الطريقة: الجدلية
يعد الشغل بالنسبة للإنسان نشاط فعال يسمح له بتغيير الطبيعة وإعطائها صورة مرغوب فيها فهو خاصية وامتداد للفكر وفاعلية إنسانية موجهة لإنتاج أثر نافع وباعتبار أن الإنسان يشترك مع غيره من أنواع الحيوان في جوانب عديدة ولأن هذا الكائنات نشأت كلها في الطبيعة ومن ثمَّ فهي ثمرة من ثمراتها وإذا كان هناك فرق بين الإنسان والحيوان فهل يكون هذا الفرق في الدرجة أم في النوع؟وسواء أكان الاختلاف في هذا أو ذاك فلماذا يكد الإنسان ويشقى ولا يعرف الراحة والسكون ؟ هل لحاجة بيولوجية أم هناك مبررات أخرى لذلك؟ .
يرى أصحاب الاتجاه الطبيعي أن جذور الإنسان متأصلة في الطبيعة وأن ظروف الحياة هي التي ألجأت الإنسان إلى الكد والعمل لسد الحاجات الحيوية من أكل وشرب وملبس ومسكن فالإنسان في نظرهم كالحيوان يخضع لمنطق الحياة العضوية ،وضرورات الغرائز الحيوانية فهو لا يخرج عن كونه >مخلوقا طبيعيا< أو موجودا بيولوجيا صرفا يعمل على تسخير الطبيعة والسيطرة عليها وكل هذا من أجل تحقيق الوجود والعمل من أجل الاستمرار على وجه هذه المعمورة وهم يدعمون رأيهم بأدلة فهم يرون بأنه لو كانت المنتجات الطبيعية كافية لما اشتغل كما هو الحال بالنسبة للإنسان الأول وتاريخ الحضارات القديمة يثبت أن الشغل في بعض المجتمعات كانت تنهض به فئة أخرى فالعمل الجسمي بصفة عامة في الفلسفة اليونانية يحط من قيمة الفرد وقد جاءت العقيدة المسيحية تؤكد على هذه النظرة إلى حد ما على أساس أن العمل نوع من العقاب الذي يعانيه المذنب.
إن هذا الموقف ينطوي على مغالاة فلو كان صحيحا لأقتصر الشغل على تلبية الحاجات البيولوجية وما تجاوز العمل الإنسان إلى المستوى الحضاري والاجتماعي هذا من جهة ومن جهة أخرى لو كان ذلك صحيحا لسمينا نشاط الحيوان شغلا رغم أنه لا ينطوي على عقل .
وعلى عكس الرأي الأول السابق يرى الاجتماعيون أن الشغل ضرورة اجتماعية ونجد أول من نظر في العمل نظرة فلسفية هيغل في أوائل القرن التاسع عشر 19م بإقامته جدليته الشهيرة بين السيد والعبد وهو يرى أن العمل منبثق للحرية أما عند برغسون فهو منبثق للعقل لأن الإنسان الحكيم هو قبل كل شيء إنسان صانع إذ ليس العقل-كما يرى برغسون- إلا (القدرة على صنع أشياء صناعية ولاسيما الأدوات التي تستخدم في صنع أدوات وفي تنويع الصنع تنويعا غير محدود) كذلك نجد ماركس يرى أن العامل عندما يؤثر في الطبيعة الخارجية ويغيرها فإنه يغير بذلك أيضا طبيعته هو نفسه وينمي ملكاته الذهنية الكامنة فيه بالإضافة إلى كل هذا فقد حاول بعض المفكرين أن يعطوا لعمل معنى ميتافيزيقيا وبالتالي معنى أخلاقيا إذ العمل في نظرهم هو تجسيم للقيم في الواقع وقد قال ماركس (بالعمل يحقق الإنسان إنسانيته) كذلك أن العمل ينتزع من نفسه ويحرره من الدائرة الذاتية التي كثيرا ما تأخذ شكل الاجترار الذاتي وقد دلت التجارب على أن كثيرا من المصابين بالأمراض العقلية تخف اضطراباتهم عندما يكلفون ببعض الأعمال الخفيفة مما يثبت أن العمل يعد إحدى دعائم الصحة العقلية فالذي لا يعمل لا يعرف للوجود نظاما ولا للوقت انتظاما واتصالا ولا للحياة اتزانا هذا من الناحية السيكولوجية أما من الناحية الاجتماعية فإن الكسل والبطالة غالبا ما تكونان مطيتين للانحراف والإجرام وقد حثت الديانات السماوية على العمل ومن بينها الإسلام وقد جاء في الأثر (ما أكل أحد طعام قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ) وقوله تعالى (فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض واذكروا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)
على الرغم من كل هذه الحجج إلا أن هذا الرأي لم يصمد للنقد ذلك أن من الناس ممن يزالون يعملون لسد حاجاتهم الضرورية فقط كالأكل والمسكن والملبس كذلك أن البعد الاجتماعي للشغل غير كاف لأنه لم يكن دائما ضرورة اجتماعية وواجبا على جميع الأفراد بل اقتصر في حقبة من التاريخ على العبيد.
إن الشغل بالنسبة للإنسان كالقلب للجسم أو بمثابة الجسد للروح فلا يمكن أن يستغني عنه فمن الناحية البيولوجية فهو يسد حاجياته الحيوية ومن الناحية الاجتماعية فالإنسان كائن اجتماعي حضاري يعمل ليحقق وجوده في وسط المجتمع بكل قيمته وكرامته .



وأخيرا وكحوصلة فأن الشغل وسيلة لا غنى عنها لسد ضرورات العيش لكن الإنسان ليس كائنا بيولوجيا فقط بل له أيضا كرامة وقيمة وروح التسامي تقتضي منه أن يشتغـــل .


ig dulg hgYkshk gYafhu ph[hji hgfd,g,[dm tr'? lrhgm tgstdm