بسم الله الرحمن الرحيم

نظرية النمو العقلي والمعرفي لجان بياجيه


مقدمة
تحول ميدان علم نفس النمو في السنوات الأخيرة إلى الاهتمام بالنماذج النظرية التي تحاول الإجابة على السؤال الذي مفاده : كيف يحدث النمو ؟ وهي إجابة تتجاوز مجرد وصف التحول في النشاط الإنساني من خلال مسار النمو ، لأن السؤال الكامل هو : كيف ينمو السلوك الإنساني في اتجاه معين أو نحو غاية محددة بدلاً من التوجه إلى اتجاهات أخرى محتمله ، ثم كيف يصبح السلوك الإنساني مع هذا التوجه جيد التوافق مع العالم الداخلي للفرد والعالم الخارجي للبيئة التي يعد الفرد النامي جزءا منه ، وللإجابة على هذا السؤال الكامل لا تكون إلا بنموذج نظري ، والنموذج النظري هو مجموعة من المفاهيم والقضايا مرتبطة ببعض تصف وتشرح جوانب معينة من الظواهر موضوع البحث ، وحتى تصبح للنموذج النظري قدرة على الوصف والشرح لابد أن يعتمد على الحقائق و المعطيات الأكثر ارتباطاً وأهمية في فهمنا للنمو ، وتحديد طبيعة العلاقات بين هذه الحقائق و المعطيات والتي تكون أكثر أهمية في الوصول إلى هذا الفهم ، وقد ذكر توماس ( 1979م )قائمة كبيرة مما يطلق عليه نظريات النمو ، ويشمل ذلك عنده المدارس الكبرى في علم النفس : السلوكية ، الجشطالت ، والتحليل النفسي ، كما يشمل بعض المدارس الصغرى في التعلم مثل نموذج سكنر وباندورا وغيرهما بالإضافة إلى النظريات التي تنتمي مباشرة إلى النمو ، ونجد في مجال النمو ثلاثة نماذج رئيسية تمثل قي رأي عدد كبير من علماء النفس ومؤلفيه الوجهات الرئيسية في هذا الميدان وهي نظرية جان بياجيه ونظرية أريك أريكسون ونظرية لورنس كولبرج ، ومما يلفت الانتباه أن كل نموذج منها ركز اهتمامه على أحد جوانب النمو فنموذج جان بياجيه اهتم بالنمو العقلي ، ونموذج أريكسون ركز على النمو الوجداني و الانفعالي ، بينما كان النمو العقلي هو ما ركز عليه نموذج لورنس كولبرج ، وبالرغم من هذا الاختلاف فإن كل نموذج من هذه النماذج يقبل الانتقال و التعميم إلى الجوانب الأخرى للنمو ، وهذا ما فعله حان بياجيه حين مد أفاق نموذجه النظري إلى الجوانب غبر العقلية ، ومع ذلك يبقى لكل نموذج طعمه الخاص و لونه المميز حين يتم تناوله في سياقه الأصلي الذي نشأ فيه ، وسيكون هذا البحث مخصصاً لنموذج جان بياجيه أو ما يسمى بنظرية النمو العقلي المعرفي ..
أسئل الله العلي القدير أن يحقق به الهدف ويبلغ به المقصد أنه سميع مجيب .

نموذج جان بياجيه في النمو المعرفي
بدأ عالم النفس السويسري جان بياجيه ( 1896 – 1980 م ) نشاطه في علم النفس في عام 1920 م ، وقد عمل بياجيه في تطوير الاختبارات العقلية أثناء عمله في معهد بينيه ، ولاحظ أثناء ممارسته للعمل أن الاستجابات غير الصحيحة التي تتضمنها الإجابات الخاطئة على درجة كبيرة من الأهمية وذلك لأن هذه الإجابات الخاطئة تتكرر من الأطفال في نفس العمر فتأخذ نمطاً محدداً إذ تختلف أنواع الأخطاء التي يقع فيها الأطفال باختلاف أعمارهم ، ويرى كذلك أن تفكير الأطفال الأكبر سنا يختلف في نوعيته اختلافا كبيرا عن تفكير الأطفال الصغار بمعنى وجود تغيرات نوعية في تفكير الأفراد ، وهذه التغيرات مختلفة باختلاف المراحل العمرية ، كذلك أكد بياجيه على أن لنظرة الطفل للعالم منطقها الخاص بها ، وقد كرس بياجيه حياته العملية لمحاولة فهم هذه الاختلافات ، ومن ذلك أن الطفل من سن الثالثة يريد دائما جذب انتباه أمه غير مدرك أن لها أدوار كثيرة إضافة إلى دور الأمومة ، ويرى أن الطفل من سن ثمان سنوات يعتمد في استدلاله على خبرته السابقة ، فمثلاً إذا طلب منه والده ألا يسير بدراجة في عرض الطريق حتى لا تصدمه سيارة فانه يجيب بأنه ركب دراجته في عرض الطريق في يوم سابق ولم تقترب منه سيارة واحدة ، فطبيعة استدلاله التي تعتمد على العمليات العيانية – على حد تعبير بياجيه – تمنعه من التحقق من أن الخبرة السابقة بعدم اصطدامه بسيارة هو أحد احتمالين ممكنين ، والاحتمال الثاني أنه ربما يصطدم بسيارة مستقبلاً إذا فعل الأمر نفسه .0
وظل معمله في جامعة جنيف من أنشط معامل علم النفس في العالم ومع ذلك فقد اعتادت المؤلفات المتخصصة في علم النفس لا تشير إليه إلا لماما ، وظل الأمر كذلك حتى بداية الستينات حين نشر
– مكايفر هنت – كتابه ( الذكاء و الخبرة ) عام 1961 م ، ثم صدر كتاب كامل عنه كتبه – جون فلافل- عام 1963 م ، فازداد الاهتمام ببحوثه ونتائجه و نظرياته زيادة منتظمة حتى وصل ما كتب عنه في السنوات الأخيرة من حياته أضعاف ما كتب عنه لأكثر من أربعين عاماً ، وقد نتج هذا التجاهل عن مصدرين من الخطأ أو سوء الفهم : أولهما جاء من علماء النفس التجريبيين الذين اعتبروا أدلته من النوع القصصي و ليس من النوع الذي يعتمد على الملاحظة المنظمة ، وقد يصدق هذا على بعض بحوث بياجيه المبكرة إلا أن بحوثه اللاحقة تتمثل فيها خصائص التجريب الدقيق ، و الخطأ الثاني جاء من رجال التربية الذين افترضوا أنه مادام بياجيه قد تناول تفكير الأطفال فإن نتائجه يجب أن تكون لها تطبيقات مباشرة وبسيطة في غرفة الدراسة ، وقد لجأوا في ذلك إلى التبسيط المخل مما أدى إلى كثير من سوء الفهم لنظرياته .
وقد تركز اهتمام بياجيه على النمو العقلي و المعرفي الذي يطرأ على الشخص خلال التحول من مرحلة الوليد الذي تصدر عنه الأفعال المنعكسة الصريحة البدائية غير المرتبطة ، حتى مرحلة الرشد التي تتميز بالأفعال الماهرة ، وقد أعطت نظريته والأدلة الداعمة لها بعض الإجابات على الأسئلة التي يثيرها المهتمون بسيكولوجية التفكير حول منشأ السلوك المركب ، ومن اللافت للنظر في هذه النظرية أن بياجيه لم يركز اهتمامه على ربط العمر الزمني بأنماط معينة من السلوك كما فعل جيزل و هافيجهرست ، فبياجيه حدد لمدى الحياة المراحل الكبرى من النمو والتي تتحدد في ضوء أنماط العمليات العقلية التي تتوافر للإنسان في الأعمار المختلفة ، وتفيد هذه العمليات العقلية في القيام بدور المصفاة التي يفهم من خلالها الإنسان أحداث البيئة من حوله ، وفي كل مرحلة في النمو المعرفي تعتمد على بناء خاص للحقيقة أو الواقع الذي ينعكس في سلوك الفرد .
معنى النمو العقلي :
يرى - جون فليبس – أن النمو العقلي المعرفي لدى بياجيه عبارة عن : تغيرات في الأبنية المعرفية تحدث من خلال عمليتي التمثيل و المواءمة ، بينما _ فورمان _ يراها العملية التي يستطيع الطفل بموجبها بناء فهم أكثر ذكاء للعالم الذي يعيش فيه ، ويرى بياجيه أن النمو العقلي المعرفي هو نمو المعرفة عند الطفل خلال سنوات حياته المختلفة ، وطريقة معرفته للعالم ، وطريقة نمو الأفكار و المفاهيم لديه ، وكذلك فهو اكتساب تدريجي للقدرة على التفكير باستخدام المنطق .
مفهوم الأبنية العقلية :
يفترض بياجيه أن المعارف أبنية أو تراكيب عقلية ، هي كليات منظمة داخليا أو أنظمة ذات علاقة داخلية ، هذه الأبنية أو التراكيب هي قواعد للتعامل مع المعلومات أو الأحداث ، ويتم عن طريقها تنظيم الأحداث بصورة إيجابية ، والنمو المعرفي ما هو إلا تغير هذه الأبنية المعرفية ويعتمد هذا النمو في حدوثه على الخبرة ، ويعتبر هذا المفهوم ( مفهوم الأبنية العقلية ) جوهر نظرية جان بياجيه ، وهي عبارة عن بنيات افتراضية تتكون داخل العقل أثناء تطور الإنسان من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد ، وبالرغم من أن هذه البنيات العقلية ذات أساس وراثي لكن البيئة المحيطة تساهم في تطورها وتبلورها ، ووظيفة البنيات العقلية الافتراضية هي تنظيم البيئة المحيطة بالفرد لكي يستطيع أن يسلك بفاعلية وكفاءة ، وتقوم بدور مهم في عملية التكيف بالنسبة للفرد و تمثل نظاما عقليا منظما بدقه يوجه هذا السلوك ، ويرى أن هذه البنيات تتحكم في تفكير الفرد و توجيه سلوكه ، وهي تمثل بصورة فعلية الحصيلة المعرفية للفرد ، وأن بناء وإعادة هذه البنيات العقلية هو ما يسمى بالنمو العقلي ، ويؤمن بياجيه بأن الإنسان لايكون عقله عبارة عن صفحة بيضاء عندما يولد ، بل يكون مزودا باستعدادات معينة وإمكانات موروثة تساعده على بدء النمو ، وأن هناك نوعين من البنيات الوراثية التي تنتقل إلى الطفل خلال الوسائط الوراثية هما :
i. البنيات الفيزيقية :
ومن هذه البنيات العين و اليدين والجهاز العصبي و الحواس ، وهذه البنيات تساعد الكائن على التكيف مع البيئة المحيطة به .
ii. ردود الفعل السلوكية اللاإرادية :
وهي انعكاسات تحدث تلقائيا عند حدوث حادثة معينة في محيط ا لبيئة ، مثل صراخ الطفل عند الشعور بالجوع أو شعوره بالضيق ، وهذه الردود لا تحتاج إلى تعلم أو تدريب ، ولكنها تعتبر نتيجة حتمية للاحتكاك المباشر بالبيئة .
كما يرى بياجيه أنه أثناء تنظيم الفرد لسلوكه ينتج عن هذا التنظيم نوعين من الأبنية العقلية هما :
1. الصور الإجمالية ( المخططات العقلية ) : وهي عبارة عن تمثيلات داخلية لفئة من الأفعال أو أنماط الأداء المتشابهة ، فهي تسمح للفرد أن يفعل شيئا داخل الذهن ، أي تجربة عقلية دون أن يلزم نفسه بالقيام بنشاط ظاهر أو صريح ، والمخططات متكيفة دائما ومرنة بسبب حدوث عمليات جديدة من التمثيل و المواءمة في المواقف البيئة المختلفة ، و تدل على استعداد الكائن العضوي للتكيف للظروف و المشكلات الجديدة ، ومن أمثلة ذلك الرضاعة و المص كمخططات حسية حركية ، ومفاهيم المكان و الزمان والعدد كمخططات معرفية ، وتتميز جميعها بخصائص التكرار و التعميم و التمايز ، وهذه تعتبر بمثابة البنية الأساسية التي تحكم تصرف الطفل في المرحلتين الأوليتين من النمو ( مرحلة الحس حركية و مرحلة ما قبل العمليات )
2. العمليات : ويقصد بها قدرة الإنسان على إعمال فكره في البيئة المحيطة به التي يعيش فيها ، حيث لا يتم ذلك إلا عن طريق إعمال فكره فيها ، فهو يستطيع أن يقوم ببعض العمليات الذهنية الخاصة بالأشياء الملموسة كان يغير من شكلها أو ينظمها ما دامت هذه الأشياء موجودة في بيئته أو مألوفة لخبرته وذلك دون أن يتناولها يدويا ، وإذا كانت الصور الإجمالية هي البنية الأساسية التي تحكم سلوك الفرد أثناء المرحلتين الأولى و الثانية ، فإن العمليات هي البنية الأساسية التي يستعملها الفرد أثناء المرحلتين الأخيرتين من نموه العقلي ، وهما مرحلة العمليات المحسوسة ومرحلة العمليات الشكلية .

المفاهيم التي تعتمد عليها نظرية النمو العقلي المعرفي :
يرى بياجيه أن التفكير و السلوك ينشأن من فئة بيولوجية معينة ، وهي فئة تمتد وتتبع بسرعة تبعا لعملية شبيهة بالنمو الحركي و تتوازى إلى حد ما مع النمو البيولوجي (النضج) ، ومحور هذه العملية وظيفتان ثابتتان هما التنظيم والتكيف ، وهما خاصيتان فطريتان تقودان النمو السلوكي الكلي للإنسان ، وعلى ذلك فإن كل ما يعرفه الإنسان و يستطيع عمله و يريد عمله بالفعل في كل مرحلة من مراحل عمره المختلفة يميل إلى أن يكون على درجة كبيرة من التنظيم و التكامل و هكذا يدل التنظيم على البناء المعرفي القائم لدى الفرد ويتألف من وحدات معرفية مترابطة متكاملة بالإضافة إلى أن ما يتعلمه الفرد يرجع في جوهره إلى التكيف مع البيئة ، و التكيف هو التعبير البنائي أو الوظيفي الذي يحقق للكائن الحي بقاؤه ، وهكذا يربط جان بياجيه ربطا وثيقا بين العمليات النفسية و البيولوجية .
ويتضمن التكيف السلوكي للفرد ما يسمى التوازن الذي يعد الأساس الجوهري لنمو الفرد ، ويشمل وظيفتين فرعيتين متفاعلتين و متكاملتين هما التمثيل و المواءمة ، والتمثيل عبارة عن عملية تلقي المعلومات عن أحداث البيئة وفهمها و استخدامها في نشاط معين موجود بالفعل في مخزون الكائن الحي من الأنشطة ، وهذا الفهم و الاستخدام لا يحدث إلا إذا نجح المرء في إحداث التكامل بين الخبرات الجديدة و الخبرات السابقة لديه ، بينما التمثيل ليس إلا نصف عملية التكيف ، أما نصفها الآخر فهو المواءمة التي تعني إضافة أنشطة جديدة في ذخيرة الكائن العضوي أو تعديل أنشطته القائمة استجابة لظروف البيئة ، فنحن نتغير نتيجة للخبرة الجديدة و النضج البيولوجي المستمر ، و نتيجة لذلك نتكيف للمواقف الجديدة التي يمكن تمثيلها في بنى معرفية قائمة بالفعل وذلك بتعديل هذه البنى فينا ، أي بالمواءمة مع هذه الخبرة الجديدة ، وعلى الرغم من أن هذه العملية تدريجية في معظم الحالات ، إلا أنها تظهر أحيانا في بعض الفترات بشكل يؤدي فيها الأثر المستمر للمواءمات المتتابعة إلى إنتاج إعادة تنظيم للبنى المعرفية يتسم بالمفاجأة و الجدة النسبيتين ، وهذه القفزات تميز الانتقال السريع بين مراحل النمو الكبرى في نظرية بياجيه ، كما أن النمو النفسي يتضمن عند جان بياجيه مايلي :
1. زيادة في الوعي .
2. تعلم إدراك الذات في علاقتها بالآخرين .
3. تعلم فهم الإحداث التي تقع في الأبعاد الزمانية و المكانية للخبرة .
4. اكتساب القدرة على التكيف للتغير .
وخلال هذه العملية ينمو الإحساس بالإتقان ، أي الإحساس بكونه مشارك فعال في مسار نموه وموجه له ، كما أن المستوى النفسي عند بياجيه يتميز عن كل من المستوى البيولوجي و الاجتماعي ، فبالرغم من أن كليهما يسهم في النمو النفسي إلا أن عملية التفاعل تنتج مستوى من النشاط لا يمكن اختزاله إلى البيولوجيا أو البيئة الاجتماعية تماما ، فالوعي النفسي هو خاصية ناتجة عن التفاعل بين البيولوجي و الاجتماعي .
ومن ذلك يمكن تحديد المفاهيم و المبادئ التي ترتكز عليها نظرية النمو العقلي المعرفي كما بلي :
1. التمثيل ( الاستيعاب ) :
ويقصد به تلك العملية التي يأخذ فيها الفرد الحوادث الخارجية والخبرة و توحدها مع أنظمتها القائمة بالفعل ، وبتعبير آخر هو العملية التي بواسطتها تتوحد عناصر البيئة مع البناء المعرفي للطفل ، وكلمة تمثل تشير إلى تكيف المثيرات الخارجية مع تراكيب الفرد الداخلية العقلية ، وهو عملية نشطة تتسم بالتحليل و الإدراك المنطقي على أساس أنها محاولة لتلبيس الخبرة في أنسقه معرفية موجودة .
2. المواءمة أو الملاءمة ( التعديل ) :
وتمثل العنصر الثاني لعملية التكيف ، إلا أنها عكس العنصر الأول ، فإذا كان الفرد بالنسبة للتمثل يغير من الشيء الخارجي حتى يتناسب معه ، فإنه يغير من نفسه في مرحلة المواءمة حتى يتناسب مع الشيء الخارجي ، وبري – فلافيل – أن كلمة مواءمة تشير إلى العملية العكسية أو المتممة لتكيف هذه التراكيب العقلية مع تراكيب هذه المثيرات نفسها ، والتلاؤم كما يرى بياجيه هو تعديل التراكيب حتى يمكن للمعلومات التي لا تتسق مع التراكيب القائمة التكامل نعها أو فهمها .
3. التكيف :
ويمثل اتجاها فطريا لدى كل الأفراد ، ويضم عنصرين هما التمثل و المواءمة ، ويرى بياجيه أن التكيف هو نتيجة للتوازن بين التمثل و المواءمة ، فالفرد عندما يتعرض لخبرة ما ، فإنه أما يتمثلها أو يتلائم معها ، فإذا وحد هذه الخبرة مع إحدى الصور الإجمالية لديه يكون قد تمثلها ، وفي حال صعوبة الخبرة بدرجة عدم استطاعة الفرد تمثلها بصورة مباشرة ، يقوم الفرد بإعادة تركيب أو بناء نظام فهمه للعالم حتى يتكيف مع هذه الخبرة الجديدة
4. التوازن :
لكي يتم التكيف لا بد من وجود توازن بين الفرد و بين البيئة ، فتكيف الفرد مع البيئة يتضمن عملية توازن بين نشاطه على البيئة ونشاط البيئة عليه ، ويجب أن يكون هناك توازن بين هذين الاتجاهين حتى يتم التكيف ، ويرى بياجيه أن التوازن هو التفاعل بين الفرد و البيئة ، كما أن التكيف المعرفي يكون نتيجة التوازن بين التمثل و المواءمة ، وعند انتقال الفرد من مرحلة إلى مرحلة أخرى يحاول الوصول إلى حالة من التوازن بين التمثل و المواءمة
5. الصور الإجمالية ( المخططات العقلية ) :
وهي عبارة عن تكوين عقلي افتراضي يسمح بتصنيف و تنظيم المعلومات الجديدة ، وهي عبارة عن طريقة أو أسلوب ينظر الطفل بها إلى العالم ، أو هي طريقة يتمثل بها الطفل العالم بصورة عقلية ، والصورة الإجمالية هي نمط من الأفعال أو التفكير يتم بنائه أو تكوينه عن طريق التكرار في مواقف مشابهة ، وتستلزم الصورة الإجمالية استثارة بيئية لكي تحدث ، وتعتمد الصور الإجمالية التي تتكون في المراحل العقلية المعرفية المختلفة على سابقاتها التي تكونت خلال المراحل السابقة .
6. التنظيم :
وهو اتجاه فطري لدى الأفراد تجعلهم يقومون بالربط بين الصور الإجمالية بشكل أكثر كفاءة ، فالصور الإجمالية الأولية لدى الطفل تترابط و يعاد تنظيمها من جديد ، وينتج عن ذلك نظام مترابط للتراكيب العقلية الأعلى ، إذ أنه مع اكتساب أي صورة إجمالية جديدة تندمج هذه الصورة مع الصور القائمة بالفعل .
7. المرحلة :
ويراها بياجيه على أنها خطوة في طريق النمو تضم عددا من المكتسبات التي يقوم نظامها على التوافق مع مراحل السن التي يجتازها الفرد ، والتي تعكس كل مرحلة منها مدى اتحاد المكتسبات الجديدة مع سابقاتها اتحادا يؤدي إلى نشوء التراكيب العقلية التي تتميز كل منها بخصائص معينة تتفق مع مرحلة العمر العقلي التي يجتازها الطفل ، كما أن كل تركيب سابق فيها يندمج مع التركيب التالي له ، ويترتب على ذلك أن كل مرحلة تتميز عن الأخرى بتركيب جامع ، ومفهوم المراحل عند جان بياجيه هو مفهوم تجميعي ، فالمرحلة السابقة لا تلغي سابقتها و إنما تحتويها و تطور فيها .
8. التتابع :
يرى بياجيه أن الأطفال يسيرون في سلسلة من المراحل لا يختلف نظامها ، وبالرغم من أنه يرى أن الأطفال يصلون إلى كل مرحلة في أوقات مختلفة ، إلا أنه يرى أنهم يسيرون بنفس النظام لا يخلون به ، وهذا يعني أن كل الأطفال في كل الثقافات ينمون عقليا بنفس الطريقة ، وأنهم جميعا يبدأون من نفس النقطة و يسيرون بنفس تتابع الخطوات ، إلا أنهم يختلفون في سرعة النمو ، ولكن لا يوجد منهم من يتخطى أي مرحلة ولا يمر بها ، أو يتبع طريقة أخرى في النمو .
العوامل المؤثرة في النمو العقلي :
هناك مجموعة من العوامل التي تؤثر على النمو العقلي للطفل و تعمل أو تساهم بشكل مباشر في انتقاله من مرحلة لأخرى من مراحل نموه العقلي … ومن أهم هذه العوامل :
1. النضج :
ويشير هذا المصطلح إلى عمليات النمو الطبيعي التلقائي التي يشترك فيها جميع الأفراد ، والذي ينتج عنها حدوث تغيرات منتظمة في سلوك الفرد سواء وجدت خبرة سابقة أم لم توجد ، بمعنى أنه أمر تقرره الوراثة ، ويعتبر النضج عند بياجيه من العوامل المهمة في عملية النمو ، فبياجيه يربط بين النضج الجسمي والنضج العقلي ، ويرى أن قدرة الطفل على التفكير تزداد بازدياد نضجه ، كما أنه يرى أن ترتيب هذه المراحل ثابت و موجود في كل المجتمعات ، ولكن الاختلاف يكون فقط في المدى الزمني لكل فترة .
2. الخبرة المادية :
وهي عبارة عن تفاعل الفرد مع الأشياء الموجودة في بيئته ، و أخذ بعض المعلومات عنها عن طريق رسم صورة ذهنية مجردة لهذه الموجودات في ذهنه ، كذلك فهي تتمثل في معرفة الطفل بأسلوب أداء الأشياء أو الموجودات في البيئة من حوله وتفاعله معها عاملا ما يسمى بالخبرة المادية ، فالطفل ينمو جسميا و بالتالي يتمكن من الحركة و التجوال و تفحص الأشياء المجاورة له ، و تزداد هذه القابلية للاستكشاف و تفحص الأشياء المجاورة له ، و تزداد هذه القابلية مع زيادة نضج الطفل ، وتسمى هذه الخبرة بالخبرة المادية لتمييزها عن الخبرة الرياضية المنطقية ، ومع ذلك فهي تتضمن دائما تمثلا للأبنية الرياضية المنطقية .
3. الخبرة الرياضية المنطقية :
ويأتي هذا النوع من الخبرات بعد تكوين الخبرة المادية ، فمحاولات الطفل معرفة أداء الأشياء ذاتها أو تصنيفها و عدها و ترتيبها يمكن الطفل من القيام ببعض التعميمات على مجموعة من الأشياء ذات الصفات المشتركة أو إيجاد علاقات بينها ، كل ذلك يكون لدى الطفل بنية عقلية يستطيع الاستفادة منها في حالات أخرى و مواقف جديدة مشابهة للمواقف التي مرت في خبرته من قبل ، وهذه البنية التي تكونت هي نتيجة الخبرة الرياضية المنطقية .
4. النقل الاجتماعي :
ويقصد به تفاعل الفرد مع الآخرين ممن يحيطون به من أفراد المجتمع ، هذا التفاعل يؤدي إلى الخبرة الاجتماعية ، و ويعتبر النقل أو التأثير الاجتماعي شرطا أساسيا لبناء البنيات العقلية ، فالطفل في سنوات عمره الأولى يكون شديد الذاتية ، فهو يقوم بعمليات ذات دلالة فردية و أنانية للغاية ، و لا يستطيع أن يرى الأشياء بموضوعية بل يراها بمنظاره الخاص ، و يعتقد أن رأيه هو الصواب دائما و لا يوجد رأي غير رأيه ، و ما يقوله أو يفكر به يتفق تماما مع الآخرين .
5. الاتزان :
وهذا يعتبر أهم العوامل المؤثرة على النمو العقلي ، فهو يتضمن العوامل الأخرى بداخله مما يجعل من الصعب علينا أن ندرك هذا العامل على أنه منفصل عن العوامل الأخرى ، و بياجيه من ضمن تعريفاته للذكاء قال بأنه / صورة من صور الاتزان أو الموازنة التي تميل نحوه كل البنيات العقلية ، كما أنه يرى أن طبيعة الفرد الذهنية تكون عادة في حالة اتزان ، و تميل إليه إذا ما اختل هذا التوازن ، و يختل التوازن عادة بسبب وجود مثيرات خارجية ، و يعمل الفرد على تحقيق التوازن عن طريق ربط المعلومات ة الخبرات القديمة التي يحتويها بالمعلومات و الخبرات التي تأتي بها تلك المثيرات الخارجية ، و تتضمن عملية الاتزان نوعين من الاستجابات هي :
 التمثل : ويعني تكوين فكرة جديدة عن المثير الذي يتعرض له الطفل لأول مرة .
 المواءمة : ويعني تعديل فكرة سابقة موجودة في الذهن عن ذلك المثير .

مراحل النمو العقلي :
يصنف جان بياجيه النمو العقلي في ضوء فترات و مراحل ، فمن حيث الفترات ينقسم النمو إلى أربع مراحل رئيسية هي :
1. المرحلة الحسية الحركية :
وتبدأ من الولادة حتى نهاية العام الثاني ، ومن مهارات هذه المرحلة المميزة التآزر بين أنماط السلوك البسيط ، و التمييز البدائي بين الوسائل و الغايات ، و الوعي بدوام وجود الأشياء و استمرارها في العالم المادي ، وسبب تسمية هذه المرحلة بهذا الاسم يعود إلى أن الطفل يكتشف العالم أولا عن طريق الحواس و الحركات مثل وضع الإصبع في الفم ، ويقسم جان بياجيه هذه المرحلة إلى ست مراحل فرعية ويكون انتقال الطفل خلالها تدريجيا ، والمراحل هي
i. استخدام المنعكسات ( من ميلاد الطفل حتى نهاية الشهر الأول ) :
وفيها يمارس الطفل المخططات الوراثية ( المص ، الرضاعة ، الإخراج ، النشاط البدني …الخ ) وقد لاحظ بياجيه في الشهر الأول من حياة الطفل حدوث تحولا من الاستخدام السلبي إلى الاستخدام الإيجابي لهذه المخططات ، كذلك تظهر بعض صور الاشتراط بين الاستجابات و مثيرات جديدة لهذه المخططات ، كما تظهر بوادر تعديل الأفعال المنعكسة الفطرية و تصبح أكثر فعالية بالتعلم ، و تتميز هذه المرحلة بالتمرين على ذخيرة حسية حركية جاهزة ، و فيها لا يتم التمايز بين التمثيل و المواءمة .
ii. ردود الفعل الدائرية البدائية ( من شهر واحد حتى أربع شهور ) :
وهي مرحلة الإرجاع ( الاستجابات ) الدائرية الأولية أو التكرار الآلي للاستجابات ، حيث يكرر الطفل المخططات الوراثية مرات عديدة كأن يمسك بالشيء وتركه عدة مرات حتى تظهر تعديلات على المخططات الأصلية ، و تنشأ مثيرات عديدة قادرة على إحداثها ، و يظهر التآزر بين المخططات ، فالأشياء التي يراها الطفل يمكنه أن يصل إليها ، و الأصوات التي يسمعها ينظر إلى مصدرها ، وفي هذه المرحلة تبدأ عمليتا التمثيل و المواءمة في التمايز .
iii. ردود الفعل الدائرية الثانوية ( من سن أربع شهور حتى سن ثمان شهور ) :
وفيها يتعلم الطفل إصدار استجابة معينة و ينتظر حدوث نتيجة ، وفيها تظهر بعض علامات الحركات المقصودة و توقع الآثار، وفيها يظهر الاهتمام بأشياء أبعد من نطاق جسمه ويحاول تحريكها و يميز بين الأشياء الغريبة و المألوفة ، ويبحث بحثا قصيرا عن الشيء الغائب ، و يحاول الوصول إلى بعض الأشياء دون البعض الآخر مما يدل على نوع من إدراك العمق ، وتظهر بدايات المحاكاة .
iv. اتساق الصورة الإجمالية الثانوية ( من ثمان شهور حتى نهاية العام الأول ) :
وتعتبر مرحلة المخططات المتعلمة، وفيها يكتسب الطفل تمييزات إضافية بين الوسائل و الغايات ، و التمييز بين الذات و العالم ، و يبدأ ظهور مفهوم الواقع و الحقيقة ، و البعد عن التمركز الشديد حول الذات ، ويتعلم أن حدثا ما قد يتبع آخر ، و يمكن أن يحاكي إحدى الاستجابات الجديدة .
v. ردود الفعل الدائرية الثالثة ( من 12 شهرا حتى 18 شهرا ) :
وهي مرحلة الإرجاع الدائرية من الدرجة الثالثة ، و تعني التكرار الذي يهدف إلى التجريب ، وفيها يظهر الطفل اهتماما بالجدة في ذاتها ، كما ينوع من حركاته ويراقب هذه الحركات ، ويظهر اتجاهات اكثر نشاطا و قصدا وإيجابية نحو التجريب وزيادة نمو مفهوم الواقع و الموضوع و الشيء و الحقيقة ، كما أن الطفل في هذه المرحلة يستطلع الأشياء الجديدة بنوع من التجريب بحثا عن جوانب الجدة فيها ، وفيها يتعلم استخدام وسيلة ما للوصول لغاية محددة .
vi. بداية التفكير ( من سن 18 شهرا حتى نهاية العام الثاني ) :
وهي مرحلة تمثيل المخططات ، ففيها تنمو اللغة مما يسهل على الطفل تكوين المفاهيم أو التمثيلات اللفظية للأشياء ، كما يظهر الطفل فيها اتقانا لمشكلات الاستجابات المرجأة ، كما تنمو ذاكرة الأعمال والأحداث ، ويستطيع في هذه المرحلة حل مشكلات الالتفاف و الانعطاف وذلك بالدوران حول العائق حتى ولو أدى ذلك إلى البعد مؤقتا عن الهدف ، ويستنتج الأسباب ، ويبتكر تطبيقات جديدة لما تم تعلمه في سياق مختلف .
2. مرحلة ما قبل العمليات :
يصنف جان بياجيه طور النمو من سن سنتين وحتى سن سبع سنوات بأنه طور ماقبل العمليات ، والذي ينقسم إلى فترتين رئيسيتين هما :
i. فترة ما قبل المفاهيم ( ما قبل الفكر الإدراكي )
من سنتين حتى أربع سنوات ، ويتميز التفكير في هذه المرحلة بأنه في منزلة متوسطة بين مفهوم الشيء ومفهوم الفئة ، وهذا ما يسميه بياجيه ما قبل المفهوم ، ويتميز بأنه نوع من التفكير التحولي من الخاص إلى الخاص ، وهو نوع من التفكير يختلف عن التفكير الاستنباطي من العام إلى الخاص ، والتفكير الاستقرائي من الخاص إلى العام ، وهو نوع من التفكير باستخدام قياس التماثل ( التشابه الجزئي ) ، كذلك هناك خاصية أخرى لهذه المرحلة وهي خاصية التمركز حول الذات وهي خاصية تختلف عما كان سائدا في الطور السابق حيث يظهر في صورة عدم قدرة الطفل على تمييز منظورة الشخصي عن منظور الآخرين ، بينما هو في طور الرضاعة يتمثل في الخلط بين الذات و البيئة ، كما أن تفكير الطفل في فترة ما قبل المفاهيم يعتمد على الأشياء و الأحداث ، ومعظم التمثيلات الذهنية عنده تشير دائما إلى هذه الأشياء و الأحداث كوقائع فيزيائية مادية ، سواء استخدم في عمليات التمثيل الذهني الرموز أو الإشارات ، فالعصا عند الطفل ترمز إلى البندقية وحينما يتقدم به العمر فقد يستخدم الكلمة لتدل على عملية عدوانية كاملة .
ii. مرحلة التفكير الحدسي
من أربع حتى سبع سنوات ، وفي هذه المرحلة يتحرر الطفل من كثير من نقائص المرحلة السابقة ، ومع ذلك يظل محكوما بحدود كثيرة و السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى أن تفكير الطفل لم يتحرر تماما من الإدراك ، ويرى بياجيه أن أهم خصائص التفكير في هذه المرحلة أنه من النوع الحدسي ، وللنمو في هذه المرحلة ثلاث نتائج هامة تميز هذه المرحلة وهي :-
 أن اللغة تساعد الطفل على الاحتكاك بالآخرين ، وهذا يعني تفاعل الطفل مع المجتمع في فعاليته المختلفة .
 التصور الذهني أو القدرة على التفكير وفهم الرموز و المعاني القائمة في اللغة و الكلام .
 الإدراك المسبق للفعل ، أي قدرة الفرد على تصور الفعل أو تمثله ذهنيا .
كما أن تفكير الطفل في هذه المرحلة يتميز بالعديد من الخصائص لعل من أهمها :



• التمركز حول الذات : ويعني عدم قدرة الطفل على فهم الأشياء من أي وجهة نظر أخرى غير وجهة نظره هو .
• الملموسية : يعتمد معظم تفكير الطفل خلال هذه المرحلة على ما أطلق عليه بياجيه أسم ( التجربة العقلية ) حيث يستخدم الطفل في هذه المرحلة الرموز للدلالة على الأحداث كما لو كان يشارك هو بالفعل في هذه الأحداث .
• التركيز : وهو ميل الطفل إلى تركيز انتباهه على التفاصيل المتعلقة بجانب واحد فقط للشيء أو الموقف أو على صفة واحدة له ، ومن ثم يعجز في الحصول على المعلومات عن المظاهر الأخرى للموقف حيث يعجز عن نقل انتباهه إلى تلك المظاهر أو الجوانب الأخرى .
• اللامقلوبية ( عدم السير العكسي ) : ويعني بالسير العكسي إرجاع العملية العقلية إلى نقطة البداية التي بدأت منها دون حدوث أي تغيير ،فمثلا الطفل في هذه المرحلة يستطيع أن يفهم أن لديه أخا هو ( س ) ، ولكنه ينكر أن (س ) لديه أخ ، فالعلاقة عنده من جانب واحد ، وهذه إحدى الصفات الهامة للتفكير في هذا الطور ، وهو ما يسميها بياجيه باللامقلوبية ، وتعد إحدى الاكتشافات الهامة في تاريخ علم النفس .
• الإحيائية : وهي ميل الطفل إلى أن يعزى للأشياء المادية كل الصفات التي له هو ، وتنشأ الإحيائية نتيجة الاختلاط بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي .
• الواقعية : حيث يبدو كل شيء واقعي أو حقيقي بالنسبة للطفل في هذه المرحلة ، ويصبح من الصعب عليه أن يميز بين الحلم وبين الواقع .
• الاستاتيكية : حيث يتميز تفكير الطفل بالثبات ، ويستطيع التعامل مع الأشياء الساكنة التي لا تتحرك أكثر من تعامله مع الأشياء التي تتضمن التغيير .
• الاستدلال الانتقائي :حيث يرى بياجيه أن مرحلة الانتقال بين التفكير الحس حركي و تفكير المراهقين تسمى بتفكير ما قبل المفاهيم أو الاستدلال الانتقائي .

3. مرحلة العمليات المحسوسة :
وتبدأ هذه المرحلة من السابعة من العمر حتى الحادية عشرة أو الثانية عشرة ،ويطلق جان بياجيه على هذا الطور طور العمليات العيانية أو المحسوسة ، وفيه تظهر العمليات الاستدلالية التي يمكن أن تتفق مع أسس المنطق ، فالتفكير الإجرائي كما يرى بياجيه لا يظهر إلا حين تتوافر للطفل ذخيرة من المفاهيم التي تنتظم فيما بينها في نسق متماسك ، وهذه الأنساق التي تشكل التفكير المنطقي أو الإجرائي تسمى ( العمليات ) ، حيث يرى جان بياجيه أن العملية هي فعل داخلي يمكن أن يعود إلى نقطة بدايته ، كذلك في هذا الطور تنمو بعض المهارات المعرفية ومن ذلك قدرة الطفل على تصنيف الأشياء في أكثر من فئة ، فالقلم ينتمي إلى فئة الأقلام وفئة الجمادات ، وقدرته على الترتيب المتسلسل للأشياء ، ونمو بعض المفاهيم المجردة ، وقد اهتم بياجيه في هذه المرحلة بأبنية منطقية تظهر فيها العمليات يسميها ( التجمعيات ) ويوجد منها تسعة أنواع ثمانية منها أولية ونوع واحد فقط
ثانويا ، ومن بين الأنواع الأولية تظهر أربعة منها عمليات أو قواعد يمكن تطبيقها على الفئات التي تعتمد على التصنيف ، وتظهر الأربعة الأخرى عمليات تطبق على العلاقات التي تعتمد على الترتيب ، وتوجد في كل حالة عمليات ثابتة لا تتغير هي عمليات التركيب و الارتباط و الذاتية و المقلوبية .
وخلال هذه المرحلة يلتحق الطفل بالمدرسة ، ويعتبر هذا الحدث نقطة تحول في حياته الذهنية و الاجتماعية ، كما يصبح الطفل قادرا على الفهم والمناقشة إلى حد ما مع زملائه ، كما يستطيع الربط بين الأشياء المادية والأفعال بالكلمات التي تحل محلها ، كما يستطيع الطفل إدراك التكوينات الهرمية أي تصنيف أو ترتيب فئات داخل أخرى ، ويتعلم الجمع و الطرح وتصنيف الأشياء و تنظيمها ، وينمو لديه ما يسمى بالتفكير الاجتماعي أو اللغة الاجتماعية ، وهي القدرة على أخذ وجهات نظر الآخرين في الاعتبار ، كما يتميز التفكير في هذه المرحلة بالعديد من الخصائص والتي من أهمها :
• المرونة و السيطرة في التفكير : حيث يستطيع أن يؤخر استجابته بعكس الطفل في المرحلة السابقة ، كما أن أفكاره تتحرك في اتجاهات مختلفة ، كما يستطيع أن يعالج في الوقت نفسه ، ويكون أقل تمركزا حول ذاته ، ومع أن تفكيره يتسم بالمرونة في هذه المرحلة إلا أن الطفل يفكر في الأشياء المادية فقط ولا يستطيع أن يفكر في الأشياء المجردة ، كما أنه لا يقبل الاحتمالات .
• الثبات : المبدأ العام هي فكرة بقاء أو ثبات الشيء أو الاحتفاظ هو أن خواصا أكيدة للأشياء تبقى كما هي حتى حينما يتغير شكلها أو ترتيبها المكاني ، وبذلك يظهر الطفل بعض الثبات الإدراكي للعالم الخارجي ، ومع اكتساب هذه المهارة يصبح قادرا على التنبؤ بما يحدث للأشياء المادية التي يحتك بها في حياته اليومية .
• المقلوبية ( السير العكسي ) :ويقصد بالمقلوبية قدرة الطفل على أن يستعيد الأحداث الحقيقية في صورة فكرة ، حيث يظهر الطفل قدرة على إدراك ثبات الكم أو المقدار ، كما أن الطفل في هذه المرحلة يركز على أكثر من جانب واحد للمشكلة ، ويأخذ كل البعدين في اعتباره .
• الترتيب المتسلسل و الانتقال الفكري : حيث يستطيع طفل هذه المرحلة ترتيب الأشياء في ترتيب متسلسل ويستطيع أن يعد الأشياء ، ولكنه لا يستطيع أن يعطيها أرقام .
• التصنيف : ويشمل القدرة على تحديد الفئة أو ما يسميها بياجيه ( مفهوم الفئة ) والقدرة على إعداد قائمة بالعناصر التي يمكن أن تتضمنها الفئة أو ما يسميها بياجيه ( نطاق الفئة ) ، وخلال سنوات المدرسة تزداد مهارات الطفل في التجميع وربط هذه التجمعيات بعضها للبعض الآخر .


4. مرحلة العمليات الشكلية أو الصورية :
وتبدأ هذه المرحلة في حوالي الحادية عشرة أو الثانية عشرة من العمر ، وتستمر خلال مرحلة المراهقة ، ومع بداية هذه المرحلة تنمو في الفرد القدرة على التفكير باستخدام العمليات الصورية أو الشكلية ، وبصل فيها الذكاء إلى قمته إذ تشهد مرحلة المراهقة الطفرة النهائية في النمو العقلي ، وعندئذ يمكن للمراهق و للراشد بعد ذلك أن يفكر بدرجة كافية من المرونة حول العالم الذي يعيش فيه ، ويتناول العموميات المجردة من حولح كمفاهيم الحرية و العدالة ، كما يستطيع أن يدرك الخصائص الداخلية للأشياء ، ولا يقتصر التفكير عند حدود الخصائص الخارجية التي يحكمها الإدراك الحسي ، ويميل التفكير الصوري الإجرائي إلى أن يكون نظاميا لا عشوائيا ولا تحكمه المحاولة و الخطأ ، كذلك يصبح الفرد أكثر قدرة على التعامل مع المثيرات الأكثر بعدا في الزمان و المكان ، كما أن العمليات المعرفية تصبح أكثر ارتباطا بمعظم أنماط السلوك بحيث تصبح هذه الأنماط أيسر في التحكم فيها معرفيا ، ويستطيع المراهق خلال هذه المرحلة القيام بعمليات غير مرتبطة بخبرات عاشها أو موضوعات قد رآها لأنه يكون قادرا على الحركة العقلية خلف ما هو ملحوظ ، كما أنه يستطيع أن يتحرك من الواقع إلى ما هو محتمل، وينتقل تفكيره خلال هذه المرحلة من منطق الاستقراء إلى منطق الاستنباط ، و التحرك من العام إلى الخاص عكس المرحلة السابقة ، ويبدأون بالمناقشة في السياسة و الفلسفة ويميلون إلى رؤية الأشياء على مستوى مفاهيمي ، بالإضافة إلى أن المراهق يكون أكثر وعيا بالتمييز بين مجرد إدراك الأشياء واختزانها في الذاكرة ، وأكثر قدرة على استخدام استراتيجيات أكثر تطورا كمعينات للذاكرة ، وتعتمد جوانب كثيرة من نمو المراهق على التقدم المعرفي الذي يحرزه في هذه المرحلة ، فالتغير في علاقات المراهق بوالديه ، وفي سمات الشخصية وفي التخطيط للمستقبل التعليمي و المهني ، وفي زيادة الاهتمام بالمسائل الدينية و السياسية و الاجتماعية و الشخصية ، بل وفي نمو الشعور بالهوية الشخصية ، كلها تتأثر بالتغيرات العقلية و المعرفية في هذه المرحلة ، ويتميز تفكير المراهق بالعديد من الخصائص من أهمها :
• الحرية و المرونة في التفكير : حيث يستطيع المراهق التفكير في الأمور المختلفة باستخدام الرموز المجردة ، ويتحرر في تفكيره من معوقات الزمان و المكان .
• التحكم أو الضبط : يتطلب التفكير الشكلي تحكما دقيقا لما يقوم به الفرد من نشاط عقلي ، وعند تعامله مع مشكلة ما فانه يضع كل المقدمات المنطقية في اعتباره ، بالإضافة إلى أنه حينما يفكر في جانب معين من جوانب الوقف فانه يضع كل هذه الجوانب في اعتباره أيضا .
• تفسير الظواهر و تعليلها : يستطيع المراهق القيام بوصف الظاهرة وتفسيرها بمعنى ربط الظاهرة وأجزائها بظواهر أخرى ، ثم تبيين العلاقة بينهما ، وقد يستخدم عدة مفاهيم في ذلك ، كما يستطيع استنباط القانون العام الذي يفسر الظاهرة .
• التفكير في الاحتمالات ووضعها في الاعتبار : يستخدم المراهق نسقا يكشف عن طريقة كل التركيبات و العلاقات المحتملة ، ثم يتأكد من أنه قد وجد هذه التركيبات و العلاقات جميعها ، كما ان المراهق يستخدم النسق التركيبي أو الترابطي ، فنجده يغير عاملا معينا في كل مرة و يحتفظ بالعوامل الأخرى كما هي مما يتيح له إمكانات تحديد أثر هذا العامل الذي يقوم بتغييره .

هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد و الحمد لله رب العالمين
ح/... في 18/12/1420هـ



المراجع
1. معوض ، خليل. سيكولوجية النمو : الطفولة و المراهقة . الإسكندرية ، دار الفكر الجامعي ، ط 2 ، 1983 م
2. حسين / محمود عطا .النمو الإنساني : الطفولة و المراهقة . الرياض ، دار الخريجي للنشر و التوزيع ، ط 3 ، 1996 م
3. محمد ، عادل عبد الله . اتجاهات نظرية في سيكولوجية نمو الطفل و المراهق . القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1991 م
4. صادق ، آمال و أبوحطب ، فؤاد . نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين . القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية ، ط2 ، 1990م .
5. زهران ، حامد . علم نفس النمو : الطفولة و المراهقة . القاهرة ، عالم الكتب ، ط 8 ، 1986 م .

k/vdm hgkl, hgurgd ,hgluvtd g[hk fdh[di