المقدمة: ان المعرفة التي تأتينا من العلم الخارجي عن طريق أدوات الحس تمكننا من إدراك الأشياء إدراكا فطريا مباشرا، ويمثل هذا الإدراك المباشر للأشياء ابسط صورة المعرفة الإنسانية وهو ما يعرف بالمعرفة العامية أو العادية، ويمارسها كل إنسان في حياته اليومية.فالتفكير في الحقيقة واحد سواء عند الإنسان العادي أو العالم، بل ان العالم قد يفكر أيضا تفكيرا عاميا خلال حياته العامة، ولكنه من جهة أخرى يفكر تفكيرا خاصا يكون به معرفة متميزة عن الأولى يسعى من خلالها تجاوز هذا المستوى العادي من التفكير، فيقيم إدراكه للأشياء على أسس وخصائص تختلف تماما عما هي عليه في المعرفة العامية، فإذا كانت المعرفتان العامية والعلمية مختلفان فما الذي يميز بينهما ؟وما علاقة كل منهما بالأخرى في حصول المعرفة الإنسانية ؟

التحليل: ان أفراد المجتمع الواحد في كل عصر من العصور يشتركون في إدراكهم للأشياء باعتبار ان مصدر ثقافتهم ونمط سلوكهم واحد، وهذا الاشتراك في الثقافة وفي نمط الحياة من شانه ان يوحد بينهم في طرق انتفاعهم بالأشياء مما يولد لديهم مستوى من المعرفة يكون ضروريا بالنسبة للناس جميعا في حياتهم اليومية سواء عند العامي أو العالم فتكون بذلك المعرفة العامية والعلمية تهدفان الى تحصيل معارف قصد التكيف مع البيئة غير ان العالم يحاول تجاوز مستوى الإدراك المباشر للأشياء.كما ان المعرفتان العامية والعلمية تشبع فضول صاحبها، فالمعرفة العامية لا قيمة لها في العلم ولكنها رغم كونها أحلاما فهي تفسير للمجهول عند العامي قد يضاهي اقتناع العالم بحقيقة أبحاثه، وعليه فالمعرفة العامية والعلمية مظهران لطموح الإنسان في طلب المعرفة

ان المعرفة العامية وليدة آراء فردية خاطفة، وأحكام شخصية جزئية، لذلك تكون كيفية في شكل خليط من الأصوات والألوان والروائح كونها تتعلق بالإدراك الفطري للبيئة مباشرة، وهذا الإدراك الكيفي للأشياء يكون مشتركا بين أفراد المجتمع الواحد توجهه المنفعة الشخصية التي تعتبر بمثابة مقياس للصواب والخطأ عند العامة.لذلك قال باشلار: (ان الرأي يسيء التفكير إذ هو لا يفكر وإنما لا يترجم الحاجات والميول الى معارف ).أما المعرفة العلمية فهي تتميز بالكلية والشمول وقد قال أرسطو: (لا علم إلا بالكليات ) ويقول برتراند رسل: (العلم لا يكون إلا إذا كشفنا عن القوانين العامة ).وفي مقابل الإدراك الحسي المباشر فان المعرفة العلمية تحول الكيف الى الكم.فالمسموع والملون يصبح اهتزازات وموجات يخضع لقياس كمي دقيق، وبذلك تتحول الأحكام الساذجة المشبعة بالذاتية الى أحكام موضوعية تم بلوغها بطرق غير مباشرة.فالعلم تفكير منظم يستمد حقائقه من المشاهد الدقيقة والتجربة المنظمة ثم يربطها في نسق مجرد.

ان المعرفة العامية والمتمثلة في إدراكنا المباشر للأشياء تعتبر ابسط أشكال المعرفة الإنسانية تجاوزه.ولذلك فهي خاصة بالناس جميعا ويعتمدونها في حياتهم اليومية، إلا ان العلم لا يمكن ان يعتمد عليها فيسعى العلماء لتجاوز هذا المستوى من المعرفة ويقيمون إدراكهم للأشياء على أسس أخرى تختلف كل الاختلاف عما هي عليه معرفتهم الأولى.وعليه فالمعرفة العامية منطلق للمعرفة العلمية ولكنها في نفس الوقت عائق في طريقها وعلميا يجب تجاوزه.




الخاتمة:ان المعرفة العلمية هي معرفة كلية تعتمد التعميم وتتوخى الدقة والوضوح فتعبر عن مفاهيمها تعبيرا كميا دقيقا، وهي موضوعية يتجرد فيها الباحث عن الأهواء والغايات الشخصية وبهذا فالعلم يبني الظاهرة العلمية بناء يباعد بينها وبين الظاهرة كما تبدو في شكلها الخام لدى المعرفة الحسية المباشرة، وهي بذلك تختلف عن المعرفة العفوية العامية التي هي جزئية وفردية وذاتية توجهها منفعة الشخص العاجلة وتعتمد التعبير الكيفي الغامض.

lh hg`d dld. hgluvtm hgugldm uk hgluvtm hgghugldm ? lrhgm tgstdm