فوائد من مدارج السالكين

الحكم والمواعظ

على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار ، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرْف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب


ينبغي على العبد النظر إلى الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم ، فإنها الكلاليب التي بجنبتَيْ ذاك الصراط ، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه .


إن طريق الحق تأخذ علواً صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير ، وطريق الضلال تأخذ سفلاً ، هاوية بسالكها في أسفل سافلين
في دعائه صلى الله عليه وسلم ( والخير كله بيديك ، والشر ليس إليك ) لا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله ( والشر لا يُتقرب به إليك ، أو لا يصعد إليك ) فإن المعنى أجل من ذلك ، وأكبر وأعظم قدراً ، فإن أسماؤه كلها حسنى ، وأوصافه كلها كمال، وأقواله كلها صدق وعدل: يستحيل دخول الشر في أسمائه وأصافه، أو أفعاله أو أقواله
لما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه ، مريداً لسلوك طريق موافقُه فيها في غاية القلة والعزة ، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد ، وعلى الإنس بالرفيق ، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق وأنهم هم (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ) ، ليزول عن الطالب للهداية وسلوط الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه ، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له ، فإنهم هـم الأقلـون قدراً ، وإن كانـوا الأكثرين عدداً
من أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال والمحافظة على الأمر والنهي ، ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة ، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه ، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة . وأصدق الرؤيا : رؤية الأسحار ، فإنه وقت النزول الإلهي ، واقتراب الرحمة والمغفرة ، وسكون الشياطين ، وعكسه رؤيا العتمة ، عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية


القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما الرياء، والكبر. فدواء الرياء بـ[ إياك نعبد ] ودواء الكبر بـ[ إياك نستعين ] .
الاستعانة تجمع أصلين : الثقة بالله ، والاعتماد عليه وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم

أفضل ما يُسأل الرب تبارك وتعالى : الإعانة على مرضاته ، وهو الذي علّمه النبي لمعاذ بن جبل فقال: يا معاذ! والله إني لأحبك ، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة : اللهم أعني ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . فأنفع الدعاء : طلب العون على مرضاته ، وأفضل المواهب : إسعافه بهذا المطلوب .

تأملت أنفع الدعاء : فإذا هو : سؤال العون على مرضاته ، ثم رأيته في الفاتحة في : إياك نعبد وإياك نستعين .

الواجب على الإنسان إذا أعطاه الله ما أعطاه بلا سؤال ان: تسأله أن يجعله عوناً لك على طاعته ، وبلاغاً إلى مرضاته ، ولا يجعله قاطعاً لك عنه ، ولا مبعداً عن مرضاته ، فلا تظن أن عطاءه كل ما أعطى لكرامة عبده عليه ، ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه ، ولكن عطاؤه ومنعه ابتلاء وامتحان يمتحن بهما عباده .

العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله

أفضل العبادات قيل : أنفعها وأفضلها : أشق على النفوس وأصعبها . قالوا : لأنه أبعد الأشياء عن هواها وهو حقيقة التعبد ، وقالوا : والأجر على قدر المشقة ، ورووا حديثاً لا أصل له ( أفضل الأعمال أحمزها ) أي أصعبها وأشقها . وقيل : أفضل العبادات التجرد ، والزهد في الدنيا ، والتقلل منها .
أفضل العبادات :ما فيه نفع متعد ، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر . وقيل : إن أفضل العبادة ، العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته
معنى قوله تعالى ( أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ) قال الشافعي : لا يؤمر ولا ينهى ، وقال غيره : لا يثاب ولا يعاقب ، والصحيح الأمران

العبودية نوعان : عامة ، وخاصة . فالعبودية العامة : عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله ، برِهم وفاجرهم ، مؤمنهم وكافرهم ، فهذه عبودية القهر والملك ، قال تعالى (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ) . وقال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ، وقال تعالى ( ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ ) . والنوع الثاني : فعبودية الطاعة والمحبة ، قال تعالى (يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) وقال تعالى (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً )
الفرق بين الإخلاص والصدق: الإخلاص : أن لا يكون المطلوب منقسماً ، والصدق : أن لا يكون الطلب منقسماً ، فالصدق : بذل الجهد ، والإخلاص : إفراد المطلوب


من تمام نعيم أهل الجنة : رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب

إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده ، وقع في باطل مُقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ، حتى في الأعمال ، من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق ، فرغب عن العمل لمن ضَره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده ، فابتليَ بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك . وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتُليَ بإنفاقه لغير الله وهو راغم

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) فأمر سبحانه العبد أن ينظر ما قدم لغد ، وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك ، والنظر : هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح

من أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه . لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش، ويلبّس عليه، فيرى المساوىء محاسن، والعيوب كمالاً

كل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منّة وإلا فهي حجة . كل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة إليه فهو منّة منه ، وإلا فهو حجة . وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته، لا لطلب الجزاء ولا للشكور، فهو منّة من الله عليه، وإلا فهو حجة. وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منه عليه ، وإلا فهو حجة . وكل قبول في الناس ، وتعظيم ومحبة له ، اتصل به خضوع للرب ، وذل وانكسار ، ومعرفة بعيب النفس والعمل ، وبذل النصيحة للخلق فهو منّة ، وإلا فهو حجة . فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر ، ويميز بين مواقع المنن والمحن .

رضا العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه ، وجهله بحقوق العبودية ، وعدم علمه بما يستحق الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به ، فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقاتها

أرباب البصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها ، وترْك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه

الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها ، والجهل بقدر من عصاه ، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها ، وفرحه أشد ضرراً عليه من مواقعتها ، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبداً ، ولا يكمل بها فرحه ، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه .

بعض علامات التوبة المقبولة: منها : أن يكون بعد التوبة خيراً مما كان قبلها . ومنها : أنه لا يزال الخوف مصاحباً له ، لا يأمن مكر الله طرفة عين . ومنها : انخلاع قلبه ، وتقطعه ندماً وخوفاً .

عقبات الشيطان :العقبة الأولى : عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه ، وبصفات كماله . فإن نجا منها ببصيرة الهداية طلبه على : العقبة الثانية : وهي عقبة البدعة . فإن قطع هذه العقبة ، وخلص منها بنور السنة . العقبة الثالثة : وهي عقبة الكبائر . فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله ، أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على : العقبة الرابعة : وهي عقبة الصغائر . العقبة الخامسة : وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها ، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات ، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده . فإن نجا من هذه العقبة طلبه العدو على : العقبة السادسة : وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات ، فأمره بها ، وحسنها في عينه ، وأراه ما فيها من الفضل والربح ، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً ، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب ، طمع في تخسيره كماله وفضله ، ودرجاته العالية . ولكن أين أصحاب هذه العقبة ؟ فهم الأفراد في العالم ، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول .

لا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوهِ ، وإغاظته له ، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه . قال تعالى (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ) . سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغماً يرام به عدو الله وعدوه ، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته ، كما قال تعالى (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) .

من تعبد الله بمراغمة عدوه ، فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر ، وعلى قدر محبة العبد لربه ، وموالاته ومعاداته لعدوه ، يكون نصيبه من هذه المراغمة ، ولأجل هذه المراغمة حمِد التبختر بين الصفين ، والخيلاء والتبختر عند صدقة السر ، حيث لا يراه إلا الله ، لما في ذلك من إرغام العدو ، وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل . وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس ، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول

العارف من صغرت حسناته في عينه ، وعظمت ذنوبه عنده ، وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله ، وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله .

العبد سائر لا واقف ، فإما إلى فوق ، وإما إلى أسفل ، إما إلى أمام وإما إلى وراء ، وليس في الطبيعة ، ولا في الشريعة وقوف البتة ، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طيء إلى الجنة أو إلى النار ، فمسرع ومبطىء ، ومتقدم ومتأخر ، وليس في الطريق واقف البتة

المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها ، ومتى أخرها عصى بالتأخير .

صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب ، والندم عليه ، والعزم على ترك معاودته
النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء : الأول : تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته . والثاني : إجماع العزم والصدق بكليته عليها ، بحيث لا يبقى عنده تردد ، ولا تلوم ولا انتظار . والثالث : تخليصها من الشوائب والعِلَل القادحة في إخلاصها ، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته ، والرغبة فيما لديه .

الجمهور على أن ( اللمم ) ما دون الكبائر ، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس . وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألمّ بالقلب ، أي ما خطر عليه . وذهبت طائفة إلى أن ( اللمم ) ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم . والصحيح قول الجمهور : أن اللمم صغائر الذنوب ، كالنظرة ، والغمزة ، والقبلة ، ونحو ذلك ، هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم

تفسير الضنك في قوله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ) : فسّرت المعيشة الضنك بعذاب القبر ، والصحيح أنها في الدنيا وفي البرزخ ، فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله ، فله من ضيق الصدر ، ونكد العيش ، وكثرة الخوف ، وشدة الحرص والتعب على الدنيا ، والتحسر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها، والآلام التي في خلال ذلك، ما لا يشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر

كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية

قال بعض العارفين : دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها ، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه زحاماً ، فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته ، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه

منزلة الإنابة : هي تتضمن أربعة أمور : محبته ، والخضوع له ، والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه ، فلا يستحق اسم ( المنيب ) إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع

التذكر والتفكر منزلان يثمران أنواع المعارف ، وحقائق الإيمان والإحسان ، والعارف لا يزال يعود بتفكره على التذكرة ، وبتذكره على تفكره ، حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم

اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه أبداً ، والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل

قصر الأمل هو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعثه على معافصة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب ومبادرة طي صحائف الأعمال ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة .

يكفى في قصر الأمل قوله تعالى : (أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) وقوله تعالى : (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم) وقوله تعالى : (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) وقوله تعالى : (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون) وقوله تعالى : (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) وقوله تعالى : (يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً)

قصر الأمل بناؤه على أمرين : تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها

ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته : من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع منه الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما



الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب

كثرة النوم يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل . وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران .

الاعتصام بحبل الله : يوجب له الهداية واتباع الدليل ، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح

الإنصاف في معاملة الله : أن يعطى العبودية حقها وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له : من العظمة والكبرياء والجبروت ومن إنصافه لربه : أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه ولا يستعين بها على معاصيه ولا يحمد على رزقه غيره ولا يعبد سواه

الإنصاف في معاملة العبيد أن يعاملهم مثل ما يحب أن يعاملوه به

العزم صدق الإرادة واستجماعها و الجد صدق العمل وبذل الجهد فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقى أوامره بالعزم والجد فقال : (خذوا ما آتيناكم بقوة ) وقال : (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة) وقال : (يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور
كلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه : فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة ، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل

أثر اعتياد الغناء ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى

على قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي : (إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية) وفى رواية (خوفاً ) وقال (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).

قال أبو حفص: الخوف سراج في القلب ، به يبصر ما فيه من الخير والشر ، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه ، فالخائف هارب من ربه إلى ربه ، قال أبو سليمان : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب ، وقال إبراهيم بن سفيان : إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها

لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقي فيها آدم ما لقي ، ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي ، ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم ، ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون


: لا تستوحش في طريقك من قلة السالكين ولا تغتر بكثرة الهالكين .

الوقوف عند مدح الناس وذمهم : علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه .

قال الإمام أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه : الأول : ترك الحرام وهو زهد العوام ، والثاني : ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص ، والثالث : ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين .

جمع النبي الورع كله في كلمة واحدة فقال : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) فهذا يعم الترك لما لا يعني : من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة

قال سفيان الثوري : ما رأيت أسهل من الورع ، ما حاك في نفسك فاتركه . وقال الحسن : مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة . وقال أبو هريرة : جلساء الله غداً أهل الورع والزهد . وقال بعض السلف : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس . وقال بعض الصحابة : كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام

من لم يكن الله مراده أراد ما سواه ، ومن لم يكن هو وحده معبوده عبد ما سواه ، ومن لم يكن عمله لله فلا بد أن يعمل لغيره

منقول


t,hz] lk l]hv[ hgshg;dk