مقدمة:يقوم الإنسان في حياته بأفعال و سلوكات منها ما هي عادة و منها ما هي ليست عادة إذا كنا لا نقول عن سلوك ما إنه عادة إلا إذا اكتسبناه و هذا ما يميزه عن السلوكات الفطرية ثم كررناه بنفس الطريقة دون حاجة إلى تدخل الفكر و الإرادة أو الانتباه هل هذا يعني أن التكرار آلي ؟ و إذا كان ذلك كذلك فإلى أي مدى يكون هذا التكرار ؟



التحليل:يقوم الإنسان بأعمال تتطلب منه جهدا كبيرا و اهتماما مركزا يستحوذ على كل شعوره و كيانه مثلما نشاهد عند الشخص الذي يتعلم قيادة الدراجة في حين يقوم بأعمال أخرى بسهولة كبيرة فلا تطلب منه جهدا و لا انتباها و لا حضورا للشعور مثلا أن يقود السيارة و هو يتحدث مع شخص آخر جالس أمامه أو يستمع للموسيقى، السبب يرجع إلى العادة ففي الحالة الأولى لم يتعود على قيادة الدراجة و لم ترسخ فيه الحركات اللازمة لذلك فنراه يركز كل انتباهه على كل حركة يقوم بها و تكون حركاته بطيئة بينما في الحالة الثانية و قد تعلم السياقة و رسخت فيه الحركات اللازمة لذلك نراه يكررها بدون أي جهد أو انتباه فتأتي آلية و سريعة مما يمكنه من توفير الوقت و تحرير الشعور ليهتم بمشاكل أخرى ما دام العمل الذي يقوم به لا يتطلب حضور شعوره فتظهر العادة بذلك كسلوك آلي يكرره الإنسان كما لو كان آلة ميكانيكية و قد عرفها العلماء المحدثون بأنها قدرة مكتسبة على أداء عمل بطريقة آلية مع السرعة و الدقة و الاقتصاد في الجهد (معجم جميل صليبيا)

نظر ديكارت إلى العادة نظرة آلية محضة فهي تسلسل حركات مرتبطة فيما بينها يتم حدوثها بشكل آلي أوتوماتيكي و شبهها بالثنية فالورقة التي نثنيها من جهة ترتسم عليها آثار الثنية فتكون أسهل و أطوع للثنية من نفس الجهة ثانية، تطورت هذه النظرية يد أصحاب الاتجاه المادي الفيزيولوجي أمثال"وليم جيمس" الذي اعتمد في تفسيراته على الآثار الفيزيولوجية التي تبين أن العادة تترك في جميع الكائنات الحية آثارا مادية فيزيولوجية تجعلها تتشكل على نحو ما مثل العود عند بوسويه:"الذي يتقوى شيئا فشيئا و يبدو أنه تعود على الحالة الجديدة التي نريد أن نشكله عليها " و رأى علماء النفس الترابطيون أمثال ماك دوكيال:"إن العادة ليست سوى مجموعة منظمة من الآثار المترابطة في الجهاز العصبي يكفي أن تكون الحركة الأولى لكي تليها الحركة الأخرى على شكل ترتيب ثابت حيث يغيب كل شعور أو انتباه و يصطبغ الفعل بصبغة الآلية الميكانيكية التي تجعل المرء يقوم به كما تقوم الآلة بحركاتها تماما و التكرار يقوي هذا الترابط و هذه الآلية و تكون العادة بذلك ظاهرة بيولوجية يزداد تثبيتها بالتكرار و يتم القيام بها بشكل ثابت تحدده الطريقة التي تم بها تثبيتها، فلرنيي باسم هذه الآلية لا يرى أي خلاف بين تثبيت العادات عند الإنسان و بين تثبيتها عند الحيوانات الراقية

النقد:ليس الإنسان آلة حتى يقوم بأفعال آلية محضة و إذا أمعنا النظر جيدا في الأفعال التعودية و حللناها جيدا نجدها تختلف عن تلك الحركات الآلية التي تقوم بها الآلة فالعادة و إن كانت أشكالا من السلوكات المحددة التي نكررها فإننا لا نكررها دائما بطريقة ثابتة و إنما تتكون تدريجيا و تتغير كلما استدعى الموقف ذلك فالمرأة التي تلبس حذاءا رياضيا لا تمشي بنفس الطريقة التي تعودت أن تمشي بها حين تلبس حذاءا بكعب عالي و لقد أكد فون درفلت إن متعلم عادة ما لا يعيدها دائما بنفس الطريقة التي تعلم بها يقول:"الحركة الجديدة ليست مجرد تجمع حركات قديمة… إنها تحذف الحركات غير المجدية و الزائدة فهي تنظم تبعا لمدارات و إيقاعات أخرى". إن الكاتب على الآلة الراقنة لا يعيد نفس الحركات بالضبط و إنما كل مرة يحدث عليها بعض التغيير الذي يقربها من الكمال كما لا يمكن حسب رافسون فهم العادة بإرجاعها إلى الجسم وحده فإذا كان الفعل التعودي بصفته الكلية ثابتا فان أساليب التكتيك فيه و التي تتطلب الوعي ليست ثابتة لا يغيب الشعور تماما عن العادة و لا تغيب الإرادة كما كان يعتقد الماديون فالشعور و إن كان لا يتدخل بشكل واضح في العادة فهو يبقى يراقبها و الإرادة تعمل على تصحيحها إذا حدث عليها فساد فالمغني الذي يغني أغنية عدة مرات فإذا اخطأ في كلمة فانه يشعر بهذا الخطأ فيتوقف ليصححه فالسلوك الآلي المحض الذي يغيب فيه كل حضور للشعور و الانتباه و الإرادة لا يمكن أن ينسب إلى الإنسان

أما مين دي براين فقد ميز بين العادة الفاعلة و العادة المنفعلة فإذا كانت العادة المنفعلة كتعود الكائن الحي على بعض المؤثرات يغيب فيها الشعور فان العادة الفاعلة كالمشي و الكتابة تتطلب حضوره مما ينفي صفة الآلية عنها أما بالنسبة لاكتساب العادة فقد ركز جوست على عامل الفاصل الزمني بين التمارين الذي تكون مدته تابعة لنوع العادة التي نتعلمها أو الأشخاص الذين يتعلمونها حتى ينفي أن يكون التكرار الشرط الوحيد في عملية تعلم العادة و اكتسابها و كأن كل فعل نكتسبه حسب بيرون يحتاج إلى فترة ينضج فيها لنتمكن من تعلم الأفعال التي تليه.

إن الآلية المحضة اليوم تبدو غير كافية لتفسير طبيعة العادة و لكن هذا لا يعني أننا ننفي تماما طابع الآلية عن الفعل التعودي إنها كما يقول برادين آلية متعلقة بالحياة فهي تكسبنا آليات نتعداها بعد ذلك فنكيفها مع مواقف جديدة، إن الفاعلية الإنسانية تتكون من هذا الديالكتيك بين الماضي الذي لا نبقى سجناء فيه بل نتعداه لنذهب دائما إلى الأمام فالعادة عند جون ديوي نشاط ثابت نسبيا

النتيجة: و هكذا نستنتج أن العادة باعتبارها سلوكا إنسانيا لا نستطيع أن تكون مجرد إعادة و إن كان تكرار الفعل يمثل الصبغة الأساسية فيها.

ig hguh]m l[v] Yuh]m ? lrhgm tgstdm