مقدمة:إن الظروف الخارجية في الطبيعة ليست ثابتة بل تتبدل و تتغير من حال إلى حال كالتقلبات الجوية مثلا مما يجعل الكائنات الحية وخاصة الإنسان و الحيوان يبحثان عن التكيف مع هذا التغير الطبيعي فيقوم كلا منهما بسلوكات متنوعة تنتهي في أغلب الأحيان بإشباع مطالبهما و تحقيق أغراضهما لكن الملاحظ في سلوك الإنسان و الحيوان هو أن سلوك الحيوان أكثر ثبات من سلوك الإنسان الذي يتميز بالابتكار إلى حد العبقرية فهل هذا يعني أن سلوك الإنسان أكثر ذكاءا من سلوك الحيوان؟ بمعنى آخر هل الذكاء يقتصر على الإنسان فقط دون الحيوان؟

التحليل:الذكاء خاص بالإنسان: ذهب بعض الفلاسفة و العلماء إلى أن الذكاء خاصية إنسانية فالإنسان وحده الذي يتميز بالعقل لتوفره على عنصر العقل و هذا يجعله يعيش متحررا في الزمان و المكان حيث بإمكانه أن يعيش الأبعاد الثلاثة للزمان (الماضي الحاضر المستقبل ) و المكان (الطول العرض الارتفاع ) أما الحيوان فلا يمكنه التحرر منها و هذا يجعله يعيش اللحظة فقط على خلاف الإنسان الذي يتجاوز الواقع بفضل قدراته على التصور و التجريد و تخيل الحلول و هذا ما يؤكده علم النفس التقليدي فالملاحظة العلمية لسلوك الحيوان كشفت لديهم أن كل ما يقوم به الحيوان من سلوكات فهو غريزي أي نشاط عام يحسنه جميع أفراد النوع الواحد مما يجعل سلوكه يتميز بالثبات و يفتقد إلى القدرة على التكيف مع المشاكل الجديدة لقد أجرى بعض الخبراء تجارب عن النحل فأحدثوا ثقوبا في خليتها و لكن النحل استمر في وضع العسل رغم أنه ينفذ إلى خارج العسالة و إذا كان النمل يقرض الحبوب حتى لا تنبت في حالة تبللها فهو يفعل ذلك بدافع الغريزة لا بدافع الذكاء و هذا جعل فولتير يقول (النحلة البارعة في خليتها هي خارج الخلية ذبابة بليدة )كما قال كارل ماركس (الفرق بين المهندس المعماري الفاشل و النحلة البارعة هو أنه يحمل الدار في رأسه )والنتيجة أن ما يقوم به الحيوان مجرد غريزة و أن الذكاء خاص بالإنسان وحده حقيقة الإنسان وحده الذي يمتلك القدرة على التصور و التجريد لكن بعض سلوك الحيوان يتجاوز الغريزة بما يثبت قدرة على تصور الحلول للمشاكل التي تعترضه

الذكاء لا يقتصر على الإنسان وحده:
ذهب آخرون من الفلاسفة والعلماء إلى أن الذكاء لا يقتصر على الإنسان وحده فقط بل يوجد لدى الحيوان و يرى علماء النفس الحديث أن القدماء أخطئوا حين نفوا الذكاء عن الحيوان وأجروا تجارب عديدة دلت على أن بعض الحيوانات الراقية لها نوع من الذكاء لأنها استطاعت حل بعض المشاكل العملية التي لا تتجاوز قدراتها و هذا ما عملت على إثباته المدرسة الغشطالطية بزعامة علمائها كوفكا و كوهلر الذي وضع قردا في قفص علق بسقفه موزا و وضع عصا على الجانب فأدرك القرد العلاقة بين الموز و العصا فأسقط الموز بالعصا و أكله كما أن التجارب التي قاما بها معا من خلال ما يعرف بتجارب السلوك الملتوي (الحركات الملتوية التي يقوم بها الحيوان من أجل بلوغ الهدف )تثبت أن السلوك الملتوي لبعض الحيوانات هو سلوك ذكي و أن القرد أحسن حيوان له ذكاء فهو يقوم بنشاط هادف و يتجاوز العوائق إلى أن يحقق الهدف حقيقة يمتاز سلوك بعض الحيوانات و خاصة الراقية منها بالذكاء لكونه يتجاوز حدود الغريزة و لكن ذكاء الحيوان ضيق و محدود لا يصل إلى درجة ذكاء الإنسان

ذكاء الإنسان نظري وذكاء الحيوان عملي:
بناءا على ما سبق فإن العلماء يفرقون بين نوعين من الذكاء : فالذكاء النظري هو المهارة في استخراج القوانين العامة من التجارب الجزئية ثم الاستناد إلى هذه القوانين لاستخراج الحلول فهو ذو طابع ذهني نظري أما الذكاء العملي فهو القدرة على استخراج الحلول مباشرة من التجارب الجزئية نفسها فهو يتعلق بالمدركات الحسية و إدراك العلاقة بينهما و على هذا الأساس يمكن استخلاص أن ذكاء الإنسان ذكاء نظري و هو القدرة على إدراك العلاقات بين المفاهيم المجردة وهو يتناسب طردا مع القدرة على التجريد بينما ذكاء الحيوان عملي يقتصر على إدراك العلاقات بين العناصر الموجودة في المجال الإدراكي ثم إعادة تنظيمها وهو يتناسب طردا مع القيام بالوظيفة السابقة




خاتمة: نستنتج مما سبق أن كلا من الإنسان و الحيوان يملك نوعا من الذكاء فذكاء الحيوان ذكاء عملي مرتبط بالزمان و المكان و ذكاء الإنسان نظري متحرر من الزمان و المكان يتخطى الحدود و يبدع الحلول و شتان بين الاثنين.

ig hg`;hx ohw fhgYkshk ,p]i? lrhgm tgstdm