رواية لحظة شوق


الفصل الأول



في ليلة الأحد الممطرة و تحديدا على الساعة الثَّانية صباحا، سُمع صوت بكاءٍ بريء من قاعة العمليَّات، كانت تلك أول صيحة للمولود الجديد، المولود الذي انتظرته عائلة بلهادي بشغف كبير، فأسرع الأب عبد القادر مهرولا نحو القاعة فإذ به يجد ممرضة تفتح الباب باحثة عن أهل المولود كي تبشرهم بالخبر، ففور رؤيتها لعبد القادر سألته قائلة :
- أأنت الوالد ؟
فأجابها بتلهف شديد :
- نعم!
فردت مبتسمة :
- مبروك عليك.. إنه ذكر! و زوجتك بحالة جيدة، يمكنك الدخول لرؤية ابنك.
اختلطت مشاعر عبد القادر فقد تأثَّر من شدَّة الفرحة، فهذا أسعد خبر تلقاه على الإطلاق! فكان طيلة حياته يتمنى أن يصبح أبا و أن يُرزق بولد يتربَّى في عِزِّه و يتلقَّى أحسن تربية ليحمل اسمه و يكون له سنداً، فها هو ذا يُرزق بذكر، فقد تحقَّقت أمنيته و أصبح أسعد إنسان فوق الأرض..
دخل عبد القادر إلى قاعة العمليَّات لرؤية ابنه، فوجده مُحمرَّ الوجه، مغمضّ العينين، يبكي بكل ما أوتي من قوَّة.. فأخذ يتأمل في ولده الصغير الذي يكتشف نور الحياة لأول مرة، فزرع على رأسه الصَّغير قبلة دافئة ثم رفع يديه إلى الأعلى قائلا بصوت متقطع :
- الحمد لله.. الحمد لله..
ارتأى عبد القادر أن يسمّي ولده أمين، حتى يكون أمينا على دينه و أخلاقه و أمانته في حياته، كما وعد نفسه أن يكون أمينا على ولده، حنونا عليه، متعاطفا معه و أن لا يجعله يحتاج شيئا ما دام على قيد الحياة.
**********
مرَّت الأيَّام و الشّهور، و أصبح عبد القادر متعلقا بابنه الوحيد تعلُّقا كبيراً، فأحبَّه كثيراً لدرجة أنَّه لا يفارقه إلاَّ في أوقات العمل، فكان كلَّما عاد من عمله كان أمين وجهته الأولى فيعانقه و يقبِّله بحرارة، كأنَّه لم يراه لمدة طويلة! فيقوم باللَّعب معه و مداعبته حتى أن ينام.. و أمَّا في أيَّام العطل فكان يأخذه إلى النُّزهة رفقة زوجته فاطمة إلى أحد الغابات المتواجدة في المدينة أو يأخذه إلى زيارة عائلية.
**********
بلغ أمين سن السَّادسة، فكان لابدَّ أن يسجِّله عبد القادر في أحد المدارس القريبة من البيت، لكن قبل هذا فضَّل أن يلقي عليه درساً صغيراً، ليشرح له ما معنى الدِّراسة، و لماذا عليه أن يدرس.. فدار بينهما هذا الحوار :
- يا بني.. لقد أقبلت على مرحلة مهمَّة في حياتك.
- و ما هي يا أبي ؟
- هي مرحلة الدُّخول المدرسي، المرحلة التي ستلتحق فيها لأول مرة بمقاعد الدِّراسة و ستلتقي فيها لأوَّل مرَّة بمعلِّمتك و زملائك الجدد، كما ستتعلَّم الكثير و الكثير من الأشياء!
- صحيح ! لقد شوَّقتني للدِّراسة يا أبي.. لكنَّني لست متعوِّدا على الابتعاد عنك يا أبي و عن أمي أيضا !
- لا تقلق يا بني، فستتعوَّد مع مرور الأيَّام، كما أنَّك ستحبُّ معلِّمتك و ستحبُّ كذلك دراستك، فالمعلِّمة تمثِّل أمُّك الثَّانية و عليك باحترامها و تقديرها كأمِّك تماما.
- لكن لماذا ندرس يا أبي ؟
- سؤال جيِّد يا بني، إن الله سبحانه و تعالى أمرنا بطلب العلم، لأنَّه هو النُّور الذي ستضيء به حياتك، فبالدِّراسة ستتعلُّم و تفهم و تتمكن من الكتابة و القراءة و عندما تكبر سيكون بإمكانك أن تعمل مثلي تماما.
- أريد بشدَّة أن أكون مثلك يا أبي..
- حسنا.. هيا قل لي ماذا تريد أن تعمل عندما تكبر ؟
-ااه... مهندس ! نعم مهندس يا أبي !
- إن شاء الله يا بني، تكبر و تصبح مهندسا عظيما !
أُعجب عبد القادر من تفاعل أمين معه في موضوع الدراسة، فتنبَّأ له بمشوار دراسي ناجح، كيف لا و هو بهذا الحماس و الطُّموح رغم صغر سنه.
كما كان متوقعا، اجتاز أمين سنته الدِّراسيَّة الأولى بنجاح كبير، ميَّزتها النِّقاط الممتازة التي تحصل عليها بفضل جديَّته و مواظبته في الدِّراسة، فأصبح عبد القادر فخوراً بابنه أكثر من أيِّ وقت مضى، فها هو ذا يجني ثمار تربيَّته الصَّالحة من الآن.
**********
عند بلوغ أمين سن السابعة، قام عبد القادر بتعليمه كيفية الوضوء و الصلاة، حتى يكون ناشئا في طاعة الله، كما أقنعه بأن الله عليم بكل ما نفعل و يرى كل شيء.. فهكذا زرع في قلب ابنه العقيدة الإسلامية، حيث كان في كل مرة يعلمه شيئا من الإسلام، فتارة يشرح له ركن من أركان الإسلام و تارة أخرى يروي له قصة من قصص الإسلام..
**********
استمر أمين في حصد النتائج الجيدة في دراسته طيلة المرحلة الابتدائية، لغاية تحصله على شهادة التعليم الابتدائي بمعدل ممتاز، ففرح به عبد القادر كثيرا، فقرر أن يعطيه هدية ليكافئه على نتاجه الباهرة، لكنه أراد أن تكون هذه الهدية مميزة ليحتفظ بها أمين طيلة حياته..
- أمين.. أمين.. أين أنت ؟ تعالى يا بني.
- هاأنذا يا أبي !
- تعال يا أمين، لقد أحضرت لك شيئا مميزا اليوم !
- ماذا أحضرت لي يا أبي ؟
- أحضرت لك هدية ! مكافئة لك على نجاحك في الدراسة، خذ !
استلم أمين الهدية ثم قام بنزع الغلاف الذي كان يزينها، فإذ به يجد كتابا مزركشا بحروف ذهبية اللون مكتوب عليه "القرآن الكريم"، ففرح أمين بهذه الهدية القيمة، فراح يحضن أبيه و يقبله ثم قال :
- شكرا لك يا أبي !
- العفو يا بني، إن ما بين يديك هو معجزة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فأريدك أن تلازمه و تقرأ منه كل يوم و أن تحتفظ به طالما حييت.
- أعدك يا أبي أنني سأفعل.
عمل أمين بما وعد، فقد كان كل يوم يقرأ من القرآن الكريم بعض السور، و مع مرور الأيام ختم أمين ستون حزبا، و لكنه لم يفهم إلا قليل مما قرأ، فوجد نفسه محتارا أمام هذا الكتاب المقدس، فقرر أن يسأل أبيه عن الأمر حتى يفهم ما فائدة قراءة القرآن مادام لم يفهم منه ما قد يفيده..
- أريد أن أكلمك في موضوع يا أبي.
- تفضل يا بني, كلي آذان صاغية.
- لقد قمت بختم القرآن يا أبي و...
فقاطعه قائلا :
- ما شاء الله، أحسنت يا بني، أكمل على هذا المنوال و ستكون من أهل الجنة بإذن الله.
- لكن الأمر يا أبي أنني لم أفهم إلا قليل مما قرأت، فما الفائدة من قراءة دون فهم !؟
- حسنا, هل ترى تلك السلة ؟
و قد أشار بأصبعه إلى سلة الفحم الفارغة..
- نعم.. أراها يا أبي.
- خذها إلى حنفية الطابق الثاني و املأها بالماء.
قام أمين بما طلبه منه أبيه، لكن كل الماء تسرب من السلة قبل أن ينزل إلى فناء البيت، فضحك عبد القادر وقال :
- عليك أن تكون أسرع في المرة القادمة.. هيا حاول مرة أخرى !
فصعد أمين للمرة الثانية بالسلة إلى الطابق الثاني و أعاد ملأها ثم نزل مسرعا، لكن الماء تسرب مرة أخرى، نزل أمين عند أبيه يتنفس لاهثا، فقال بصوت يائس :
- يستحيل أن أحمل الماء بهذه السلة ! سأحضر دلوا بدلا منها.
- أنا لا أريد دلوا من الماء، بل أريد سلة من الماء.. أنت فقط لم تحاول بجهد كاف.
قرر عبد القادر أن يصعد مع أمين هذه المرة ليشاهده يحاول مرة أخرى..
أدرك أمين أنها مهمة مستحيلة، لكنه أراد أن يثبت لأبيه أنه حتى لو نزل بأسرع ما يستطيع فإن الماء سيتسرب قبل وصوله إلى الأسفل.. فقام بملأ السلة ثم نزل بسرعة فائقة نحو الأسفل، لكنه حينما وصل وجد السلة فارغة تماما للمرة الثالثة، فقال و هو يلهث :
- أنظر يا أبي.. إنها غير مجدية.
- إذن أنت تظن أنها غير مجدية ! أنظر إلى السلة.
فأخذ أمين ينظر إلى السلة و للمرة الأولى أدرك أن السلة مختلفة، فكانت متسخة تحمل الفحم و الآن أصبحت نظيفة من الداخل و الخارج !
في هذه اللحظات أردف عبد القادر قائلا :
- هذا ما يحصل عندما تقرأ القرآن، من الممكن أن لا تفهم شيئا و أن لا تتذكر ما قرأت منه و لكن عندما تقرأه مرة بعد مرة بعد مرة، سوف تتغير داخليا و خارجيا، تماما مثل هذه السلة !
أعجب أمين بفائدة القرآن العظيمة، فأصبح ملازما له طوال الوقت، حريصا على قراءته..
**********
نشأ أمين على هذه التربية الحسنة التي جعلت منه شابا طيبا، مهذبا، صادقا، مطيعا لوالديه، متمسكا بدينه و مؤديا لكل فرائضه، فيصوم و يصلي، و يعطي الصدقة للفقير، يحترم الكبير و يعطف على الصغير ..
قام أمين بإبهار أساتذته في المتوسطة، حيث واصل تفوقه الكبير في الدراسة و أصبح يحقق العلامات الكاملة في جميع المواد، فأكمل على هذا المنوال إلى غاية حصوله على شهادة التعليم المتوسط و بتقدير ممتاز كان هو الأعلى في كل البلاد، مما أتاح له الحصول على عدة جوائز قيمة من قبل وزارة التربية و التعليم، كما كرم من قبل رئيس الجمهورية شخصيا بوسام التفوق الدراسي..
لكن أمين لم يكن سعيدا بكل ما حققه، فقد كان أبيه عبد القادر في هذه المرحلة يعاني من مرض عضال ألزمه الفراش، فلم يكن باستطاعته أن يفرح بابنه و لم يكن أمين بدوره قادرا على رسم البسمة في وجه أبيه..
لازم أمين أبيه عبد القادر طيلة فترة مرضه، فلم يكن يصبر على فراقه و لو للحظة واحدة، فكان يحضر له كل ما يريد، لدرجة أن أمه فاطمة كانت تطلب منه أن يرتاح أو يخرج للشارع ليروح على نفسه، لكنه كان دائما يرفض لتعلقه الشديد بأبيه..
**********
في صباح يوم الجمعة، نهض أمين باكرا كعادته و توجه إلى غرفة أبيه ليطمئن عليه، فحاول إيقاظه لكنه لم يستيقظ و بقي ساكنا لا يستجيب، قلق أمين من حالة أبيه فقرر الاتصال بالطبيب ليأتي للبيت و يشخص حالته.
- السلام عليكم يا دكتور!
- و عليكم السلام.. من المتكلم ؟
- أنا أمين.. ابن بلهادي عبد القادر.
- نعم أمين، وصلني أن أباك مريض منذ مدة، فكيف هي حالته ؟
- إنني أتصلك بك بخصوص حالته، فحاولت إيقاظه هذا الصباح لكنه لم يستجيب.. الأمر لا يدعو إلى التفاؤل يا دكتور !
- ابق بجانب أبيك.. سآتي حالا !
أتى الطبيب بعد ربع ساعة ثم دخل إلى الغرفة و كشف على عبد القادر..
بقي أمين خارج الغرفة مع أمه فاطمة تنفيذا لأوامر الطبيب، فقد كان أمين كئيبا و محتارا، قلقا على حالة أبيه.
في هذه اللحظات خرج الطبيب من الغرفة و علامات الحسرة بادية على وجهه، فسأله أمين قائلا :
- ما به أبي يا دكتور ؟
- اسمع يا أمين عليك أن تكون قويا.. و سأتكلم معك بصراحة، فقد صرت رجلا ما شاء الله..
قاطعه أمين قائلا بقلق شديد :
- لقد زدت من قلقي يا دكتور! أرجوك قل لي ما به ؟
- دخل أبيك في مرحلة غيبوبة بعض تأثره بالمرض و تعتبر هذه المرحة هي الأخيرة من هذا المرض الخبيث و قد لا تدوم أكثر من أسبوع، لهذا علينا نقله بأقصى سرعة إلى المستشفى.. أطلب منكم تقوية الإيمان.. فكل شيء بمشيئة الله سبحانه و تعالى.
نزلت كلمات الطبيب على أمين كالصاعقة، فكان يمني النفس بشفاء والده، كان يدعو له ليلا و نهارا، فهو لم يفارق أبيه منذ ولادته فكيف يمكنه تحمل هذا الخبر الذي قطع آخر خيوط الأمل لشفائه، فانفجر أمين باكيا، فلم يكن يملك وسيلة غير البكاء للتعبير على آلام قلبه الذي يتقطع من شدة الغيظ كلما شاهد أبيه في هذه الحالة.
نقل عبد القادر إلى المستشفى و تنقل معه أمين، و قرر أن يبيت معه كل يوم راجيا ربه أن يشفي أبيه و أن يعيد له صحته التي تهالكت بسبب هذا المرض اللعين.
بقي أمين ملازما أبيه في المستشفى.. و في اليوم الرابع و بينما كان يتلو بعض آيات القرآن الكريم، شاهد أبيه يحرك رأسه المتثاقل باتجاهه، لم يصدق أمين و هو يرى أبيه يستيقظ بعد الغيبوبة، فخاطبه بلهجة تملأها الثقة :
- أنا معك يا أبي.. ستشفى بإذن الله و تعود قويا كما كنت و..
قاطعه عبد القادر بكلمات ثقيلة، متقطعة، جامعا كل قواه لقولها :
- اعتني بأمك.. و بدراستك..و لا تهجر دينك.........
في هذه اللحظات طرق على سمع أمين رنة جهاز القلب المتتالية، مصورة ذلك الخط المستقيم الأخضر، معلنة عن وفاة أغلى و أعز و أحب إنسان إلى قلب أمين.
**********
كان لموت عبد القادر أثرا بليغا على أمين، فقد خلف له فراغا رهيبا في حياته, فأصبح يعاني من صراعات نفسية عميقة، فكان كلما تذكر بأن والده ذهب دون رجعة، يبدأ في مخاطبة نفسه باكيا : (( لماذا تركتني يا أبي؟! لماذا جعلتني أتعلق بك كل هذه المدة ثم ذهبت و تركتني وحيدا مع أمي المسكينة ؟! ليس لنا غيرك يا أبي لماذا ذهبت ؟! لماذا رحلت ؟!...... ))
ثم يستغفر الله و يعود الإيمان إلى قلبه، فهو يعرف أن هذه سنة الله في خلقه و أن ما عليه سوى التحلي بالصبر و طلب الرحمة لأبيه حتى تنفعه في قبره.
**********
أصبحت الحالة النفسية لأمين في استقرار مستمر مع اقتراب الدخول المدرسي، موعد انتقاله للتعليم الثانوي، حيث سيكتشف الثانوية لأول مرة.
كان أمين قد اختار الشعبة العلمية التي طالما أحبها، فقد كان حلمه دائما أن يصبح مهندسا في المستقبل، فعزم على بداية ناجحة لعامه الأول في الثانوية، فبعد تسجيله في المؤسسة الأقرب إليه و معرفة قسمه راح يستعد ليومه الأول.
رغم التفوق الكبير الذي عرف على أمين في دراسته و نتائجه الباهرة التي حققها طيلة مشواره الدراسي، إلا أنه لم يحقق ما كان متوقعا منه في سنته الأولى ثانوي، فقد كان لموت أبيه أثرا سلبيا عليه في الدراسة، حيث بعدما كان يمضي معظم الوقت مع والده لما كان حيا، أصبح يقضيه مع رفقاء السوء، فضيع وقته معهم مما جعله متهاونا في دراسته و مهملا لها، كما تغير سلوكه إلى الأسوأ، حيث غير من مظهره فقد أصبح يقلدهم في كل شيء، فجعل الدراسة كآخر اهتماماته!
هذا السلوك الذي آل إليه أمين كان بسبب هروبه من الواقع، الواقع المر الذي حرمه من والده الذي كان بالنسبة إليه أغلى إنسان في الدنيا، فكان يريد أن ينسى هذا الحرمان، ينسى أنه يتيم الأب، لكن للآسف فقد سلك الطريق الخاطئ، فلم يكن يعلم ما قد يترتب عن هذه الرفقة السيئة، رفقة الشارع، الشارع الذي لا يرحم أبدا..
**********
كانت نتائج أمين الدراسية كارثة، نتيجة إهماله المستمر و لكنه رغم ذلك انتقل من سنة إلى أخرى بمعدلات متوسطة على العموم، و هو الذي كان أول الأوائل..
استمر أمين على هذا الحال و استمرت حيرة أساتذته و أمه فاطمة، تلك المرأة الأرملة التي تكافح من أجل نجاح ابنها، فقد كانت تنصحه باستمرار بعدم مخالطة تلك الرفقة السيئة، فتقول له :
- يا بني.. ألم تلاحظ ؟! فمنذ أن صاحبت تلك الجماعة لم ترى خيرا في دراستك، فلا تتركهم يدمرون لك مستقبلك.. فقد كان والدك رحمه الله يحب لك النجاح دائما...
كان أمين كلما سمع هذه الكلمات من أمه يتأثر و يعد نفسه أن يبتعد عن هذه المخالطة، لكنما باليد حيلة فقد ضاع وسط رفقاء السوء فكلما حاول الابتعاد عنهم يجد نفسه بينهم مرة أخرى، فقد أصبح غير قادر عن مفارقتهم، بل كانت علاقته بهم تزداد كل مرة..
**********
أخيرا انتقل أمين إلى القسم النهائي، قسم اجتياز شهادة الباكالوريا , أهم سنة على الإطلاق، كيف لا و هي التي ستحدد مستقبله و ستتوج مشواره الدراسي بهذه الشهادة , شهادة المستقبل ...
قبل أيام قليلة من الدخول المدرسي الجديد و في صباح يوم صيفي حار، بينما كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، صحا أمين من نومه على كابوس مفزع، أو على الأقل هذا ما كان باديا من علامات وجهه التي سادتها مسحة من الإضراب و القلق حين نهض من فراشه مسرعا، متجها إلى غرفة أمه و هو ينادي بصوت مرتفع :
- أمي!.. أمي !..
- خير إنشاء الله ! ما بك يا ولدي ؟
- ...لقد رأيت رؤية يا أمي !.. رأيت أبي في المنام !...
- حسنا يا بني... اهدأ قليلا و تعال اجلس بجانبي و احكي لي ماذا رأيت.
- رأيت نفسي في مكان قاحل كأنه صحراء و رأيت أفعى كبيرة قادمة إلي و تريد مهاجمتي.. فهربت راكضا بأقصى سرعة لكنني تعثرت في الطريق من شدة الإضراب و الخوف من تلك الأفعى فقد كانت مخيفة جدا يا أمي ! فبينما كنت أهم بالنهوض للركض مرة أخرى.. رأيت يدا مدت إلى و أمسكت بذراعي ثم وضعتني فوق حصان أبيض جميل ! كانت تلك يد أبي، فقد رأيت وجهه.. كان ناصع البياض، يشع منه النور.. فكلمني قائلا : في المرة القادمة احترس يا بني...
- هل تعلم ما تفسير هذه الرؤية يا بني ؟
- لا.. لا أعلم يا أمي.. ما تفسير هذه الرؤية ؟
- تلك الأفعى المخيفة التي رأيتها تمثل الأعداء، فهم دون شك تلك الجماعة الذين جعلتهم أصدقاؤك، هؤلاء يا بني لا يمكنك الوثوق فيهم فهم لا يحبون لك الخير و يريدون جر يدك إلى التهلكة.. و رؤية والدك رحمه الله يمسك بيدك مبعدا إياك عن الأفعى، فهو يمثل ولي من أولياء الله الصالحين الذي ساعدك في الابتعاد عن الرفقة السيئة.. فقم يا بني و صلي ركعتين و استغفر الله، فكفاك إهدارا للوقت مع هؤلاء، و اعلم أن والدك توفي و هو راضي عنك، فكان قد أوصاك بالدراسة، فلا تدعه يغضب منك في قبره بسبب إهمالك هذا..
تأثر أمين كثيرا بما قالته أمه، لدرجة تجمع الدموع في عينيه، فالتفت إلى أمه بعيون صادقة، قائلا بنبرة جادة :
- أقسم لك بالله العظيم يا أمي أنني لن أغضب أبي في قبره بعد الآن و سأقطع علاقتي مع جميع رفقاء السوء.. فكنت على حق يا أمي، فلا يمكنني إهمال دراستي لهذه الدرجة !
أخيرا قرر أمين تصحيح الأمور بقطع علاقته نهائيا مع من جعلوه مهملا في دراسته، لكن هذا لم يكن كافيا للاستعداد الجيد لهذه السنة، فبعدما حضر الدروس الأولى المقررة للسنة النهائية، وجد نفسه في مشكلة أخرى، فإهماله و تخاذله في السنوات الماضية جعلاه لا يكاد يفهم و لو درس واحد من مقرر السنة النهائية، فأخذ يفكر مليا في الطريقة التي ستجعله يستدرك كل الدروس التي أهملها طيلة سنتين! فإذ به يتذكر زميله مصطفى، ذلك التلميذ النجيب الذي درس معه السنة الماضية، فكان قد نصحه بالتسجيل في المؤسسة الخاصة بالدروس الخصوصية بعدما لاحظ ضعف مستواه..
طلب أمين من أمه أن تسجله في هذه المؤسسة فلم تعارض و وافقت بإدخاله حتى يستدرك ما فاته..
سجل أمين بهذه المؤسسة واثقا من نفسه بقدرته على تجاوز مرحلة الفراغ التي مر بها و الانطلاق من جديد، للنجاح في امتحان آخر السنة الدراسية.
في يوم الاثنين، أول يوم لأمين في مؤسسته الجديدة، فقد كان في قمة التركيز، فلا مجال للتهاون بعد الآن، دخل أمين إلى القاعة و جلس في إحدى الطاولات الأمامية، فدخل بعدها بدقائق الأستاذ ثم شرع في بداية الدرس...
بعد خمسة عشرة دقيقة سُمع طرق في الباب، الباب الذي أخفى من ورائه أفضل ما شاهدت عيون أمين، إنها فتاة في مقتبل العمر فائقة الجمال أنيقة الملبس، ذات شعر ذهبي متموج و عيون زرقاء تشع منهما نظرة ملاك، فلم يكن هناك فرق بينها و بين الملائكة سوى هيئتها البشرية.. لم يمر على دخولها إلى بضعة ثواني حتى تزايدت ضربات قلب أمين الذي لم يعرف الحب من قبل، بل و لم يفكر فيه أبداً...
نعم إنه الحب، الحب من أول نظرة، هذا ما كان مقدرا لأمين، أن يحب فتاة لا يعرف عنها شيئا سوى جمالها و ابتسامتها الملائكية، فعلا هي شبه الملاك! في هذه اللحظات كان أمين يسبح بنظرات عينيه في جمالها جمال هذه الفاتنة! هذه العذراء! هذه الملاك!.. تقدمت الفتاة لبضع خطوات فلم تجد مكانا شاغرا تجلس فيه، حيث كانت القاعة ممتلئة عن آخرها لم يتبق منها سوى مقعد واحد، ذلك الذي بجانب أمين، فتقدمت الفتاة نحو أمين الذي كاد قلبه أن يخرج من صدره من قوة النبضات المتسارعة، استأذنت الفتاة بلطف قائلة بنبرة دافئة لا تخلو من الأنوثة :
- ممكن أن أجلس بجانبك ؟
احمر وجه أمين من شدة الموقف، أمر لم يكن يتوقعه إطلاقا، أن تتقدم إليه تلك الحسناء و تطلب منه ذلك، لكن أمين و رغم اضطرابه أجمع قواه و رد عليها بصوت هادئ :
- بالطبع تفضلي.
جلست الفتاة بجانبه فلم يقدر أمين حتى على النظر إليها من شدة حيائه , فقد كان شابا متخلقا لم يسبق له أن تعلق بفتاة، و كل ما كان يدور في ذهنه هي الطريقة التي تمكنه من الحديث معها حتى ولو لوقت قصير، لكن كيف ؟
فلم يكن متعودا على الكلام مع الفتيات ماعدا زميلاته...
من أين سيأتي بتلك الجرأة التي تطلق العنان لصوته و تفتح له الحوار مع هذه الحسناء ؟ كل هذا و ذاك كان يسيطر على عقل أمين، فلم يكن بوسعه التركيز على درسه الأول في المؤسسة، كان كل انشغاله يدور حول فتاة أحلامه، بل لم يتجرأ حتى برؤيتها في أحلامه !!بينما هو سارح في أفكاره، طرق بأذنه صوت رقيق جذاب :- أتمنى أنني لم أزعجك بجلوسي بجانبك، فأراك متضايقا بعد الشيء.أخيرا، حدث ما كان يفكر به أمين، فها هي الفتاة تسأله عن سبب كل هذا الانشغال الذي كان باديا على وجهه، و كأنها تقول له : لِما هذه الحيرة ! فأنا هنا !نظر إليها أمين نظرة عميقة، فأخذ يتأمل في عيونها الزرقاء المشرقة، منذهلا بذاك الجمال الفاتن... رد عليها أمين بلباقة قائلا :- لا أبدا! فقط لم أفهم شيئا من الدرس و...فقاطعته الفتاة قائلة :- و هل أنا السبب ؟تبسم أمين من سؤالها, فكان بوده أن يقول لها : (( نعم، نعم أنتِ، أنتِ مُهلكتي، أنتِ التي غرقتُ في بحر حبها من أول نظرة، أنتِ التي جعلتني لا أحرك ساكنا، فقد توقف عقلي عن عمله و عوَضه قلبي بنبضاته !! فمن ذا الذي يقاوم جمالك ؟!.. ))طبعا لم ينطق أمين بكلمة من هذا، فقد كان هذا صراعه الداخلي...فرد أمين بكل تواضع :- لا، في الحقيقة أنا السبب لأنني لم أكن أواظب على دروسي في الفترة الأخيرة وهذا ما جعلني متأخرا في الفهم بعض الشيء.نظرت الفتاة إلى أمين نظرة إعجاب و كـأنها اكتشفت فيه شخصا كانت تبحث عنه منذ مدة، فنبرة أمين جعلتها تحس أنه شاب مؤدب، متخلق، يحسن معاملة الغير...واصل أمين الحوار قائلا :- ما اسمك ؟فردت :- اسمي أحلام !أعجب أمين باسمها، فهو اسم على مسمى، هي حلم فعلا أو بالأحرى هي أحد أحلام أمين، لكن المفارقة أنه لم يحلم بها...أعادت أحلام السؤال لأمين :- و أنت ما اسمك ؟ فرد قائلا :- اسمي أمين.في هذه الأثناء دق جرس المؤسسة معلنا بذلك نهاية أول لقاء لأمين مع أحلام فافترقا على هذا الحال...عاد أمين إلى البيت بمعنويات مرتفعة حيث لم يكترث لعدم فهم درسه الأول، بل كان لديه إحساس بأنه اليوم الأفضل في حياته !منذ ذلك اليوم و صورة أحلام تسيطر على مخيلته، فأصبح يعد في الأيام بالساعات و الدقائق ليلحق بالأسبوع القادم و ليرى أحلام التي أخذت عقله و أفقدت ذاكرته...حل يوم الاثنين، اليوم الذي كان أمين ينتظره بفارغ الصبر ليس شوقا للدروس بل شوقا لأحلام التي جعلته حبيسا في سجن حبها...دخل أمين القاعة فلاحظ أن أحلام سبقته هذه المرة، فقد كانت جالسة بمفردها في الأمام، فلم يفوت أمين الفرصة لاستئذانها و الجلوس بجانبها...وهذا ما حصل فعلا، جلس أمين للمرة الثانية أمام مُلهمته أحلام.ما لم يلاحظه أمين في المرة السابقة أن أحلام متفوقة و بامتياز في دراستهافتعد من التلميذات الممتازات في المؤسسة...طبعا أمين تفطن للأمر و أراد أن يطلب منها مساعدته في الدراسة حتى يتسنى له فهم دروسه بشكل جيد.المفاجأة أن أحلام كانت قد أحضرت له مجموعة من المطبوعات تحتوي على شروحات خاصة للدروس، فسلمتها لأمين قائلة :- أمين.. لقد قلت لي أنك تجد صعوبات في فهم الدروس، لقد فكرت في الأمر و أعددت لك هذه الملخصات التي قد تساعدك في استيعاب دروسك، وهذه كمكافأة صغيرة مني للطفك معي.تفاجأ أمين بما قامت به أحلام، فقد كان سعيدا جدا، فسارع بشكرها قائلا:- صراحة لا أجد ما أقوله.. لم أكن أتوقع ذلك في الحقيقة، شكرا.. شكرا جزيلا! فأنا ممتن لك بهذه المساعدة.شعرت أحلام بتفاعل أمين معها، فأحست أنها قامت بشيء أفرحه...أكمل أمين حصته الثانية منتبها إلى درسه هذه المرة، و بدأ يستوعب شيئا فشيئا الدروس التي أهملها ...رجع أمين إلى البيت و كله تفاؤلا بعد المساعدة التي تلقاها من رفيقته أحلام، شرب أمين قهوته و أخذ قسطا من الراحة، بعد ذلك اتجه إلى غرفته حتى يحضر أدواته لليوم القادم في الثانوية، فأخذ يتصفح تلك المطبوعات التي استلمها من أحلام حتى لفت نظره ورقة مطوية من الواضح أنها لا تحتوي على درس أو ملخص فقد كانت الورقة مزينة و محاطة بالأزهار المرسومة على أطرافها، زاد فضول أمين لمعرفة ما بداخلها و ما هو مكتوب فيها، فتح أمين تلك الورقة المطوية فإذا به يجد رسالة مكتوبة بخط جميل تقول : (( السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاتهعزيزي أمين...أكتب لك هذه الرسالة و أنا في قمة الفرحة و السرور، أولا تأكد أنني أكتب لأول مرة رسالة إلى شاب مهما كان !لا تستغرب يا أمين فدعني أوصف لك شعوري لحظة وقوع عيني في عينيك، لحظة دخولي تلك القاعة لأجدك جالسا وحيدا في الأمام، لحظة تغيرت فيها حياتي و انقلبت رأسا على عقب، لحظة انتهى فيها شوقي للشاب النادر المتميز، لحظة عثوري على فارس أحلامي ...أعلم أنك ستتفاجأ بهذا الكلام و لكن اعذرني يا أمين فلقد أجبرتني على كتابة هذه الأسطر لأعبر لك عن إعجابي بذاتك، بشخصيتك، بأخلاقك، بجمالك الداخلي و الخارجي، صراحة لقد أعجبت بكل أوصافك...أكيد أنك ستتساءل عن مدى إعجابي بك رغم أننا لم نلتقي إلا مرة واحدة و لم نتحدث كثيرا !!سأجيبك و أقول لك أنني لم أشعر بأي إحساس مماثل من قبل حين رأيتك، فعيناك كانت تقول أنك هو الرجل الذي لطالما حلمت به فقد أبهرني جمالك الظاهر و عند تحدثي إليك زاد انبهاري بجمالك الباطن و عند علمي بمشكلتك في الدراسة عاهدت نفسي أن أساعدك بكل ما أملك لتنجح في دراستك، سأكون أنا سندك في مشكلتك هذه حتى النهاية، فلا تتردد في طلب أي شيء تحتاجه و ستكون موفقا إنشاء الله.في الأخير أقدم لك خالص الدعوات للنجاح في دراستك و تفوقك في امتحان الباكالوريا، فتقبل مني أجمل تحية و إلى اللقاء يوم الاثنين إنشاء الله.
أحلام ))
تأثرت نفسية أمين بهذه الكلمات التي كشفت له الحقيقة التي يجهلها...
أغلق أمين الرسالة مخاطبا نفسه :(( لقد بعث لي الله هذه الفتاة لتعيدني إلى مستواي الحقيقي، لقد كان مقدر لي أن أسجل في تلك المؤسسة خصيصا لألتقي بأحلام، فعلا ستكون هي طوق نجاتي و لما لا تكون هي من أبني معها مستقبلي ...)) اختلطت مشاعر أمين فلم يعرف إذا كان سيبكي أم سيضحك من شدة فرحته، فيصح القول أن أمين قام بضرب عصفورين بحجر واحد، فقد حقق مبتغاه في استرجاع ما فاته من دروس و التقى بفتاة مستقبله أحلام...
قام أمين و صلى ركعتين شاكرا ربه على فضله عليه ثم رفع يديه إلى الأعلى قائلا : (( يا الله إنك حكيم كريم، أحمدك على نعمتك علي، فوفقني في دراستي و يسر لي أمري إنك أنت السميع العليم.))
منذ ذلك اليوم أصبح أمين مواظبا على دروسه و يحرص على فهمها و مراجعتها في كل مرة، حتى تمكن من استرجاع كل ما فاته بفضل اجتهاده و جديته...
مع مرور الأسابيع و الشهور كانت عودة أمين من جديد، عودة ذلك الطالب المجد المجتهد المتفوق في كل شيء حيث بدأ في جني ثمار تعبه مع منتصف الموسم الدراسي، فعودة أمين إلى التفوق من جديد جعلته متشوقا و متلهفا ليوم الإمتحان، يوم اجتياز شهادة الباكالوريا...
تبقى شهر فقط على موعد امتحان شهادة الباكالوريا و أمين في تحسن مستمر في دراسته ما جعله يكسب الثقة في نفسه من جديد كما تطورت علاقته مع أحلام التي أصبح يتفاهم معها في كل شيء حيث أصبحت رفيقته الدائمة.
حلت الأيام الأخيرة الحاسمة للإمتحان المصيري الذي يشغل بال كل طالب مرشح لاجتيازه لنيل تلك الشهادة التي تفتح له أبواب الأقسام العليا على مصراعيها، فقد كان أمين يكثف من المراجعة و حل التمارين حتى أرهق نفسيا و جسديا، فحدث ما لم يكن في الحسبان حيث أصيب بانهيار عصبي حاد فقد على إثره وعيه..
نقل أمين سريعا إلى المستشفى و حالة أمه فاطمة ميزها القلق و الحيرة و الخوف على ابنها الوحيد المقبل على اجتياز امتحان مصيري، فكانت قلقة على صحته من جهة و على مستقبله الدراسي من جهة أخرى... كانت تنتظر بشدة ما سيقوله الطبيب، فبعدما كشف عليه مجموعة من الأخصائيين توجه أحدهم إليها، فكانت نظرة الطبيب لا تدعو للتفاؤل ما زاد من قلقها، فسألته قائلة :
- خير يا دكتور!
فقال :
- لا تقلقي.. ابنك بخير، يحتاج فقط إلى الراحة و يمكنك أخذه للبيت الآن لكننا متخوفون من أمر ما...
فقاطعته قائلة :
- ما الأمر يا دكتور ؟ ما به ابني ؟؟
فأكمل الطبيب حديثه قائلا :
- نشك في تعرض ابنك لمرض خطير و نادر و للأسف غالبا ما تكون نتيجته مأساة بعد سنوات قليلة، لكننا لا نريد استباق الأمور فعلينا قبل ذلك إجراء بعض التحاليل للتأكد، لأن أعراض ابنك تدل على إصابته بهذا المرض...
ردت فاطمة بتأثر شديد و دمعة نازلة على خدها :
- لكن يا دكتور ابني لديه امتحان مهم بعد أسبوع فما العمل ؟؟
رد الطبيب محاولا تهدئتها :
- لا تقلقي فحتى إذا تأكدنا من و جود المرض سيعيش ابنك حياة طبيعية و بإمكانه اجتياز امتحانه بشكل عادي، و سنساعده ببعض الأدوية ليزاول حياته بشكل طبيعي، أحضريه غدا ليجري التحاليل و نتمنى خيرا إنشاء الله.
توجهت فاطمة ناحية أمين فوجدته مستيقظا.. طبعا لم يتذكر أمين ما حل به و ما الذي أتى به إلى المستشفى، لكن سرعان ما شرحت له الأمر و أخبرته بأنه تعرض لنوبة بسيطة و سيكون بخير و بأنه يحتاج فقط للراحة..
عاد أمين مع أمه إلى البيت و هو لا يعلم شيئا، هل هو مريض ؟ هل فعلا لا يعاني من أي شيء ؟ هل كانت نوبة تعب مارة فقط ؟؟ كل هذه التساؤلات كانت تطرأ في مفكرته و لم يجد لها جوابا...
**********
في صباح يوم الغد توجه أمين رفقة أمه إلى المستشفى لإجراء التحاليل، بادية على وجهه علامات التساؤل..
- لقد قال الطبيب أنني أحتاج فقط للراحة.. فلماذا إذن أقوم بالتحاليل ؟
- لا تقلق يا بني.. هذه مجرد إجراءات طبية.. فليس هناك ما يدعو إلى التساؤل.
- لكنني قلق يا أمي.. فرأسي يؤلمني كثيرا..
في هذه اللحظات نظرت فاطمة نظرة شفقة على ابنها، و قد انتابها الشك بمعاناته من مرض كما قال لها الطبيب، لكنها لم تترك الشك يتسرب إلى أمين، فأجابته قائلة :
- لقد قلت لك أن لا شيء يدعو إلى القلق يا بني، هذا صداع عادي نتيجة الإنهاك الذي تعاني منه.
أومأ أمين برأسه و هو غير مقتنع بإجابته أمه، كأنه أحس أن في الأمر شك رغم ثقته العمياء في أمه، فهو لن ينسى فضلها عليه، فيكفي أنها حملته لتسعة أشهر في بطنها، فربته و أحبته و سهرت على صحته، ففرحت معه و حزنت معه، فقد كانت موجودة بجانبه كلما احتاجها..
فأخذ أمين يخاطب نفسه : (( لا يمكن لأمي أن تفعل هذا! لا يمكنها أن تكذب علي ! إنني ابنها الوحيد.. فأنا متأكد أنها لن تفعل ذلك.. لكنني أعرف أنها تخاف علي و تخاف على صحتي.. فيمكن أن تخبأ عني أمر ما و تكذب علي لهذا السبب ! لا أدري.. و الله لا أدري ! لماذا كل هذا العذاب يا ربي ؟! لماذا أحس نفسي تائها في دوامة من الأسئلة ؟! اجعلها خيرا يا رب... ))
دخل أمين رفقة أمه إلى قاعة إجراء التحاليل، فأخذت منه عينة صغيرة من دمه و وضعت في أنبوب خاص ثم خضع لبعض الأشعة على رأسه، بعد الانتهاء من التحاليل قام الطبيب مخاطبا الأم قائلا :
- تعالي يوم الثلاثاء يا سيدتي لنسلمك نتائج التحاليل.
فردت فاطمة قائلة :
- شكرا يا دكتور، إلى اللقاء.
قرر أمين أن يذهب رفقة أمه يوم الثلاثاء ليعرف بنفسه نتائج التحاليل..
كان هاتف المنزل يرن لحظة دخول أمين مع أمه ..
- أنا سأرد يا أمي !
ثم رفع سماعة الهاتف قائلا :
- ألوو !
- أأه أمين أخيرا...
- أحلام !
- نعم أحلام.. تركتني قلقة عليك يا أمين.. فمنذ نصف ساعة و أنا أتصل بك في الهاتف ! ما بك ؟ و لماذا لم تأتي إلى المكتبة اليوم ؟
- فقط شعرتُ بالتعب اليوم فقررت أن أرتاح بالبيت.
فردت أحلام بنبرة تسودها الدهشة و الاستغراب :
- شعرتَ بالتعب !؟ و هل هذا سبب عدم ردك على اتصالاتي طيلة نصف ساعة ؟؟
- لا و لكنني....
تلعثم أمين في كلامه، فلم يكن مستعدا للإجابة على هذا السؤال، بل أنه لم يدري لماذا لم يقل لها الحقيقة منذ البداية ! لكن أي حقيقة ؟ فحتى هو لا يعرف حقيقة ما يعاني منه، فهل يقول لها ماذا جرى له فقط ؟ أو يخبرها بماذا يحس ؟ و لكنه سيقلقها أكثر إذا أخبرها بماذا يحس..
بينما كان أمين حائرا في إجابته بين كل هذه الاحتمالات، سمع أحلام تناديه و كلها رغبة في معرفة حقيقة الأمر:
- أمين ! أمين ! لماذا لا تجيب ؟! أمين !...
- سأقول لك الحقيقة يا أحلام.. فقد أغمي علي البارحة بعدما أنهكت نفسي بالمراجعة.. فنقلت إلى المستشفى.. أمي تقول أن الطبيب أخبرها أنني أحتاج فقط إلى الراحة.. لكن اليوم قبل إجراء التحاليل أحسست بآلام في رأسي.. فأنا لست مطمئن على حالتي..
- يا إلهي ! كل هذا و أنا لست دارية بشيء ! لكن لا تقلق ستكون بخير إنشاء الله.. أعرف أنك قوي.. فلا تدع الشك يتغلب عليك.
- عندك حق.. لكن عليك أن تعرفي أنا إحساسي لا يخطأ أبدا ! حقيقة أحس أن في الأمر شيء ما ! سأنتظر ليوم الثلاثاء لمعرفة النتائج.
- لن يكون هناك شيء يدعو إلى القلق.. فأنا متفائلة بالنتائج.
- هذا ما أتمناه.
- حسنا.. سأتركك لترتاح الآن.. لكن أوعدني أنك لن تفكر كثيرا في الأمر.. فقد يؤثر عليك سلبا.
- أعدك.
- حسنا.. إلى اللقاء.
- إلى اللقاء.
وضع أمين سماعة الهاتف ثم استلقى على ظهره ليرتاح قليلا، فدخلت عليه فاطمة و قالت :
- من كان على الهاتف ؟
- إنها أحلام.. اتصلت لتطمئن عني.
- تعجبني هذه الفتاة.. إنها لطيفة.
ابتسم أمين و علامات الخجل بادية على وجهه، فأراد أن يغير الموضوع فقال :
- متى يكون الغذاء جاهز ؟ فأنا أتضور جوعا !
فهمت فاطمة قصد أمين، فأجابته مبتسمة :
- الغذاء سيكون جاهزا بعد لحظات، لكن لا تنسى أنك صرت رجلا الآن !
لم يرد أمين على أمه، فهو لا يريد أن يتكلم معها في هذا الموضوع، على الأقل ليس في هذه المرحلة، فهو يعرف أنه ليس الوقت المناسب لذلك..
**********
حل يوم الثلاثاء، اليوم الذي كان يترقبه أمين بشدة، حيث سيتمكن من اكتشاف اللغز الذي حيره و الذي يتمثل في صحة معاناته بمرض من عدمها، فدخل رفقة أمه إلى المستشفى و علامات الترقب بادية عليهما، فالأم متخوفة من صحة كلام الطبيب و أمين متخوف من صدق حدسه الذي يقول له أن في الأمر إن !
لم تمر أكثر من خمسة دقائق حتى ناداهم الطبيب :
- لقد كنت في انتظاركم.. تفضلوا معي.
فدخلوا إلى القاعة رفقة الطبيب ليعرض عليهم نتائج التحاليل، فأخذ الطبيب يكلمهم و هو يحاول أن يشعرهم بالراحة قبل إخبارهم بالنتائج :
- كيف حالك يا أمين ؟
- ليس بأفضل حال.. فلا زلت أحس ببعض الصداع في رأسي من حين لآخر.
سكت الطبيب للحظات و كأنه يحضر نفسه لإلقاء النتائج، ثم أخذ نفسا عميقا و قال :
- هل تعلم يا أمين أنني حين كنت في سنك أحسست بالمسؤولية، فقد مات أبي عندما كان عمري ثمانية سنوات، فعشت مع أمي التي كانت تعمل ليلا و نهارا من أجل أجر ضئيل، حتى تتمكن من إطعامي أنا و إخوتي الثلاثة، فقد جعلتني قويا و علمتني كيف أحارب في الحياة، علمتني كيف أدافع عن نفسي، علمتني كيف أتقبل قضاء الله و قدره، فبفضلها درست بجد وأصبحت أمامك، طبيبا مختصا.. كنت أستطيع أن أطلب من أمك بأن لا تأتي بك إلى هنا لتجلس أمامي و تسمع نتائجك بنفسك، لكنني لم أفعل ! هل تعلم لماذا ؟! لأنني متأكد بأن وجودك هنا سيزيدك قوة في مواجهة الواقع، في مواجهة ما قدره الله لك، فأنت الآن في سن ناضج و لذلك علينا مصارحتك في كل شيء..

v,hdm gp/m a,r - frgld -