المقدمة:إذا كان الإبداع بمعناه اللغوي كما ورد في معجم جميل صليبا هو إحداث شيء على غير مثال سابق، وإذا كان الاكتشاف هو إزاحة الستار عما هو موجود دون إضافة أي جديد له، هل هذا يعني أن الاكتشاف ليس إبداعا. وهنا نتساءل ماذا عن الطريقة التى يستعملها المكتشف للكشف عن أسرار الطبيعة ؟ أليس في حد ذاتها إبداعا؟



التحليل:تصور غاليلي المنظار الفلكي الذي يحمل اسمه ثم صنعه، وهو بذلك أبدع شيئا لم يكن موجودا من قبل، وتصور بال ألكسندر قراهم الهاتف الذي صنعه، ليكون آلة جديدة ليس لها مثيل في السابق، في حين أن قال اكتشف كوكب نيوتن و نيوتن اكتشف الجاذبية الأرضية، فلم يضيفا أي شيء الى ما هو موجود في الطبيعة، وإنما اكتفا بنقله لنا، كما هو في الواقع. إذن غاليلي و بال ألكسندر قراهم أبدعا، أما نيوتن و قال لم يبدعا.
هكذا تكون الاكتشافات العلمية التى قام بها العلماء ليس سوى إزاحة الستار عن القوانين الطبيعية، و العلاقات التى تربط بينها إذا تصور الإنسان الواقع كما هو كائن، كان التخيل تمثيليا و ليس إبداعا، فيه يؤلف الذهن صورا تحاكي ظواهر الطبيعة، حتى ينقلها لنا بكل أمانة. فدور العالم المكتشف هو نقل الواقع كما هو، و كلما كان التطابق كاملا بين تصور العقل و الواقع، كلما اقترب الحكم من الموضوعية و الصدق، الشرطين اللذين يجعلان منه حكما علميا و معرفة علمية، بينما يتصرف الذهن عند التخيل الإبداعي في الصور الذهنية، فيحللها لكي يركب بينها بعد ذلك، فيكون صورا جديدة يزيد فيها عما هو في الواقع أو ينقص.
يقول ابن سينا:" الإبداع عملية تحليل و تركيب." إذا كان التخيل الإبداعي يتطلب عمليات عقلية عالية، ونشاطا عقليا كبيرا، فان هذه العمليات تغيب، و هذا النشاط يختفي عند التخيل التمثيلي، و يرى أصحاب المذهب التجريبي الحسي أن العقل عند بحثه في الطبيعة يتوقف عمله على عملية نقل الحوادث من الواقع، كما هي بعد ملاحظاتها، لأن المعرفة عندهم تستمد من الواقع و ليست من بناء العقل لذلك أكد جون ستوارت مل عند وضعه لطرق الاستقراء: أن العقل لا دور له في عملية الكشف عن قوانين الطبيعة، فلاستقراء يتوقف على نوع من المقارنة الميكانيكية للحوادث.

غير ان القول أن المكتشف ليس مبدعا هو إجحاف كبير في حقه، إن القوانين العملية لا تقدمها لنا الطبيعة، كما يظن أصحاب المذهب التجريبي الحسي، و إلا كانت المعرفة العلمية في متناول الجميع. ليس العلم مجرد وصف لحوادث الطبيعة عند ويفيل يقول:" الحوادث مدركة من زاوية جديدة، لأن عاملا عقليا جديدا تدخل." إن المعرفة العلمية يبنيها العالم خطوة خطوة، فهو يلاحظ الطبيعة ثم يطرح عليها أسئلة يستنطقها بها.
عملية طرح السؤال و تحويله الى أشكال، طريقة يبدعها العالم ليتصل بالطبيعة، ويتعامل معها أما الفرضية ففيها يظهر الدور الكبير للعقل في إعطاء جواب لا يراه في الواقع، و لا تقدمه لا التجربة الحسية، و إنما يستنتجه استنتاجا عقليا. ألا يبدع العالم في هذه الحالة ؟ أليس الفرضية تصور شيء لا يراه في الواقع ؟ و لا نستطيع أن ننكر دور الفرضية في عملية بناء المعرفة العلمية. يقول ويفيل " إن تصور العلاقات التى تربط بين الحوادث مقترحة من طرف حكمة المبدعين " و يقول كلود برنار " إن العلم لا يتطور إلا بفضل القدرة الإبداعية للعقل." أما لالاند فهو يرى " أن الفكرة التى يقترحها العالم تصبح جزءا من الحادثة." لأن المعرفة العلمية ليست معطاة كما يقول باشلار، وإنما هي بناء يقوم به العالم خطوة خطوة. و في عملية البناء هذه يبدع أساليب عمل جديد.

إن المكتشف للقوانين العلمية، و إن لم يبدع هذه القوانين نفسها فقد أبدع الطريقة التى يتعامل بها مع الطبيعة فيرغمها على الجواب، فكان إبداع المنهج التجريبي بخطواته و شروطه من أهم الإبداعات التى قام بها الفكر البشري، إليه ترجع كل التغيرات التى عرفها الإنسان في حياته المعاصرة. يقول بوانكريه "إن العالم لا يخلق للشيء، العلمية من العدم، إن ما يخلقه هو اللغة التى يعبر بها عنها." لذلك يعتبر الاكتشاف خلقا ثانيا للشيء ، ما دام هو الذي يعرف الناس به .

إن الاكتشافات العلمية تؤدي الى نظرة جديدة للعالم الذي غيرته و تدفعه الى الأمام. فباستور حين اكتشف البينيسلين، هكذا لا يكون الإبداع القدرة على خلق صورة جديدة فقط، و إنما أيضا القدرة على إيجاد حلول جديدة لمشكلات مطروحة، و اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء.

الخاتمة:ومنه نستنتج من طرحنا لإشكالية الاكتشاف هل هو إبداع أم لا ؟ إن الاكتشاف لا ينفصل عن عملية الإبداع، لكنه إبداع من نوع خاص.

ig hgh;jaht Yf]hu ? lrhgm tgstdm