ما رأيك في قول البعض أن الذاكرة تحافظ على الماضي و تمكن الإنسان من أن يعيشه مرة أخرى كما لو لم يكن ماضيا؟
المقدمة:إذا كانت الذاكرة عملية الاحتفاظ بالماضي و استرجاعه عند الحاجة، هل هذا يعني ان الإنسان بذاكرته يمتنه ان يعيش ماضيه مرة أخرى ؟
وهنا نتساءل الى أي مدى يكون استرجاع الماضي صورة طبق الأصل للماضي ؟
التحليل:الذاكرة هي القدرة على إحياء حالة شعورية مضت، وانقضت مع العلم و التحقق إنها جزء من حياته الماضية، وتكون وضيفتها بهذا المعنى الحفظ و التذكر (معجم جميل صليبا).
يعيش الإنسان أحداثا سرعان ما تزول، فتنظم الى الماضي، وحتى لا تموت بزوالها يحتفظ بها في ذاكرته، الأرشيف الشخصي، ليسترجعها كلما حضر المنبه اللازم لذلك. كما تمر بالمجتمعات أحداث تسجل في الذاكرة الجماعية أو الأرشيف الجماعي. عملية استرجاع الماضي عند التذكر نسميها استدعاء، وبه تنتقل النفس من عالم المدركات الخارجية الى عالم التصورات الذهنية، مع تحديدها في الإطار الزماني و المكاني.
و يكون التعرف على الماضي أساس التذكر. يقول برغسون:" جوهر التذكر انه يحمل تاريخا" يدرك الإنسان من خلاله ان الزمن الذي تمت فيه تلك الحوادث ليس الزمن الذي يتذكرها فيه. هكذا يعيش الإنسان الأحداث الماضية على شكل تصورات في ذهنه يغوص معها في أعماق الماضي، فتتجدد العواطف و تنفعل النفوس، فيعيش الماضي و كأنه حاضر. يرى تايين أن الفكر خزان للصور التى يلتقطها من الخارج، يحتفظ بها ليسترجعها مثلما أخذها. و ترى النظرية الآلية ان الذاكرة عبارة عن اثر فيزيولوجي يقع على الدماغ فيسجل، وما دام جهاز الدماغ سليما، فانه يسترجع ما احتفظ به من آثار بكل أمانة، كما يحدث تماما على اسطوانة الكمبيوتر (س.د) التى تنشق عليها الصور و الأصوات، لتعيدها علينا عند الحاجة.
و لا يحدث خلل في الاسترجاع إلا إذا حدث تلف في الأثر. أما إذا كان الأثر سليما، كان الاسترجاع سليما./لكن التذكر ليس عملية آلية تقوم باسترجاع صور المدركات المختزنة، و إنما حالة نفسية معقدة، كما يرى برغسون تقوم بها الشخصية بكاملها، لتتكيف مع الوسط الذي يعيش فيه. إذا كانت أسطوانة (س.د) تسترجع الصور و الأصوات كما سجلت و نوقشت عليها بالضبط فان الإنسان يميل الى تضخيمها، الأحداث أو تضخيمها، متأثرا بحالته النفسية الراهنة دون أن يشعر بذلك. فالذاكرة تستمع لأوامر القلب كما يقال. مما يجعل الماضي الذي نسترجعه ليس الماضي الذي عشناه. ولقد قام العلماء بتجارب عديدة اثبتوا من خلالها أن الإنسان عاجز عن استرجاع الحوادث كما لو كانت صورا طبق الأصل للواقع، فهذه الأمانة الكاملة التى تمكننا من عيش الماضي مرة أخرى بشكل حرفي لا وجود لها. هذا من جهة و من جهة أخرى، فان ذاكرة الإنسان لا تسجل كل ما يمر بها من أحداث، بل تقوم بعملية التصفية التى يتدخل فيها عاملا الاهتمام و التركيز. و قد يلعب التكرار دورا في تثبيت بعض الذكريات، كتسجيل بعض الأصوات التى تكررت على مسامعنا عدة مرات، و ان كان هذا التنوع في التذكر اقرب الى العادة منه الى الذاكرة، كما يرى برغسون، وفوق هذا فان النسيان يقضي على الكثير من الأحداث التى مرت علينا.
و النسيان نوعان: نسيان عادي يعتبر مكملا للذاكرة و محافظا على سلامتها، لأن الذاكرة لا تقوى على اختزان كل الأحداث، فتحفظ بالبعض و ترمي بالبعض الآخر في سلة النسيان. و النسيان مرضي، وهو الذي يجعل المرء غير قادر على استرجاع أحداث هو في حاجة الى استرجاع.



و قد أرجع المحللون النفسانيون هذا النوع من النسيان الى الكبت، و كانت طريقتهم في العلاج مساعدة المريض على تذكر الأحداث المؤلمة التى كبتها في ساحة لا شعوره. كذلك تصاب الذاكرة بأمراض تكون أسبابها فيزيولوجية كالأمنيزيا، والأفازيا، و انحراف التذكر، ونسيان الشيخوخة وإن كانت الشيخوخة، نفسها تعتبر مرضا يصيب الجسم كله.
الخاتمة:وأخيرا نستنتج أن الذاكرة تحافظ على الماضي و تسترجعه، و لكن ليس كل الماضي و ليس الماضي نفسه.

hgn Hd l]n d;,k hsjv[hu hglhqd w,vm 'fr hgHwg gglhqd ? lrhgm tgstdm