة قسّموا الظّنّ في الفطر إلى قسمين :
    أ - تأويل قريب ، وهو الّذي يستند فيه المفطر إلى أمر موجود ، يعذر به شرعاً ، فلا كفّارة عليه ، كما في هذه الصّور :
    لو أفطر ناسياً ، فظنّ لفساد صومه إباحة الفطر ، فأفطر ثانياً عامداً ، فلا كفّارة عليه .
    أو لزمه الغسل ليلاً لجنابة أو حيض ، ولم يغتسل إلاّ بعد الفجر ، فظنّ الإباحة ، فأفطر عمداً.
    أو تسحّر قرب الفجر ، فظنّ بطلان صومه ، فأفطر .
    أو قدم المسافر ليلاً ، فظنّ أنّه لا يلزمه صوم صبيحة قدومه ، فأفطر مستنداً إلى هذا التّأويل، لا تلزمه الكفّارة .
    أو سافر دون مسافة القصر ، فظنّ إباحة الفطر فبيّت الفطر ، فلا كفّارة عليه .
    أو رأى هلال شوّال نهاراً ، يوم ثلاثين من رمضان ، فاعتقد أنّه يوم عيد ، فأفطر .
    فهؤلاء إذا ظنّوا إباحة الفطر فأفطروا ، فعليهم القضاء ولا كفّارة عليهم ، وإن علموا الحرمة ، أو شكّوا فيها فعليهم الكفّارة .
    ب - تأويل بعيد ، وهو المستند فيه إلى أمر معدوم ، أو موجود لكنّه لم يعذر به شرعاً ، فلا ينفعه ، وعرّفه الأبيّ بأنّه : ما لم يستند لموجود غالباً ، مثال ذلك .
    من رأى هلال رمضان ، فشهد عند حاكم ، فردّ ولم يقبل لمانع ، فظنّ إباحة الفطر ، فأفطر، فعليه الكفّارة لبعد تأويله .
    وقال أشهب : لا كفّارة عليه لقرب تأويله لاستناده لموجود ، وهو ردّ الحاكم شهادته . والتّحقيق : أنّه استند لمعدوم ، وهو أنّ اليوم ليس من رمضان ، مع أنّه منه برؤية عينه . أو بيّت الفطر وأصبح مفطراً ، في يوم لحمّى تأتيه فيه عادةً ، ثمّ حمّ في ذلك اليوم ، وأولى إن لم يحمّ .
    أو بيّتت الفطر امرأة لحيض اعتادته في يومها ، ثمّ حصل الحيض بعد فطرها ، وأولى إن لم يحصل .
    أو أفطر لحجّامة فعلها بغيره ، أو فعلت به ، فظنّ الإباحة ، فإنّه يكفّر .
    لكن قال الدّردير : المعتمد في هذا عدم الكفّارة ، لأنّه من القريب ، لاستناده لموجود ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : » أفطر الحاجم والمحجوم « .
    أو اغتاب شخصاً في نهار رمضان ، فظنّ إباحة الفطر فأفطر ، فعليه الكفّارة .
    ونصّ الشّافعيّة على أنّ من جامع عامداً ، بعد الأكل ناسياً ، وظنّ أنّه أفطر به ، لا كفّارة عليه ، وإن كان الأصحّ بطلان صومه بالجماع ، لأنّه جامع وهو يعتقد أنّه غير صائم ، فلم يأثم به ، لذلك قيل : لا يبطل صومه ، وبطلانه مقيس على من ظنّ اللّيل وقت الجماع ، فبان خلافه .
    وعند القاضي أبي الطّيّب ، أنّه يحتمل أن تجب به الكفّارة ، لأنّ هذا الظّنّ لا يبيح الوطء . وأمّا لو قال : علمت تحريمه ، وجهلت وجوب الكفّارة ، لزمته الكفّارة بلا خلاف .
    ونصّ الحنابلة على أنّه لو جامع في يوم رأى الهلال في ليلته ، وردّت شهادته لفسقه أو غيره ، فعليه القضاء والكفّارة ، لأنّه أفطر يوماً من رمضان بجماع ، فلزمته كما لو قبلت شهادته .
    وإذا لم يعلم برؤية الهلال إلاّ بعد طلوع الفجر ، أو نسي النّيّة ، أو أكل عامداً ، ثمّ جامع تجب عليه الكفّارة ، لهتكه حرمة الزّمن به ، ولأنّها تجب على المستديم للوطء ، ولا صوم هناك ، فكذا هنا .
    الثّاني : الجهل :
    54 - ب - الجهل : عدم العلم بما من شأنه أن يعلم .
    فالجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو مشهور مذهب المالكيّة ، على إعذار حديث العهد بالإسلام ، إذا جهل الصّوم في رمضان .
    قال الحنفيّة : يعذر من أسلم بدار الحرب فلم يصم ، ولم يصلّ ، ولم يزكّ بجهله بالشّرائع ، مدّة جهله ، لأنّ الخطاب إنّما يلزم بالعلم به أو بدليله ، ولم يوجد ، إذ لا دليل عنده على فرض الصّلاة والصّوم .
    وقال الشّافعيّة : لو جهل تحريم الطّعام أو الوطء ، بأن كان قريب عهد بالإسلام ، أو نشأ بعيداً عن العلماء ، لم يفطر ، كما لو غلب عليه القيء .
    والمعتمد عند المالكيّة : أنّ الجاهل بأحكام الصّيام لا كفّارة عليه ، وليس هو كالعامد .
    وقسّم الدّسوقيّ الجاهل إلى ثلاثة :
    فجاهل حرمة الوطء ، وجاهل رمضان ، لا كفّارة عليهما ، وجاهل وجوب الكفّارة - مع علمه بحرمة الفعل - تلزمه الكفّارة .
    وأطلق الحنابلة وجوب الكفّارة ، كما قرّر بعض من المالكيّة ، وصرّحوا بالتّسوية بين العامد والجاهل والمكره والسّاهي والمخطئ .
    خامساً : عوارض الإفطار :
    55 - المراد بالعوارض : ما يبيح عدم الصّوم .
    وهي : المرض ، والسّفر ، والحمل ، والرّضاع ، والهرم ، وإرهاق الجوع والعطش ، والإكراه .
    أوّلاً : المرض :
    56 - المرض هو : كلّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصّحّة من علّة .
    قال ابن قدامة : أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة .
    والأصل فيه قول اللّه تعالى : { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
    وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال : » لمّا نزلت هذه الآية : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كان من أراد أن يفطر ، يفطر ويفتدي ، حتّى أنزلت الآية الّتي بعدها يعني قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فنسختها « .
    فالمريض الّذي يخاف زيادة مرضه بالصّوم أو إبطاء البرء أو فساد عضو ، له أن يفطر ، بل يسنّ فطره ، ويكره إتمامه ، لأنّه قد يفضي إلى الهلاك ، فيجب الاحتراز عنه .
    ثمّ إنّ شدّة المرض تجيز الفطر للمريض .
    أمّا الصّحيح إذا خاف الشّدّة أو التّعب ، فإنّه لا يجوز له الفطر ، إذا حصل له بالصّوم مجرّد شدّة تعب ، هذا هو المشهور عند المالكيّة ، وإن قيل بجواز فطره .
    وقال الحنفيّة : إذا خاف الصّحيح المرض بغلبة الظّنّ فله الفطر ، فإن خافه بمجرّد الوهم ، فليس له الفطر .
    وقال المالكيّة : إذا خاف حصول أصل المرض بصومه ، فإنّه لا يجوز له الفطر - على المشهور - إذ لعلّه لا ينزل به المرض إذا صام . وقيل : يجوز له الفطر .
    فإن خاف كلّ من المريض والصّحيح الهلاك على نفسه بصومه ، وجب الفطر .
    وكذا لو خاف أذىً شديداً ، كتعطيل منفعة ، من سمع أو بصر أو غيرهما ، لأنّ حفظ النّفس والمنافع واجب ، وهذا بخلاف الجهد الشّديد ، فإنّه يبيح الفطر للمريض ، قيل : والصّحيح أيضاً .
    وقال الشّافعيّة : إنّ المريض - وإن تعدّى بفعل ما أمرضه - يباح له ترك الصّوم ، إذا وجد به ضرراً شديداً ، لكنّهم شرطوا لجواز فطره نيّة التّرخّص - كما قال الرّمليّ واعتمده - وفرّقوا بين المرض المطبق ، وبين المرض المتقطّع : فإن كان المرض مطبقاً ، فله ترك النّيّة في اللّيل .
    وإن كان يحمّ وينقطع ، نظر : فإن كان محموماً وقت الشّروع في الصّوم ، فله ترك النّيّة ، وإلاّ فعليه أن ينوي من اللّيل ، فإن احتاج إلى الإفطار أفطر .
    ومثل ذلك الحصّاد والبنّاء والحارس - ولو متبرّعاً - فتجب عليهم النّيّة ليلاً ، ثمّ إن لحقتهم مشقّة أفطروا .
    قال النّوويّ : ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصّوم ، بل قال أصحابنا : شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصّوم مشقّة يشقّ احتمالها ، وأمّا المرض اليسير الّذي لا يلحق به مشقّة ظاهره فلم يجز له الفطر ، بلا خلاف عندنا ، خلافاً لأهل الظّاهر .
    وخوف الضّرر هو المعتبر عند الحنابلة ، أمّا خوف التّلف بسبب الصّوم فإنّه يجعل الصّوم مكروهاً ، وجزم جماعة بحرمته ، ولا خلاف في الإجزاء ، لصدوره من أهله في محلّه ، كما لو أتمّ المسافر .
    قالوا : ولو تحمّل المريض الضّرر ، وصام معه ، فقد فعل مكروهاً ، لما يتضمّنه من الإضرار بنفسه ، وتركه تخفيفاً من اللّه وقبول رخصته ، لكن يصحّ صومه ويجزئه ، لأنّه عزيمة أبيح تركها رخصةً ، فإذا تحمّله أجزأه ، لصدوره من أهله في محلّه ، كما أتمّ المسافر ، وكالمريض الّذي يباح له ترك الجمعة ، إذا حضرها .
    قال في المبدع : فلو خاف تلفاً بصومه ، كره ، وجزم جماعة بأنّه يحرم . ولم يذكروا خلافاً في الإجزاء .
    ولخصّ ابن جزيّ من المالكيّة أحوال المريض بالنّسبة إلى الصّوم ، وقال : للمريض أحوال: الأولى : أن لا يقدر على الصّوم أو يخاف الهلاك من المرض أو الضّعف إن صام ، فالفطر عليه واجب .
    الثّانية : أن يقدر على الصّوم بمشقّة ، فالفطر له جائز ، وقال ابن العربيّ : مستحبّ . الثّالثة : أن يقدر بمشقّة ، ويخاف زيادة المرض ، ففي وجوب فطره قولان .
    الرّابعة : أن لا يشقّ عليه ، ولا يخاف زيادة المرض ، فلا يفطر عند الجمهور ، خلافاً لابن سيرين .
    ونصّ الشّافعيّة على أنّه إذا أصبح الصّحيح صائماً ، ثمّ مرض ، جاز له الفطر بلا خلاف ، لأنّه أبيح له الفطر للضّرورة ، والضّرورة موجودة ، فجاز له الفطر .
    ثانياً : السّفر :
    57 - يشترط في السّفر المرخّص في الفطر ما يلي :
    أ - أن يكون السّفر طويلاً ممّا تقصر فيه الصّلاة قال ابن رشد : وأمّا المعنى المعقول من إجازة الفطر في السّفر فهو المشقّة ، ولمّا كانت لا توجد في كلّ سفر ، وجب أن يجوز الفطر في السّفر الّذي فيه المشقّة ، ولمّا كان الصّحابة كأنّهم مجمعون على الحدّ في ذلك ، وجب أن يقاس ذلك على الحدّ في تقصير الصّلاة .
    ب - أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره مدّة أربعة أيّام بلياليها عند المالكيّة والشّافعيّة، وأكثر من أربعة أيّام عند الحنابلة ، وهي نصف شهر أو خمسة عشر يوماً عند الحنفيّة .
    ج - أن لا يكون سفره في معصية ، بل في غرض صحيح عند الجمهور ، وذلك : لأنّ الفطر رخصة وتخفيف ، فلا يستحقّها عاص بسفره ، بأن كان مبنى سفره على المعصية ، كما لو سافر لقطع طريق مثلاً .
    والحنفيّة يجيزون الفطر للمسافر ، ولو كان عاصياً بسفره ، عملاً بإطلاق النّصوص المرخّصة ، ولأنّ نفس السّفر ليس بمعصية ، وإنّما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره ، والرّخصة تتعلّق بالسّفر لا بالمعصية .
    د - أن يجاوز المدينة وما يتّصل بها ، والبناءات والأفنية والأخبية .
    وذهب عامّة الصّحابة والفقهاء ، إلى أنّ من أدرك هلال رمضان وهو مقيم ، ثمّ سافر ، جاز له الفطر ، لأنّ اللّه تعالى جعل مطلق السّفر سبب الرّخصة ، بقوله : { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ، ولما ثبت من » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح في رمضان مسافرًا ، وأفطر « .
    ولأنّ السّفر إنّما كان سبب الرّخصة لمكان المشقّة .
    وحكى النّوويّ عن أبي مخلد التّابعيّ أنّه لا يسافر ، فإن سافر لزمه الصّوم وحرّم الفطر وعن سويد بن غفلة التّابعيّ : أنّه يلزمه الصّوم بقيّة الشّهر ، ولا يمتنع السّفر ، واستدلّ لهما بقوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
    حكى الكاسانيّ عن عليّ وابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهم - أنّه إذا أهلّ في المصر ، ثمّ سافر ، لا يجوز له أن يفطر .
    واستدلّ لهم بقوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
    ولأنّه لمّا استهلّ في الحضر لزمه صوم الإقامة ، وهو صوم الشّهر حتماً ، فهو بالسّفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك ، كاليوم الّذي سافر فيه ، فإنّه لا يجوز له أن يفطر فيه . 58 - وفي وقت جواز الفطر للمسافر ثلاث أحوال :
    الأولى : أن يبدأ السّفر قبل الفجر ، أو يطلع الفجر وهو مسافر ، وينوي الفطر ، فيجوز له الفطر إجماعاً - كما قال ابن جزيّ - لأنّه متّصف بالسّفر ، عند وجود سبب الوجوب . الثّانية : أن يبدأ السّفر بعد الفجر ، بأن يطلع الفجر وهو مقيم ببلده ، ثمّ يسافر بعد طلوع الفجر ، أو خلال النّهار ، فإنّه لا يحلّ له الفطر بإنشاء السّفر بعدما أصبح صائماً ، ويجب عليه إتمام ذلك اليوم ، وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو الصّحيح من مذهب الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد . وذلك تغليباً لحكم الحضر .
    ومع ذلك لا كفّارة عليه في إفطاره عند الحنفيّة ، وفي المشهور من مذهب المالكيّة ، خلافاً لابن كنانة ، وذلك للشّبهة في آخر الوقت . ولأنّه لمّا سافر بعد الفجر صار من أهل الفطر ، فسقطت عنه الكفّارة .
    والصّحيح عند الشّافعيّة أنّه يحرم عليه الفطر حتّى لو أفطر بالجماع لزمته الكفّارة . والمذهب عند الحنابلة وهو أصحّ الرّوايتين عن أحمد ، وهو ما ذهب إليه المزنيّ وغيره من الشّافعيّة : أنّ من نوى الصّوم في الحضر ، ثمّ سافر في أثناء اليوم ، طوعاً أو كرهاً ، فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بيوت قريته العامرة ، وخروجه من بين بنيانها ، واستدلّوا بما يلي :
    ظاهر قوله تعالى : { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
    وحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكّة عام الفتح فصام حتّى بلغ كراع الغميم ، وصام النّاس معه ، فقيل له : إنّ النّاس قد شقّ عليهم الصّيام ، وإنّ النّاس ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر ، فشرب - والنّاس ينظرون إليه - فأفطر بعضهم ، وصام بعضهم ، فبلغه أنّ ناساً صاموا ، فقال : أولئك العصاة « .
    وحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : » خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكّة ، في شهر رمضان ، فصام حتّى مرّ بغدير في الطّريق ، وذلك في نحر الظّهيرة . قال : فعطش النّاس ، وجعلوا يمدّون أعناقهم ، وتتوق أنفسهم إليه . قال : فدعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء ، فأمسكه على يده ، حتّى رآه النّاس ، ثمّ شرب ، فشرب النّاس « .
    وقالوا : إنّ السّفر مبيح للفطر ، فإباحته في أثناء النّهار كالمرض الطّارئ ولو كان بفعله . وقال الّذين أباحوه من الشّافعيّة : إنّه تغليب لحكم السّفر .
    وقد نصّ الحنابلة ، المؤيّدون لهذا الرّأي على أنّ الأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم ، خروجاً من خلاف من لم يبح له الفطر ، وهو قول أكثر العلماء ، تغليباً لحكم الحضر ، كالصّلاة .
    الثّالثة : أن يفطر قبل مغادرة بلده .
    وقد منع من ذلك الجمهور ، وقالوا : إنّ رخصة السّفر لا تتحقّق بدونه ، كما لا تبقى بدونه، ولمّا يتحقّق السّفر بعد ، بل هو مقيم وشاهد ، وقد قال تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ولا يوصف بكونه مسافراً حتّى يخرج من البلد ، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ، ولذلك لا يقصر الصّلاة .
    والجمهور الّذين قالوا بعدم جواز الإفطار في هذه الصّورة ، اختلفوا فيما إذا أكل ، هل عليه كفّارة ؟ فقال مالك : لا . وقال أشهب : هو متأوّل وقال غيرهما : يكفّر .
    وقال ابن جزيّ : فإن أفطر قبل الخروج ، ففي وجوب الكفّارة عليه ثلاثة أقوال : يفرّق في الثّالث بين أن يسافر فتسقط ، أو لا ، فتجب .
    59 - ويتّصل بهذه المسائل في إفطار المسافر : ما لو نوى في سفره الصّوم ليلاً ، وأصبح صائماً ، من غير أن ينقض عزيمته قبل الفجر ، لا يحلّ فطره في ذلك اليوم عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو وجه محتمل عند الشّافعيّة ، ولو أفطر لا كفّارة عليه للشّبهة .


  5. #5
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    قال ابن عابدين : وكذا لا كفّارة عليه بالأولى ، لو نوى نهاراً .
    وقال ابن جزيّ : من كان في سفر ، فأصبح على نيّة الصّوم ، لم يجز له الفطر إلاّ بعذر ، كالتّغذّي للقاء العدوّ ، وأجازه مطرّف من غير عذر ، وعلى المشهور : إن أفطر ، ففي وجوب الكفّارة ثلاثة أقوال : يفرّق في الثّالث بين أن يفطر بجماع فتجب ، أو بغيره فلا تجب.
    لكن الّذي في شروح خليل ، وفي حاشية الدّسوقيّ : أنّه إذا بيّت نيّة الصّوم في السّفر وأصبح صائماً فيه ثمّ أفطر ، لزمته الكفّارة سواء أفطر متأوّلاً أم لا . فسأل سحنون ابن القاسم ، عن الفرق بين من بيّت الصّوم في الحضر ثمّ أفطر بعد أن سافر بعد الفجر من غير أن ينويه فلا كفّارة عليه ، وبين من نوى الصّوم في السّفر ثمّ أفطر فعليه الكفّارة ؟ فقال : لأنّ الحاضر من أهل الصّوم ، فسافر فصار من أهل الفطر ، فسقطت عنه الكفّارة ، والمسافر مخيّر فيهما ، فاختار الصّوم وترك الرّخصة ، فصار من أهل الصّيام ، فعليه ما عليهم من الكفّارة .
    والشّافعيّة في المذهب ، والحنابلة قالوا : لو أصبح صائماً في السّفر ، ثمّ أراد الفطر ، جاز من غير عذر ، لأنّ العذر قائم - وهو السّفر - أو لدوام العذر - كما يقول المحلّيّ .
    وممّا استدلّوا به حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : » ... فصام حتّى مرّ بغدير في الطّريق « .
    وحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - » ... فصام حتّى بلغ كراع الغميم « .
    قال ابن قدامة : وهذا نصّ صريح ، لا يعرج على ما خالفه .
    قال النّوويّ : وفيه احتمال لإمام الحرمين ، وصاحب المهذّب : أنّه لا يجوز ، لأنّه دخل في فرض المقيم ، فلا يجوز له التّرخّص برخصة المسافر ، كما لو دخل في الصّلاة بنيّة الإتمام، ثمّ أراد أن يقصر ، وإذا قلنا بالمذهب ، ففي كراهة الفطر وجهان ، وأصحّهما أنّه لا يلزمه ذلك ، للحديث الصّحيح ، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك .
    وزاد الحنابلة أنّ له الفطر بما شاء ، من جماع وغيره ، كأكل وشرب ، لأنّ من أبيح له الأكل أبيح له الجماع ، كمن لم ينو ، ولا كفّارة عليه بالوطء ، لحصول الفطر بالنّيّة قبل الجماع ، فيقع الجماع بعده .
    صحّة الصّوم في السّفر :
    60 -
    ذهب الأئمّة الأربعة ، وجماهير الصّحابة والتّابعين إلى أنّ الصّوم في السّفر جائز صحيح منعقد ، وإذا صام وقع صيامه وأجزأه .
    وروي عن ابن عبّاس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنّه غير صحيح ، ويجب القضاء على المسافر إن صام في سفر . وروي القول بكراهته .
    والجمهور من الصّحابة والسّلف ، والأئمّة الأربعة ، الّذين ذهبوا إلى صحّة الصّوم في السّفر، اختلفوا بعد ذلك في أيّهما أفضل ، الصّوم أم الفطر ، أو هما متساويان ؟
    فمذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة ، أنّ الصّوم أفضل ، إذا لم يجهده الصّوم ولم يضعفه ، وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه مندوب .
    قال الغزاليّ : والصّوم أحبّ من الفطر في السّفر ، لتبرئة الذّمّة ، إلاّ إذا كان يتضرّر به . وقيّد القليوبيّ الضّرر بضرر لا يوجب الفطر .
    واستدلّوا لذلك بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } إلى قوله { وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ } . فقد دلّت الآيات على أنّ الصّوم عزيمة والإفطار رخصة ، ولا شكّ في أنّ العزيمة أفضل ، كما تقرّر في الأصول ، قال ابن رشد : ما كان رخصةً ، فالأفضل ترك الرّخصة . وبحديث أبي الدّرداء المتقدّم قال : » خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ، في حرّ شديد ... ما فينا صائم إلاّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعبد اللّه بن رواحة « .
    وقيّد الحدّاديّ ، صاحب الجوهرة من الحنفيّة ، أفضليّة الصّوم - أيضاً - بما إذا لم تكن عامّة رفقته مفطرين ، ولا مشتركين في النّفقة ، فإن كانوا كذلك ، فالأفضل فطره موافقةً للجماعة .
    ومذهب الحنابلة ، أنّ الفطر في السّفر أفضل ، بل قال الخرقيّ : والمسافر يستحبّ له الفطر قال المرداويّ : وهذا هو المذهب .
    وفي الإقناع : والمسافر سفر قصر يسنّ له الفطر . ويكره صومه ، ولو لم يجد مشقّةً . وعليه الأصحاب ، ونصّ عليه ، سواء وجد مشقّةً أو لا ، وهذا مذهب ابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم وسعيد والشّ والأوزاعيّ .
    واستدلّ هؤلاء بحديث جابر رضي الله تعالى عنه : » ليس من البرّ الصّوم في السّفر « وزاد في رواية : » عليكم برخصة اللّه الّذي رخّص لكم فاقبلوها « .
    قال المجد : وعندي لا يكره لمن قوي ، واختاره الآجرّيّ .
    قال النّوويّ والكمال بن الهمام : إنّ الأحاديث الّتي تدلّ على أفضليّة الفطر ، محمولة على من يتضرّر بالصّوم ، وفي بعضها التّصريح بذلك ، ولا بدّ من هذا التّأويل ، ليجمح بين الأحاديث ، وذلك أولى من إهمال بعضها ، أو ادّعاء النّسخ ، من غير دليل قاطع .
    والّذين سوّوا بين الصّوم وبين الفطر ، استدلّوا بحديث عائشة رضي الله عنها : » أنّ حمزة بن عمرو الأسلميّ رضي الله تعالى عنه قال للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أأصوم في السّفر ؟ - وكان كثير الصّيام – فقال : إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر « .
    انقطاع رخصة السّفر :
    61 -
    تسقط رخصة السّفر بأمرين اتّفاقاً :
    الأوّل : إذا عاد المسافر إلى بلده ، ودخل وطنه ، وهو محلّ إقامته ، ولو كان دخوله بشيء نسيه ، يجب عليه الصّوم ، كما لو قدم ليلاً ، أو قدم قبل نصف النّهار عند الحنفيّة .
    أمّا لو قدم نهاراً ، ولم ينو الصّوم ليلاً ، أو قدم بعد نصف النّهار - عند الحنفيّة ، ولم يكن نوى الصّوم قبلاً - فإنّه يمسك بقيّة النّهار ، على خلاف وتفصيل في وجوب إمساكه . الثّاني : إذا نوى المسافر الإقامة مطلقاً ، أو مدّة الإقامة الّتي تقدّمت في شروط جواز فطر المسافر في مكان واحد ، وكان المكان صالحاً للإقامة ، لا كالسّفينة والمفازة ودار الحرب ، فإنّه يصير مقيماً بذلك ، فيتمّ الصّلاة ، ويصوم ولا يفطر في رمضان ، لانقطاع حكم السّفر . وصرّحوا بأنّه يحرم عليه الفطر - على الصّحيح - لزوال العذر ، وفي قول يجوز له الفطر، اعتباراً بأوّل اليوم .
    قال ابن جزيّ : إنّ السّفر لا يبيح قصراً ولا فطراً إلاّ بالنّيّة والفعل ، بخلاف الإقامة ، فإنّها توجب الصّوم والإتمام بالنّيّة دون الفعل .
    وإذا لم ينو الإقامة لكنّه أقام لقضاء حاجة له ، بلا نيّة إقامة ، ولا يدري متى تنقضي ، أو كان يتوقّع انقضاءها في كلّ وقت ، فإنّه يجوز له أن يفطر ، كما يقصر الصّلاة .
    قال الحنفيّة : ولو بقي على ذلك سنين .
    فإن ظنّ أنّها لا تنقضي إلاّ فوق أربعة أيّام عند الجمهور ، أو خمسة عشر يوماً عند الحنفيّة، فإنّه يعتبر مقيماً ، فلا يفطر ولا يقصر ، إلاّ إذا كان الفرض قتالاً - كما قال الغزاليّ- فإنّه يترخّص على أظهر القولين ، أو دخل المسلمون أرض الحرب أو حاصروا حصناً فيها ، أو كانت المحاصرة للمصر على سطح البحر ، فإنّ لسطح البحر حكم دار الحرب .
    ودليل هذا : » أنّه - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصّلاة « ويلاحظ أنّ الفطر كالقصر الّذي نصّوا عليه في صلاة المسافر ، من حيث التّرخّص ، فإنّ المسافر له سائر رخص السّفر .
    ثالثاً : الحمل والرّضاع :
    62 -
    الفقهاء متّفقون على أنّ الحامل والمرضع لهما أن تفطرا في رمضان ، بشرط أن تخافا على أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته ، أو الضّرر أو الهلاك ، فالولد من الحامل بمنزلة عضو منها ، فالإشفاق عليه من ذلك كالإشفاق منه على بعض أعضائها . قال الدّردير : ويجب - يعني الفطر - إن خافتا هلاكاً أو شديد أذىً ، ويجوز إن خافتا عليه المرض أو زيادته .
    ونصّ الحنابلة على كراهة صومهما ، كالمريض .
    ودليل ترخيص الفطر لهما : { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وليس المراد من المرض صورته ، أو عين المرض ، فإنّ المريض الّذي لا يضرّه الصّوم ليس له أن يفطر ، فكان ذكر المرض كنايةً عن أمر يضرّ الصّوم معه ، وهو معنى المرض ، وقد وجد هاهنا ، فيدخلان تحت رخصة الإفطار .
    وصرّح المالكيّة بأنّ الحمل مرض حقيقةً ، والرّضاع في حكم المرض ، وليس مرضاً حقيقةً. وكذلك ، من أدلّة ترخيص الفطر لهما ، حديث أنس بن مالك الك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : » إنّ اللّه وضع عن المسافر الصّوم وشطر الصّلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصّوم أو الصّيام « وفي لفظ بعضهم : » عن الحبلى والمرضع « .
    وإطلاق لفظ الحامل يتناول - كما نصّ القليوبيّ - كلّ حمل ، ولو من زنىً وسواء أكانت المرضع أمّاً للرّضيع ، أم كانت مستأجرةً لإرضاع غير ولدها ، في رمضان أو قبله ، فإنّ فطرها جائز ، على الظّاهر عند الحنفيّة ، وعلى المعتمد عند الشّافعيّة ، بل لو كانت متبرّعةً ولو مع وجود غيرها ، أو من زنىً ، جاز لها الفطر مع الفدية .
    وقال بعض الحنفيّة ، كابن الكمال والبهنسيّ : تقيّد المرضع بما إذا تعيّنت للإرضاع ، كالظّئر بالعقد ، والأمّ بأن لم يأخذ ثدي غيرها ، أو كان الأب معسراً ، لأنّه حينئذ واجب عليها ، لكن ظاهر الرّواية خلافه ، وأنّ الإرضاع واجب على الأمّ ديانةً مطلقاً وإن لم تتعيّن ، وقضاءً إذا كان الأب معسراً ، أو كان الولد لا يرضع من غيرها .
    وأمّا الظّئر فلأنّه واجب عليها بالعقد ، ولو كان العقد في رمضان ، خلافاً لمن قيّد الحلّ بالإجارة قبل رمضان .
    كما قال بعض الشّافعيّة كالغزاليّ : يقيّد فطر المرضع ، بما إذا لم تكن مستأجرةً لإرضاع غير ولدها ، أو لم تكن متبرّعةً ، لكن المعتمد المصحّح عندهم خلافه ، قياساً على السّفر فإنّه يستوي في جواز الإفطار به من سافر لغرض نفسه ، وغرض غيره ، بأجرة وغيرها .
    رابعاً : الشّيخوخة والهرم :
    63 -
    وتشمل الشّيخوخة والهرم ما يلي :
    الشّيخ الفاني ، وهو الّذي فنيت قوّته ، أو أشرف على الفناء ، وأصبح كلّ يوم في نقص إلى أن يموت .
    المريض الّذي لا يرجى برؤه ، وتحقّق اليأس من صحّته .
    العجوز ، وهي المرأة المسنّة .
    قال البهوتيّ : المريض الّذي لا يرجى برؤه في حكم الكبير .
    وقيّد الحنفيّة عجز الشّيخوخة والهرم ، بأن يكون مستمرّاً ، فلو لم يقدرا على الصّوم لشدّة الحرّ مثلاً ، كان لهما أن يفطرا ، ويقضياه في الشّتاء .
    ولا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يلزمهما الصّوم ، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه ، وأنّ لهما أن يفطرا ، إذا كان الصّوم يجهدهما ويشقّ عليهما مشقّةً شديدةً .
    قال ابن جزيّ : إنّ الشّيخ والعجوز العاجزين عن الصّوم ، يجوز لهما الفطر إجماعاً ، ولا قضاء عليهما .
    والأصل في شرعيّة إفطار من ذكر :
    أ - قوله تعالى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } فقد قيل في بعض وجوه التّأويل : إنّ ( لا ) مضمرة في الآية ، والمعنى : وعلى الّذين لا يطيقونه .
    وقال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : الآية ليست بمنسوخة ، وهي للشّيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة ، لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كلّ يوم مسكيناً .
    والآية في محلّ الاستدلال ، حتّى على القول بنسخها ، لأنّها إن وردت في الشّيخ الفاني - كما ذهب إليه بعض السّلف - فظاهر ، وإن وردت للتّخيير فكذلك ، لأنّ النّسخ إنّما يثبت في حقّ القادر على الصّوم ، فبقي الشّيخ الفاني على حاله كما كان .
    ب - والعمومات القاضية برفع الحرج ، كقوله تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .
    وموجب الإفطار بسبب الشّيخوخة عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وهو قول عند المالكيّة : وجوب الفدية ، ويأتي تفصيله .

    خامساً : إرهاق الجوع والعطش :
    64 - من أرهقه جوع مفرط ، أو عطش شديد ، فإنّه يفطر ويقضي .
    وقيّده الحنفيّة بأمرين :
    الأوّل : أن يخاف على نفسه الهلاك ، بغلبة الظّنّ ، لا بمجرّد الوهم ، أو يخاف نقصان العقل، أو ذهاب بعض الحواسّ ، كالحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما الهلاك أو على أولادهما .
    قال المالكيّة : فإن خاف على نفسه حرّم عليه الصّيام ، وذلك لأنّ حفظ النّفس والمنافع واجب .
    الثّاني : أن لا يكون ذلك بإتعاب نفسه ، إذ لو كان به تلزمه الكفّارة ، وقيل : لا .
    وألحقه بعض الفقهاء بالمريض ، وقالوا : إنّ الخوف على النّفس في معنى المرض .
    وقال القليوبيّ : ومثل المرض غلبة جوع وعطش ، لا نحو صداع ، ووجع أذن وسنّ خفيفة.
    ومثّلوا له بأرباب المهن الشّاقّة ، لكن قالوا : عليه أن ينوي الصّيام ليلاً ، ثمّ إن احتاج إلى الإفطار ، ولحقته مشقّة ، أفطر .
    قال الحنفيّة : المحترف المحتاج إلى نفقته كالخبّاز والحصّاد ، إذا علم أنّه لو اشتغل بحرفته يلحقه ضرر مبيح للفطر ، يحرم عليه الفطر قبل أن تلحقه مشقّة .
    وقال أبو بكر الآجرّيّ من الحنابلة : من صنعته شاقّة ، فإن خاف بالصّوم تلفاً ، أفطر وقضى ، إن ضرّه ترك الصّنعة ، فإن لم يضرّه تركها أثم بالفطر وبتركها ، وإن لم ينتف الضّرر بتركها ، فلا إثم عليه بالفطر للعذر .
    65 - وألحقوا بإرهاق الجوع والعطش خوف الضّعف عن لقاء العدوّ المتوقّع أو المتيقّن كأن كان محيطاً : فالغازي إذا كان يعلم يقيناً أو بغلبة الظّنّ القتال بسبب وجوده بمقابلة العدوّ ، ويخاف الضّعف عن القتال بالصّوم ، وليس مسافراً ، له الفطر قبل الحرب .
    قال في الهنديّة : فإن لم يتّفق القتال فلا كفّارة عليه ، لأنّ في القتال يحتاج إلى تقديم الإفطار، ليتقوّى ولا كذلك المرض .
    وقال البهوتيّ : ومن قاتل عدوّاً ، أو أحاط العدوّ ببلده ، والصّوم يضعفه عن القتال ، ساغ له الفطر بدون سفر نصّاً ، لدعاء الحاجة إليه .
    ولا خلاف بين الفقهاء ، في أنّ المرهق ومن في حكمه ، يفطر ، ويقضي - كما ذكرنا - وإنّما الخلاف بينهم فيما إذا أفطر المرهق ، فهل يمسك بقيّة يومه ، أم يجوز له الأكل ؟
    سادساً : الإكراه :
    66 - الإكراه : حمل الإنسان غيره ، على فعل أو ترك ما لا يرضاه بالوعيد .
    ومذهب الحنفيّة والمالكيّة ، أنّ من أكره على الفطر فأفطر قضى .
    قالوا : إذا أكره الصّائم بالقتل على الفطر ، بتناول الطّعام في شهر رمضان ، وهو صحيح مقيم ، فمرخّص له به ، والصّوم أفضل ، حتّى لو امتنع من الإفطار حتّى قتل ، يثاب عليه ، لأنّ الوجوب ثابت حالة الإكراه ، وأثر الرّخصة في الإكراه هو سقوط المأثم بالتّرك ، لا في سقوط الوجوب ، بل بقي الوجوب ثابتاً ، والتّرك حراماً ، وإذا كان الوجوب ثابتاً ، والتّرك حراماً ، كان حقّ اللّه تعالى قائماً ، فهو بالامتناع بذل نفسه لإقامة حقّ اللّه تعالى ، طلباً لمرضاته ، فكان مجاهداً في دينه ، فيثاب عليه .
    وأمّا إذا كان المكره مريضاً أو مسافراً ، فالإكراه - كما يقول الكاسانيّ - حينئذ مبيح مطلق، في حقّ كلّ منهما ، بل موجب ، والأفضل هو الإفطار ، بل يجب عليه ذلك ، ولا يسعه أن لا يفطر ، حتّى لو امتنع من ذلك ، فقتل ، يأثم . ووجه الفرق : أنّ في الصّحيح المقيم كان الوجوب ثابتاً قبل الإكراه من غير رخصة التّرك أصلاً ، فإذا جاء الإكراه - وهو سبب من أسباب الرّخصة - كان أثره في إثبات رخصة التّرك ، لا في إسقاط الوجوب .
    وأمّا في المريض والمسافر ، فالوجوب مع رخصة التّرك ، كان ثابتاً قبل الإكراه ، فلا بدّ أن يكون للإكراه أثر آخر لم يكن ثابتاً قبله ، وليس ذلك إلاّ إسقاط الوجوب رأساً ، وإثبات الإباحة المطلقة ، فنزل منزلة الإكراه على أكل الميتة ، وهناك يباح له الأكل ، بل يجب عليه، فكذا هنا .
    وفرّق الشّافعيّة بين الإكراه على الأكل أو الشّرب ، وبين الإكراه على الوطء : فقالوا في الإكراه على الأكل : لو أكره حتّى أكل أو شرب لم يفطر ، كما لو أوجر في حلقه مكرهاً ، لأنّ الحكم الّذي ينبني على اختياره ساقط لعدم وجود الاختيار .
    أمّا لو أكره على الوطء زنىً ، فإنّه لا يباح بالإكراه ، فيفطر به ، بخلاف وطء زوجته . واعتمد العزيزيّ الإطلاق ، ووجّهه بأنّ عدم الإفطار ، لشبهة الإكراه ، على الوطء ، والحرمة من جهة الوطء ، فعلى هذا يكون الإكراه على الإفطار مطلقاً بالوطء والأكل والشّرب ، إذا فعله المكره لا يفطر به ، ولا يجب عليه القضاء إلاّ في الإكراه على الإفطار بالزّنى ، فإنّ فيه وجهاً بالإفطار والقضاء عندهم .
    وهذا الإطلاق عند الشّافعيّة ، هو مذهب الحنابلة أيضاً : فلو أكره على الفعل ، أو فعل به ما أكره عليه ، بأن صبّ في حلقه ، مكرهاً أو نائماً ، كما لو أوجر المغمى عليه معالجةً ، لا يفطر ، ولا يجب عليه القضاء ، لحديث : » وما استكرهوا عليه « .
    ملحقات بالعوارض :
    67 - يمكن إلحاق ما يلي ، من الأعذار ، بالعوارض الّتي ذكرها الفقهاء ، وأقرّوها وأفردوا لها أحكاماً كلّما عرضت في الصّوم ، كالحيض والنّفاس والإغماء والجنون والسّكر والنّوم والرّدّة والغفلة .
    وأحكامهما تنظر في مصطلحاتها .
    ما يفسد الصّوم ويوجب القضاء والكفّارة :
    أوّلاً : الجماع عمداً :
    68 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جماع الصّائم في نهار رمضان عامداً مختاراً بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة في أحد السّبيلين مفطر يوجب القضاء والكفّارة ، أنزل أو لم ينزل . وفي قول ثان للشّافعيّة لا يجب القضاء ، لأنّ الخلل انجبر بالكفّارة .
    وفي قول ثالث لهم : إن كفّر بالصّوم دخل فيه القضاء ، وإلاّ فلا يدخل فيجب القضاء .
    وعند الحنابلة : إذا جامع في نهار رمضان - بلا عذر - آدميّاً أو غيره حيّاً أو ميّتاً أنزل أم لا فعليه القضاء والكفّارة ، عامداً كان أو ساهياً ، أو جاهلاً أو مخطئاً ، مختاراً أو مكرهاً ، وهذا لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : » بينما نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل ، فقال : يا رسول اللّه ، هلكت ، قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . قال : فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً ؟ قال : لا . قال : فمكث النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعرَقٍ فيها تمر ، قال : أين السّائل ؟ فقال : أنا ، قال : خذ هذا فتصدّق به ، فقال الرّجل : على أفقر منّي يا رسول اللّه ، فواللّه ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال : أطعمه أهلك « .
    ولا خلاف في فساد صوم المرأة بالجماع لأنّه نوع من المفطرات ، فاستوى فيه الرّجل والمرأة . وإنّما الخلاف في وجوب الكفّارة عليها :
    فمذهب أبي حنيفة ومالك وقول للشّافعيّ ، ورواية عن أحمد وهي المذهب عند الحنابلة ، وجوب الكفّارة عليها أيضاً ، لأنّها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها كالرّجل . وعلّل الحنفيّة وجوبها عليها ، بأنّ السّبب في ذلك هو جناية الإفساد ، لا نفس الوقاع ، وقد شاركته فيها ، وقد استويا في الجناية ، والبيان في حقّ الرّجل بيان في حقّ المرأة ، فقد وجد فساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمّد ، فتجب الكفّارة عليها بدلالة النّصّ، ولا يتحمّل الرّجل عنها ، لأنّ الكفّارة عبادة أو عقوبة ، ولا يجري فيها التّحمّل . وفي قول للشّافعيّ وهو الأصحّ ، ورواية أخرى عن أحمد : أنّه لا كفّارة عليها ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبةً ، ولم يأمر المرأة بشيء ، مع علمه بوجود ذلك منها . ولأنّ الجماع فعله ، وإنّما هي محلّ الفعل .
    وفي قول للشّافعيّة : تجب ، ويتحمّلها الرّجل .
    وروي عن أحمد : أنّ الزّوج تلزمه كفّارة واحدة عنهما ، وضعّفها بعض الحنابلة بأنّ الأصل عدم التّداخل .
    وقال ابن عقيل من الحنابلة : إن أكرهت المرأة على الجماع في نهار رمضان حتّى مكّنت الرّجل منها لزمتها الكفّارة ، وإن غصبت أو أتيت نائمةً فلا كفّارة عليها .
    ثانياً : الأكل والشّرب عمداً :
    69 - ممّا يوجب القضاء والكفّارة ، عند الحنفيّة والمالكيّة : الأكل والشّرب .
    فإذا أكل الصّائم ، في أداء رمضان أو شرب غذاءً أو دواءً ، طائعاً عامداً ، بغير خطأ ولا إكراه ولا نسيان ، أفطر وعليه الكفّارة .
    وضابطه عند الحنفيّة : وصول ما فيه صلاح بدنه لجوفه ، بأن يكون ممّا يؤكل عادةً على قصد التّغذّي أو التّداوي أو التّلذّذ ، أو ممّا يميل إليه الطّبع ، وتنقضي به شهوة البطن ، وإن لم يكن فيه صلاح البدن ، بل ضرره .
    وشرطوا أيضاً لوجوب الكفّارة : أن ينوي الصّوم ليلاً ، وأن لا يكون مكرهاً ، وأن لا يطرأ عذر شرعيّ لا صنع له فيه ، كمرض وحيض .
    وشرط المالكيّة : أن يكون إفساد صوم رمضان خاصّةً ، عمداً قصداً لانتهاك حرمة الصّوم ، من غير سبب مبيح للفطر .
    وتجب الكفّارة في شرب الدّخان عند الحنفيّة والمالكيّة ، فإنّه ربّما أضرّ البدن ، لكن تميل إليه بعض الطّباع ، وتنقضي به شهوة البطن ، يضاف إلى ذلك أنّه مفتر وحرام ، لحديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : » نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن كلّ مسكر ومفتر « .
    ودليل وجوب الكفّارة على من أكل أو شرب عمداً ، ما ورد في الصّحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان ، أن يعتق رقبةً أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستّين مسكيناً « فإنّه علّق الكفّارة بالإفطار ، وهي وإن كانت واقعة حال لا عموم لها ، لكنّها علّقت بالإفطار ، لا باعتبار خصوص الإفطار ولفظ الرّاوي عامّ ، فاعتبر ، كقوله : » قضى بالشّفعة للجار « .
    ومذهب الشّافعيّة والحنابلة عدم وجوب الكفّارة على من أكل أو شرب عمداً في نهار رمضان أداءً ، وذلك لأنّ النّصّ - وهو حديث الأعرابيّ الّذي وقع على امرأته في رمضان - ورد في الجماع ، وما عداه ليس في معناه .
    ولأنّه لا نصّ في إيجاب الكفّارة بهذا ، ولا إجماع .
    ولا يصحّ قياسه على الجماع ، لأنّ الحاجة إلى الزّجر عنه أمسّ ، والحكمة في التّعدّي به آكد ، ولهذا يجب به الحدّ إذا كان محرّماً .
    ثالثاً : رفع النّيّة :
    70 - وممّا يوجب الكفّارة عند المالكيّة ، ما لو تعمّد رفع النّيّة نهارًا ، كأن يقول وهو صائم : رفعت نيّة صومي ، أو يقول رفعت نيّتي .
    وأولى من ذلك ، رفع النّيّة في اللّيل ، كأن يكون غير ناو للصّوم ، لأنّه رفعها في محلّها فلم تقع النّيّة في محلّها .
    وكذلك تجب الكفّارة عند المالكيّة بالإصباح بنيّة الفطر ، ولو نوى الصّيام بعده ، على الأصحّ كما يقول ابن جزيّ .
    أمّا إن علّق الفطر على شيء ، كأن يقول : إن وجدت طعاماً أكلت فلم يجده ، أو وجده ولم يفطر فلا قضاء عليه .
    أمّا عند الحنابلة - وفي وجه عند الشّافعيّة - فإنّه يجب القضاء بترك النّيّة دون الكفّارة . وعند الحنفيّة ، وفي الوجه الآخر عند الشّافعيّة : لا يجب القضاء .
    ما لا يفسد الصّوم :
    أوّلاً : الأكل والشّرب في حال النّسيان :
    71 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الأكل والشّرب في حال النّسيان لا يفسد الصّوم فرضاً أو نفلاً ، خلافاً للمالكيّة ، كما تقدّم في ف /38.
    ثانياً : الجماع في حال النّسيان :
    72 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة في المذهب ، والحسن البصريّ ومجاهد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر إلى أنّ الجماع في حال النّسيان لا يفطّر قياساً على الأكل والشّرب ناسياً . وذهب المالكيّة في المشهور - وهو ظاهر مذهب الحنابلة - إلى أنّ من جامع ناسياً فسد صومه ، وعليه القضاء فقط عند المالكيّة ، والقضاء والكفّارة عند الحنابلة .
    ثالثاً : دخول الغبار ونحوه حلق الصّائم :
    73 - إذا دخل حلق الصّائم غبار أو ذباب أو دخان بنفسه ، بلا صنعه ، ولو كان الصّائم ذاكراً لصومه ، لم يفطر إجماعاً - كما قال ابن جزيّ - لعدم قدرته على الامتناع عنه ، ولا يمكن الاحتراز منه .
    وكذلك إذا دخل الدّمع حلقه وكان قليلاً نحو القطرة أو القطرتين فإنّه لا يفسد صومه ، لأنّ التّحرّز منه غير ممكن .
    وإن كان كثيراً حتّى وجد ملوحته في جميع فمه وابتلعه فسد صومه .
    رابعاً : الادّهان :
    74 - لو دهن الصّائم رأسه ، أو شاربه لا يضرّه ذلك ، وكذا لو اختضب بحنّاء ، فوجد الطّعم في حلقه لم يفسد صومه ، ولا يجب عليه القضاء ، إذ لا عبرة بما يكون من المسامّ ، وهذا قول الجمهور .
    لكن صرّح الدّردير من المالكيّة ، بأنّ المعروف من المذهب وجوب القضاء .


  6. #6
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    خامساً : الاحتلام :
    75 - إذا نام الصّائم فاحتلم لا يفسد صومه ، بل يتمّه إجماعاً ، إذا لم يفعل شيئاً يحرم عليه ويجب عليه الاغتسال .
    وفي الحديث عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: » ثلاث لا يفطرن الصّائم : الحجامة والقيء والاحتلام « .
    ومن أجنب ليلاً ، ثمّ أصبح صائماً ، فصومه صحيح ، ولا قضاء عليه عند الجمهور .
    وقال الحنفيّة : وإن بقي جنباً كلّ اليوم ، وذلك لحديث : عائشة وأمّ سلمة رضي الله تعالى عنهما قالتا : » نشهد على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنباً ، من غير احتلام ثمّ يغتسل ، ثمّ يصوم « .
    قال الشّوكانيّ : وإليه ذهب الجمهور ، وجزم النّوويّ بأنّه استقرّ الإجماع على ذلك ، وقال ابن دقيق العيد : إنّه صار إجماعاً أو كالإجماع .
    وقد أخرج الشّيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه صلى الله عليه وسلم قال : » من أصبح جنباً فلا صوم له « وحمل على النّسخ أو الإرشاد إلى الأفضل ، وهو : أنّه يستحبّ أن يغتسل قبل الفجر ، ليكون على طهارة من أوّل الصّوم .
    سادساً : البلل في الفم :
    76 - ممّا لا يفسد الصّوم البلل الّذي يبقى في الفم بعد المضمضة ، إذا ابتلعه الصّائم مع الرّيق ، بشرط أن يبصق بعد مجّ الماء ، لاختلاط الماء بالبصاق ، فلا يخرج بمجرّد المجّ ، ولا تشترط المبالغة في البصق ، لأنّ الباقي بعده مجرّد بلل ورطوبة ، لا يمكن التّحرّز عنه .
    سابعاً : ابتلاع ما بين الأسنان :
    77 - ابتلاع ما بين الأسنان ، إذا كان قليلاً ، لا يفسد ولا يفطر ، لأنّه تبع لريقه ، ولأنّه لا يمكن الاحتراز عنه ، بخلاف الكثير فإنّه لا يبقى بين الأسنان ، والاحتراز عنه ممكن . والقليل : هو ما دون الحمّصة ، ولو كان قدرها أفطر .
    ومذهب زفر ، وهو قول للشّافعيّة : فساد الصّوم مطلقاً ، بابتلاع القليل والكثير ، لأنّ الفم له حكم الظّاهر ، ولهذا لا يفسد صومه بالمضمضة - كما قال المرغينانيّ - ولو أكل القليل من خارج فمه أفطر ، فكذا إذا أكل من فمه .
    وللشّافعيّة قول آخر بعدم الإفطار به مطلقاً .
    وشرط الشّافعيّة والحنابلة ، لعدم الإفطار بابتلاع ما بين الأسنان شرطين :
    أوّلهما : أن لا يقصد ابتلاعه .
    والآخر : أن يعجز عن تمييزه ومجّه ، لأنّه معذور فيه غير مفرّط ، فإن قدر عليهما أفطر ، ولو كان دون الحمّصة ، لأنّه لا مشقّة في لفظه ، والتّحرّز عنه ممكن .
    ومذهب المالكيّة : عدم الإفطار بما سبق إلى جوفه من بين أسنانه ، ولو عمداً ، لأنّه أخذه في وقت يجوز له أخذه فيه - كما يقول الدّسوقيّ - وقيل : لا يفطر ، إلاّ إن تعمّد بلعه فيفطر ، أمّا لو سبق إلى جوفه فلا يفطر .
    ثامناً : دم اللّثة والبصاق :
    78 - لو دميت لثته ، فدخل ريقه حلقه مخلوطاً بالدّم ، ولم يصل إلى جوفه ، لا يفطر عند الحنفيّة ، وإن كان الدّم غالباً على الرّيق ، لأنّه لا يمكن الاحتراز منه ، فصار بمنزلة ما بين أسنانه أو ما يبقى من أثر المضمضة ، أمّا لو وصل إلى جوفه ، فإن غلب الدّم فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفّارة ، وإن غلب البصاق فلا شيء عليه ، وإن تساويا ، فالقياس أن لا يفسد وفي الاستحسان يفسد احتياطاً .
    ولو خرج البصاق على شفتيه ثمّ ابتلعه ، فسد صومه ، وفي الخانيّة : ترطّبت شفتاه ببزاقه، عند الكلام ونحوه ، فابتلعه ، لا يفسد صومه ، وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة .
    ومذهب الشّافعيّة والحنابلة : الإفطار بابتلاع الرّيق المختلط بالدّم ، لتغيّر الرّيق ، والدّم نجس لا يجوز ابتلاعه وإذا لم يتحقّق أنّه بلع شيئاً نجساً لا يفطر ، إذ لا فطر ببلع ريقه الّذي لم تخالطه النّجاسة .
    تاسعاً : ابتلاع النّخامة :
    79 - النّخامة هي : النّخاعة ، وهي ما يخرجه الإنسان من حلقه ، من مخرج الخاء المعجمة .
    قال الفيّوميّ : هكذا قيّده ابن الأثير ، وهكذا قال المطرّزيّ ، وزاد : ما يخرج من الخيشوم عند التّنحنح .
    ومذهب الحنفيّة ، والمعتمد عند المالكيّة : أنّ النّخامة سواء أكانت مخاطاً نازلاً من الرّأس ، أم بلغماً صاعداً من الباطن ، بالسّعال أو التّنحنح - ما لم يفحش البلغم - لا يفطر مطلقاً . وفي نصوص المالكيّة : إنّ البلغم لا يفطر مطلقاً ، ولو وصل إلى طرف اللّسان ، لمشقّته ، خلافاً لخليل ، الّذي رأى الفساد ، فيما إذا أمكن طرحه ، بأن جاوز الحلق ، ثمّ أرجعه وابتلعه ، وأنّ عليه القضاء .
    وفي رواية عن أحمد أنّ ابتلاع النّخامة لا يفطر ، لأنّه معتاد في الفم غير واصل من خارج، فأشبه الرّيق .
    وعند الشّافعيّة هذا التّفصيل :
    إن اقتلع النّخامة من الباطن ، ولفظها فلا بأس بذلك في الأصحّ ، لأنّ الحاجة إليه ممّا يتكرّر، وفي قول : يفطر بها كالاستقاءة .
    ولو صعدت بنفسها ، أو بسعاله ، ولفظها لم يفطر جزماً .
    ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم ، أفطر جزماً .
    وإذا حصلت في ظاهر الفم ، يجب قطع مجراها إلى الحلق ، ومجّها ، فإن تركها مع القدرة على ذلك ، فوصلت إلى الجوف ، أفطر في الأصحّ ، لتقصيره ، وفي قول : لا يفطر ، لأنّه لم يفعل شيئاً ، وإنّما أمسك عن الفعل .
    ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم ، أفطر جزماً .
    ونصّ الحنابلة على أنّه يحرم على الصّائم بلع نخامة ، إذا حصلت في فمه ، ويفطر بها إذا بلعها ، سواء أكانت في جوفه أم صدره ، بعد أن تصل إلى فمه ، لأنّها من غير الفم ، فأشبه القيء ، ولأنّه أمكن التّحرّز منها فأشبه الدّم .
    من أجل هذا الخلاف ، نبّه ابن الشّحنة على أنّه ينبغي إلقاء النّخامة ، حتّى لا يفسد صومه على قول الإمام الشّافعيّ ، وليكون صومه صحيحاً بالاتّفاق لقدرته على مجّها .
    عاشراً : القيء :
    80 - يفرّق بين ما إذا خرج القيء بنفسه ، وبين الاستقاءة .
    وعبّر الفقهاء عن الأوّل ، بما : إذا ذرعه القيء ، أي غلب القيء الصّائم .
    فإذا غلب القيء ، فلا خلاف بين الفقهاء في عدم الإفطار به ، قلّ القيء أم كثر ، بأن ملأ الفم ، وهذا لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: » من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ، ومن استقاء عمداً فليقض « .
    أمّا لو عاد القيء بنفسه ، في هذه الحال ، بغير صنع الصّائم ، ولو كان ملء الفم ، مع تذكّر الصّائم للصّوم ، فلا يفسد صومه ، عند محمّد - من الحنفيّة - وهو الصّحيح عندهم ، لعدم وجود الصّنع منه ، ولأنّه لم توجد صورة الفطر ، وهي الابتلاع ، وكذا معناه ، لأنّه لا يتغذّى به عادةً ، بل النّفس تعافه .
    وعند أبي يوسف : يفسد صومه ، لأنّه خارج ، حتّى انتقضت به الطّهارة ، وقد دخل .
    وإن أعاده ، أو عاد قدر حمّصة منه فأكثر ، فسد صومه باتّفاق الحنفيّة ، لوجود الإدخال بعد الخروج ، فتتحقّق صورة الفطر ولا كفّارة فيه .
    وإن كان أقلّ من ملء الفم ، فعاد ، لم يفسد صومه ، لأنّه غير خارج ، ولا صنع له في الإدخال .
    وإن أعاده فكذلك عند أبي يوسف لعدم الخروج ، وعند محمّد يفسد صومه ، لوجود الصّنع منه في الإدخال .
    ومذهب المالكيّة : أنّ المفطر في القيء هو رجوعه ، سواء أكان القيء لعلّة أو امتلاء معدة، قلّ أو كثر ، تغيّر أو لا ، رجع عمداً أو سهواً ، فإنّه مفطر وعليه القضاء .
    ومذهب الحنابلة : أنّه لو عاد القيء بنفسه ، لا يفطر لأنّه كالمكره ، ولو أعاده أفطر ، كما لو أعاد بعد انفصاله عن الفم .
    81 - أمّا الاستقاءة ، وهي : استخراج ما في الجوف عمداً ، أو هي : تكلّف القيء فإنّها مفسدة للصّوم موجبة للقضاء عند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - مع اختلافهم في الكفّارة .
    وروي عند الحنابلة ، أنّه لا يفطر بالاستقاءة إلاّ بملء الفم ، قال ابن عقيل : ولا وجه لهذه الرّواية عندي .
    وللحنفيّة تفصيل في الاستقاءة :
    أ - فإن كانت عمداً ، والصّائم متذكّر لصومه ، غير ناس ، والقيء ملء فمه ، فعليه القضاء للحديث المذكور ، والقياس متروك به ، ولا كفّارة فيه لعدم صورة الفطر .
    ب - وإن كان أقلّ من ملء الفم ، فكذلك عند محمّد ، يفسد صومه ، لإطلاق الحديث ، وهو ظاهر الرّواية .
    وعند أبي يوسف لا يفسد ، لعدم الخروج حكماً ، قالوا : وهو الصّحيح ، ثمّ إن عاد بنفسه لم يفسد عنده ، لعدم سبق الخروج ، وإن أعاده فعنه : أنّه لا يفسد لعدم الخروج ، وهي أصحّ الرّوايتين عنه .
    ونصّ الحنفيّة على أنّ هذا كلّه إذا كان القيء طعاماً ، أو مرّةً فإن كان الخارج بلغماً ، فغير مفسد للصّوم ، عند أبي حنيفة ومحمّد ، خلافاً لأبي يوسف .
    حادي عشر : طلوع الفجر في حالة الأكل أو الجماع :
    82 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا طلع الفجر وفي فيه طعام أو شراب فليلفظه ، ويصحّ صومه . فإن ابتلعه أفطر ، وكذا الحكم عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة فيمن أكل أو شرب ناسياً ثمّ تذكّر الصّوم ، صحّ صومه إن بادر إلى لفظه . وإن سبق شيء إلى جوفه بغير اختياره ، فلا يفطر عند الحنابلة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة .
    وأمّا المالكيّة فقالوا : إذا وصل شيء من ذلك إلى جوفه - ولو غلبه - أفطر .
    وإذا نزع ، وقطع الجماع عند طلوع الفجر في الحال فمذهب الحنفيّة والشّافعيّة - وأحد قولين للمالكيّة - لا يفسد صومه ، وقيّده القليوبيّ بأن لا يقصد اللّذّة بالنّزع ، وإلاّ بطل صومه ، حتّى لو أمنى بعد النّزع ، لا شيء عليه ، وصومه صحيح ، لأنّه كالاحتلام ، كما يقول الحنفيّة ، ولتولّده من مباشرة مباحة ، كما يقول الشّافعيّة .
    ومشهور مذهب المالكيّة : أنّه لو نزع عند طلوع الفجر ، وأمنى حال الطّلوع - لا قبله ولا بعده - فلا قضاء ، لأنّ الّذي بعده من النّهار والّذي قبله من اللّيل ، والنّزع ليس وطئاً . والقول الآخر للمالكيّة هو وجوب القضاء .
    وسبب هذا الاختلاف عند المالكيّة هو أنّه : هل يعدّ النّزع جماعاً ، أو لا يعدّ جماعاً ؟
    ولهذا قالوا : من طلع عليه الفجر – وهو يجامع – فعليه القضاء ، وقيل : والكفّارة . ومذهب الحنابلة : أنّ النّزع جماع ، فمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال ، مع أوّل طلوع الفجر ، فعليه القضاء والكفّارة ، لأنّه يلتذّ بالنّزع ، كما يلتذّ بالإيلاج ، كما لو استدام بعد طلوع الفجر .
    ولو مكث بعد طلوع الفجر مجامعاً ، بطل صومه ، ولو لم يعلم بطلوعه .
    وفي وجوب الكفّارة في المكث والبقاء ، في هذه الحال ، خلاف : فظاهر الرّواية ، في مذهب الحنفيّة ، والمذهب عند الشّافعيّة عدم وجوب الكفّارة ، لأنّها تجب بإفساد الصّوم ، والصّوم منتف حال الجماع فاستحال إفساده ، فلم تجب الكفّارة .
    أو كما قال النّوويّ : لأنّ مكثه مسبوق ببطلان الصّوم .
    وروي عن أبي يوسف وجوب الكفّارة .
    مكروهات الصّوم :
    83 - يكره للصّائم بوجه عامّ - مع الخلاف - ما يلي :
    أ - ذوق شيء بلا عذر ، لما فيه من تعريض الصّوم للفساد ، ولو كان الصّوم نفلاً ، على المذهب عند الحنفيّة ، لأنّه يحرم إبطال النّفل بعد الشّروع فيه ، وظاهر إطلاق الكراهة يفيد أنّها تحريميّة .
    ومن العذر مضغ الطّعام للولد ، إذا لم تجد الأمّ منه بدّاً ، فلا بأس به ، ويكره إذا كان لها منه بدّ .
    وليس من العذر ، ذوق اللّبن والعسل لمعرفة الجيّد منه والرّديء عند الشّراء ، فيكره ذلك . وكذا ذوق الطّعام ، لينظر اعتداله ، ولو كان لصانع الطّعام .
    لكن نقل عن الإمام أحمد قوله : أحبّ إليّ أن يجتنب ذوق الطّعام ، فإن فعل فلا بأس به ، بل قال بعض الحنابلة : إنّ المنصوص عنه : أنّه لا بأس به لحاجة ومصلحة ، واختاره ابن عقيل وغيره وإلاّ كره .
    وإن وجد طعم المذوق في حلقه أفطر .
    ب - ويكره مضغ العلك ، الّذي لا يتحلّل منه أجزاءً ، فلا يصل منه شيء إلى الجوف . ووجه الكراهة : اتّهامه بالفطر ، سواء أكان رجلاً أم امرأةً ، قال عليّ رضي الله تعالى عنه: إيّاك وما يسبق إلى العقول إنكاره ، وإن كان عندك اعتذاره .
    أمّا ما يتحلّل منه أجزاء ، فيحرم مضغه ، ولو لم يبتلع ريقه ، إقامةً للمظنّة مقام المئنّة ، فإن تفتّت فوصل شيء منه إلى جوفه عمداً أفطر ، وإن شكّ في الوصول لم يفطر .
    ج - تكره القبلة إن لم يأمن على نفسه وقوع مفسد من الإنزال أو الجماع .
    وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( تقبيل ف /17 ) .
    د - ويرى جمهور الفقهاء أنّ المباشرة والمعانقة ودواعي الوطء - كاللّمس وتكرار النّظر- حكمها حكم القبلة فيما تقدّم .
    وخصّ الحنفيّة المباشرة الفاحشة ، بالكراهة التّحريميّة ، وهي - عندهم - أن يتعانقا ، وهما متجرّدان ، ويمسّ فرجه فرجها . ونصّوا على أنّ الصّحيح أنّها تكره ، وإن أمن على نفسه الإنزال والجماع .
    ونقل الطّحاويّ وابن عابدين عدم الخلاف في كراهتها ، وكذلك القبلة الفاحشة ، وهي : أن يمصّ شفتها ، فيكره على الإطلاق .
    هـ – الحجامة ، وهي أيضاً ممّا يكره للصّائم – في الجملة – وهي استخراج الدّم المحقن من الجسم ، مصّاً أو شرطاً .
    ومذهب الجمهور أنّها لا تفطّر الحاجم ولا المحجوم ، ولكنّهم كرهوها بوجه عامّ .
    وقال الحنفيّة : لا بأس بها ، إن أمن الصّائم على نفسه الضّعف ، أمّا إذا خاف الضّعف ، فإنّها تكره ، وشرط شيخ الإسلام الكراهة ، إذا كانت تورث ضعفاً يحتاج معه إلى الفطر . وقال المالكيّة : إنّ المريض والصّحيح ، إذا علمت سلامتهما بالحجامة أو ظنّت ، جازت الحجامة لهما ، وإن علم أو ظنّ عدم السّلامة لهما حرّمت لهما ، وفي حالة الشّكّ تكره للمريض ، وتجوز للصّحيح .
    قالوا : إنّ محلّ المنع إذا لم يخش بتأخيرها عليل هلاكاً أو شديد أذىً ، وإلاّ وجب فعلها وإن أدّت للفطر ، ولا كفّارة عليه .
    وقال الشّافعيّة : يستحبّ الاحتراز من الحجامة ، من الحاجم والمحجوم ، لأنّها تضعفه .
    قال الشّافعيّ في الأمّ : لو ترك رجل الحجامة صائماً للتّوقّي ، كان أحبّ إليّ ، ولو احتجم لم أره يفطره .
    ونقل النّوويّ عن الخطّابيّ ، أنّ المحجوم قد يضعف فتلحقه مشقّة ، فيعجز عن الصّوم فيفطر بسببها ، والحاجم قد يصل إلى جوفه شيء من الدّم .
    ودليل عدم الإفطار بالحجامة ، حديث : ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم ، واحتجم وهو صائم « .
    ودليل كراهة الحجامة حديث ثابت البنانيّ أنّه قال لأنس بن مالك : » أكنتم تكرهون الحجامة للصّائم على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، إلاّ من أجل الضّعف « .
    وقالوا أيضاً : إنّه دم خارج من البدن ، فأشبه الفصد .
    ومذهب الحنابلة أنّ الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم ، لحديث رافع بن خديج رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » أفطر الحاجم والمحجوم « .
    قال المرداويّ : ولا نعلم أحداً من الأصحاب ، فرّق - في الفطر وعدمه - بين الحاجم والمحجوم .
    قال الشّوكانيّ : يجمع بين الأحاديث ، بأنّ الحجامة مكروهة في حقّ من كان يضعف بها ، وتزداد الكراهة إذا كان الضّعف يبلغ إلى حدّ يكون سبباً للإفطار ، ولا تكره في حقّ من كان لا يضعف بها ، وعلى كلّ حال تجنّب الحجامة للصّائم أولى .
    أمّا الفصد ، فقد نصّ الحنفيّة على كراهته ، كالحجامة ، وكراهة كلّ عمل شاقّ ، وكلّ ما يظنّ أنّه يضعف عن الصّوم ، وكذلك صرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّ الفصادة كالحجامة .
    غير أنّ الحنابلة الّذين قالوا ، بالفطر في الحجامة ، قالوا : لا فطر بفصد وشرط ، ولا بإخراج دمه برعاف ، لأنّه لا نصّ فيه ، والقياس لا يقتضيه .
    وفي قول لهم - اختاره الشّيخ تقيّ الدّين - إفطار المفصود دون الفاصد ، كما اختار إفطار الصّائم ، بإخراج دمه ، برعاف وغيره .
    و - وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق في الصّوم .
    ففي المضمضة : بإيصال الماء إلى رأس الحلق ، وفي الاستنشاق : بإيصاله إلى فوق المارن .
    وذلك لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : » بالغ في الاستنشاق إلاّ أن تكون صائماً « ، وذلك خشية فساد صومه .
    ومن المكروهات الّتي عدّدها المالكيّة : فضول القول والعمل ، وإدخال كلّ رطب له طعم - في فمه - وإن مجّه ، والإكثار من النّوم في النّهار .
    ما لا يكره في الصّوم :
    84 - لا يكره للصّائم - في الجملة - ما يلي ، مع الخلاف في بعضها :
    أ - الاكتحال غير مكروه عند الحنفيّة والشّافعيّة ، بل أجازوه ، ونصّوا على أنّه لا يفطر به الصّائم ولو وجد طعمه في حلقه ، قال النّوويّ : لأنّ العين ليست بجوف ، ولا منفذ منها إلى الحلق .
    واحتجّوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : » اكتحل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو صائم « ، وحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : » جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : اشتكت عيني ، أفأكتحل وأنا صائم ؟ قال : نعم « .
    وتردّد المالكيّة في الاكتحال ، فقالوا : إن كان لا يتحلّل منه شيء لم يفطر ، وإن تحلّل منه شيء أفطر . وقال أبو مصعب : لا يفطر . ومنعه ابن القاسم مطلقاً .
    وقال أبو الحسن : إن تحقّق أنّه يصل إلى حلقه ، لم يكن له أن يفعله ، وإن شكّ كره ، ولْيَتَمَادَ - أي يستمرّ في صومه - وعليه القضاء ، فإن علم أنّه لا يصل ، فلا شيء عليه . وقال مالك في المدوّنة : إذا دخل حلقه ، وعلم أنّه قد وصل الكحل إلى حلقه ، فعليه القضاء ولا كفّارة عليه . وإن تحقّق عدم وصوله للحلق لا شيء عليه ، كاكتحاله ليلاً وهبوطه نهاراً للحلق ، لا شيء عليه في شيء من ذلك .
    وهذا أيضاً مذهب الحنابلة ، فقد قالوا : إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه ويتحقّق الوصول إليه فسد صومه ، وهذا الصّحيح من المذهب .
    واستدلّوا بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » أمر بالإثمد المروّح عند النّوم ، وقال : ليتّقه الصّائم « ولأنّ العين منفذ ، لكنّه غير معتاد ، وكالواصل من الأنف .
    واختار الشّيخ تقيّ الدّين أنّه لا يفطر بذلك .
    ب - التّقطير في العين ، ودهن الأجفان ، أو وضع دواء مع الدّهن في العين لا يفسد الصّوم، لأنّه لا ينافيه وإن وجد طعمه في حلقه ، وهو الأصحّ عند الحنفيّة ، والظّاهر من كلام الشّافعيّة أنّهم يوافقون الحنفيّة .
    وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ التّقطير في العين مفسد للصّوم إذا وصل إلى الحلق ، لأنّ العين منفذ وإن لم يكن معتاداً .
    ج - دهن الشّارب ونحوه ، كالرّأس والبطن ، لا يفطر بذلك عند الحنفيّة والشّافعيّة ، ولو وصل إلى جوفه بشرب المسامّ ، لأنّه لم يصل من منفذ مفتوح ، ولأنّه ليس فيه شيء ينافي الصّوم ، ولأنّه - كما يقول المرغينانيّ - : نوع ارتفاق ، وليس من محظورات الصّوم . لكن المالكيّة قالوا : من دهن رأسه نهاراً ، ووجد طعمه في حلقه ، أو وضع حنّاء في رأسه نهاراً ، فاستطعمها في حلقه ، فالمعروف في المذهب وجوب القضاء وإن قال الدّردير : لا قضاء عليه ، والقاعدة عندهم : وصول مائع للحلق ، ولو كان من غير الفم ، مع أنّهم قالوا: لا قضاء في دهن جائفة ، وهي : الجرح النّافذ للجوف ، لأنّه لا يدخل مدخل الطّعام .
    د - الاستياك ، لا يرى الفقهاء بالاستياك بالعود اليابس أوّل النّهار بأساً ، ولا يكره عند الحنفيّة والمالكيّة بعد الزّوال ، وهو وجه عند الشّافعيّة في النّفل ، ليكون أبعد من الرّياء ، ورواية عند الحنابلة آخر النّهار . بل صرّح الأوّلون بسنّيّته آخر النّهار وأوّله ، وذلك لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » من خير خصال الصّائم السّواك « .
    ولقول عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه : » رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي ، يتسوّك وهو صائم « .
    وقد أطلقت هذه الأحاديث السّواك ، فيسنّ ولو كان رطباً ، أو مبلولاً بالماء ، خلافاً لأبي يوسف في رواية كراهة الرّطب ، ولأحمد في رواية كراهة المبلول بالماء ، لاحتمال أن يتحلّل منه أجزاء إلى حلقه ، فيفطّره ، وروي عن أحمد أنّه لا يكره .
    وشرط المالكيّة لجوازه أن لا يتحلّل منه شيء ، فإن تحلّل منه شيء كره ، وإن وصل إلى الحلق أفطر .
    وذهب الشّافعيّة إلى سنّيّة ترك السّواك بعد الزّوال ، وإذا استاك فلا فرق بين الرّطب واليابس ، بشرط أن يحترز عن ابتلاع شيء منه أو من رطوبته .
    واستحبّ أحمد ترك السّواك بالعشيّ ، وقال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » خلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك الأذفر « لتلك الرّائحة لا يعجبني للصّائم أن يستاك بالعشيّ .
    وعنه روايتان في الاستياك بالعود الرّطب :
    إحداهما : الكراهة - كما تقدّم - والأخرى : أنّه لا يكره ، قال ابن قدامة : ولم ير أهل العلم بالسّواك أوّل النّهار بأساً ، إذا كان العود يابساً .
    هـ – المضمضة والاستنشاق في غير الوضوء والغسل لا يكره ذلك ولا يفطر .
    وقيّده المالكيّة بما إذا كان لعطش ونحوه ، وكرهوه لغير موجب ، لأنّ فيه تغريراً ومخاطرةً، وذلك لاحتمال سبق شيء من الماء إلى الحلق ، فيفسد الصّوم حينئذ .


  7. #7
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    وفي الحديث عن عمر رضي الله تعالى عنه : » أنّه سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصّائم ؟ فقال : أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم ؟ قلت : لا بأس ، قال : فمه « .
    ولأنّ الفم في حكم الظّاهر ، لا يبطل الصّوم بالواصل إليه كالأنف والعين .
    ومع ذلك ، فقد قال ابن قدامة : إنّ المضمضة ، إن كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه ونحوه ، فحكمه حكم المضمضة للطّهارة ، وإن كان عابثاً ، أو مضمض من أجل العطش كره .
    ولا بأس أن يصبّ الماء على رأسه من الحرّ والعطش ، لما روي عن بعض أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » لقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالعرج ، يصبّ الماء على رأسه وهو صائم ، من العطش ، أو من الحرّ « .
    وكذا التّلفّف بثوب مبتلّ للتّبرّد ودفع الحرّ على المفتى به - عند الحنفيّة - لهذا الحديث ، ولأنّ بهذه عوناً له على العبادة ، ودفعاً للضّجر والضّيق .
    وكرهها أبو حنيفة ، لما فيها من إظهار الضّجر في إقامة العبادة .
    و - اغتسال الصّائم ، فلا يكره ، ولا بأس به حتّى للتّبرّد ، عند الحنفيّة وذلك لما روي عن عائشة وأمّ سلمة رضي الله تعالى عنهما قالتا : » نشهد على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنباً ، من غير احتلام ، ثمّ يغتسل ثمّ يصوم « .
    وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه دخل الحمّام وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان .
    وأمّا الغوص في الماء ، إذا لم يخف أن يدخل في مسامعه ، فلا بأس به ، وكرهه بعض الفقهاء حال الإسراف والتّجاوز أو العبث ، خوف فساد الصّوم .
    الآثار المترتّبة على الإفطار :
    85 -
    حصر الفقهاء الآثار المترتّبة على الإفطار في أمور ، منها : القضاء ، والكفّارة الكبرى ، والكفّارة الصّغرى - وهذه هي الفدية - والإمساك بقيّة النّهار ، وقطع التّتابع ، والعقوبة .
    أوّلاً : القضاء :
    86 -
    من أفطر أيّاماً من رمضان - كالمريض والمسافر - قضى بعدّة ما فاته ، لأنّ القضاء يجب أن يكون بعدّة ما فاته ، لقوله تعالى : { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
    ومن فاته صوم رمضان كلّه ، قضى الشّهر كلّه ، سواء ابتدأه من أوّل الشّهر أو من أثنائه ، كأعداد الصّلوات الفائتة .
    قال الأبيّ : القضاء لما فات من رمضان بالعدد : فمن أفطر رمضان كلّه ، وكان ثلاثين ، وقضاه في شهر بالهلال ، وكان تسعةً وعشرين يوماً ، صام يوماً آخر . وإن فاته صوم رمضان وهو تسعة وعشرون يوماً ، وقضاه في شهر - وكان ثلاثين يوماً - فلا يلزمه صوم اليوم الأخير ، لقوله تعالى : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
    وقال ابن وهب : إن صام بالهلال ، كفاه ما صامه ، ولو كان تسعةً وعشرين ، ورمضان ثلاثين .
    وكذا قال القاضي من الحنابلة : إن قضى شهراً هلاليّاً أجزأه ، سواء كان تامّاً أو ناقصاً وإن لم يقض شهراً ، صام ثلاثين يوماً . وهو ظاهر كلام الخرقيّ .
    قال المجد : وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وقال : هو أشهر .
    ويجوز أن يقضي يوم شتاء عن يوم صيف ، ويجوز عكسه ، بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء ، وهذا لعموم الآية المذكورة وإطلاقها .
    وقضاء رمضان يكون على التّراخي . لكن الجمهور قيّدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه ، بأن يهلّ رمضان آخر ، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها : » كان يكون عليّ الصّوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان ، لمكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم « . كما لا يؤخّر الصّلاة الأولى إلى الثّانية .
    ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ، من غير عذر يأثم به ، لحديث عائشة هذا ، فإن أخّر فعليه الفدية : إطعام مسكين لكلّ يوم ، لما روي عن ابن عبّاس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتّى أدركه رمضان آخر : عليه القضاء وإطعام مسكين لكلّ يوم ، وهذه الفدية للتّأخير ، أمّا فدية المرضع ونحوها فلفضيلة الوقت ، وفدية الهرم لأصل الصّوم ، ويجوز الإطعام قبل القضاء ومعه وبعده .
    ومذهب الحنفيّة ، وهو وجه محتمل عند الحنابلة : إطلاق التّراخي بلا قيد ، فلو جاء رمضان آخر ، ولم يقض الفائت ، قدّم صوم الأداء على القضاء ، حتّى لو نوى الصّوم عن القضاء لم يقع إلاّ عن الأداء ، ولا فدية عليه بالتّأخير إليه ، لإطلاق النّصّ ، وظاهر قوله تعالى : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .
    وعند غير الحنفيّة يحرم التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان ، ولا يصحّ تطوّعه بالصّوم قبل قضاء ما عليه من رمضان ، بل يبدأ بالفرض حتّى يقضيه ، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض ، لأنّ الصّوم عبادة متكرّرة ، فلم يجز تأخير الأولى عن الثّانية ، كالصّلوات المفروضة .
    مسائل تتعلّق بالقضاء :
    الأولى :
    87 -
    إن أخّر قضاء رمضان - وكذا النّذر والكفّارة - لعذر ، بأن استمرّ مرضه أو سفره المباح إلى موته ، ولم يتمكّن من القضاء ، فلا شيء عليه ، ولا تدارك للغائب بالفدية ولا بالقضاء ، لعدم تقصيره ، ولا إثم به ، لأنّه فرض لم يتمكّن منه إلى الموت ، فسقط حكمه ، كالحجّ ، ولأنّه يجوز تأخير رمضان بهذا العذر أداءً ، فتأخير القضاء أولى ، كما يقول النّوويّ .
    وسواء استمرّ العذر إلى الموت ، أم حصل الموت في رمضان ، ولو بعد زوال العذر كما قال الشّربينيّ الخطيب .
    وقال أبو الخطّاب : يحتمل أن يجب الصّوم عنه أو التّكفير
    الثّانية :
    88 -
    لو أفطر بعذر واتّصل العذر بالموت فقد اتّفق الفقهاء على أنّه لا يصام عنه ولا كفّارة فيه ، لأنّه فرض لم يتمكّن من فعله إلى الموت فسقط حكمه ، كالحجّ .
    أمّا إذا زال العذر وتمكّن من القضاء ، ولم يقض حتّى مات ففيه تفصيل :
    فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في المذهب ، وهو الأصحّ والجديد عند الشّافعيّة - إلى أنّه لا يصام عنه ، لأنّ الصّوم واجب بأصل الشّرع لا يقضى عنه ، لأنّه لا تدخله النّيابة في الحياة فكذلك بعد الممات كالصّلاة .
    وذهب الشّافعيّة في القديم ، وهو المختار عند النّوويّ ، وهو قول أبي الخطّاب من الحنابلة إلى أنّه يجوز لوليّه أن يصوم عنه ، زاد الشّافعيّة : ويصحّ ذلك ، ويجزئه عن الإطعام ، وتبرأ به ذمّة الميّت ولا يلزم الوليّ الصّوم بل هو إلى خيرته ، لحديث عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » من مات وعليه صيام صام عنه وليّه « .
    أمّا في وجوب الفدية فقد اختلفوا فيه على النّحو التّالي :
    قال الحنفيّة : لو أخّر قضاء رمضان بغير عذر ، ثمّ مات قبل رمضان آخر أو بعده ، ولم يقض لزمه الإيصاء بكفّارة ما أفطره بقدر الإقامة من السّفر والصّحّة من المرض وزوال العذر ، ولا يجب الإيصاء بكفّارة ما أفطره على من مات قبل زوال العذر .
    وذهب الشّافعيّة - في الجديد - إلى أنّه يجب في تركته لكلّ يوم مدّ من طعام .
    وذهب الحنابلة في المذهب إلى الإطعام عنه لكلّ يوم مسكيناً .
    والظّاهر من مذهب المالكيّة : وجوب مدّ عن كلّ يوم أفطره إذا فرّط ، بأن كان صحيحاً مقيماً خالياً من الأعذار .
    ثانياً : الكفّارة الكبرى :
    89 -
    ثبتت الكفّارة الكبرى بالنّصّ في حديث الأعرابيّ الّذي واقع زوجته في نهار رمضان . ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها بإفساد الصّوم بالوقاع في الجملة ، وإنّما الخلاف في وجوبها بإفساده بالطّعام والشّراب : فتجب - في الجملة أيضاً - بإفساد صوم رمضان خاصّةً ، طائعاً متعمّداً غير مضطرّ ، قاصداً انتهاك حرمة الصّوم ، من غير سبب مبيح للفطر .
    وقال الحنفيّة : إنّما يكفّر إذا نوى الصّيام ليلاً ، ولم يكن مكرهاً ، ولم يطرأ مسقط ، كمرض وحيض .
    فلا كفّارة في الإفطار في غير رمضان ، ولا كفّارة على النّاسي والمكره - عند الجمهور - ولا على النّفساء والحائض والمجنون ، ولا على المريض والمسافر ، ولا على المرهق بالجوع والعطش ، ولا على الحامل ، لعذرهم .
    ولا على المرتدّ ، لأنّه هتك حرمة الإسلام ، لا حرمة الصّيام خصوصاً .
    فتجب بالجماع عمداً، لا ناسياً - خلافاً لأحمد وابن الماجشون من المالكيّة - وتجب بالأكل والشّرب عمداً ، خلافاً للشّافعيّ وأحمد ، وتقدّمت موجبات أخرى مختلف فيها ، كالإصباح بنيّة الفطر ، ورفض النّيّة نهاراً والاستقاء العامد ، وابتلاع ما لا يغذّي عمداً .
    أمّا خصال الكفّارة فهي : العتق والصّيام والإطعام ، وهذا بالاتّفاق بين الفقهاء ، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : » بينما نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل ، فقال : يا رسول اللّه ، هلكت ، قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً ؟ قال : لا ، قال : فمكث النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فيها تمر ، قال : أين السّائل ؟ فقال : أنا ، قال : خذ هذا فتصدّق به ، فقال الرّجل : على أفقر منّي يا رسول اللّه ، فواللّه ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال : أطعمه أهلك « .
    قال ابن تيميّة الجدّ في تعليقه على هذا الحديث : وفيه دلالة قويّة على التّرتيب .
    قالوا : فكفّارته ككفّارة الظّهار ، لكنّها ثابتة بالكتاب ، وأمّا هذه فبالسّنّة .
    وقال الشّوكانيّ : ظاهر الحديث أنّ الكفّارة بالخصال الثّلاث على التّرتيب .
    قال ابن العربيّ : لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نقله من أمر بعد عدمه إلى أمر آخر ، وليس هذا شأن التّخيير .
    وقال البيضاويّ : إنّ ترتيب الثّاني على الأوّل ، والثّالث على الثّاني ، بالفاء يدلّ على عدم التّخيير ، مع كونها في معرض البيان وجواب السّؤال ، فنزل منزلة الشّرط وإلى القول بالتّرتيب ذهب الجمهور . وأنّها ككفّارة الظّهار : فيعتق أوّلاً ، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع أطعم ستّين مسكيناً ، لهذا الحديث .
    ثالثاً : الكفّارة الصّغرى :
    90 -
    الكفّارة الصّغرى : هي الفدية ، وتقدّم أنّها مدّ من طعام لمسكين إذا كان من البرّ ، أو نصف صاع إذا كان من غيره ، وذلك عن كلّ يوم ، وهي عند الحنفيّة كالفطرة قدراً ، وتكفي فيها الإباحة ، ولا يشترط التّمليك هنا ، بخلاف الفطرة .
    وتجب على من أخّر قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر ، وعلى الحامل والمرضع والشّيخ الهرم .
    وينظر التّفصيل في مصطلح : ( فدية ) .
    رابعاً : الإمساك لحرمة شهر رمضان :
    91 -
    من لوازم الإفطار في رمضان : الإمساك لحرمة الشّهر ، قال النّوويّ : وهو من خواصّ رمضان ، كالكفّارة ، فلا إمساك على متعدّ بالفطر ، وفي نذر أو قضاء وفيه خلاف وتفصيل وتفريع في المذاهب الفقهيّة :
    فالحنفيّة وضعوا أصلين لهذا الإمساك :
    أوّلهما : أنّ كلّ من صار في آخر النّهار بصفة ، لو كان في أوّل النّهار عليها للزمه الصّوم، فعليه الإمساك .
    ثانيهما : كلّ من وجب عليه الصّوم ، لوجود سبب الوجوب والأهليّة ، ثمّ تعذّر عليه المضيّ، بأن أفطر متعمّداً ، أو أصبح يوم الشّكّ مفطراً ، ثمّ تبيّن أنّه من رمضان ، أو تسحّر على ظنّ أنّ الفجر لم يطلع ، ثمّ تبيّن طلوعه ، فإنّه يجب عليه الإمساك تشبّهاً على الأصحّ ، لأنّ الفطر قبيح ، وترك القبيح واجب شرعاً ، وقيل : يستحبّ .
    وأجمع الحنفيّة على أنّه لا يجب على الحائض والنّفساء والمريض والمسافر هذا الإمساك . وأجمعوا على وجوبه على من أفطر عمداً ، أو خطأً ، أو أفطر يوم الشّكّ ثمّ تبيّن أنّه من رمضان ، وكذا على مسافر أقام ، وحائض ونفساء طهرتا ، ومجنون أفاق ، ومريض صحّ، ومفطر ولو مكرهاً أو خطأً ، وصبيّ بلغ ، وكافر أسلم .
    وقال ابن جزيّ من المالكيّة : وأمّا إمساك بقيّة اليوم ، فيؤمر به من أفطر في رمضان خاصّةً ، عمداً أو نسياناً ، لا من أفطر لعذر مبيح ثمّ زال العذر مع العلم برمضان ، فإنّه لا يندب له الإمساك ، كمن اضطرّ للفطر في رمضان ، من شدّة جوع أو عطش فأفطر ، وكحائض ونفساء طهرتا نهاراً ، ومريض صحّ نهاراً ، ومرضع مات ولدها ، ومسافر قدم ، ومجنون أفاق ، وصبيّ بلغ نهاراً ، فلا يندب الإمساك منهم .
    وقيّد العلم برمضان ، احتراز عمّن أفطر ناسياً ، وعمّن أفطر يوم الشّكّ ثمّ ثبت أنّه من رمضان ، فإنّه يجب الإمساك ، كصبيّ بيّت الصّوم ، واستمرّ صائماً حتّى بلغ ، فإنّه يجب عليه الإمساك ، لانعقاد صومه له نافلةً ، أو أفطر ناسياً قبل بلوغه فيجب عليه بعد الإمساك، وإن لم يجب القضاء على الصّبيّ في هاتين الصّورتين .
    ونصّوا كذلك على أنّ من أكره على الفطر ، فإنّه يجب عليه الإمساك ، بعد زوال الإكراه قالوا : لأنّ فعله قبل زوال العذر ، لا يتّصف بإباحة ولا غيرها .
    ونصّوا على أنّه يندب إمساك بقيّة اليوم لمن أسلم ، لتظهر عليه علامة الإسلام بسرعة ، ولم يجب ، تأليفاً له للإسلام ، كما ندب قضاؤه ، ولم يجب لذلك .
    والشّافعيّة بعد أن نصّوا على أنّ الإمساك تشبّهاً من خواصّ رمضان ، كالكفّارة ، وأنّ من أمسك تشبّهاً ليس في صوم وضعوا هذه القاعدة ، وهي : أنّ الإمساك يجب على كلّ متعدّ بالفطر في رمضان ، سواء أكل أو ارتدّ أو نوى الخروج من الصّوم - وقلنا إنّه يخرج بذلك- كما يجب على من نسي النّيّة من اللّيل ، وهو غير واجب على من أبيح له الفطر إباحةً حقيقيّةً ، كالمسافر إذا قدم ، والمريض إذا برئ بقيّة النّهار .
    ونظروا بعد ذلك في هذه الأحوال :
    المريض والمسافر ، اللّذان يباح لهما الفطر ، لهما ثلاثة أحوال :
    الأولى : أن يصبحا صائمين ، ويدوما كذلك إلى زوال العذر ، فالمذهب لزوم إتمام الصّوم . الثّانية : أن يزول العذر بعد ما أفطر ، فلا يجب الإمساك ، لكن يستحبّ لحرمة الوقت - كما يقول المحلّيّ - فإن أكلا أخفياه ، لئلاّ يتعرّضا للتّهمة وعقوبة السّلطان ، ولهما الجماع بعد زوال العذر ، إذا لم تكن المرأة صائمةً ، بأن كانت صغيرةً ، أو طهرت من الحيض ذلك اليوم .
    الثّالثة : أن يصبحا غير ناويين ، ويزول العذر قبل أن يأكلا ، ففي المذهب قولان :
    لا يلزمهما الإمساك في المذهب ، لأنّ من أصبح تاركاً للنّيّة فقد أصبح مفطراً ، فكان كما لو أكل وقيل : يلزمهما الإمساك حرمةً لليوم .
    وإذا أصبح يوم الشّكّ مفطراً غير صائم ، ثمّ ثبت أنّه من رمضان ، فقضاؤه واجب ، ويجب إمساكه على الأظهر ، وقيل : لا يلزمه ، لعذره .
    أمّا لو بان أنّه من رمضان قبل الأكل : فقد حكى المتولّي في لزوم الإمساك القولين ، وجزم الماورديّ وجماعة بلزومه .
    قال القليوبيّ وهو المعتمد .
    وإذا بلغ صبيّ مفطراً أو أفاق مجنون ، أو أسلم كافر أثناء يوم من رمضان ففيه أوجه : أصحّها أنّه لا يلزمهم إمساك بقيّة النّهار لأنّه يلزمهم قضاؤه ، والثّاني : أنّه يلزمهم ، بناءً على لزوم القضاء .
    والثّالث : يلزم الكافر دونهما ، لتقصيره .
    والرّابع : يلزم الكافر والصّبيّ لتقصيرهما ، أو لأنّهما مأموران على الجملة - كما يقول الغزاليّ - دون المجنون .
    قال المحلّيّ : لو بلغ الصّبيّ بالنّهار صائماً ، بأن نوى ليلاً ، وجب عليه إتمامه بلا قضاء ، وقيل : يستحبّ إتمامه ، ويلزمه القضاء ، لأنّه لم ينو الفرض .
    والحائض والنّفساء إذا طهرتا في أثناء النّهار ، فالمذهب أنّه لا يلزمهما الإمساك ، ونقل الإمام الاتّفاق عليه .
    وفي مذهب الحنابلة هذه القاعدة بفروعها :
    من صار في أثناء يوم من رمضان أهلاً للوجوب لزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه لحرمة الوقت ، ولقيام البيّنة فيه بالرّؤية ، ولإدراكه جزءاً من وقته كالصّلاة .
    وكذا كلّ من أفطر والصّوم يجب عليه ، فإنّه يلزمه الإمساك والقضاء ، كالفطر لغير عذر ، ومن أفطر يظنّ أنّ الفجر لم يطلع وكان قد طلع ، أو يظنّ أنّ الشّمس قد غابت ولم تغب ، أو النّاسي للنّيّة ، فكلّهم يلزمهم الإمساك ، قال ابن قدامة : لا نعلم بينهم فيه اختلافاً . أو تعمّدت مكلّفة الفطر ، ثمّ حاضت أو نفست ، أو تعمّد الفطر مقيم ثمّ سافر ، فكلّهم يلزمهم الإمساك والقضاء ، لما سبق .
    فأمّا من يباح له الفطر في أوّل النّهار ظاهراً وباطناً كالحائض والنّفساء والمسافر والصّبيّ والمجنون والكافر والمريض إذا زالت أعذارهم في أثناء النّهار ، فطهرت الحائض والنّفساء، وأقام المسافر ، وبلغ الصّبيّ ، وأفاق المجنون ، وأسلم الكافر ، وصحّ المريض ، ففيهم روايتان :
    إحداهما : يلزمهم الإمساك بقيّة اليوم ، لأنّه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصّيام ، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك ، كقيام البيّنة بالرّؤية .
    واقتصر على موجب هذه الرّواية البهوتيّ ، في كشّافه وروضه .
    والأخرى : لا يلزمهم الإمساك ، لأنّه روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّه قال : من أكل أوّل النّهار ، فليأكل آخره .
    ولأنّه أبيح له الفطر أوّل النّهار ظاهراً وباطناً ، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النّهار ، كما لو دام العذر .
    قال ابن قدامة : فإذا جامع أحد هؤلاء ، بعد زوال عذره ، انبنى على الرّوايتين ، في وجوب الإمساك :
    1 -
    فإن قلنا : يلزمه الإمساك ، فحكمه حكم من قامت البيّنة بالرّؤية في حقّه إذا جامع .
    2 -
    وإن قلنا : لا يلزمه الإمساك ، فلا شيء عليه .
    وقد روي عن جابر بن يزيد : أنّه قدم من سفره فوجد امرأته قد طهرت من حيض ، فأصابها .
    خامساً : العقوبة :
    92 -
    يراد بالعقوبة هنا : الجزاء المترتّب على من أفطر عمداً في رمضان من غير عذر ، فهي من لوازم الإفطار وموجباته .
    وفي عقوبة المفطر العامد ، من غير عذر ، خلاف وتفصيل :
    فمذهب الحنفيّة أنّ تارك الصّوم كتارك الصّلاة ، إذا كان عمداً كسلاً ، فإنّه يحبس حتّى يصوم ، وقيل : يضرب في حبسه ، ولا يقتل إلاّ إذا جحد الصّوم أو الصّلاة ، أو استخفّ بأحدهما .
    ونقل ابن عابدين عن الشرنبلالي ، أنّه لو تعمّد من لا عذر له الأكل جهاراً يقتل ، لأنّه مستهزئ بالدّين ، أو منكر لما ثبت منه بالضّرورة ، ولا خلاف في حلّ قتله ، والأمر به . وأطلق ابن جزيّ من المالكيّة في العقوبة قوله : هي للمنتهك لصوم رمضان .
    وقال خليل : أدّب المفطر عمداً .
    وكتب عليه الشّرّاح : أنّ من أفطر في أداء رمضان عمداً اختياراً بلا تأويل قريب ، يؤدّب بما يراه الحاكم : من ضرب أو سجن أو بهما معاً ، ثمّ إن كان فطره بما يوجب الحدّ ، كزنىً وشرب خمر ، حدّ مع الأدب ، وقدّم الأدب .
    وإن كان فطره يوجب رجماً ، قدّم الأدب ، واستظهر المسناويّ سقوط الأدب بالرّجم ، لإتيان القتل على الجميع .
    ومفهومه : أنّه إن كان الحدّ جلداً ، فإنّه يقدّم على الأدب - كما قال الدّسوقيّ - فإن جاء المفطر عمداً ، قبل الاطّلاع عليه ، حال كونه تائباً ، قبل الظّهور عليه ، فلا يؤدّب . والشّافعيّة نصّوا - بتفصيل - على أنّ من ترك صوم رمضان ، غير جاحد ، من غير عذر كمرض وسفر ، كأن قال : الصّوم واجب عليّ ، ولكن لا أصوم حبس ، ومنع من الطّعام والشّراب نهاراً ، ليحصل له صورة الصّوم بذلك .
    قالوا : وأمّا من جحد وجوبه فهو كافر ، لأنّ وجوب صوم رمضان معلوم من أدلّة الدّين بالضّرورة : أي علماً صار كالضّروريّ في عدم خفائه على أحد ، وكونه ظاهراً بين المسلمين .
    سادساً : قطع التّتابع :
    93 -
    التّتابع هو : الموالاة بين أيّام الصّيام ، بحيث لا يفطر فيها ولا يصوم عن غير الكفّارة .
    تتأثّر مدّة الصّوم الّتي يشترط فيها التّتابع نصّاً ، بالفطر المتعمّد ، وهي - بعدّ الكاسانيّ - : صوم رمضان ، وصوم كفّارة القتل ، وكفّارة الظّهار ، والإفطار العامد في رمضان ، وصوم كفّارة اليمين - عند الحنفيّة .
    صوم المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان :
    94 -
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من اشتبهت عليه الشّهور لا يسقط عنه صوم رمضان ، بل يجب لبقاء التّكليف وتوجّه الخطاب .
    فإذا أخبره الثّقات بدخول شهر الصّوم عن مشاهدة أو علم وجب عليه العمل بخبرهم ، وإن أخبروه عن اجتهاد منهم فلا يجب عليه العمل بذلك ، بل يجتهد بنفسه في معرفة الشّهر بما يغلب على ظنّه ، ويصوم مع النّيّة ولا يقلّد مجتهداً مثله .
    فإن صام المحبوس المشتبه عليه بغير تحرّ ولا اجتهاد ووافق الوقت لم يجزئه ، وتلزمه إعادة الصّوم لتقصيره وتركه الاجتهاد الواجب باتّفاق الفقهاء ، وإن اجتهد وصام فلا يخلو الأمر من خمسة أحوال :
    الحال الأولى : استمرار الإشكال وعدم انكشافه له ، بحيث لا يعلم أنّ صومه صادف رمضان أو تقدّم أو تأخّر ، فهذا يجزئه صومه ولا إعادة عليه في قول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، والمعتمد عند المالكيّة ، لأنّه بذل وسعه ولا يكلّف بغير ذلك ، كما لو صلّى في يوم الغيم بالاجتهاد ، وقال ابن القاسم من المالكيّة : لا يجزيه الصّوم ، لاحتمال وقوعه قبل وقت رمضان .
    الحال الثّانية : أن يوافق صوم المحبوس شهر رمضان فيجزيه ذلك عند جمهور الفقهاء ، قياساً على من اجتهد في القبلة ، ووافقها ، وقال بعض المالكيّة : لا يجزيه لقيامه على الشّكّ ، لكن المعتمد الأوّل .
    الحال الثّالثة : إذا وافق صوم المحبوس ما بعد رمضان فيجزيه عند جماهير الفقهاء ، إلاّ بعض المالكيّة كما تقدّم آنفاً ، واختلف القائلون بالإجزاء : هل يكون صومه أداءً أو قضاءً ؟ وجهان ، وقالوا : إن وافق بعض صومه أيّاماً يحرم صومها كالعيدين والتّشريق يقضيها . الحال الرّابعة : وهي وجهان :
    الوجه الأوّل : إذا وافق صومه ما قبل رمضان وتبيّن له ذلك ولمّا يأت رمضان لزمه صومه إذا جاء بلا خلاف ، لتمكّنه منه في وقته .
    الوجه الثّاني : إذا وافق صومه ما قبل رمضان ولم يتبيّن له ذلك إلاّ بعد انقضائه ففي إجزائه قولان :
    القول الأوّل : لا يجزيه عن رمضان بل يجب عليه قضاؤه ، وهذا مذهب المالكيّة والحنابلة ، والمعتمد عند الشّافعيّة .
    القول الثّاني : يجزئه عن رمضان ، كما لو اشتبه على الحجّاج يوم عرفة فوقفوا قبله ، وهو قول بعض الشّافعيّة .
    الحال الخامسة : أن يوافق صوم المحبوس بعض رمضان دون بعض ، فما وافق رمضان أو بعده أجزأه ، وما وافق قبله لم يجزئه ، ويراعى في ذلك أقوال الفقهاء المتقدّمة . والمحبوس إذا صام تطوّعاً أو نذراً فوافق رمضان لم يسقط عنه صومه في تلك السّنة ، لانعدام نيّة صوم الفريضة ، وهو مذهب الحنابلة والشّافعيّة والمالكيّة .
    وقال الحنفيّة : إنّ ذلك يجزيه ويسقط عنه الصّوم في تلك السّنة ، لأنّ شهر رمضان ظرف لا يسع غير صوم فريضة رمضان ، فلا يزاحمها التّطوّع والنّذر .
    صوم المحبوس إذا اشتبه عليه نهار رمضان بليله :
    95 -
    إذا لم يعرف الأسير أو المحبوس في رمضان النّهار من اللّيل ، واستمرّت عليه الظّلمة ، فقد قال النّوويّ : هذه مسألة مهمّة قلّ من ذكرها ، وفيها ثلاثة أوجه للصّواب : أحدها : يصوم ويقضي لأنّه عذر نادر .
    الثّاني : لا يصوم ، لأنّ الجزم بالنّيّة لا يتحقّق مع جهالة الوقت .
    الثّالث : يتحرّى ويصوم ولا يقضي إذا لم يظهر خطؤه فيما بعد ، وهذا هو الرّاجح .
    ونقل النّوويّ وجوب القضاء على المحبوس الصّائم بالاجتهاد إذا صادف صومه اللّيل ثمّ عرف ذلك فيما بعد ، وقال : إنّ هذا ليس موضع خلاف بين العلماء ، لأنّ اللّيل ليس وقتاً للصّوم كيوم العيد .

    يتبــــــــــــــــــــــ ع

  8. #8
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    صَوْمُ التَّطوّع *
    التّعريف :
    1 - الصّوم لغةً : مطلق الإمساك .
    واصطلاحاً : إمساك عن المفطرات حقيقةً أو حكماً في وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النّيّة .
    والتّطوّع اصطلاحاً : التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من العبادات .
    وصوم التّطوّع : التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من الصّوم .
    فضل صوم التّطوّع :
    2 - ورد في فضل صوم التّطوّع أحاديث كثيرة ، منها :
    حديث سهل رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » إنّ في الجنّة باباً يقال له : الرّيّان ، يدخل منه الصّائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم . فيقال : أين الصّائمون ؟ فيقومون ، لا يدخل منه أحد غيرهم . فإذا دخلوا أغلق ، فلم يدخل منه أحد «
    ومنها ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » من صام يوماً في سبيل اللّه باعد اللّه تعالى وجهه عن النّار سبعين خريفاً « .
    أنواع صوم التّطوّع :
    3 - قسّم الحنفيّة صوم التّطوّع إلى مسنون ، ومندوب ، ونفل .
    فالمسنون : عاشوراء مع تاسوعاء .
    والمندوب : صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، وصوم يوم الاثنين والخميس ، وصوم ستّ من شوّال ، وكلّ صوم ثبت طلبه والوعد عليه : كصوم داود عليه الصلاة والسلام ، ونحوه . والنّفل : ما سوى ذلك ممّا لم تثبت كراهته .
    وقسّم المالكيّة - أيضاً - صوم التّطوّع إلى ثلاثة أقسام :
    سنّة ، ومستحبّ ، ونافلة .
    فالسّنّة : صيام يوم عاشوراء .
    والمستحبّ : صيام الأشهر الحرم ، وشعبان ، والعشر الأول من ذي الحجّة ، ويوم عرفة ، وستّة أيّام من شوّال ، وثلاثة أيّام من كلّ شهر ، ويوم الاثنين والخميس .
    والنّافلة : كلّ صوم لغير وقت ولا سبب ، في غير الأيّام الّتي يجب صومها أو يمنع .
    وعند الشّافعيّة والحنابلة : صوم التّطوّع والصّوم المسنون بمرتبة واحدة .
    أحكام النّيّة في صوم التّطوّع :
    أ - وقت النّيّة :
    4 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه لا يشترط تبييت النّيّة في صوم التّطوّع ، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : » دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : هل عندكم شيء ؟ فقلنا :لا ، فقال : فإنّي إذاً صائم « وذهب المالكيّة إلى أنّه يشترط في نيّة صوم التّطوّع التّبييت كالفرض .
    لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » من لم يبيّت الصّيام من اللّيل فلا صيام له « فلا تكفي النّيّة بعد الفجر ، لأنّ النّيّة : القصد ، وقصد الماضي محال عقلاً .
    5- واختلف جمهور الفقهاء في آخر وقت نيّة التّطوّع :
    فذهب الحنفيّة : إلى أنّ آخر وقت نيّة صوم التّطوّع الضّحوة الكبرى . والمراد بها : نصف النّهار الشّرعيّ ، والنّهار الشّرعيّ : من استطارة الضّوء في أفق المشرق إلى غروب الشّمس ، ونصّوا على أنّه لا بدّ من وقوع النّيّة قبل الضّحوة الكبرى ، فلا تجزئ النّيّة عند الضّحوة الكبرى اعتباراً لأكثر اليوم كما قال الحصكفيّ .
    وذهب الشّافعيّة : إلى أنّ آخر وقت نيّة صوم التّطوّع قبل الزّوال ، واختصّ بما قبل الزّوال لما روي :» أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة يوماً : هل عندكم شيء ؟ قالت: لا . قال : فإنّي إذن صائم « . إذ الغداء اسم لما يؤكل قبل الزّوال ، والعشاء اسم لما يؤكل بعده ، ولأنّه مضبوط بيّن ، ولإدراك معظم النّهار به كما في ركعة المسبوق .
    قال الشّربينيّ الخطيب : وهذا جرى على الغالب ممّن يريد صوم النّفل وإلاّ فلو نوى قبل الزّوال - وقد مضى معظم النّهار - صحّ صومه .
    وذهب الحنابلة - والشّافعيّة في قول مرجوح - إلى امتداد وقت النّيّة إلى ما بعد الزّوال ، قالوا : إنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة ، ولم ينقل عن أحد من الصّحابة - رضي الله عنهم - ما يخالفه صريحاً ، ولأنّ النّيّة وجدت في جزء النّهار ، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظة .
    ويشترط لصحّة نيّة النّفل في النّهار : أن لا يكون فعل ما يفطره قبل النّيّة ، فإن فعل فلا يجزئه الصّوم حينئذ .
    ب - تعيين النّيّة :
    6 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يشترط في نيّة صوم التّطوّع التّعيين ، فيصحّ صوم التّطوّع بمطلق النّيّة ، وقال النّوويّ : وينبغي أن يشترط التّعيين في الصّوم المرتّب ، كصوم عرفة ، وعاشوراء ، والأيّام البيض ، والسّتّة من شوّال ، ونحوها ، كما يشترط ذلك في الرّواتب من نوافل الصّلاة .
    والمعتمد عند الشّافعيّة خلاف ما صرّح به النّوويّ ، قال المحلّيّ : ويجاب بأنّ الصّوم في الأيّام المذكورة منصرف إليها ، بل لو نوى به غيرها حصلت أيضاً - كتحيّة المسجد - لأنّ المقصود وجود الصّوم فيها ، قال القليوبيّ : هذا الجواب معتمد من حيث الصّحّة ، وإن كان التّعيين أولى مطلقاً .
    ما يستحبّ صيامه من الأيّام :
    أ - صوم يوم وإفطار يوم :
    7 - من صيام التّطوّع صوم يوم وإفطار يوم ، وهو أفضل صيام التّطوّع ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » أحبّ الصّلاة إلى اللّه صلاة داود عليه السلام ، وأحبّ الصّيام إلى اللّه صيام داود : وكان ينام نصف اللّيل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، ويصوم يوماً ويفطر يوماً« .
    ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما : » صم يوماً وأفطر يوماً ، فذلك صيام داود عليه السلام ، وهو أفضل الصّيام ، فقلت : إنّي أطيق أفضل من ذلك. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : لا أفضل من ذلك « .
    قال البهوتيّ : لكنّه مشروط بأن لا يضعف البدن حتّى يعجز عمّا هو أفضل من الصّيام ، كالقيام بحقوق اللّه تعالى وحقوق عباده اللازمة ، وإلاّ فتركه أفضل .
    ب - صوم عاشوراء وتاسوعاء :
    8 - اتّفق الفقهاء على سنّيّة صوم عاشوراء وتاسوعاء - وهما : اليوم العاشر ، والتّاسع من المحرّم - لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء : » أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله « .
    ولحديث معاوية رضي الله عنه قال : سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول : » هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب اللّه عليكم صيامه ، وأنا صائم ، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر« .
    وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التّاسع « .
    وقد كان صوم يوم عاشوراء فرضاً في الإسلام ، ثمّ نسخت فرضيّته بصوم رمضان ، فخيّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين في صومه ، وهو اختيار كثيرين واختيار الشّيخ تقيّ الدّين من الحنابلة ، وهو الّذي قاله الأصوليّون .
    وصوم يوم عاشوراء - كما سبق في الحديث الشّريف - يكفّر ذنوب سنة ماضية . والمراد بالذّنوب : الصّغائر ، قال الدّسوقيّ : فإن لم يكن صغائر ، حتّت من كبائر سنة ، وذلك التّحتيت موكول لفضل اللّه ، فإن لم يكن كبائر رفع له درجات .
    وقال البهوتيّ : قال النّوويّ في شرح مسلم عن العلماء : المراد كفّارة الصّغائر ، فإن لم تكن له صغائر رجي التّخفيف من الكبائر ، فإن لم تكن له كبائر رفع له درجات .
    وصرّح الحنفيّة : بكراهة صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التّاسع ، أو عن الحادي عشر . كما صرّح الحنابلة : بأنّه لا يكره إفراد عاشوراء بالصّوم ، وهذا ما يفهم من مذهب المالكيّة.
    قال الحطّاب : قال الشّيخ زرّوق في شرح القرطبيّة : واستحبّ بعض العلماء صوم يوم قبله ويوم بعده ، وهذا الّذي ذكره عن بعض العلماء غريب لم أقف عليه .
    وذكر العلماء في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً :
    أحدها : أنّ المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر ، وهو مرويّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما فقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً « .
    الثّاني : أنّ المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم ، كما نهى أن يصوم يوم الجمعة وحده . الثّالث : الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط ، فيكون التّاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر .
    واستحبّ الحنفيّة والشّافعيّة صوم الحادي عشر ، إن لم يصم التّاسع .
    قال الشّربينيّ الخطيب : بل نصّ الشّافعيّ في الأمّ والإملاء على استحباب صوم الثّلاثة .
    ج - صوم يوم عرفة :
    9 - اتّفق الفقهاء على استحباب صوم يوم عرفة لغير الحاجّ - وهو : اليوم التّاسع من ذي الحجّة - وصومه يكفّر سنتين : سنةً ماضيةً ، وسنةً مستقبلةً ، روى أبو قتادة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » صيام يوم عرفة ، أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله ، والسّنة الّتي بعده « .
    قال الشّربينيّ الخطيب : وهو أفضل الأيّام لحديث مسلم : » ما من يوم أكثر من أن يعتق اللّه فيه عبداً من النّار من يوم عرفة « .
    وذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى عدم استحبابه للحاجّ ، ولو كان قويّاً ، وصومه مكروه له عند المالكيّة والحنابلة ، وخلاف الأولى عند الشّافعيّة ، لما روت أمّ الفضل بنت الحارث رضي الله عنهما : » أنّها أرسلت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقدح لبن ، وهو واقف على بعيره بعرفة ، فشرب « .
    وعن ابن عمر رضي الله عنهما : » أنّه حجّ مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ أبي بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، فلم يصمه أحد منهم « ، لأنّه يضعفه عن الوقوف والدّعاء ، فكان تركه أفضل ، وقيل : لأنّهم أضياف اللّه وزوّاره .
    وقال الشّافعيّة : ويسنّ فطره للمسافر والمريض مطلقاً ، وقالوا : يسنّ صومه لحاجّ لم يصل عرفة إلاّ ليلاً ، لفقد العلّة .
    وذهب الحنفيّة إلى استحبابه للحاجّ - أيضاً - إذا لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخلّ بالدّعوات ، فلو أضعفه كره له الصّوم .
    د - صوم الثّمانية من ذي الحجّة :
    10 - اتّفق الفقهاء على استحباب صوم الأيّام الثّمانية الّتي من أوّل ذي الحجّة قبل يوم عرفة ، لحديث ابن عبّاس : رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً : » ما من أيّام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى اللّه من هذه الأيّام - يعني أيّام العشر - قالوا : يا رسول اللّه ولا الجهاد في سبيل اللّه ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل اللّه ، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله ، فلم يرجع من ذلك بشيء « .
    قال الحنابلة : وآكده : الثّامن ، وهو يوم التّروية .
    وصرّح المالكيّة : بأنّ صوم يوم التّروية يكفّر سنةً ماضيةً .
    وصرّح المالكيّة ، والشّافعيّة : بأنّه يسنّ صوم هذه الأيّام للحاجّ أيضاً .
    واستثنى المالكيّة من ذلك صيام يوم التّروية للحاجّ .
    قال في المتيطيّة : ويكره للحاجّ أن يصوم بمنىً وعرفة تطوّعاً .
    قال الحطّاب : بمنىً يعني في يوم التّروية ، يسمّى عند المغاربة : يوم منىً .
    هـ – صوم ستّة أيّام من شوّال :
    11 – ذهب جمهور الفقهاء – المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ومتأخّرو الحنفيّة – إلى أنّه يسنّ صوم ستّة أيّام من شوّال بعد صوم رمضان ، لما روى أبو أيّوب رضي الله تعالى عنه قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » من صام رمضان ، ثمّ أتبعه ستّاً من شوّال ، كان كصيام الدّهر « .
    وعن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وستّة أيّام بعدهنّ بشهرين ، فذلك تمام سنة « يعني : أنّ الحسنة بعشرة أمثالها : الشّهر بعشرة أشهر ، والأيّام السّتّة بستّين يوماً ، فذلك سنة كاملة . وصرّح الشّافعيّة ، والحنابلة : بأنّ صوم ستّة أيّام من شوّال - بعد رمضان - يعدل صيام سنة فرضاً ، وإلاّ فلا يختصّ ذلك برمضان وستّة من شوّال ، لأنّ الحسنة بعشرة أمثالها . ونقل عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كراهة صوم ستّة من شوّال ، متفرّقاً كان أو متتابعاً .
    وعن أبي يوسف : كراهته متتابعاً ، لا متفرّقاً . لكن عامّة المتأخّرين من الحنفيّة لم يروا به بأساً .
    قال ابن عابدين ، نقلاً عن صاحب الهداية في كتابه التّجنيس : والمختار أنّه لا بأس به ، لأنّ الكراهة إنّما كانت لأنّه لا يؤمن من أن يعدّ ذلك من رمضان ، فيكون تشبّهاً بالنّصارى ، والآن زال ذلك المعنى ، واعتبر الكاسانيّ محلّ الكراهة : أن يصوم يوم الفطر ، ويصوم بعده خمسة أيّام ، فأمّا إذا أفطر يوم العيد ثمّ صام بعده ستّة أيّام فليس بمكروه ، بل هو مستحبّ وسنّة .
    وكره المالكيّة صومها لمقتدىً به ، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها ، إن صامها متّصلةً برمضان متتابعةً وأظهرها ، أو كان يعتقد سنّيّة اتّصالها ، فإن انتفت هذه القيود استحبّ صيامها .
    قال الحطّاب : قال في المقدّمات : كره مالك - رحمه الله تعالى - ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه من أهل الجهالة والجفاء ، وأمّا الرّجل في خاصّة نفسه فلا يكره له صيامها .
    وصرّح الشّافعيّة ، والحنابلة : بأنّه لا تحصل الفضيلة بصيام السّتّة في غير شوّال ، وتفوت بفواته ، لظاهر الأخبار .
    ومذهب الشّافعيّة : استحباب صومها لكلّ أحد ، سواء أصام رمضان أم لا ، كمن أفطر لمرض أو صباً أو كفر أو غير ذلك ، قال الشّربينيّ الخطيب : وهو الظّاهر ، كما جرى عليه بعض المتأخّرين ، وإن كانت عبارة كثيرين : يستحبّ لمن صام رمضان أن يتبعه بستّ من شوّال كلفظ الحديث .


  9. #9
    ♥•- الإدارة -•♥
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    4,533
    الجنس
    أنثى

    افتراضي رد: الخلاصة في أحكام الصوم في الفقه الإسلامي

    وعند الحنابلة : لا يستحبّ صيامها إلاّ لمن صام رمضان .
    12 -
    كما ذهب الشّافعيّة وبعض الحنابلة إلى أفضليّة تتابعها عقب العيد مبادرةً إلى العبادة، ولما في التّأخير من الآفات .
    ولم يفرّق الحنابلة بين التّتابع والتّفريق في الأفضليّة .
    وعند الحنفيّة تستحبّ السّتّة متفرّقةً : كلّ أسبوع يومان .
    أمّا المالكيّة : فذهبوا إلى كراهة صومها متّصلةً برمضان متتابعةً ، ونصّوا على حصول الفضيلة ولو صامها في غير شوّال ، بل استحبّوا صيامها في عشر ذي الحجّة ، ذلك أنّ محلّ تعيينها في الحديث في شوّال على التّخفيف في حقّ المكلّف ، لاعتياده الصّيام ، لا لتخصيص حكمها بذلك .
    قال العدويّ : إنّما قال الشّارع : " من شوّال " للتّخفيف باعتبار الصّوم ، لا تخصيص حكمها بذلك الوقت ، فلا جرم إن فعلها في عشر ذي الحجّة مع ما روي في فضل الصّيام فيه أحسن، لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيّام المذكورة . بل فعلها في ذي القعدة حسن أيضاً ، والحاصل : أنّ كلّ ما بعد زمنه كثر ثوابه لشدّة المشقّة .
    و - صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر :
    13 -
    اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، وذهب الجمهور منهم - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى استحباب كونها الأيّام البيض - وهي الثّالث عشر والرّابع عشر والخامس عشر من كلّ شهر عربيّ - سمّيت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدّة البياض فيها ، لما روى أبو ذرّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : » يا أبا ذرّ ، إذا صمت من الشّهر ثلاثة أيّام ، فصم ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة « .
    قال الشّافعيّة : والأحوط صوم الثّاني عشر معها - أيضاً - للخروج من خلاف من قال : إنّه أوّل الثّلاثة ، ويستثنى ثالث عشر ذي الحجّة فلا يجوز صومه لكونه من أيّام التّشريق . فيبدّل بالسّادس عشر منه كما قال القليوبيّ .
    وذهب المالكيّة إلى كراهة صوم الأيّام البيض ، فراراً من التّحديد ، ومخافة اعتقاد وجوبها . ومحلّ الكراهة : إذا قصد صومها بعينها ، واعتقد أنّ الثّواب لا يحصل إلاّ بصومها خاصّةً . وأمّا إذا قصد صيامها من حيث إنّها ثلاثة أيّام من الشّهر فلا كراهة .
    قال الموّاق : نقلاً عن ابن رشد : إنّما كره مالك صومها لسرعة أخذ النّاس بقوله ، فيظنّ الجاهل وجوبها . وقد روي أنّ مالكاً كان يصومها ، وحضّ مالك - أيضاً - الرّشيد على صيامها .
    وصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر كصوم الدّهر ، بمعنى : أنّه يحصل بصيامها أجر صيام الدّهر بتضعيف الأجر : الحسنة بعشرة أمثالها .
    لحديث قتادة بن ملحان رضي الله عنه : » كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . قال : قال : وهنّ كهيئة الدّهر « أي كصيام الدّهر .
    ز - صوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع :
    14 -
    اتّفق الفقهاء على استحباب صوم يوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع .
    لما روى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس . فسئل عن ذلك ؟ فقال : إنّ أعمال العباد تعرض يوم الاثنين والخميس ، وأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم « ، ولما ورد من حديث أبي قتادة رضي الله عنه : » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال : فيه ولدت ، وفيه أنزل عليّ « .
    ح - صوم الأشهر الحرم :
    15 -
    ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى استحباب صوم الأشهر الحرم .
    وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّ أفضل الأشهر الحرم : المحرّم ، ثمّ رجب ، ثمّ باقيها : ذو القعدة وذو الحجّة .
    والأصل في ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » أفضل الصّلاة بعد الصّلاة المكتوبة الصّلاة في جوف اللّيل ، وأفضل الصّيام بعد شهر رمضان صيام شهر اللّه المحرّم « . ومذهب الحنفيّة : أنّه من المستحبّ أن يصوم الخميس والجمعة والسّبت من كلّ شهر من الأشهر الحرم .
    وذهب الحنابلة إلى أنّه يسنّ صوم شهر المحرّم فقط من الأشهر الحرم .
    وذكر بعضهم استحباب صوم الأشهر الحرم ، لكن الأكثر لم يذكروا استحبابه ، بل نصّوا على كراهة إفراد رجب بالصّوم ، لما روى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب « .
    ولأنّ فيه إحياءً لشعار الجاهليّة بتعظيمه . وتزول الكراهة بفطره فيه ولو يوماً ، أو بصومه شهراً آخر من السّنة وإن لم يل رجباً .
    ط - صوم شهر شعبان :
    16 -
    ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى استحباب صوم شهر شعبان ، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : » ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أكثر صياماً منه في شعبان « .
    وعنها قالت : » كان أحبّ الشّهور إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ، بل كان يصله برمضان « .
    قال الشّربينيّ الخطيب : ورد في مسلم : » كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كلّه : كان يصوم شعبان إلاّ قليلاً « .
    قال العلماء : اللّفظ الثّاني مفسّر للأوّل ، فالمراد بكلّه غالبه .
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت : » ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قطّ إلاّ رمضان « .
    قال العلماء : وإنّما لم يستكمل ذلك لئلاّ يظنّ وجوبه .
    وذهب الحنابلة إلى عدم استحباب صوم شعبان ، وذلك في قول الأكثر ، واستحبّه صاحب الإرشاد .
    ى - صوم يوم الجمعة :
    17 -
    لا بأس عند الحنفيّة بصوم يوم الجمعة بانفراده ، وهو قول أبي حنيفة ومحمّد ويندب عند المالكيّة ، لما روي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه كان يصومه ولا يفطر . وقال أبو يوسف : جاء حديث في كراهته إلاّ أن يصوم قبله وبعده ، فكان الاحتياط أن يضمّ إليه يوماً آخر ، قال ابن عابدين : ثبت بالسّنّة طلبه والنّهي عنه ، والآخر منهما النّهي ، لأنّ فيه وظائف ، فلعلّه إذا صام ضعف عن فعلها .
    ومحلّ النّهي عند المالكيّة هو مخافة فرضيّته ، وقد انتفت هذه العلّة بوفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
    وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة إفراد يوم الجمعة بالصّوم ، لحديث : » لا يصم أحدكم يوم الجمعة ، إلاّ أن يصوم قبله أو بعده « وليتقوّى بفطره على الوظائف المطلوبة فيه ، أو لئلاّ يبالغ في تعظيمه كاليهود في السّبت ، ولئلاّ يعتقد وجوبه ، ولأنّه يوم عيد وطعام .
    حكم الشّروع في صوم التّطوّع :
    18 -
    ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى لزوم صوم التّطوّع بالشّروع فيه ، وأنّه يجب على الصّائم المتطوّع إتمامه إذا بدأ فيه ، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » إذا دعي أحدكم فليجب ، فإن كان صائماً فليصلّ ، وإن كان مفطراً فليطعم « قوله : فليصلّ : أي فليدع .
    قال القرطبيّ : ثبت هذا عنه عليه الصلاة والسلام ، ولو كان الفطر جائزاً لكان الأفضل الفطر ، لإجابة الدّعوة الّتي هي السّنّة .
    وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم لزوم صوم التّطوّع بالشّروع فيه ، ولا يجب على الصّائم تطوّعاً إتمامه إذا بدأ فيه ، وله قطعه في أيّ وقت شاء ، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : » قلت : يا رسول اللّه ، أهدي لنا حيس ، فقال : أرنيه ، فلقد أصبحت صائماً فأكل « وزاد النّسائيّ : » إنّما مثل صوم التّطوّع مثل الرّجل يخرج من ماله الصّدقة ، فإن شاء أمضاها ، وإن شاء حبسها « .
    ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » الصّائم المتطوّع أمين نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر « .
    إفساد صوم التّطوّع وما يترتّب عليه :
    19 -
    صرّح المالكيّة بحرمة إفساد صوم التّطوّع لغير عذر ، وهو ما يفهم من كلام الحنفيّة، حيث جاء في الفتاوى الهنديّة ما نصّه : ذكر الرّازيّ عن أصحابنا أنّ الإفطار بغير عذر في صوم التّطوّع لا يحلّ ، هكذا في الكافي .
    وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة قطعه بلا عذر ، واستحباب إتمامه لظاهر قوله تعالى : { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه .
    ومن الأعذار الّتي ذكرها الحنفيّة والمالكيّة لجواز الفطر : الحلف على الصّائم بطلاق امرأته إن لم يفطر ، فحينئذ يجوز له الفطر ، بل نصّ الحنفيّة على ندب الفطر دفعاً لتأذّي أخيه المسلم . لكن الحنفيّة قيّدوا جواز الفطر إلى ما قبل نصف النّهار أمّا بعده فلا يجوز .
    وكذلك من الأعذار عند الحنفيّة : الضّيافة للضّيف والمضيف إن كان صاحبها ممّن لا يرضى بمجرّد الحضور ، وكان الصّائم يتأذّى بترك الإفطار ، شريطة أن يثق بنفسه بالقضاء ، وقيّد المالكيّة جواز الفطر بالحلف بالطّلاق بتعلّق قلب الحالف بمن حلف بطلاقها ، بحيث يخشى أن لا يتركها إن حنث ، فحينئذ يجوز للمحلوف عليه الفطر ، ولا قضاء عليه أيضاً .
    ومن الأعذار - أيضاً - : أمر أحد أبويه له بالفطر . وقيّد الحنفيّة جواز الإفطار بما إذا كان أمر الوالدين إلى العصر لا بعده ، قال ابن عابدين : ولعلّ وجهها أنّ قرب وقت الإفطار يرفع ضرر الانتظار .
    وألحق المالكيّة بالأبوين : الشّيخ في السّفر ، الّذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه ، ومثله عندهم : شيخ العلم الشّرعيّ .
    وصرّح الشّافعيّة باستحباب قطع صوم التّطوّع إن كان هناك عذر ، كمساعدة ضيف في الأكل إذا عزّ عليه امتناع مضيفه منه ، أو عكسه . أمّا إذا لم يعزّ على أحدهما امتناع الآخر عن ذلك فالأفضل عدم خروجه منه .
    20 -
    واختلف الفقهاء في حكم قضاء صوم التّطوّع عند إفساده :
    فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب قضاء صوم التّطوّع عند إفساده .
    لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت : » كنت أنا وحفصة صائمتين ، فعرض لنا طعام اشتهيناه ، فأكلنا منه ، فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة - وكانت ابنة أبيها - فقالت : يا رسول اللّه إنّا كنّا صائمتين ، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه ، فقال : اقضيا يوماً آخر مكانه « .
    ولأنّ ما أتى به قربةً ، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان ، وقضاؤه عند الإفساد لقوله تعالى : { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، ولا يمكن ذلك إلاّ بإتيان الباقي ، فيجب إتمامه ، وقضاؤه عند الإفساد ضرورةً ، فصار كالحجّ والعمرة التّطوّعين .
    ومذهب الحنفيّة : وجوب القضاء عند الإفساد مطلقاً ، أي : سواء أفسد عن قصد - وهذا لا خلاف فيه - أو غير قصد ، بأن عرض الحيض للصّائمة المتطوّعة وذلك في أصحّ الرّوايتين ، واستثنوا من ذلك : صوم العيدين وأيّام التّشريق ، فلا تلزم بالشّروع ، لا أداءً ولا قضاءً ، إذا أفسد ، لارتكابه النّهي بصيامها ، فلا تجب صيانته ، بل يجب إبطاله ، ووجوب القضاء ينبني على وجوب الصّيانة ، فلم يجب قضاءً ، كما لم يجب أداءً .
    وخصّ المالكيّة وجوب القضاء بالفطر العمد الحرام ، وذلك كمن شرع في صوم التّطوّع ، ثمّ أفطر من غير ضرورة ولا عذر ، قال الحطّاب : احترز بالعمد من النّسيان والإكراه ، وبالحرام عمّن أفطر لشدّة الجوع والعطش والحرّ الّذي يخاف منه تجدّد مرض أو زيادته ، وكذلك عمّن أفطر لأمر والديه وشيخه ، وعدّوا السّفر الّذي يطرأ عليه من الفطر العمد . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجب القضاء على من أفسد صوم التّطوّع ، لأنّ القضاء يتبع المقضيّ عنه ، فإذا لم يكن واجباً ، لم يكن القضاء واجباً ، لكن يندب له القضاء ، سواء أفسد صوم التّطوّع بعذر أم بغير عذر ، خروجاً من خلاف من أوجب قضاءه .
    ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا أفطر الصّائم تطوّعاً لم يثب على ما مضى ، إن خرج منه بغير عذر ، ويثاب عليه إن خرج بعذر .
    الإذن في صوم التّطوّع :
    21 -
    اتّفق الفقهاء على أنّه ليس للمرأة أن تصوم تطوّعاً إلاّ بإذن زوجها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » لا تصم المرأة وبعلها شاهد ، إلاّ بإذنه « ، ولأنّ حقّ الزّوج فرض، فلا يجوز تركه لنفل .
    ولو صامت المرأة بغير إذن زوجها صحّ مع الحرمة عند جمهور الفقهاء ، والكراهة التّحريميّة عند الحنفيّة ، إلاّ أنّ الشّافعيّة خصّوا الحرمة بما يتكرّر صومه ، أمّا ما لا يتكرّر صومه كعرفة وعاشوراء وستّة من شوّال فلها صومها بغير إذنه ، إلاّ إن منعها .
    ولا تحتاج المرأة إلى إذن الزّوج إذا كان غائباً ، لمفهوم الحديث ولزوال معنى النّهي .
    قال الشّافعيّة : وعلمها برضاه كإذنه .
    ومثل الغائب عند الحنفيّة : المريض ، والصّائم والمحرم بحجّ أو عمرة ، قالوا : وإذا كان الزّوج مريضاً أو صائماً أو محرماً لم يكن له منع الزّوجة من ذلك ، ولها أن تصوم وإن نهاها .
    وصرّح الحنفيّة والمالكيّة بأنّه لا يصوم الأجير تطوّعاً إلاّ بإذن المستأجر ، إن كان صومه يضرّ به في الخدمة ، وإن كان لا يضرّه فله أن يصوم بغير إذنه .
    22 - وإذا صامت الزّوجة تطوّعاً بغير إذن زوجها فله أن يفطّرها ، وخصّ المالكيّة جواز تفطيرها بالجماع فقط ، أمّا بالأكل والشّرب فليس له ذلك ، لأنّ احتياجه إليها الموجب لتفطيرها إنّما هو من جهة الوطء .
    التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان :
    23 -
    اختلف الفقهاء في حكم التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان :
    فذهب الحنفيّة إلى جواز التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة ، لكون القضاء لا يجب على الفور ، قال ابن عابدين : ولو كان الوجوب على الفور لكره ، لأنّه يكون تأخيراً للواجب عن وقته الضّيّق .
    وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى الجواز مع الكراهة ، لما يلزم من تأخير الواجب ، قال الدّسوقيّ : يكره التّطوّع بالصّوم لمن عليه صوم واجب ، كالمنذور والقضاء والكفّارة . سواء كان صوم التّطوّع الّذي قدّمه على الصّوم الواجب غير مؤكّد ، أو كان مؤكّداً ، كعاشوراء وتاسع ذي الحجّة على الرّاجح .
    وذهب الحنابلة إلى حرمة التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان ، وعدم صحّة التّطوّع حينئذ ولو اتّسع الوقت للقضاء ، ولا بدّ من أن يبدأ بالفرض حتّى يقضيه ، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض أيضاً ، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » من صام تطوّعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنّه لا يتقبّل منه حتّى يصومه « ، وقياساً على الحجّ في عدم جواز أن يحجّ عن غيره أو تطوّعاً قبل حجّ الفريضة ومسألة انقلاب الصّوم الواجب إلى تطوّع ، والنّيابة في صوم التّطوّع لها تفصيلها

    إنتهى ..

    أتمنى الاستفادة للجميع ،
    وتقبل الله صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا جميعا
    دمتم برعاية الله وحفظه
    ولا تنسونا من صالح دعائكم بظهر الغيب ..

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. علوم إسلامية : الشركة في الفقه الإسلامي
    بواسطة روآء الروح في المنتدى العلوم الاسلامية 3AS
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-03-2012, 20:43
  2. مشروعية وتأصيل العقد الإداري من الفقه الإسلامي
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات التخرج و أطروحات العلوم القانونية والادارية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 12-02-2012, 18:49
  3. مخاطبات القضاة فى الفقه الإسلامي
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات التخرج و أطروحات العلوم القانونية والادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-12-2011, 18:23
  4. أحكام الفضالة بين الفقه الإسلامي والقانون المدني الجزائري: دراسة تحليلية مقارنة
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات العلوم الاجتماعية والانسانية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-10-2010, 11:49

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •