مقدمة:إذا كان الطفل الذكي يتضح ذكاؤه منذ السنوات الأولى من حياته، وإذا كانت نسبة ذكائه تبقى على حالها عبر مراحل حياته المتتالية، مهما كانت البيئة التى يعيش في وسطها. هل هذا يعني أن الذكاء وراثي ؟ لكن إذا كان هذا الطفل مهما كان يعيش في بها، لا يمكن سلخه عنها، يتأثر بها، و يؤثر فيه الى درجة القول أن الإنسان ابن بيئته ن ألا يكون ذكاؤه في هذه الحالة نتيجة لهذه البيئة ؟
و المشكل المطروح هل الذكاء و راثي أم مكتسب ؟



التحليل: الذكاء عند ابن سينا هو جودة حدس من قوة النفس تقع في زمان قصير. وهو عن علماء النفس القدرة على الفهم و الاختراع و النقد و التوجيه. هذه القوة أو القدرة تختلف من شخص الى آخر. فهناك العبقري الذي تبلغ عنده أعلى مراتبها، والبليد الذي تكون عنده في مراتبها السفلى. هذا التوزيع غير العادل للذكاء ،أرجعه الكثير من العلماء و الفلاسفة الى عامل الوراثة ، فالذكي عندهم يولد ذكيا ، والبليد يولد بليدا . و قد أسفرت الأبحاث التى قام بها كونارد و جونس على وجود تشابه في الذكاء بين الآباء و الأبناء. و يكون الذكاء بذلك قوة فطرية ، تظهر منذ السنوات الأولى من عمر الطفل ، ليحتفظ بها طول المراحل المتتالية لحياته . ومن العبث محاولة جعل الغبي حاذقا بالتربية و التدريب، لأن الذكاء لا يكسب كما يظن البعض. وقد دلت التجارب أن التوأم الحقيقي الذي يولد من انشطار بويضة واحدة، مثلما يتشابه في الصفات الجسمية الى درجة يصعب التمييز بينهما، كذلك يتشابه في القدرات العقلية، فتكون نسبة ذكائهما متقاربة جدا، وإن عاش كل واحد في بيئة تختلف عن التى يعيش فيها الآخر، و السبب في ذلك هو عامل الوراثة. ولقد أكد العالم البيولوجي مورغان على هذا الرأي، لما أرجع اختلاف الأفراد في قدراتهم العقلية و نسبة ذكائهم الى الموروثات أو الصبغيات.

غير ان إرجاع الذكاء المورثات يدعو الى الاستلام و التخلي عن التربية، كما ان القول أن ظهور علامات الذكاء على سلوك الطفل في سنواته الأولى يدل على أن الذكاء وراثي لا يقبله الواقع ن لأن الطفل في سنواته الأولى يدل على ان الذكاء وراثي لا يقبله الواقع، لأن الطفل لما يولد يجد نفسه في وسط أسرة تعلمه مختلف السلوكات، وردود الأفعال فإذا عرفت الأسرة كيف تعتني به أبدى ذكاءا كبيرا، و إذا لم تعرف أو أهملته كان قليل الذكاء.

هكذا ارجع علماء الاجتماع و علماء النفس و التربية الذكاء الى عامل البيئة التى يعيش فيها الطفل، والتربية التى يتلقاها. فالطفل الذي يعيش في بيئة توفر له كل الظروف المواتية للعمل و البحث و الدراسة، يبدي مقدارا من الذكاء يفوق المقدار الذي يبديه الطفل الذي يعيش في بيئة محرومة. ولقد قام العالم ماك نيومن بأبحاث توصل من خلالها الى أن متوسط ذكاء الأطفال الذين يعمل آباؤهم في المهن الراقية يتراوح بين 115/118 بينما تتراوح نسبة ذكاء أطفال العمال ما بين 94/98. كذلك دلت الأبحاث أن أطفال الملاجئ يبدون مقدارا متقاربا من الذكاء، والسبب ان هؤلاء الأطفال يتعرضون لنفس الظروف المعيشية و الغذائية و نفس المعاملة.
هكذا رأى العالم النفسي واطسن ان سلوك الإنسان استجابة حتمية لمنبهات خارجية، و نوع المنبه يحدد نوع التربية التى يتلقاها الطفل. وأخيرا فان القول بان الذكاء وراثي فيه الكثير من الإجحاف في حق الشعوب المتخلفة، فلقلة الإبداع و إيجاد الحلول للمشاكل في هذه الدول، وانتشاره في الدول المتقدمة، لا يتعلق بعامل السلالة حيث تتوارث الأجيال معدل الذكاء، وإنما يرجع الى توفر الإمكانيات و الظروف، ومن رأى غير ذلك فليس سوى ذريعة لتبرير مواقفه العنصرية.غير أن أبحاث ماك نيومن لا تدل على أن الذكاء مكتسب بقدر ما تدل على أن الذكاء وراثي. إن الآباء الذين يعملون في المهن الراقية يدل على تفوقهم في الذكاء، مما يجعلهم أهلا لهذه المناصب، و لا غرابة أن يكون أطفالهم ذوي نسبة عالية من الذكاء.
كذلك بالنسبة لأطفال العمال الذين يرثون نسبة ذكائه من آبائهم. كذلك لا نستطيع ان نقول أن الطفل يكتسب مقدار ذكائه من البيئة التى يعيش فيها لأن الكثير من الأطفال يزاولون دراستهم في مدرسة واحدة، وعلى يد مرب واحد بالرغم من ذلك تظهر عليهم فروق متباينة في قدراتهم العقلية و نسبة ذكائهم.

إن مشكلة الذكاء و علاقته بالوراثة و البيئة، وتباين الأبحاث، و اختلاف الحجج التى قدمها كل من الفريقين يجعلنا نقول أن محاولة الفصل بين البيئة و الوراثة في تحديد مقدار ذكاء الإنسان ليست ممكنة، نظرا للدور الكبير الذي يلعبه العاملان في حياة الإنسان ن وإذا كنا لا ننفي العاملين، فمن الأصح ان نتساءل الى أي مدى يكون الذكاء وراثيا أو مكتسبا ؟ بدل ان نتساءل هل هو وراثي أم مكتسب ؟غير أن الجمع بينهما بمقادير كمية، كأن نقول مع سريل برت أن الذكاء 80 بالمائة منه وراثي و 20 بالمائة مكتسب، ليس له أي معنى عند ألبرت جكار.

هكذا اتفق الفلاسفة و علماء النفس في العصر الحديث على اعتبار الذكاء من قبيل الأمور الفطرية، دون أن يهملوا دور الظروف و التربية التى تساعد على إظهاره كقدرة تجعل الطفل يحسن استعمالها. فالتربية لا تحسن و لا تقوي و لا تنمي الذكاء، وإنما تعلم الطفل كيف يستعمل قدراته العقلية التى فطر عليها، وتقدم له الظروف المواتية لاستعمال ذكائه و تنشيطه. إن الذكاء يقاس في صلته بالمعرفة و المعرفة مكتسبة، فكلما تحصل الشخص على مقدار أوفر من المعارف، وعرف كيف يطبقها و ينتفع بها، كلما بدا أكثر ذكاءا.

الخاتمة:و في الأخير نقول كما يقول أغلبية الفلاسفة و العلماء في العصر الحديث، أن الذكاء هو تفاعل عامل الوراثة مع عامل البيئة. و إذا كانت النسبة التى تحدده وراثية، فان كيفية التعبير عنها تكون مكتسبة.


ig hg`;hx r]vm ,vhedm k,g] fihK Hl r]vm l;jsfm oghg hgpdhm ? lrhgm tgstdm