المقدمة : إذا كانت المعرفة العلمية متوقفة وملتزمة بشروط . والموضوعية إحدى هذه الشروط والتي نجد صعوبة في تفسيرها لعدم تخلص المؤرخ من نظرة الذاتية التي يفرضها عهده أو ظنه أو الطبقة التي ينتمي إليها فهو لا يستطيع أن يعيش الحادثة الماضية إلا من خلال القيم والاهتمامات السائدة لديه والسؤال الذي يطرح نفسه فهل بإمكان المؤرخ أن يتجاوز العوائق التي تمنعه من تحقيقها؟
الموقف الأول : إن المؤرخ عندما يكتب التاريخ لا يستطيع أن يتخلص من التعسف في الاختيار الذي يخص به بعض الحوادث دون بعضها إذ معياره الوحيد في التمييز بين المهم والأهم إنما الاهتمام الذي يوليه لنوعيتها وهذا الاهتمام نفسه قد يكون شخصيا وقد يكون جماعيا بحيث أن قيمة الحوادث التاريخية إنما تستمد حقيقتها من القيم التي يؤمن بها المؤرخ على حدة أو التي يفرضها عليه المجتمع الذي ينتمي إليه فقد أصبحنا اليوم نهتم بالحوادث التاريخية ذات الطابع الجماعي الذي يتجلى فيها مفعول الجماعة كلها بينما كان أسلافنا يولون اهتمامهم الأكبر إلى أعمال الأفراد من ملوك وأمراء كما صرنا اليوم نميل إلى العناية بالحوادث الاقتصادية بالماضي في حين كان الجل من أسلافنا لا تلفت أنظارهم إلى الحوادث الدينية ولعلنا لا نخرج عن جادة الصواب إذا ما قلنا أن المؤرخين الاستعماريين الذين كتبوا تاريخ المستعمرات إنما كتبوا في الواقع تاريخ النظام الاستعماري الحاكم فقد سجلوا آثار النظام الاستعماري مما سجلوا تأثر المستعمرين المحكومين بهذا النظام ومعاناتهم له كما أنهم عمدوا إلى إبراز مزايا النظام الاستعماري وأهملوا بصفة شعورية أو لا شعورية معاناة المحكومين لهذا النظام والصعوبات التي وضعت أمامهم للتحرر من السلطة الأجنبية في حين أن أهالي البلاد المستعمرة لا يرون في مراكز التعمير ومظاهره إلا وسائل مشؤومة لإخضاعهم والسيطرة عليهم فهذا المثال البسيط يعطينا فكرة واضحة عن حدود الموضوعية في التاريخ و يبين لنا أنها حدود ضيقة جدا حتى إذا ما تجاوزنا هذا النوع من الأمثلة إلى النظرة العامة التي ينظر بها المؤرخ إلى الحوادث التاريخية وجدناه لا يستطيع أن يأخذ من التاريخ أي عبرة لأنه لا يستمد فلسفته ولا قيمه من التاريخ بل هو الذي يضفي هذه الفلسفة وهذه القيم على التاريخ مما جعل النازيين والصهيونيين يرون أن لكل جيل الحق في النظر إلى التاريخ نظرة تتفق مع حاجاته الوطنية وفي هذا دلالة كافية على الدور الهام الذي تقوم به النزعة الذاتية في النظر إلى الحوادث التاريخية مما يتعين معه على المؤرخ النزيه أن يكون أشد يقظة وانتباها إلى المزالق التي تعترض سبيله .
النقد: صحيح أن المؤرخ تعترضه بعض الصعوبات والعقبات في سبيل تحقيق الموضوعية لكن لماذا لا تكون هذه العقبات حافزا له يدفعه إلى الحذر واتخاذ الاحتياطات اللازمة لبلوغ الهدف مجردا من كل طابع ذاتي ثم إن تطور المناهج قلل من شأن هذه العوائق وصارت الموضوعية أمرا ممكن التحقيق.
الموقف الثاني : ذا كانت الحادثة التاريخية تفلت من الملاحظات المباشرة فإنها تترك آثاراً ووثائق يستطيع بها المؤرخ أن يبنيها من جديد وغالبا ما تكون هذه الوثائق متملكة في الأخبار قدوتها الأجيال السالفة غير أن الأخبار كما يقول ابن خلدون " إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لا يؤمن فيها من العثور وزلة القدم والحيدة عن الجادة " ومعنى هذا أن المؤرخ لا يقبل الشواهد الماضية منها المباني والأدوات والأسلحة وقطع النقد....إلخ وحتى يتحقق المؤرخ من صحة الوثائق التي يعتمدها يجب عليه أن ينقدها نقدا خارجيا يتناول صورة الوثيقة لمعرفة ما إذا كانت الوثيقة محتفظة بهيأتها الأولى وإذا لم يحدث بها أي تغيير ولمعرفة الطريقة التي تم بها صنعها من أجل الوصول إلى مصدرها وينصب هذا النقد على الخط واللغة والأشكال والمصادر إلى ....إلخ ،ثم يتعين عليه أن ينقدها داخليا ليتناول مضمون الوثيقة ويستعمل فيه المؤرخ القياس التمثيلي الذي تستمد مقدماته الكبرى من علم النفس العام للوصول إلى الأحوال النفسية التي يكون قد مر بها واضع الوثيقة يجب التساؤل أو أراد صاحبها أن يقول ؟ وهل كان اعتقاده صحيحا؟ إلى غير ذلك ويكون المؤرخ في كل ذلك محتاجا إلى الاستعانة ببعض العلوم المساعدة كعلوم الآثار وعلوم الكتابات القديمة والحديثة ومعرفة اللغات القديمة والحديثة ورغم قيام المؤرخ بهذين النوعين من النقد يبقى معرضا لمزا لق أخرى منها وحدة المصدر وحدة المشرب .استبعاد بعض الحوادث فقدان الوثائق الهامة وأيضا النزعة الموضوعية التي قد تمنع المؤرخ من التعاطف مع الحادثة التي يدرسها والنزعة الذاتية والتي تبالغ في التعاطف مع الحادثة إلى درجة تجعل المؤرخ يضفي عليها ميوله ورغباته .
النقد: لكن هذه الموضوعية مهما تحققت ووصل إليها المؤرخ فإنها لن تصل إلى الموضوعية في العلوم الطبيعية وهذا راجع لعوائق ومصاعب كثيرة.
التركيب : إن تجاوز العوائق وإن كان الجميع يدرك مدى صعوبته لكن ذلك ليس مستحيلا على المؤرخ الذي تبقى المعرفة العلمية دوما ضالته وهو يدرك أنه لا يمكنه بلوغ ذلك إلا إذا تحلى بالروح العلمية وفي مقدمة ذلك الموضوعية.



الخاتمة: ومنه فرغم محاولة الالتزام بالحياد المنهجي إلا أن الموضوعية في التاريخ تبقى نسبية وتتفاوت من مؤرخ إلى آخر.

ig dsj'du hglcvo Hk dj[h,. hgu,hzr hgjd jlkui lk jprdr? []gdm