تشيرُ الملاحظةُ العملية في الطب النفسي في الفترة الأخيرة إلى زيادة معدلات حد وث اضطراب الوسواس القهري في الأطفال، إلى الحد الذي يجعلُ طفلاً من بين كل مائة إلى مائتي طفل يعانون منه، أي طفل أو طفلين في كل مدرسة أطفال على الأقل، ومعظم الناس في بلادنا عرضةٌ للوسوسة دونَ أن يدري بهم أحد إلا أن الأطفالَ أكثرُ عرضةً للوسوسة في صمت لأنهم في كثيرٍ من الأحيان لا يعرفونَ أن شيئًا غير طبيعيٍّ يحدثُ لهم، ويحتاجُ الطفلُ إلى فترةٍ طويلةٍ من الوقت لينتبه إلى اختلافه عن أقرانه أو ربما نبههُ أحدهم لذلك، وربما يلاحظُ المدرس في المدرسة قبل الأهل أيضًا.

0وفي حالات اضطراب الوسواس القهري في الأطفال يمكنُ أن يلاحظَ الوالدان بعض العلامات على الطفل تجعل من الحاجةِ إلى ملاحظة تصرفاته بشكلٍ أدق أمرًا لا بد منه، وما أذكرهُ هنا هو بعضُ التصرفات التي قد تحدثُ من الطفل ولا ينتبه لها الأهل أو يفهمونها خطأً ويعاقبون الطفل لأنه لا يستطيع التوقف عنها ومن المهم بالطبع أن يمثل التصرف تغيرًا عن المعتاد بالنسبة لهذا الطفل:
1- ظهور ما يشبه الجير على اليدين من كثرة الغسيل بالصابون.
2- استهلاك كميات فوق المعتاد من الصابون أو ورق الحمام.
3- التأخرُ في الحمام لمدة أكثر من المعتاد .
4- البقاء لساعات طويلة أمام الكتاب دون قلب الصفحة وربما هبوط في الدرجات.
5- الإفراط في استخدام الممحاة وظهور ثقوب في الكراريس نتيجة لذلك.
6- الإطالة في الوضوء أو في أداء الصلاة.
7- تكرار السؤال لأفراد الأسرة(عادةً للاطمئنان)، مع طلب الإجابة بكلماتٍ معينةٍ ليطمئن.
8- قضاء وقت أطول من اللازم في التهيؤ للخروج.
9- الإصرار على أن يكونَ آخرَ من يخرجُ من البيت بعد أفراد الأسرة لكي يكونَ بإمكانه مصاحبتهم.
10- الخوف المتكرر والمستمر على حالته الصحية أو حالة أحد أفراد الأسرة(كما يتضحُ من تكرار السؤال مثلاً).

00ومن الأسئلة التي تفيدُ في بيان وجود الأعراض إذا أعطيت للطفل أو للمراهق في حالة الشك في وجود الأعراض القهرية خاصةً إذا كان هناك تاريخٌ أسريٌ لاضطراب الوسواس القهري أو اضطراب العرات أو اضطراب توريت:
1- هل لديك أفكارٌ أو تخيلاتٌ أو صورٌ تزعجكَ أو تقلقك؟
2-هل تجد نفسك مرغمًـا على التحقق وإعادة التحقق من الأشياء؟
3-هل تغسل يديك أو جزءًا من جسمك عددًا من المرات أكثر من الأطفال الآخرين؟
4-هل تعاني من الشك في إتمام الوضوء أو الصلاة بشكلٍ مضبوط ؟
5-هل تجدُ نفسك مرغماً على العد حتى رقمٍ معينٍ أو تكرار عمل الأشياء عددًا معينًا من المرات؟
6-هل تجد نفسك مرغما على تجميع الأشياء التي عادةً ما يرميها الأطفال الآخرون؟
7- هل تحتاج إلى التحقق المتكرر من أن شيئًا بشعًا لم أو لن يحدث؟
8- هل تحتاج إلى قراءة أو كتابة الأشياء أكثر من مرة لتتأكد من صحة ما قرأت أو كتبت؟
9- هل تخاف من أن تقول بعض الأشياء التي لا تريد أو لا يصح أن تقولها؟



10- هل أنت شديد الترتيب والحرص على أن يكونَ كل شيء في مكانه، لكي لا يحدث مكروه؟

كيفَ نتصرف في المرحلة الأولى بعد اكتشاف المرض؟
ولنفترض أن الأسرةَ عرفت أن أحدَ أطفالها يعاني من اضطراب الوسواس القهري ما هوَ الأسلوبُ الذي يجبُ اتباعهُ لكي يصلوا به إلى بر السلامة والأمان؟ من المفروغِ منهُ بالطبع أن لجوءهم للطبيب النفسي هوَ أولُ ما يجبُ فعلهُ، ولكنَّ الغرضَ الأساسي من هذا المقال هو بيانُ كيفيةِ التعامل مع الطفل الذي يحاولُ إشراكَ أهله في الطقوس القهرية، سواءً أكانت في شكل أسئلةٍ يظلُّ يسألها ويكررها ويطلبُ الإجابةَ عليها لكي يطمئنَّ هل نجيبُ عليه ليطمئنَّ أم نتركهُ ليخبطَ رأسهُ بالحائط؟ وإذا تمثلت الأعراضُ في شكل طقوس معينة في الغسيل أو الوضوء أو غير ذلك، وماذا يكونُ ردُّ الفعل في حالةِ ما إذا طلب الطفل أو المراهق المريضُ من أعضاء الأسرة الالتزام بقواعدَ معينة في أدائهم للأنشطة اليومية العادية؟

عادةً ما تتمثلُ المشكلةُ في خوف الوالدين على الطفل أو المراهق من أن يصبحَ مريضًا نفسيا، ولعل لذلك الخوف ارتباطًا وثيقًا بالنظرة السلبية الموجودةِ في مجتمعاتنا العربية، والموروثة أصلاً عن الغرب رغم ما يعتقدهُ الكثيرون من أن الغرب ليس لديهم مشاكلُ من هذه الناحية والحقيقةُ أن النظرة السلبية للمرض النفسي والطب النفسي بالتالي هيَ موروثٌ غربي تلقفتهُ المجتمعات العربية التي انفصلت عن تاريخها تماما.

المهم أن الكثيرين من الآباء والأمهات يطلبون من الطفل أو المراهق الكف عن أفعاله التي لا معنى لها وهم يتهمونه بأنهُ يستطيعُ أن يمنع نفسه وأن الأمرَ كله بيديه! وهم في ذلك واهمون طبعًا كما أن بعض الآباء والأمهات يرون في قدرة الطفل أحيانًا على التحكم في أفعاله القهرية دليلاً على أن الأمرَ كلهُ بيديه! وهذا ما يسببُ الكثيرَ من الألم للمريض، وعلى العكس من ذلك نجدُ بعض الآباء ومعظم الأمهات يستسلمون تمامًا لكل ما يطلبهُ الطفلُ أو المراهقُ فيفعلونَ ما يريحُ ابنهم من العذاب بمعنى أنهم يشاركونهُ في إتمام الطقوس القهرية أو يلتزمون بالقواعد التي يضعها لهم فأنا أعرفُ أما كانت تغسلُ رغيفَ العيش الذي ستأكلُهُ بنتها بالماء والصابون! ثم تقوم بتسخينه على النار لكي يكونَ معقمًا بالشكل الكافي !! وفي الحالة الأولى يتعذب المريض دون فائدة تذكر، وفي الحالة الثانية يكتشف الأهل بعد فترة أن استسلامهم لأعراض ابنهم أو ابنتهم لا يساعدُ بل يضرُّ وينتجُ عنهُ تعميمٌ للأعراض وتضخيمٌ للمخاوف والشكوك وتعظيمٌ للشروط، فمثلاً في المثال الذي ذكرته والذي كانت الأم تغسل فيه العيش لابنتها بالماء والصابون ثم تسخنه أصبح ذلك غير كاف من وجهة نظر البنت بعد ثلاثة شهور من ممارسة الأم لذلك، وطلبت من أمها أن تستخدم الكحول الأبيض بعد الماء والصابون وهنا خافت الأم لأنها تعرفُ أن الكحول مسكر وكل مسكرٍ حرام! إذن الاستسلام لا يحل المشكلة.

والمطلوب من أعضاء الأسرة لكي يكونُ تصرفهم على مستوى المسؤولية هوَ إعانةُ المريض على مرضه دون تجريح ولا سخرية لأن المريض يجبُ ألا يلام كما أن العديدَ من ردود الأفعال الأسرية مثل الاهتمام المفرط والحمائية الزائدة Emotional Over-Involvement كما يتمثل في الاستسلام لرغبات المريض أو عكس ذلك كالانتقاد Criticism أو العدائية Hostility كما تتمثلُ في اتهام المريض بأنه يستطيعُ التحكم في تصرفاته ولكنهُ لا يريد أو إلقاءُ اللوم عليه فيما قد تتعرضُ لهُ الأسرة من مشاكل كل ردود الأفعال هذه التي يتركُ فيها أعضاءُ الأسرة العنان لانفعالاتهم قد ثبتَ أنها تضرُّ أكثرَ مما تفيد.

hg,s,hs hgrivd td hgH'thg