[ شرح بعض جمل من كتاب الفرق بين النصيحة والتعيير ]



هذا الكتاب : الفرق بين النصيحة والتعيير .
أنت إذا نقدت شخصاً يجب أن تلتزم الحق والصدق والإخلاص ويكون قصدك بيان الحق والتنبيه على الخطأ الذي ينافي هذا الحق .
إذا كان هذا قصدك فهذا مقصد شريف وأمر عظيم تشكر عليه من الأمة كلها ولا يجوز لأحد أن يتهمك بسوء ، وإذا كان لك مقاصد سيئة وتبين بالسبر والدراسة إنك صاحب هوى فللناس الحق أن يتكلمون فيك .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : (الحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على إمام المتقين ، وخاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فهذه كلمات مختصرة جامعة في الفرق بين النصيحة والتعيير – فإنهما يشتركان في أن كلاً منهما : ذِكْرُ للإنسان بما يَكره ذِكْرَه ، وقد يشتبه الفرق بينهما عند كثير من الناس والله الموفق للصواب )[1] .
يعني : النصيحة تذكر إنساناً بشيء يكرهه – أليس كذلك – والتعيير أيضاً تذكر إنساناً بشيء يكرهه فقد يحصل إشتباه بين النصيحة والتعيير .
التعيير : أن تذكر العيب – أليس كذلك – والنصيحة تذكر العيب أيضاً حتى يحذره الناس إن كان عنده بدعة أو خطأ قصدك وجه الله تبارك وتعالى هذه هي النصيحة .
وإن ذكرت عيبه لتشفي غليلك منه مالك قصد شرعي أبداً وليس قصدك إلا أن تشفي غليلك ، هذا تعيير وذمٌّ وإثم .
قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله - : (اعلم أنَّ ذِكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان المقصود منه مجرد الذمِّ والعيب والنقص . فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين أو خاصة لبعضهم وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة فليس بمحرم بل مندوب إليه )
أقول :بل هو واجب لأن الله أوجب البيان وليس مندوباً فقط .
قال الحافظ ابن رجب– رحمه الله - : ( وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة ) .
الغيبة : ذكرك أخاك بما يكره لغرض شخصي ما تقصد وجه الله عز وجل ولكن قصدك الطعن فيه ، أما جرح الرواة فهذا حفاظ على دين الله تبارك وتعالى يعني كيف نميز بين الصحيح والضعيف إذا كان الرواة كلهم لم يتكلم فيهم أحد ، الرافضي والجهمي والكذاب وفاحش الغلط أليس في هذا ضياع الدين ؟ ألا يترتب على هذا ضياع الدين ؟ طيب أنت عندك كتب في الموضوعات وكتب في العلل مجلدات كبيرة ما هو سببها ؟ سببها : الجرح في الرواة والكلام على الأسانيد والكلام على المتون إذا كان فيها مُدْرَجات وفيها مراسيل وفيها كذا .
وقوله : ( وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة ) .
الغيبة ما تخدم الدين قد تهدم الدين والأغراض التافهة ، بينما الجرح له أغراض سامية للحفاظ على هذا الدين وحمايته وصيانته من أن يختلط فيه الحق بالباطل . لأنا إذا سكتنا عن الرواة عن الكذاب والمتهم والسيء الحفظ والفاحش الغلط وكذا ، ضاع الدين أليس كذلك ؟ لكن بهذا النقد وبهذا التجريح وبهذا التمييز بين هذا وذاك حفظ الله لنا هذا الدين ، وثمار هذا العلم واضحة ولله الحمد .
وجهل الصوفية الذين كانوا يودون أن يُغطُّوا أفواه الرواة والنقاد ويكموا أفواههم فلو كان استسلم لهم علماء الجرح والتعديل وعلماء النقد لضاع دين الله تبارك وتعالى لكن أبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المبتدعون .
قال ابن جب – رحمه الله - : ( وردُّوا على من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه ).
هم المتصوفة الذين كانوا ينكرون على علماء الحديث ويقولون لهم : أنتم تغتابون الناس فقال لهم أهل الحديث : هذه ليست غيبة هذه نصيحة وبيان ، طبعاً من لا يفهم الكتاب والسنة كثير جداً .
الآن هؤلاء السائرون على طريقة أهل البدع والصوفية في تحريم النقد والهيجان منهم على طريقة هؤلاء وليسوا على طريقة أهل السنة . ووالله نتمنى أن ينتقدونا لتبيين أخطائنا حتى نموت وقد تُبْنا من أخطائنا .
قوله : ( ولا فرق بين من الطعن في رواة ألفاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته ومن لا تقبل وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأول شيئاً منها على غير تأويله ، وتمسك بما لا يتمسك به ، ليُحذّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه ، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضاً ، ولهذا نجد في أنواع كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير وشروح الحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك ممتلئة من المناظرات ورد أقوال من تضعف أقواله من أئمة السلف والخلف ، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم ولا ادعى فيه طعناً على من ردَّ عليه قوله ، ولا ذماً ولا نقصاً ، اللهم إلا أن يكون المصنف ممن يفحش في الكلام ، ويسئ الأدب في العبارة فينكر عليه فحاشته وإساءته دون أصل ردِّه ومخالفته ، إقامة بالحجج الشرعية ، والأدلة المعتبرة . وسبب ذلك أن علماء الدين كلهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولأن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا)[2] .
يريد أن يقول ليس هناك فرق بين الطعن في الرواة وبين من يبين خطؤه في الدين في الفقه في الحديث في التفسير في الأصول في أي مجال ،أو عنده بدعة .
بعض الناس يقولون : هذا الجرح للرواة فقط للحفاظ على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم !! نقول لهم : وعقائد المسلمين إذا دخل أناس يشوشونها ويضيعونها لا ينتقدون ؟!
ما ننتقد الجهمية ما ننتقد الروافض وليس لهم علاقة بالرواية ن وهؤلاء جاءوا بعقائد تخالف عقائد الإسلام وتناقض عقائد الإسلام هل نسكت عنهم ؟! صوفية جاءوا بالحلول ووحدة الوجود والرقص والأناشيد والبدع والأذكار المبتدعة الضالة ، وهم ليسوا رواة ولكن يجب أن ننتقدهم .

وسُئِل القرضاوي عن الأشاعرة هل هم من أهل السنة ؟ فانفجر كالبركان : ( يقولون عن الأشاعرة أنهم ليسوا من أهل السنة ! إلى أين نذهب ؟! الأشاعرة ملأوا الدنيا ! الجامعات في الدنيا كلها أشعرية تقريباً ، الأزهر الذي خدم الإسلام من ألف سنة ، الزيتونة ، القرويين ، ديوبند ، كلهم أشاعرة ) [3].
لا أدري ما سبب هذا ؟! ولعلهم شباب سلفيون يريدون أن يغسلوا أدمغتهم وما وسع هؤلاء المساكين إلا الاستخذاء والاستسلام أمام هذا الانفجار البركاني ، لا يسعهم إلا الاستسلام ماذا يقولون ؟!
الأشاعرة الآن اعتقادهم اعتقاد الجهمية في تعطيل صفات الله تبارك وتعالى لهذا ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية في الردود عليهم كتباً كثيرة ومنها تلبيسات الجهمية . من هم هؤلاء الجهمية الذين عناهم ابن تيمية ؟؟! إنما هم الأشاعرة عنده : الرازي وأمثاله . حينما يذكر المناظرة التي جرت بينه وبين الأشاعرة في عهده يقول : قال الجهمية قال الجهمية وفيما قرره عن الأشاعرة أنهم جهمية ذكرهم في فروع الجهمية ذكر المعتزلة من فروع الجهمية وذكر الأشاعرة من فروع الجهمية ثم قال عن الأشاعرة : (من كان منهم على الإبانة التي ألفها أبو الحسن الأشعري في آخر حياته ولم يقل بخلافها فمن قال بما في هذه الإبانة فهو من أهل السنة شريطة ألا ينتسب إلى الأشعري لما في الانتساب من الضرر والتغرير بالناس )[4] إ.هـ.
فكان أكثر انتقاد السلف للجهمية إنما هو في تعطيلهم علو الله تبارك وتعالى يقولون في هذه القضية إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ولا ولا .. ، فيردون بذلك مئات النصوص في القرآن والسنة ، أو يقولون : إن الله في كل مكان .
يقول عبد الله بن المبارك : (إننا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى وغيرهم ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية ) ، نعم مثل هذا الكلام : الله لا فوق ولا تحت أو إن الله في كل مكان مع تعطيل هذه الصفة العظيمة وتحريف النصوص التي وردت بها وما أكثرها في القرآن والسنة .
فهذه التحفظات والاحتياطات والوصايا كلها إذا تكلمنا في أئمة الهدى نتكلم معهم بأدب وباحترام وبإخلاص لله تبارك وتعالى ولا يجوز أن نحكي كلامهم بقصد الذمِّ والتشهير والطعن فيهم فإن هذا لا يجوز أبداً ، لكن أهل الباطل وأهل البدع تبيِّن مخازيهم ولا تكون هذه الاحتياطات وكذلك الجهلة المتشبهين بأهل العلم وليسول بعلماء لا بد من كشف عوارهم وبيان جهلهم وضلالهم .
قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله – بعد كلام رصين في بيان أخطاء العلماء مع احترامهم : ( وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين ، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه منهم بالعلماء وليس منهم ، فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيراً من الاقتداء بهم ، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل ، والله أعلم ).
ثم قال : ( فصل ، ومن عرف منه أنه أراد بردِّه على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يعامَل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ومن تبعهم بإحسان .
ومن عرف أنه أراد بردِّه عليهم التنقيص والذم وإظهار العيب فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة )[5] .
وهذا الأخير هو الذي يفعله الآن خصوم أهل السنة والجماعة خاصة أهل التحزبات المضادة فعلاً لمنهج السلف والمنتصرة لأهل البدع والأهواء .



أما العلماء وأهل الهدى فإنهم – والله - يفرحون بإظهار الحق إذا انتقد أحدهم في خطأ أخطأه وبُيِّن للناس أن هذا الإمام أخطأ يفرح ولهذا رأينا تلاميذ هؤلاء الأئمة لا يترددون في بيان خطأ أئمتهم ولا يتحرجون من مخالفتهم في أقوالهم التي حصل فيها الخطأ وهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن أئمتهم يحبون هذا ولا يرضون أبداً يتعبد الناس بأخطائهم ولا يرضون أبداً أن تنسب أخطاؤهم إلى الله تبارك وتعالى لا يرضون بها أبداً ن لأننا عرفنا صدقهم وإخلاصهم ونصحهم لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم – رضوان الله عليهم – أما أهل الأهواء : فسواء كانوا في حياتهم أو بعد مماتهم هم لا يرضون أن يقال : فلان أخطأ مهما ضل وأمعن في الضلال لا يتحمل النقد لهذا تراهم يعاندون رغم أن أهل السنة وأهل الحق دائماً يبينون لهم أنهم قد أخطأوا وضلوا في قضية كذا وقضية كذا ويقيمون لهم الأدلة فيصرون على باطلهم ويجمعون الناس ويحشدونهم حول هذه الأفكار الضالة المنحرفة ولا يخافون من العواقب الوخيمة التي تترتب على أعمالهم ولا يخافون من حساب الله الشديد لهم حيث يدعون الناس إلى الضلال وينحرفون بهم عن سبيل الهدى لأن قلوبهم انتكست – والعياذ بالله – وغلبت عليهم الأهواء فهم كما وصفهم رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلَب بصاحبه )[6] .
لهذا يسميهم السلف : أهل الأهواء ، ويسمون أهل الحق : أهل السنة والجماعة ، ويسمونهم : أهل العلم ، ويسمونهم : أهل الحديث ويلقبونهم بالألقاب الشريفة بينما هؤلاء يسمونهم : أهل الضلال أهل البدع ، أهل الأهواء ، من الجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والروافض وغيرهم ، يسمونهم : أهل الأهواء يجمعهم الهوى كلهم لأن الذي يقع في الخطأ بجهله وهو عنده هوى لا يتراجع ، لكن أهل الحق وأهل العلم الذين يبلغون رسالات الله سبحانه وتعالى وما يدفعهم إلى بيان العلم ونشره في الناس إلا رجاء ما عند الله تبارك وتعالى من الجزاء العظيم لورثة الأنبياء عليم الصلاة والسلام في نشرهم للعلم بخلافتهم للأنبياء في بيان الحق والدعوة إليه .
وهم يخافون أشد الخوف من الوقوع في الخطأ فإذا انبرى لهم من يبين أخطاءهم فرحوا بهذا وشجعوه .
القرآن كان يأتي بما يوافق عمر رضي الله عنه فهل يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!هل يندم؟! هل يتألم ؟! هل يقول : عمر هذا الله أيده وتركني ؟! أستغفر الله العظيم !
كذلك أبو بكر كذلك سائر الصحابة رضوان الله عليهم كانوا من أخطأ منهم وبُيِّن له خطؤه يفرح بهذا وكذلك أئمة الهدى - كما قلنا هذا غير مرة – فهذا كان تعليقاً على الدرس الذي سبق من هذا الكتاب ونريد الليلة أن نقرأ أشياء من كلام العلماء تبين أن النقد والجرح إذا كان الهدف منه هدفاً إسلامياً صحيحاً فإن هذا أمر مطلوب وقد يكون واجباً لأنه يحمل في ثناياه نفع الأمة والنصح لهم وتثبيتهم على الحق والخير وتجنيبهم من الشر والضلال والهوى فهنا من باب من هذا الكتاب – رياض الصالحين – وقد نقرأ منه بعض الأبواب – إن شاء الله – وأنا أنصحكم بقراءة هذا الكتاب فإنه مفيد – إن شاء الله .
_________
[1] الفرق بين النصيحة والتعيير ( ص / 25 )
[2] الفرق بين النصيحة والتعيير (ص/25-26)
[3] وكان يشاركه في هذه الندوة : الغنوشي وفهمي هويدي ، وكان خلاصة كلام الغنوشي الطعن فيمن ينتقد الروافض ، ومقصد هويدي الاستفادة من الباطنية فلا تهدر طاقاتهم ولا يحرم منها الإسلام .
وهذا – والله – نهاية الكيد للإسلام ولأهله ولا ننسى عقد الإخوان مؤتمرات لوحدة الأديان
[4] مجموع الفتاوى : ( 6/359)
[5] الفرق بين النصيحة والتعيير ( ص : 33 )
[6] الحديث أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ( 1، 2 ) وصححه لغيره هناك الألباني .

F avp fuq [lg lk ;jhf hgtvr fdk hgkwdpm ,hgjuddv D gtqdgm hgado hgughlm vfdu fk ih]d hgl]ogd - pt/i hggi