أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



العولمة والعلاقات الدولية الراهنة

العولمة والعلاقات الدولية الراهنة المحتويات الرقم الموضوع الصفحة 1- تمهيد



العولمة والعلاقات الدولية الراهنة


النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    العمر
    32
    المشاركات
    577

    افتراضي العولمة والعلاقات الدولية الراهنة

     
    العولمة والعلاقات الدولية الراهنة
    المحتويات
    الرقم
    الموضوع
    الصفحة
    1-
    تمهيد
    3
    2-
    القسم الأول/مسار وركائز العولمة الرأسمالية الراهنة
    5
    3-
    القسم الثاني/آثار العولمة على البلدان النامية
    13
    4-
    القسم الثالث/حركة التجارة الدولية في ظل العولمة وانعكاسها على الدول النامية
    20
    5-
    القسم الرابع/العلاقات الأمريكية – الأوروبية والآسيوية
    24
    6-
    القسم الخامس/الوضع الدولي –رؤية مستقبلية
    31
    تمهيد منذعام 1990، تم إسدال الستار على المشهد الأخير من العلاقات الدولية المحكومةبالثنائية القطبية، حيث تم الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، وولادة المشهد العالمي"الجديد" المحكوم بالرؤى والممارسات الأحادية للنظام الرأسمالي في طورهالأمريكي المعولم. وبولادةهذا المشهد، تكرس انجاز ميزان القوى العالمي لصالح المشروع الامريكي في الهيمنةعلى هذا الكوكب واخضاعه –بصورة مباشرة او غير مباشرة- للسياسات والمصالحالامريكية، حيث تحولت معظم حكومات وأنظمة هذا العالم الى أدوات خاضعة او شريكة منالدرجة الثانية للنظام الامبريالي الأمريكي في هذه المرحلة التي قد تمتد إلى عقديناو اكثر من هذا القرن الحادي والعشرين، خاصة وانه لا يزال أمام الهيمنة الأمريكيةايام عمر مشرقة –كما يقول سمير امين- حيث ان "الكتل" الإقليمية القادرةعلى تهديدها ليست على جدول الأعمال، ذلك ان العولمة الليبرالية السائدة حالياًليست "عولمة اقتصادية" بحتة مستقلة عن إشكالية الهيمنة او منطق التوحشالامبريالي التوسعي وادواته الذي تمارسه المؤسسات والأجهزة الأمريكية الحاكمة التيتعلم ان الخطاب السائد الذي يزعم أن الأسواق تضبط من تلقاء نفسها، وأن سيادتهاالمطلقة دون قيود تنتج تلقائياً الديمقراطية والسلام، إنما هو –كما يقول سمير امينبحق- خطاب أيدلوجي مبتذل لا أساس علمياً له، وبالتالي فان ما يجب ان يستنتج من هذاالاعتراف انما هو ان الولايات المتحدة سوف توظف قوتها العسكرية الاستثنائية من اجلإخضاع الجميع لمقتضيات ديمومة مشروعها للسيادة العالمية، بمعنى آخر لن تكون هناك"عولمة" دون إمبراطورية عسكرية أمريكية، تقوم على المبادئ الرئيسيةالتالية وفق د. سمير امين: 1- إحلال الناتو محل الأمم المتحدة من اجل إدارة السياسة العالمية. 2- تكريس التناقضات داخل أوروبا من اجل إخضاعها لمشروع واشنطن. 3- تكريس المنهج العسكري او عولمة السلاح كأداة رئيسية للسيطرة. 4- توظيف قضايا "الديمقراطية" و "حقوق الشعوب" لصالحالخطة الأمريكية عبر الخطاب الموجه للرأي العام من ناحية وبما يساهم في تخفيضبشاعة الممارسات الأمريكية من ناحية ثانية. أخيراً،ان الدعوة الى مقاومة العولمة الأمريكية ومواقفها العدائية، مع حليفها الصهيوني فيبلادنا، هي السبيل الوحيد لمجابهة هذه الهيمنة والتغلب على آثارها وأدواتها، عبرالتأسيس النظري والعملي للخطوات الأولى على طريق الخروج من الأزمة الراهنة التيتتمثل في الحوار الجاد والمعمق لبلورة آليات إعادة بناء الحركة الماركسية العربية،في موازاة الحوار بين جميع أطراف اليسار العالمي لإعادة بناء الإطار الاممي الثوريالديمقراطي كعولمة نقيضة للنظام الرأسمالي الامبريالي كله. وتأتيهذه الدراسة، كمحاولة لتشخيص الأوضاع الدولية الراهنة، عبر تناولها لخمسة محاوررئيسية هي: 1-القسم الأول/مسار وركائز العولمةالرأسمالية الراهنة.2-القسم الثاني/آثار العولمة على البلدانالنامية.3-القسم الثالث/حركة التجارة الدولية في ظلالعولمة وانعكاسها على الدول النامية.4- القسم الرابع/العلاقات الأمريكية –الأوروبية والآسيوية.5-القسم الخامس/الوضع الدولي –رؤية مستقبلية.
    القسمالأول: مساروركائز العولمة الرأسمالية الراهنة.
    لميكن انهيار الاتحاد السوفيتي– في العقد التاسع من القرن العشرين – حدثاً روسياًفقط ، بقدر ما كان بداية تحول نوعي في مسار التطور العام للبشرية ، عملت الولاياتالمتحدة الأمريكية وحلفاؤها على إنضاج وتفعيل تراكماته الداخلية والخارجية ،تمهيداً لدورها – الذي تمارسه اليوم – كقطب أحادي يتولى إدارة ما يسمى بالنظامالعالمي " الجديد " .وفيسياق هذا التحول المادي الهائل الذي انتشر تأثيره في كافة أرجاء كوكبنا الأرضي بعدأن تحررت الرأسمالية العالمية من كل قيود التوسع اللامحدود ، كان لابد من تطوير بلوإنتاج النظم المعرفية ، السياسية والاقتصادية الى جانب الفلسفات التي تبرر وتعززهذا النظام العالمي الأحادي ، خاصة وأن المناخ العام المهزوم أو المنكسر في بلدانالعالم الثالث أو الأطراف قد أصبح جاهزاً للاستقبال والامتثال للمعطيات الفكريةوالمادية الجديدة، عبر أوضاع مأزومة لأنظمة – في العالم الثالث – فقدت وعيهاالوطني أو كادت ، وقامت بتمهيد تربة بلادها للبذور التي استنبتها النظام العالمي" الجديد " تحت عناوين تحرير التجارة العالمية وإعادة الهيكلة ، والتكيفوالخصخصة، باعتبارها أحد الركائز الضرورية اللازمة لتوليد وتفعيل آليات النظامالعالمي " الجديد " أو ما يسمى بالعولمة Globalizationالتي بدأت تنتشر وتتغلغل في أرجاء كوكبنا منذ بداية ثمانينات القرن الماضي حتىبداية هذا القرن الحادي والعشرين، لدرجة أن أحداً لم يعد يماري- كما يقول جادالكريم الجباعي- في واقع أن الرأسمالية جددت نفسها، ولا تزال على الأرجح قادرة علىتجديد نفسها، ولا سيما على صعيد النمو المتسارع في قوى الإنتاج، ولكن ما يغفل عنهكثيرون أن كل تطور نوعي في النظام الرأسمالي العالمي يؤدي الى تغير مقابل في نسقالعلاقات الدولية، يتمظهر في صيغة أزمة دولية كالتي نعيشها اليوم، وما ذلك إلالسبب تعمق الطابع العالمي للقيمة، وتعمق الطابع العالمي لتقسيم العمل وتوزيعالثروة وعوامل الانتاج وصيرورة السوق العالمية المبتورة، كما يصفها سمير أمين،كحقائق واقعية، ومع ذلك لا تكف التناقضات الملازمة للنظام الراسمالي عن العملوالتاثير في بنيته وأدائه، وفي مقدمتها التناقض بين راس المال والعمل، ولا سيما فيظل الكشوف العلمية وثورة الثقافة، وتحول المعرفة الى قوة إنتاج أساسية، وما نموالبطالة والفقر واتساع دائرة المهمشين على الصعيد العالمي سوى بعض مظاهر هذاالتناقض[1].يؤكدعلى ذلك تقرير البنك الدولي لعام 2002 الذي كشف عن تباطؤ معدلات نمو الاقتصادالعالمي، خاصة في البلدان النامية الذي من شأنه اعاقة عملية تخفيض أعداد الفقراء فيتلك البلدان، ويضيف التقرير، أنه "على الرغم من استمرار ارتفاع أسعار النفطفقد هبط معدل النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2.5% مقابل 3.2% عام2001" وما رافق ذلك من تراجعات، ليس على المستوى الاقتصادي/الاجتماعي فحسب ،بل على الصعيد السياسي حيث تزايدت بصورة غير مسبوقة مظاهر تعمق تبعية الأنظمة فيهذه المنطقة وخضوعها الكامل للهيمنة الرأسمالية في نظام العولمة الأمريكي، يشهدعلى ذلك تفاقم الأزمات المستعصية السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وتكريس مظاهرالتبعية والتخلف في بلدان العالم الثالث عموماً، وفي بلدان النفط خصوصاً، رغمارتفاع الأسعار إلى ما يقرب من (80) دولاراً للبرميل الواحد في منتصف عام 2006.السؤالالذي نطرحه هنا ونحاول الإجابة عليه ، هل العولمة نظام جديد ظهر فجأة عبر قطيعة معالسياق التاريخي للرأسمالية أم أنه جاء تعبيراً عن شكل التطور الأخير للإمبرياليةمنذ نهاية القرن الماضي ؟ وهل تملك العولمة كظاهرة إمكانية التفاعل والتطوروالاستمرار لتصبح أمراً واقعاً في القرن الحادي والعشرين؟ أولاً: المعروف أن الرأسمالية منذ نشأتها الأولى في القرن السادس عشر ، ومن ثم في سياقتطورها اللاحق ، لم تكن في صيرورة فعلها حركة محدودة بإطار وطني أو قومي معين ضمنبعد جغرافي يحتوي ذلك الوطن أو يعبر عن تلك القومية ، فالإنتاج السلعي وفائضالقيمة وتراكم رأس المال لدى البورجوازية الصاعدة منذ القرن الخامس عشر التياستطاعت تحطيم إمارات وممالك النظام الإقطاعي القديم في أوروبا، وتوحيدها في أطرقومية حديثة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها ، لم تكن هذه الدولالقومية الحديثة والمعاصرة سوى محطة لتمركز الإنتاج الصناعي ورأس المال على قاعدةالمنافسة وحرية السوق، للانطلاق نحو التوسع العالمي اللا محدود، انسجاماً مع شعارالكوسموبوليتية Cosmopolitanism أوالمواطنة العالمية الذي رفعته منذ نهاية القرن التاسع عشر ، وهي نظرية تدعو الى" نبذ المشاعر الوطنية والثقافة القومية والتراث القومي باسم وحدة الجنسالبشري ، ومن الواضح أن هذا الشعار الأيديولوجي صاغته الرأسمالية في مواجهة شعارالأممية البروليتارية " ProletarianInternationalism" وجوهره " يا عمال العالم اتحدوا" ، لكن الأزمات التي تعرض لها الاقتصاد الأوروبي / الأمريكي في العقدينالثاني والثالث من القرن العشرين من جهة ، وبروز دور الاتحاد السوفيتي وما رافقهمن انقسام العالم عبر ثنائية قطبية ، فرضت أسساً جديدة للصراع لم يشهده العالم منقبل من جهة أخرى ، وبتأثير هذه العوامل لم يكن أمام دول المعسكر الغربي سوى إعادةالنظر – جزئياً – في آليات المنافسة الرأسمالية وحرية السوق والتوسع اللا محدود،كما عبر عنها آدم سميث الأب الأول لليبرالية ، حيث توصلت للخروج من أزمتها عام1929 ، الى ضرورة إعطاء الدولة دوراً مركزياً لإعادة ترتيب المجتمع الرأسمالي،يتيح مشاركتها في إدارة الاقتصاد في موازاة الدور المركزي للسوق الحر وحركة رأسالمال ، وقد تبلور هذا التوجه في قيام هذه الدول بتطبيق الأسس الاقتصادية التيوضعها المفكر الاقتصادي " جون ماينارد كينز " حول دور الدولة ، دون أياهتمام جدي للتراجع الملموس حينذاك الذي أصاب شعار الكوسموبوليتية ، ومن أهم هذهالأسس :-1- تمكين الدولة الرأسمالية من الرد علىالكوارث الاقتصادية .2-إعطاء الدولة دور المستثمر المالي المركزيفي الاقتصاد الوطني أو رأسمالية الدولة (القطاع العام ) .3- حق الدولة في التدخل لتصحيح الخلل فيالسوق أو في حركة المال .4- دور الدولة في تفادي التضخم والديونوارتفاع الأسعار .وقد استمرت دول النظام الرأسمالي وحلفاؤهافي الأطراف في تطبيق هذه السياسات الاقتصادية الكينزية طوال الفترة الممتدة منذثلاثينات القرن العشرين حتى نهاية العقد الثامن منه، حيث بدأت ملامح انهيار منظومةالبلدان الاشتراكية وبروز الأحادية القطبية الأمريكية وأيديولوجية الليبراليةالجديدة .علىأن هذه الأحادية القطبية التي تحكم العالم منذ بدايات العقد الأخير من القرنالعشرين ، لم يكن مقدراً لها أن تكون بدون شكلين متناقضين من التراكم ، الأولالتراكم السالب في بنية المنظومة الاشتراكية أدى في ذروته الى انهيار الاتحادالسوفيتي ، والثاني التراكم في بنية النظام الرأسمالي -بالرغم من أزمته الداخلية-الذي حقق تحولاً ملموساً في تطور المجتمعات الرأسمالية قياساً بتطور مجتمعات بلدانالمعسكر الاشتراكي ، وكان من أهم نتائج هذا التطور النوعي الهائل ، خاصة على صعيدالتكنولوجيا والاتصالات ، إعادة النظر في دور الدولة الرأسمالية أو الأسس الاقتصاديةالكينزية ، وقد بدأ ذلك في عصر كل من تاتشر عام 1979 على يد مستشارها الاقتصادي" فردريك فون هايك ، ورونالد ريجان عام 1980 ومستشاره الاقتصادي "ميلتون فريدمان " وكلاهما أكد على أهمية العودة الى قوانين السوق وحرية رأسالمال وفق أسس نظرية الليبرالية الجديدة liberalism new[2]التيتقوم على :-1- " كلما زادت حرية القطاع الخاص كلمازاد النمو والرفاهية للجميع "! .2- " تحرير رأس المال وإلغاء رقابةالدولة في الحياة الاقتصادية "،وتحرير التجارة العالمية. أنها باختصار ، دعوة الىوقف تدخل الدولة المباشر ، وتحرير رأس المال من كل قيد ، انسجاماً مع روحالليبرالية الجديدة التي هي في جوهرها ظاهرة رأسمالية تنتمي – الى " حريةالملكية والسوق والبيع والشراء ، ومنطقها الحتمي يؤدي الى التفاوت الصارخ فيالملكية والثروة لا الى المساواة .فيضوء هذه السياسات ، اندفعت آليات الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة الدولية WTO، وبحماس بالغ ، في الترويج لهذه الليبرالية ، بل والضغط على كافة دول العالمعموماً والعالم الثالث على وجه الخصوص ، للأخذ بالشروط الجديدة تحت شعار برامجالتصحيح والتكيف التي تمثل كما يقول د. رمزي زكي " أول مشروع أممي تقوم بهالرأسمالية العالمية في تاريخها ، لإعادة دمج بلدان العالم الثالث في الاقتصادالرأسمالي من موقع ضعيف ، بما يحقق مزيداً من إضعاف جهاز الدولة ، وحرمانها منالفائض الاقتصادي ، وهما الدعامتان الرئيسيتان اللتان تعتمد عليهما الليبراليةالجديدة " .ثانياً: بالطبع لم يكن ظهور مفهوم العولمة الاقتصادي معزولاً عن الانهيار الأيديولوجيالذي أصاب العالم بعد تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي ، بل هو مرتبط أشد الارتباطبالمفاهيم الفكرية التي صاغها فلاسفة ومفكرو الغرب الرأسمالي ، بدءاً من "عصر نهاية الأيديولوجيا " الى " صراع الحضارات " ، و " نهايةالتاريخ عند الحضارة الغربية " ، وهي مجموعة أفكار بقدر ما تفتقر الىالانسجام العام والتواصل مع البعد الإنساني للفكر الغربي الحديث ، ونعني بذلك فكرالنهضة والتنوير بكل مدارسه المثالية والمادية ، فإنها تتقاطع مع الأفكار النازيةكما صاغها تريتشكه ونيتشه ، عندما تتحدث عن تفرد الحضارة الغربية – ضمن إطارهاالثقافي والجغرافي – بالقوة والعظمة دونأي دور أو ترابط مع حضارات العالم الأخرى ، وعلى أساس أن حضارة الغرب – كما يقولصموئيل هنتنجتون – " لها جوهر واحد ثابت لا يعرف التغيير ، وهوية مطلقة تبقىكما هي عبر القرون " ! وكذلك الأمر عند " فرنسيس فوكوياما " الذييرى أنه " بسقوط الأنظمة الاشتراكية يكون الصراع التاريخي بين الليبراليةوالماركسية قد انتهى بانتصار ساحق لليبرالية الجديدة ، وبهذا النصر تكون البشريةقد بلغت نقطة النهاية لتطورها الأيديولوجي " ! ؟ ."إن تصور " فوكوياما " للعالم بعد نقطة النهاية هذه– أو "نهاية التاريخ" أو "نهاية الصراع الأيديولوجي" – يستندعلى أنه لا وجود لتناقضات أساسية في الحياة البشرية لا يمكن حلها في إطارالليبرالية الحديثة ، ومع ذلك فليس من الضروري عند نهاية التاريخ ان تصبح كلالمجتمعات مجتمعات ليبرالية ، بل بالعكس يرفض هذا التجانس ويؤكد أن البلدان التيتنتمي فقط الى الحضارة الغربية هي التي يجب أن تؤكد سيطرتها على العالم كله، علىقاعدة السادة والعبيد ، لان بلدان العالم الثالث عموما-حسب فوكوياما- ستكون مصدراًيهدد الحضارة الغربية، سواء بشعارات التطرف القومي أو الديني أو بالأوبئة والأمراضوالتخلف ، وبالتالي لابد من إخضاع العالم الثالث باعتبارهم " أعداء الغد" ! "، هذه الرؤية الأيدلوجية العنصرية تستهدف بصورة مباشرة توضيحالجوهر الحقيقي للامبريالية في ظل العولمة الرأسمالية السائدة اليوم، اذ ان"الامبريالية[3]هي السيطرة والتحكم والتملك والاستغلال الذي تمارسه الطبقات السائدة في دولة – أمةعلى أمة أخرى وعلى مواردها وسوقها وسكانها" . وحالياً وعلى نطاق غير مسبوقتتحكم البنوك والشركات متعددة الجنسية والمؤسسات المالية لاوروبا والولاياتالمتحدة الامريكية في الغالبية العظمى لأهم المنظمات الاقتصادية . وتتمثل الوظيفةالاساسية للدولة الامبريالية في السيطرة بكيفية تسمح بازدهار شركاتها متعددةالجنسيات . وتقدم الدولة الامبريالية مساعدات لجيش صغير من الايديولوجيين(المفكرين) الرأسماليين في بلدان المركز ، إلى جانب العديد من الايدلوجيينوالمثقفين الليبراليين الجدد في بلدان العالم الثالث الذين باتت مصالحهم الشخصيةبديلا لولائهم الوطني او القومي . ففيالماضي شارك رجال الدين والسلطات الاستعمارية في الشحن العقائدي للشعوب المغلوبةعلى امرها . اما حاليا فان وسائل الاتصال الجماهيري ونظام التعليم العاليوالمنظمات غير الحكومية التي تمولها الامبراطورية ودعاية الفاتيكان كلها تؤسسالنموذج الايديولوجي الذي يصف الخضوع بما هو "تحديث"، والاستعمار الجديدبما هو عولمة والمضاربة المالية بما هي عصر الاعلاميات في ظل النظام الإكراهيالإمبريالي للعولمة، عبر المركز الأمريكي الأوروبي، فالعولمة هنا هي شكل إنتشارالسلع والمنتجات والثقافة والإعلام والمعلومات، أما مضمونها مركزي الى أبعد الحدودعبر سيطرة رأس المال الأمريكي الأوروبي على حركة ومسار السلع المادية والثقافةوالإعلام..... الخ . ولذلك فإن فكرة أن العولمة تخلق عالماً مترابطاً هي خاطئةبالفعل لأنها خلقت عالماً محكوماً في مساحة 85% منه لرأس المال الأمريكي الأوروبي(كما يوضح الجدول ادناه) الامر الذي يفسر لماذا يواصل اقتصاد الولايات المتحدةالأمريكية نموه ، بينما اقتصاد أسيا وأمريكا اللاتينية وروسيا يشهد توقفاتوإفلاسات وأزمات وانهيارات اقتصادية .
    جدوليوضح الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم
    (مليار دولار)
    البيان الناتج المحلي الاجمالي
    الولايات المتحدة الامريكية
    10.948.5
    دول الاتحاد الاوروبي
    10.305.3
    اليابان
    4.300.9
    الصين
    1.417.0
    الهند
    600.6
    كوريا الجنوبية
    605.3
    ماليزيا
    103.7
    سنغافورة
    91.3
    تايلند
    143
    اندونيسيا
    208.3
    الدول العربية
    723
    المصدر:برنامجالامم المتحدة الانمائي، تقرير التنمية الانسانية العالمية، 2005.(الجدول من اعداد الباحث)"وفي هذا السياق يقول " روبرت شتراوس هوب" أحدالمدافعين عن الوجه العنصري البشع للعولمة ، في كتابه " توازن الغد "الصادر عام 1994م ، إن " المهمة الأساسية لأمريكا توحيد الكرة الأرضية تحتقيادتها ، واستمرار هيمنة الثقافة الغربية ، وهذه المهمة لابد من إنجازها بسرعة فيمواجهة نمور آسيا وأي قوى أخرى لا تنتمي للحضارة الغربية " ، ويستطرد "ان مهمة الشعب الأمريكي القضاء على الدول القومية ، فالمستقبل خلال الخمسين سنةالقادمة سيكون للأمريكيين ، وعلى أمريكا وضع أسس الإمبراطورية الأمريكية بحيث تصبحمرادفة " للإمبراطورية الإنسانية " ! . أما " ألفين توفلر "الباحث السوسيولوجي الأمريكي – يتوصل في كتابه " الموجة الثالثة " الىتعريف مغاير لهذا التحول العالمي المعاصر ، ويرى فيه " ثورة كونية جعلت العلملأول مرة في تاريخ البشرية قوة أساسية من قوى الإنتاج تضاف الى الأرض ورأس المالوالعمل ، وان المشاركة في هذه الموجة أو هذا التحول مشروطة بإنتاج المعلوماتوالمشاركة فيها عالمياً من أجل تنمية " الذكاء الكوني " ، نحن إذن أمامحالة من " الوعي الكوني " أو العولمة الفكرية في مواجهة الوعي الوطنيوالوعي القومي في الوطن العربي والعالم الثالث ، تقوم على مبدأ " البقاءللاصلح " أو الأقوى في وطن عالمي بلا حدود !؟"[4] .ثالثاً: هدفنا مما تقدم كشف طبيعة الموقف الأيديولوجي الشوفيني المدافع عن إمكانية تحقيقمفهوم العولمة، وانتقاله من حالة الفرضية النظرية المجردة إلى حالة الواقعوالتطبيق ، خاصة بعد أن توفرت له كل هذه المعطيات المادية والفكرية ، في سياق ثورةالعلم والتكنولوجيا وثورة المعلومات والاتصالات التي تعزز وتغطى الجوانب السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية للعولمة، وتدفع بعمق نحو انتقال هذا المفهوم إلى حقائقمادية نشطة وفاعله على هذا الكوكب ، ضمن إطار وأدوات الحضارة الغربية والبلدانالصناعية الرأسمالية التي تنضوي تحت لوائها ، عبر هيمنة أحادية حتى اللحظةللولايات المتحدة الأمريكية .
    القسمالثاني: آثار العولمة على البلدان النامية
    فيضوء ما سبق ، فإن النظرة المتأنية الموضوعية لواقع عالمنا في منتصف العقد الأول منالقرن الحادي والعشرين ، تؤكد أن معظم شعوب هذا الكوكب ودوله في أفريقيا وآسياوأمريكا اللاتينية ، ما زالت تعيش اليوم تحت تأثير صدمة انهيار الثنائية القطبيةالتي أدت الى انهيار كل أشكال التوازنات الدولية التي سادت إبان المرحلة السابقةمن ناحية، وما تلاه من انهيار البنية السياسية – الاقتصادية في تلك الدول، بعد اناستولت الشرائح الكومبرادورية والبيروقراطية المدنية والعسكرية على مقدراتهاالداخلية من ناحية ثانية، وهي تحولات عززت احادية الهيمنة الامريكية – الاوروبيةعلى هذا الكوكب، بعيدا عن ميثاق الامم المتحدة، أو مرحلة الحرب الباردة التي فرضت على الجميع آنذاك الاحتكام الى نصوصوقواعد ميثاق الأمم المتحدة الذي أقرته شعوب العالم كله على أثر الحرب العالميةالثانية ، والذي نص في ديباجته "إن شعوب العالم قد قررت ضرورة إنقاذ الأجيالالمقبلة من ويلات الحروب ، والعمل على إيجاد نظام أمن جماعي يحفظ السلم العالمي،ويؤسس لتنظيم دولي أكثر إحكاما وأكثر عدالة في المستقبل ، وأن ذلك يتحقق عن طريقتحريم استخدام القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة" . لقد شكل مبدأ تحريماستخدام القوة أحد أهم إنجازات القانون الدولي في القرن العشرين ، حسب النص الصريحلميثاق الأمم المتحدة-الفقرة الرابعة من المادة الثانية التي أكدت على "تحريماستخدام القوة، أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأيةدولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة" .إنالتحولات الجديدة في العلاقات الدولية التي جاءت على أثر الفراغ السياسي والعسكريوالأيديولوجي الذي تركه انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة ، أدت الىاستكمال مقومات هيمنة النظام الرأسمالي العالمي على مقدرات شعوب العالم، في إطارظاهرة العولمة الراهنة التي جعلت من كوكبنا كله مجتمعا عالميا ، تسيطر عليه إرادةالقوة العسكرية المسخرة لخدمة قوة الاقتصاد ورأس المال ، وهي تحولات تعبر عن عمليةالاستقطاب الملازم للتوسع العالمي للرأسمالية الذي رافقها على مدى القرون الخمسةالماضية من تاريخها ، وسيلازمها –كما يقول سمير أمين- في أفق مستقبلها المنظور كلهما دام العالم سيظل مرتكزا على مبادئ الرأسمالية ، إذ أن هذا الاستقطاب يتفاقم منمرحلة الى أخرى ، وهو يشكل اليوم –في ظل العولمة- ذلك البعد المتفجر الأكثر ثقلافي تاريخ تطور الرأسمالية ، بحيث يبدو وكأنه حدها التاريخي الأكثر مأساوية ، خاصةوأن العولمة قد "تعمقت في السنوات الأخيرة عن طريق الاختراقات المتبادلة فياقتصاديات المراكز أساسا ، بصورة همشت المناطق الطرفية التي أصبحت عالمارابعا"[5].فمنذعام 1990 ، شهد العالم متغيرات نوعية متسارعة ، انتقلت البشرية فيها من مرحلة الاستقرار العام المحكوم بقوانين وتوازنات الحرب الباردة ، الىمرحلة جديدة اتسمت بتوسع وانفلات الهيمنة الأمريكية للسيطرة على مقدرات البشرية ،وإخضاع الشعوب الفقيرة منها ، لمزيد من التبعية والحرمان والفقر والتخلف والتهميش،كما جرى في العديد من بلدان اسيا وافريقيا وفي بلدان وطننا العربي عموما والعراقوفلسطين ولبنان خصوصا ، فقد تم إسقاط العديد من القواعد المستقرة في إدارةالعلاقات الدولية ، بدءا من هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات الدوليةالأخرى ، وصولا الى تفريغ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي من مضامينهماالموضوعية الحيادية، يشهد على ذلك عجز "الأمم المتحدة" عن وقف العدوانوالتدمير الأمريكي الصهيوني في العراق وفلسطين ولبنان، في مقابل تواطؤ وخضوعالاتحاد الأوروبي وروسيا واليابان للهيمنة والتفرد الأمريكي في رسم وإدارة سياساتومصالح العولمة الرأسمالية في معظم أرجاء هذا الكوكب، وفي بلداننا العربيةوالإقليم الشرق أوسطي خصوصاً، في محاولة يائسة لإعادة ترتيب المنطقة الشرق أوسطيةوتفكيكها وإخضاعها بصورة غير مسبوقة للسيطرة الأمريكية، عبر دور متجدد تقوم بهدولة العدو الإسرائيلي في محاولتها لضرب وتصفية قوى المقاومة في فلسطين ولبنانبصورة بربرية، لم تستطع معها إسقاط رايات المقاومة التي استطاعت إثبات وجودهاوصمودها وتوجيه ضرباتها إلى قلب دولة العدو الإسرائيلي، وتهديد منشآته ومدنه لأولمرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، مايشير إلى بداية عهد جديد في هذا الصراع عبر متغيرات نوعية في الأوضاع العربيةلصالح قوى التغيير الديمقراطي والمقاومة من ناحية، ومتغيرات نوعية بالنسبة لمستقبلالصراع العربي الإسرائيلي الذي تؤكد المعطيات انه صراع وجودي لا تجدي معه مفاوضاتأو حلول "سلمية" من ناحية ثانية.لقدأدى إفراغ ميثاق الأمم المتحدة من مضامينه التي أجمعت عليها دول العالم بعد الحربالعالمية الثانية على أثر هزيمة النازية ، إلى أن أصبحت الأمم المتحدة –اليوم- غيرقادرة على ممارسة دورها السابق الذي تراجع بصورة حادة لحساب التواطؤ مع المصالحالأمريكية ورؤيتها السياسية ، يشهد على ذلك مواقف لكوفي عنان الامين العام للاممالمتحدة، من معظم القضايا المطروحة في المحافل الدولية، خاصة ما يتعلق بدول العالمالثالث عموما والقضية الفلسطينية والعراق ولبنان خصوصا، وليس لذلك في تقديرنا سوىتفسير واحد ، هو مدى تحكم الولايات المتحدة في إدارة المنظمة الدولية وأمينهاالعام من جهة ، ومدى خضوع الانظمة الحاكمة – عبر المصالح الطبقية – للسياساتالامريكية في المشهد العالمي الراهن الذي بات يجسد التعبير الأمثل عن تحول مسارالعلاقات الدولية بعيدا عن قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ، الى قواعداستخدام القوة العسكرية لتطبيق شروط وسياسات النظام الرأسمالي المعولم ، واستفرادهفي الظروف والمتغيرات الراهنة ، التي حولت –وستحول- أقاليم عديدة في العالم الىمسارح مضطربة مفتوحة على كل الاحتمالات ، أدخلت العلاقات الدولية في حالة منالفوضى المنظمة ، بحيث أصبحت هذه العلاقات محكومة لظاهرة الهيمنة الأمريكيةالمعولمة، أو لهذا الفراغ أو الانهيار في التوازن الدولي الذي أدى الى بروز معطياتجديدة في هذا الكوكب من أهمها :-1-تم إسقاط العديد من القواعد المستقرة فيإدارة العلاقات الدولية ، حيث دخلت هذه العلاقات تحت الإشراف المباشر وغير المباشرللولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها الأحادية .2-تحولت أقاليم عديدة في هذا الكوكب الىمسارح استراتيجية مضطربة ، بدأت ، أو أنها في انتظار دورها على البرنامج ، وهيمسارح أو أزمات مفتوحة على جميع الاحتمالات وفي جميع القارات كما جرى في يوغسلافياأو البلقان وألبانيا والشيشان ، وما أصاب هذه البلدان من تفكك وخراب أعادها سنواتطويلة الى الوراء، وكذلك الأمر في إندونيسيا وأزمة بلدان آسيا الاقتصاديةوالسياسية ، وفي الباكستان والهند وبنغلادش وسيريلانكا . وفيأفريقيا : الصومال وجيبوتي وموريتانيا والكونغو وغيرها ، وصولا الى بلدان أمريكااللاتينية وتزايد الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فيها، بدءاً منالمكسيك الى كوبا الى الأرجنتين وكولومبيا والبرازيل . كما تتفاقم هذه الأزمات فيمنطقتنا العربية ، حيث يتفجر الصراع الوجودي بيننا وبين العدو الصهيوني من جهة ، وتتفجر الأزمات الداخلية في الجزائر و السودان و مصر و اليمن ، إلى جانب الاحتلالالإمبريالي لفلسطين وللعراق الشقيق من جهة أخرى.3-إضعاف وتهميش دول عدم الانحياز ، و منظمةالدول الأفريقية ، و الجامعة العربية ، و منظمة الدول الإسلامية ، و كافة المنظماتالإقليمية التي نشأت إبان مرحلة الحرب الباردة والتي تكاد اليوم ان تفقد بوصلتهاودورها .4-يبدو أنه تم إسقاط المنطقة العربية و دورهاككتلة سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي ، و تجريدها من أي دور سوى الخضوعالسياسي و استمرار تأمين المواد الخام ، و إقامة القواعد و الأحلاف العسكرية وفقما حددته التوجهات و المخططات الأمريكية لمنطقتنا العربية ، و نكتفي هنا بالإشارةإلى المجالات الرئيسية لهذه التوجهات طالما بقي الوضع العربي على حاله الراهن :أ-استمرار عملية التسوية و التطبيع معإسرائيل و الدول العربية ، وفق الشروط الإسرائيلية –الأمريكية من " وايبلانتيشن" الى "خارطة الطريق" وصولا الى "خطةشارون/أولمرت" الهادفة إلى إنهاء المشروع الوطني الفلسطيني بعد تحطيم ثوابتهو أركانه الأساسية و مقوماته التاريخية و الشرعية الدولية .ب-احتلال العراق الشقيق لضمان السيطرةعلى ثروته النفطية، وإخضاعه للسياسات الجديدة وتعريضه لمحاولات التفتت الداخلي،علاوة على إخضاع وتكريس تبعية معظم الدول العربية الأخرى للنظام الأمريكي وحليفهالصهيوني المسيطر في بلادنا. ج-استمرار الهيمنة أو السيطرة المباشرةعلى الخليج و الجزيرة العربية (السعودية) كمنطقة نفوذ أمريكية بصورة شاملة و كلية.د-الوقوف في وجه أي إمكانية لأي شكل منالتحالفات أو التكتلات العربية الاقتصادية و السياسية إذا حملت في طياتها حداًأدنى من التعارض مع مشروع الهيمنة الأمريكي .هـ-فرض السياسات الاقتصادية وفق مقتضياتالخصخصة و أيديولوجية الليبرالية الجديدة عبر مركزية دور القطاع الخاص في إطارتحالفه العضوي مع البيروقراطية العليا أو النظام الحاكم المعبر عن الطبقة السائدةفي بلادنا، خاصة وأن القطاع الخاص في بلادنا العربية قد تحول- الى حد كبير- الىجهاز كومبرادوري كبير في خدمة النظام السائد ونظام العولمة الإمبريالي في آن واحد،بعد أن ألغى هذا القطاع ( الخاص ) –في معظمه- كل علاقة له بالمشروع التنموي الوطنيأو القومي، واصبح همه الوحيد الحصول على الربح ولو على حساب مصالح وتطور مجتمعاتناالعربية واستقلاله الاقتصادي.و- دعم دولة العدو الإسرائيلي كركيزةإمبريالية صغرى متقدمة في المنطقة تضمن استمرار حماية المصالح الأمريكية المعولمةفي بلدان وطننا العربي.لقدبات واضحاً أن تطبيق مبدأ "القوة الأمريكية" ساهم بصورة مباشرة في تقويضالنظام الدولي في عالمنا المعاصر ، خاصة و أن حالة القبول أو التكيف السلبي ، بل والمشاركة أحياناً من البلدان الأوروبية و اليابان و روسيا الاتحادية شجعت علىتطبيق ذلك المبدأ ، بعد أن فقدت دول العالم الثالث عموماً –عبر أنظمة الخضوعوالتبعية- إرادتها الذاتية و سيادتها ووعيها الوطني ، و كان استسلام معظم هذه الدولأو رضوخها لقواعد و منطق القوة الأمريكية ، مسوغاً و مبرراً "لشرعية"هذه القواعد من جهة ، و الصمت المطبق على ممارساتها العدوانية في كثير من بقاعالعالم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة من جهة أخرى ، كما يجري اليوم في بلادناعبر تحكُّم العدو الصهيوني في مستقبل قضيتنا الوطنية، ومحاولته المشاركة فيالسيطرة على مقدرات شعوبنا العربية كلها ،بعد أن أصبح النظام العربي في معظمه مهمشاً وفق شروط الهيمنة الأمريكية المتجددةالتي جعلت دور الدولة في بلادنا –كما في بلدان العالم الثالث أيضاً- يقتصر علىالجانب الأمني و القمعي لحماية المصالح الرأسمالية الخارجية و الداخلية المتشابكة، بعد أن نجحت هذه الشروط في تصفية دور الدولة الإنتاجي و الخدماتي الذي كانمخصصاً في المرحلة السابقة لتغطية بعض احتياجات الجماهير الشعبية فيها . و بتراجعدور الدولة الوطني و الاجتماعي ترعرعت المصالح الشخصية البيروقراطية والكومبرادورية و الطفيلية ، باسم الخصخصة و الانفتاح ، مما أدى إلى تفكك الروابطالوطنية و القومية و الإقليمية ، إلى جانب عوامل التفكك و شبه الانهيار المجتمعيالداخلي المعبر عنه بإعادة إنتاج و تجديد مظاهر التخلف بكل مظاهره الطائفية و الاثنيةو العائلية و الدينية …الخ ، التي ترافقت مع تعمق الفجوات الاجتماعية ومظاهر الفقرالمدقع بصورة غير مسبوقة فيها .وفي ظل هذه الأوضاع المتدهورة الناتجة عن أزمة التطور الاجتماعي وأزمة القيادة فيبلدان العالم الثالث عموماً التي أدت بها إلى مزيد من الإلحاق و التبعية فيعلاقتها بالشروط الرأسمالية الجديدة ، كان لا بد لاستراتيجية رأس المال المعولم ،انسجاماً مع نزوعه الدائم نحو التوسع والامتداد ، أن تسعى الى إخضاع الجميعلمقتضيات مشروع الهيمنة الأمريكي المعولم ، وهي استراتيجية تستهدف هدفين اثنينمتكاملين هما "تعميق العولمة الاقتصادية ، أي سيادة السوق عالميا ، وتدميرقدرة الدول والقوميات والشعوب على المقاومة السياسية"[6]، هذا هوجوهر الإمبريالية في طورها المعولم في القرن الحادي والعشرين ، وبالتاليفإننا نرى أن الوضع الراهن ليس نظامادوليا جديدا ، وإنما هو امتداد لجوهر العملية الرأسمالية القائم على التوسعوالامتداد بدواعي القوة والاكراه ، وهو أيضا استمرار للصراع في ظروف دولية لم يعدلتوازن القوى فيها أي دور أو مكانة ، ولذلك كان من الطبيعي أن تقوم الولاياتالمتحدة الأمريكية ، باعتبارها القوة الوحيدة المهيمنة في هذه الحقبة ، بملءالفراغ الناجم عن انهيار التوازنات الدولية السابقة .وبنشوءهذا الفراغ السياسي والاقتصادي والأيديولوجي ، أصبحت الطريق ممهدة أمام التوسعالرأسمالي صوب المزيد من السيطرة عبر طوره الإمبريالي المعولم، كشكل أخير من تطورالنظام الرأسمالي ، مما دفع به الى الكشف عن مخططاته المبيتة أو الكامنة للوصولبالتوترات والتناقضات الدولية الى أقصاها ، عبر المواجهة المباشرة ، مستخدما كافةأساليب الضغط والإكراه ، بالقوة العسكرية أو بالإخضاع والمزيد من التبعية والإلحاقلضمان استمرار سيطرته على كافة الموارد المادية الأساسية ، من احتياطات النفط والماءالى الأسواق والمنتجات الصناعية والزراعية، ووضع الحدود والضوابط الإكراهيةلحركتها ، بما يضمن مصالح الشرائح العليا البيروقراطية والطفيلية والكومبرادوريةفي أنظمة البلدان الفقيرة التابعة من جهة ، وبما يؤدي الى إعاقة نمو هذه البلدانوتدمير اقتصادها وانتشار المزيد من أشكال التخلف والفقر والجهل، وتعمق الأزماتالسياسية والطائفية والدينية فيها من جهة أخرى ، ففي ضوء وضوح هذه المخططات خلالالعقود الثلاثة الماضية تتكشف الطبيعة المتوحشة للرأسمالية المعولمة اليوم علىحقيقتها عبر ممارساتها البشعة ضد شعوب العالم الفقيرة ، وضد القيم الإنسانيةالكبرى في العدالة الاجتماعية والمساواة ، كما في الثقافة والفكر والحضارة ، وذلكبالاستناد الى المؤسسات الدولية التي تكرست لخدمة النظام الرأسمالي في طورهالإمبريالي الراهن ، وهي :-1- صندوق النقد الدولي الذي يشرف على إدارةالنظام النقدي العالمي ويقوم بوضع سياساته وقواعده الأساسية ، وذلك بالتنسيقالكامل مع البنك الدولي ، سواء في تطبيق برامج الخصخصة والتكيف الهيكلي أو فيإدارة القروض والفوائد والإشراف على فتح أسواق البلدان النامية أمام حركة بضائع ورؤوسأموال بلدان المراكز الصناعية .2- منظمة التجارة العالمية WTOالتي تقوم الآن بالإشراف على إدارة النظام التجاري العالمي الهادف الى تحريرالتجارة الدولية وإزالة العوائق الجمركية ، وتأمين حرية السوق وتنقل البضائع فيمدى زمني لا يتجاوز نهاية عام 2006.3- الشركات المتعددة الجنسية التي باتت تملكأصولاً رأسمالية تزيد عن ( 36 ) ترليون دولار وهو ما يقارب إجمالي الناتج المحليلجميع دول العالم في كوكبنا، وفي هذا الجانب نشير الى أن السلطة الاقتصادية لهذهالشركات العالمية تتركز بصورة كبيرة في مؤسسات أمريكية وأوروبية كما تؤكدالمعلومات المستقاه من جريدة فاينانشال تايمز في يناير 1999 إنه من ضمن 500 منأكبر الشركات 244 منها من أمريكا الشمالية و 173 أوروبية و46 يابانية. أي بعبارةأخرى 83% من أهم المنشآت التي تتحكم في التجارة والإنتاج العالمي هي أمريكيةشمالية وأوروبية.ويغدو تركز السلطة مذهلاً إذا تأملنا الـ25 شركة الأكبر في العالم( تلك التي يفوق رأسمالها 86 ألف مليون دولار ) : أكثر من 70 % منها أمريكيةشمالية و26% أوروبية و4% يابانية . ما يعني انه اذا كانت الشركات المتعددة الجنسيةتتحكم في الاقتصاد العالمي فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة المسيطرةراهنا . ما يؤكد على أن مقولة او فكرة أن العولمة تخلق عالماً مترابطاً خاطئة إلىابعد الحدود .
    القسمالثالث: حركة التجارة الدولية في ظل العولمة وانعكاسها على الدول النامية
    وفيضوء هذه السياسات والشروط المحددة من قبل الصندوق والبنك الدّوليّين من جهة ،ومنظمة التجارة الدولية والشركات المتعددة الجنسية من جهة ثانية ، أصبحت السياسةالتجارية للدول المستقلة ، ولأول مرة في التاريخ الاقتصادي للأمم شأنا دوليا أومعولماً ، وليس عملا من أعمال السيادة الوطنية أو القومية الخالصة … فعلى النقيضمن كل ما كتبه مفكرو العولمة ، المدافعون عن إجراءات الخصخصة والليبرالية وتحريرالتجارة العالمية ، وآثارها الإيجابية على الدول النامية ، فإن النتائج الناجمة عناندماج البلدان النامية في هذه الإجراءات تشير الى عدد من الحقائق :-1- بالرغم من ارتفاع حجم التجارة الدولية الى9.2 تريليون دولار عام 2003[7] (وهياليوم في منتصف عام 2006 تقدر بحوالي 10 تريليون دولار سنويا) ، فقد ظل نصيبمجموعة البلاد النامية من التجارة العالمية ثابتا خلال العقود الثلاثة الماضية حول18% بما في ذلك نصيب الدول المصدرة للنفط ، رغم أن سكان هذه المجموعة من البلاديشكلون 75% من إجمالي سكان العالم .2- بالرغم من أن دعاة العولمة والتحريرالمالي والتجاري كانوا يزعمون أن البلاد النامية سوف تستفيد من تدفق الاستثماراتالأجنبية المباشرة ، إلا أن ذلك لم يحدث ، فقد تبين في العقدين الماضيين أن أكثرمن 90% من حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة تذهب أساسا الى البلدان المتقدمة(الولايات المتحدة-أوروبا-اليابان والصين) . أما بقية البلاد النامية فقد حصلت علىأقل من 10% من تلك الحركة ، وفي هذا السياق تشير البيانات الخاصة بالاستثمارات العالميةإلى أنها بلغت عام 2000 ( 1393 ) مليار دولار وقد تراجعت بنسبة 40% عام 2001 علىأثر أحداث 11 سبتمبر، وهذه الاستثمارات تركزت بنسبة 90% منها في الدول الصناعية،حيث لم تتجاوز قيمة الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت الى الدول النامية 162.1مليار دولار عام [8]2002لم تزد عن حدود هذا الرقم حتى عام 2005 .3- "ارتفع إجمالي رصيد ديون البلدانالنامية بشكل دراماتيكي في العقد الماضي من 603.3 مليار دولار عام 1980 ، الى 2172مليار دولار عام 1997، ووصلت الى ما يقارب من 2.5 تريليون دولار عام 2004، ومع نموحجم هذه الديون ارتفعت أسعار الفائدة ومعدل خدمة الدين الذي وصل في بعض هذهالبلدان الى ما يزيد عن 100%"[9] .4-إن عولمة الأسواق المالية وما انطوت عليهمن إجراءات للتحرير المالي، كانت ذات آثار هامة وخطيرة على البلاد النامية ، فقدأدت الى إلغاء الحظر على المعاملات التي يشملها حساب رأس المال والحسابات الماليةلميزان المدفوعات ... وكذلك فإن هذه الإجراءات عرضت الجهاز المصرفي للأزمات،ولتدفق الأموال القذرة (غسيل الأموال) ، وتعرض البلد لهجمات المضاربين، والى إضعافالسيادة الوطنية في مجال السياسة المالية والنقدية ، وشجعت على هروب واسع لرؤوسالأموال الوطنية للخارج .5- تراجعت مساهمة الدول النامية ( 146 دولة )في الناتج المحلي العالمي (البالغ كما فينهاية 2004 [36] تريليون دولار)[10] الى 29% في مقابل 71% للدول المتقدمة (الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان)،أما فيما يتعلق في مساهمة دول الشرق الأوسط قد شاركت بحوالي 2% من إجمالي الناتجالمحلي العالمي . (انظر جدول الناتج المحلي العالمي) .يتضحفيما تقدم، أن "البلاد النامية تعاني من وضع غير متكافئ لها في الاقتصادالعالمي، وأن هذا الوضع يتدهور فترة بعد أخرى تحت تأثير سرعة اندفاع قطار العولمةوالتحرر المتسارع لاقتصاديات هذه البلاد وإدماجها في الاقتصاد العالمي وإن هذاالدمج والتحول المفاجئ والالتزام المبكر بقواعد العولمة والليبرالية والتحريرالاقتصادي كانت له نتائج سلبية ، وأحيانا مدمرة على اقتصاد البلدان النامية، حيثوضعت الكثير من العقبات في وجه تنميتها، وأفقدتها القدرة على حماية صناعاتهاالوطنية ، وأدت الى ارتفاع تكلفة المعرفة والتكنولوجيا ، وتعرضها الى المنافسة غيرالمتكافئة مع الواردات الأجنبية، واحتمال استيلاء الشركات العملاقة المتعددةالجنسية على المشروعات الوطنية والمجالات الأساسية، مما سيدفع، وذلك هو الأخطر،الى تقليص قدرة البلاد النامية على صياغة وتصميم سياساتها التنموية والتجارية(وغيرها من السياسات) بعد أن انتقلت عملية صنع الكثير من القرارات من مستواهاالوطني الى منظمة التجارة العالمية"[11] .إنهذه التطورات والتراكمات السالبة ، ستؤدي في تقديرنا ، الى تفاقم الأزماتالاقتصادية والاجتماعية ، وتزايد مساحات الفقر والبطالة والتناقضات الداخلية بكلأنواعها ، في كل بلدان العالم عموما ، وفي البلدان الإفريقية والآسيوية وأمريكااللاتينية خصوصا ، وبوتائر عالية لم تشهدها هذه البلدان من قبل ، حيث ستتعاظمالثروات في مقابل تعاظم الفقر واتساعه ، وما ستنتجه هذه الفجوات العميقة من شعورعام لدى هذه الشعوب الفقيرة ، من خوف كبير على مستقبلها ، نتيجة فقدانها القدرةعلى التحكم والسيطرة على مقدراتها في الظروف الراهنة ، بعد أن فقدت كل مكتسباتها–ضمن الحد الأدنى- التي حصلت عليها تلك الشعوب عبر نضالها في مرحلة الاستقلال وحتىنهاية الستينيات من القرن الماضي ، مما سيدفع بها –دفاعا عن مصالحها الوطنيةوالمطللبية معا- الى الانتقال من الطابع العفوي لرفضها ، نحو الطابع المنظم ، لكيتمارس عملية التغيير والتجاوز لأنظمتها ، وكسر حلقات التبعية والتخلف في بلادها ،مقدمة لتغيير جوهري في البنية الداخلية لمجتمعاتها ، ستدفع بدورها الى تغيير جوهريأيضا في بنية العلاقات الإقليمية والدولية مؤذنة بعصر جديد من الثنائية أوالتعددية في هذا الكوكب ، إذ أن توحش الرأسمالية المعولمة وآثارها على البلدانالنامية عبر ممارساتها البشعة ضد مصالح شعوب هذه البلدان ، سيدفع بهذه الشعوب عبرطلائعها المنظمة من المثقفين والرواد والجماهير الشعبية ، الى الإعلان بكل صراحةووضوح ، بأنه لو لم تكن هناك اشتراكية ، فسيحرص الجميع على السعي لإيجادهاوالإيمان بنظريتها وبلورة نظامها من أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية ، وتثبيته وحمايته كنتيجة منطقية لظروف الحرمانوالذل والاضطهاد والفقر والمرض والمعاناة بكل ألوانها التي تتعرض لها شعوب العالمالفقيرة في ظل العولمة وأدواتها الإمبريالية .وفيهذا السياق ، فإننا ندرك ، أيضا ، أن عملية التغيير لتجاوز وكسر السيطرة الأمريكيةالأحادية لن تتوقف فحسب على بلدان العالم الثالث ، رغم اعتبارنا لهذه البلدانالحلقة المركزية في العملية التغييرية المطلوبة على الصعيد الإقليمي والعالمي ، بلستمتد عبر أشكال متعددة ، الى البلدان الصناعية المتقدمة في أوروبا واليابانوروسيا ، وبلدان اسكندنافيا والصين وبلدان ما يسمى بالنمور الآسيوية ، وذلك عبرتحولات لن تأخذ طابعا راديكاليا شعبيا أو طبقيا ضد الرأسمالية من حيث المبدأ ،ولكنها بالضرورة ستتخذ موقفا معارضا لجوهر الليبرالية الجديدة وممارساتها الضارةبل والمتوحشة ، سواء على صعيد المكتسبات الداخلية للشرائح الشعبية الفقيرة في هذهالبلدان من جهة ، أو على الصعيد الاقتصادي والسياسي الدولي العام، في مواجهةالعنجهية والتفرد الأمريكي بمقدرات العالم الذي لا يأخذ بالاعتبار الدور الأوروبيوالآسيوي، كشريك حقيقي في العلاقات الدولية الراهنة ، ولذلك لم يكن مستغربا ذلكالتحول البسيط لدى الناخب الأوروبي الذي أطاح بالأحزاب اليمينية في ألمانيا ،وبريطانيا ، وفرنسا ، وإيطاليا ، وإسبانيا ، وغيرها من الدول الأوروبية ، ليحلمحلها في الحكم ، الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية ، وهو تحول له مدلولاته بالرغممن عدم جذريته ، يؤكد على ذلك عودة بعض الاحزاب اليمينية إلى السلطة كما جرى فيألمانيا نهاية عام 2005،وفي ايطاليا قبل أربعة أعوام، ثم سقوط"برلسكوني" وصعود الاشتراكيين في نيسان 2006 ، فهو اذن ليس تحولا جوهريا، ولكنه تعبير عن عدم الرضا عن سياسات الليبرالية الجديدة التي دعت الى إلغاء دورالدولة في الاقتصاد ، وإلغاء القطاع العام ، وتخفيض بعض أوجه الدعم المخصصةللشرائح الفقيرة . إنناندرك، انتهازية هذه الأحزاب بالنسبة للموقف الجوهري من الاشتراكية –الديمقراطية ،كما ندرك مواقفها اليمينية تجاه القضايا الأساسية التحررية الوطنية والقومية لشعوبالعالم عموما ، ولشعبنا العربي الفلسطيني خصوصا ، في صراعنا مع العدو الصهيوني ،حيث لم يرتَقِ الموقف الأوروبي الى مستوى التعارض الجدي مع السياسةالأمريكية-الإسرائيلية في هذا الجانب ، بالرغم من عدم تطابق الموقفين والاختلافالنسبي بينهما ، وهي أشكال تعارضية تعبر عن حجم الخلاف غير الجوهري –في معظمه- بينالسياستين الأوروبية والأمريكية ، ولكنها بالمقابل ليست تعارضات شكلية أو بعيدة عنالواقع الأوروبي الذي يتطلع الى دور ذاتي محدد ، يهدف الوصول بالاتحاد الأوروبيالى شكل أرقى تحت مظلة المجموعة الإقليمية الموحدة ، سعيا منه للحصول على دور أكبرفي المصالح والسياسات الاقتصادية والتبادل التجاري من جهة ، ودور سياسي أكثرتأثيرا في العلاقات الدولية الراهنة ، وهو أمر نعتقد أن أغلبية الدول الأوروبيةتتطلع دائما الى إبرازه للمشاركة في قيادة العالم بصورة ندية على حساب الأحاديةالأمريكية ، ودون أي تناقض رئيسي ومباشر معها ، وهو تطلع مشروع وممكن ومطلوب–أوروبيا- في آن واحد ، خاصة وأن دول الاتحاد الأوروبي تدرك أهمية دورها ، خاصةبعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة ، بغض النظر عن خضوعها أو معارضتها الشكلية أوتوافقها بهذه الدرجة أو تلك مع السياسات الأمريكية راهنا ، وهو دور لن يتحقق بدونمشاركتها الفعلية في إدارة العالم وصنع العلاقات الدولية الجديدة ، تأمينالمصالحها ودورها المستقبلي كشريك امبريالي الطابع، طالما بقيت أقطار العالم الثالثعلى ما هي عليه من تبعية وخضوع، دون أن تتجاوز السياسات "المعتدلة"للأحزاب "الاشتراكية الديمقراطية"، كما عبر عنها المفكر البريطاني"انتوني جيدنجز" في كتابه الطريق الثالث كحل وسط بين "التطرفالليبرالي وتوحش العولمة من جهة والتطرف الاشتراكي" من جهة أخرى .
    القسمالرابع: العلاقات الأمريكية –الأوروبية والأسيوية:
    إنسعي أوروبا إلى تفعيل الوحدة السياسية عبر البرلمان الأوروبي ، والوحدة الاقتصاديةعبر النقد الموحد (اليورو) ، وتنشيط السوق الأوروبية المشتركة التي تضم حاليا أكثرمن 25 دولة ويتم توسيعها الآن ، ليس سوى تعبير وتجسيد لتطلعها عبر هذا التجمعالإقليمي الاقتصادي الكبير لتثبيت دورها وحماية مصالحها، من أية مخاطر محتملة تنتجعن الأحادية الأمريكية المهيمنة من ناحية، ولتكريس دورها كقطب رئيسي مواز للولاياتالمتحدة على قاعدة ثنائية التحكم بالعالم من ناحية ثانية.إنهذه التطلعات الأوروبية تتعارض بالضرورة مع الإستراتيجية الأمريكية الراهنة تجاهما يعرف بـ"الاوراسيا" ، وهي استراتيجية حددت لنفسها هدفا مركزيا أولياهو كما يقول د.سمير أمين "منع الوحدة الأوروبية ، والأوروآسيوية ، ويعني ذلكبصورة ملموسة وقف التقارب الأوروبي الغربي ، والروسي الصيني ، ذلك هو الكابوسالأمريكي ، إذ لا يمكن الدفاع عن "الجزيرة" الأمريكية إلا إذا بقيت أورآسيامنقسمة الى أنظمة متنافسة. إن الولايات المتحدة ترغب في بناء عالم رأسمالي مندمج ،لكي تبسط هيمنتها بلا حدود على هذا العالم ، لا أن يقاسمها إياه أوروبيون ما زالوايحتفظون ببعض وسائل هيمنتهم الخاصة هنا وهناك"[12] ، وفيهذا الجانب فإن من المفيد التذكير بكتاب "زبجينيو بريجنسكي" الصادر عام1998 بعنوان "رقعة الشطرنج"[13] الضخمة"the grand chess board" بما يعني خريطة الصراع العالمي، وفيهذا الكتاب يقوم "بريجنسكي" بإعادة بلورة الفكر‏ ‏الاستراتيجي‏الأمريكي‏ ‏تجاه‏ ‏الأوراسيا‏ ‏بما‏ ‏يتفق‏ ‏مع‏ ‏المعطيات‏ ‏الجديدة‏ ‏التي‏‏نشأت‏ ‏عن‏ ‏تفكك‏ ‏الاتحاد‏ ‏السوفيتي، حيث ‏يؤكد‏ ‏أن‏ ‏الساسة‏ ‏الأمريكيين‏‏عليهم‏ ‏أن‏ ‏يتوقعوا‏ ‏تماما‏ -‏كما‏ ‏في‏ ‏لعبة‏ ‏الشطرنج‏- ‏تحركات‏ ‏مضادة‏‏من‏ ‏جانب‏ ‏دول‏ ‏أوراسية‏. وبالتالي‏‏فإن‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏إذا‏ ‏أرادت‏ ‏أن‏ ‏تعوق‏ ‏عملية‏ ‏بناء‏ ‏قوة‏‏روسيا‏ ‏كلاعب‏ ‏استراتيجي‏ ‏مؤثر‏ ‏في‏ ‏سياسات‏ ‏الأوراسيا‏, ‏فإن عليها‏ ‏أن‏‏تعمل‏ ‏بكل‏ ‏قوة‏ ‏علي‏ ‏حرمان‏ ‏روسيا‏ ‏من‏ ‏ثلاث‏ ‏دول‏ ‏ركائز‏ ‏هي‏:‏أوكرانيا‏, ‏أوزبكستان‏, ‏أذربيجان‏، أما بالنسبة لما يجب أن تفعله الولاياتالمتحدة تجاه أوروبا –وفق هذه الاستراتيجية- يقول بريجنسكي بالنص ‏إن‏ ‏توسيع‏‏أوروبا‏ ‏وحلف‏ ‏الناتو‏ ‏هو‏ ‏مما‏ ‏يخدم‏ ‏أهداف‏ ‏السياسة‏ ‏الأمريكية‏ ‏علي‏‏المديين‏ ‏القصير‏ ‏و ‏الطويل‏. ‏إذ‏ ‏إن‏ ‏أوروبا‏ ‏أكثر‏ ‏اتساعا‏ ‏هو‏ ‏أمر‏‏يزيد‏ ‏من‏ ‏طائلة‏ ‏النفوذ‏ ‏الأمريكي‏. ‏فقبول‏ ‏أعضاء‏ ‏جدد‏ ‏من‏ ‏وسط‏‏أوروبا‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏جانب‏، ‏سوف‏ ‏يزيد‏‏من‏ ‏عدد‏ ‏الدول‏ ‏المؤيدة‏ ‏لأمريكا‏ ‏داخل‏ ‏المجالس‏ ‏الأوروبية‏, ‏ومن‏‏جانب‏ ‏آخر‏ ‏سوف‏ ‏يحول‏ ‏دون‏ ‏بناء‏ ‏أوروبي‏ ‏متماسك‏ ‏سياسيا‏ ‏بالقدر‏‏الذي‏ ‏يصبح‏ ‏فيه‏ ‏منافسا‏ ‏حقيقيا‏ ‏للولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏المناطق‏‏التي‏ ‏لدي‏ ‏الاتحاد‏ ‏الأوروبي‏ ‏مصالح‏ ‏مهمة‏ ‏فيها‏ ‏كالشرق‏ ‏الأوسط‏ . ‏على أي حال ، ومهما كانتدرجة اتفاقنا أو اختلافنا مع تحليل "بريجنسكي" للعلاقة الأوروبيةالامريكية، فإننا نؤكد على حقيقة تتجلى في أن التعارضات الاوروبية/الأمريكية مهمااتسعت مساحتها، فإنها لن تتحول الى شكل من اشكال التناقض التناحري الحاد بينهما فيهذه المرحلة، وذلك لكونهما معا، أوروبا والولايات المتحدة، يشكلان رأس الهرم فيالنظام الرأسمالي العالمي رغم تفوق النظام الامريكي الواضح راهنا، بل وهيمنتهواستفراده المتوحش بمقدرات شعوب العالم الثالث عموماً، وبلدان وطننا العربيخصوصاً، رغم إدراكنا إلى أن تطبيقات مفهوم المركز الرأسمالي في اطار الصراعالعالمي المحتدم بين دول المركز التي تمثل 15% من مجموع دول الكوكب، وبين بقية دولالعالم في الأطراف تحتم نوعا من التفاهم (الأوروبي –الأمريكي) الاختياري والمصلحيفي معظم الأحيان، وتفاهما اكراهيا في بعض الأحيان الأخرى وفق موازين القوى بينهما، كمركزين رئيسيين يتحكمان في مقدرات هذا الكوكب، وقد أثبتت الأحداث منذ 11 سبتمبر2001 الى غزو افغانستان واحتلال العراق ومحاولات الولايات المتحدة تفعيل سيطرتهاعلى هذا الكوكب، الى جانب التأييد المباشر والصريح للعدوان الصهيوني على شعبنا ومحاولاتهفرض "خارطة الطريق" و"خطة شارون/أولمرت"، وأخيراً الهجومالبربري الصهيوني (تموز 2006) ضد لبنان العربي وطليعته المقاومة الوطنية بقيادة"حزب الله"، نلاحظ مدى التوافق الأوروبي العام مع تلك السياسات والمواقفالأمريكية في العالم عموما، وتجاه العراق وفلسطين ولبنان خصوصا، يؤكد على ذلك أندول الاتحاد الأوروبي لم تجرؤ أن تبادر بالدعوة الى عقد المؤتمر الدولي وفق"خارطة الطريق" على أثر تطبيق ما يسمى بالانسحاب من قطاع غزة، والتزمتبالموقف الامريكي/الصهيوني الرافض لكل قرارات الشرعية الدولية والحقوق الفلسطينية.المسألة الأخرى فيما يتعلق بالصراع على النفوذ في الأوراسيا، ترتبط بهدف الولاياتالمتحدة الذي ينبغي –كما يقول بريجنسكي- ان يكون دائما هو الحفاظ على التعددياتالجيوسياسية في الأوراسيا ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏تعنيه‏ ‏من‏ ‏خصوصيات‏ ‏ثقافية‏ ‏وخطوط‏‏تماس‏ ‏عقائدي‏, ‏فالحفاظ‏ ‏علي‏ ‏هذه‏ ‏التعدديات‏ -كما يقول بريجنسكي- ‏يمنع‏‏نشوء‏ ‏تحالف‏ ‏كيانات‏ ‏معادية‏ ‏للولايات‏ ‏المتحدة‏. ‏من‏ ‏جانب‏ ‏آخر‏, ‏فإنعلى‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏أن‏ ‏تبحث‏ ‏عن‏ ‏شركاء‏ ‏استراتيجيين‏ ‏يساعدونها‏‏في‏ ‏بناء‏ ‏نظام‏ ‏أمني‏ ‏أوراسي‏-‏أطلنطي‏. ‏وعلي‏ ‏المدى‏ ‏الطويل‏ ‏أي‏ ‏ما‏‏يزيد‏ عن‏ ‏عشرين‏ ‏عاما‏, ‏فإن‏ ‏على‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏بأن‏ ‏تكون‏‏مستعدة‏ ‏لتقبل‏ ‏المشاركة‏ ‏في المسئولية‏ ‏والقرار‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بنظام‏‏أمني‏ ‏أوراسي‏-‏أطلنطي‏، ‏وهو‏ ‏اعتراف‏ ‏ضمني‏ ‏من‏ بريجنسكي بأن‏ ‏الأوراسيا‏‏سوف‏ ‏تشهد‏ في نهاية العقد الثاني من ‏القرن‏ الحادي والعشرين ‏نشوء‏ ‏الأقطاب‏‏الجدد‏ ‏للنظام‏ ‏العالمي‏. ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يفسر‏ ‏هذا‏ ‏الانتشار‏ ‏الأمريكي‏‏الاستراتيجي‏ ‏الواسع‏ ‏النطاق‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏عدد‏ ‏كبير‏ ‏من‏ ‏القواعد‏‏العسكرية‏‏ ‏في‏ ‏أوروبا‏ ‏وآسيا‏ ‏الوسطي‏ ‏رغم‏ ‏انهيار‏ ‏الاتحاد‏ ‏السوفيتي‏!‏وما‏ ‏من‏ ‏تفسير‏ ‏لهذا‏ ‏الانتشار‏ ‏الأمريكي‏ ‏الواسع‏ ‏في‏ ‏الأوراسيا‏ ‏-كمايقول د.خالد عبد العظيم- (مجلة السياسة الدولية) سوى‏ ‏الاستباق‏ ‏لما‏ ‏هو‏‏قادم‏، ومع موافقتنا على تحليل د.عبد العظيم، الا أننا نرى أن تحليلات بريجنسكيانبنت على قاعدة الاستقرار والنمو الدائم، اذا صح التعبير، لنظام العولمة الراهن،دونما ان يضع "بريجنسكي" في الاعتبار (وهذا من طبيعة المفكرينالرأسماليين) عوامل الصراع المتراكمة وتفجرها في لحظة معينة من التطور اللامتكافئبين الشعوب المضطهدة من جهة وبين المراكز الرأسمالية من جهة ثانية، ذلك أن حقائقالحياة في وضعها الراهن، وكذلك في مسارها المستقبلي تؤكد على أن هذه الهيمنةالامبراطورية الأمريكية/الأوروبية لن يقدر لها الاستمرار والتواصل، ما يؤكد علىذلك، النهوض المتدرج والعميق في مجابهة العولمة الرأسمالية خاصة في أمريكااللاتينية، وصعود الحركات اليسارية في العديد من دولها من ناحية وشدة تعمق مظاهرالبطالة والافقار في البلدان الفقيرة في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، معتزايد شدة وبشاعة الانقسام والصراع الطبقي على قاعدة العداء لنظام العولمةالامبريالي وعملائه، ما يجعل من توفر الظروف الموضوعية لمجابهة العولمة أمرا رئيساعلى جدول أعمال الحركات الوطنية والقومية اليسارية الثورية في هذا العالم.أمابالنسبة لدور روسيا والعديد من بلدان أوروبا الشرقية الاشتراكية السابقة التي تسعىاليوم الى إثبات وجودها في هذا العالم المضطرب المحكوم بالأحادية الأمريكية ، خاصةبعد أن عاشت شعوب هذا البلدان أشكالا من المعاناة والحرمان والبؤس في ظل ديمقراطيةالليبرالية الجديدة و السوق الحر، فإننا نعتقد أن شعوب هذه البلدان، خاصة الطبقاتالمتضررة، ستندفع مجدداً للمطالبة بالعودة إلى النظام الاشتراكي في صيغته الجديدةالمتطورة، خاصة وأن روسيا لن تستطيع في الظروف الراهنة اللحاق بشروط التطورالاقتصادي والتكنولوجي عبر آليات الرأسمالية ، فذلك أمر لن تسمح به المراكزالرأسمالية المعولمة ، وبالتالي لا مناص أمامها من العودة الى آليات النظامالاشتراكي كمدخل وحيد لاستعادة دورها وتطورها وإثبات وجودها في هذا الكوكب .المسألةالثانية في هذا الجانب ،فإننا نعتقد، أن الدولة الروسية لا يمكن أن تتخلى عن وعيهاالمستمر بدورها الكبير و المتميز تاريخياً في إدارة هذا العالم مستذكرة دائماًتراثها القديم ، سواء عبر روسيا "بطرس الأكبر" ، أو تراثها الحديث عبرروسيا "لينين" أو الاتحاد السوفيتي ، و ذلك وفق مفهوم مصالح الدولةالروسية و ليس وفق مفهوم الإمبراطورية الغابر ، و بالتالي يخطئ كثيراً من يتصور أنهذا العملاق النووي الذي يملك إمكانات اقتصادية هائلة ، سيظل صامتاً على كل مايجري فيه أو من حوله ، و خاصة تلك المتغيرات المتسارعة و الخطيرة في صلب العلاقاتالدولية ، و لكن ذلك كله مرهون بالتغيير الجذري للواقع الروسي الراهن الذي يتعرضاليوم لأوضاع اقتصادية-اجتماعية داخلية أكثر سوءا من تلك العوامل الداخلية–البيروقراطية و الطفيلية الضارة التي أوصلت الاتحاد السوفيتي عبر تراكماتهاالسالبة إلى حد القطع أو نقطة اللاعودة أو الانهيار ، و بالمقابل فإن ما نتابعهاليوم من تراجعات متسارعة في بنية الدولة الروسية ، الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية في إطار هيمنة البديل الرأسمالي المحكوم بسياسات المافيا و الاحتكاراتالاقتصادية ، و تراجع الناتج القومي الإجمالي من أكثر من (2) تريليون دولار إلى432.9 مليار دولار فقط عام 2004 حسب تقرير التنمية الصادر عن البنك الدولي عام2005 ، سيؤدي كل ذلك إلى مزيد من إضعاف الدور الروسي ، ليس فقط على المستوى الدوليكما جرى بعد انهيار حلف وارسو ، و إنما على المستوى الإقليمي أيضاً بما سيؤخرإعادة إحياء ذلك الدور على الصعيد العالمي دون أن تستطيع كل هذه العوامل إلغاء ذلكالدور ، إن لم تكن حافزاً لتوليده . بعد كل ما تقدم ، نأتي الىالحديث عن الدور الآسيوي الذي يبرز بقوة اليوم على الصعيد العالمي ، في كلالمجالات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية أو ثورة العلم والمعلومات ، وخاصة فيكل من الصين واليابان كعملاقين يسعى كل منهما الى تحقيق دور مركزي في العلاقاتالدولية الراهنة والمستقبلية .فالصينالشعبية هي الدولة الأولى من حيث عدد السكان (22% من سكان العالم) ، وتشير كافةالمصادر الى أنها تقترب وبشكل سريع من الوصول الى قمة قائمة أكبر الدول الصناعيةفي العالم ، فالاقتصاد الصيني –بشهادة العديد من الخبراء- هو الاقتصاد الأسرع نموافي العالم خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة ، ويقدر البعض أنه بعد عودة هونج كونج إليها، فإن الاقتصاد الصيني سيصبح الاقتصاد الثالث في العالم بعد الولايات المتحدةواليابان ، بل إنه من المتوقع مع حلول عام 2007 أن يرتفع الناتج القومي الصينيليصل الى أكثر من 2 تريليون دولار حسب الخطة الصينية الهادفة الى مضاعفة الناتجالقومي الإجمالي خلال هذه الفترة . وإذا استمر معدل النمو الحالي (حوالي 10%سنويا) فإن الاقتصاد الصيني سيصل إلى مستوى الاقتصاد الأمريكي بحلول عام 2020 ،وهو أمر تدركه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم التي تعتبر الصين عدوا محتملا فيالمستقبل أكثر بما لا يقاس منه في الحاضر ، خاصة مع التطور في العلاقات السياسيةالصينية الروسية ، وتوقيع معاهدة الصداقة المشتركة في تموز 2001 هي الأولى منذأكثر من خمسين عاما ، والتي عبر عنها الرئيس الصيني السابق "جيانجزيمين" بقوله: "إن هذه المعاهدة تستهدف مواجهة الهيمنة الأمريكية علىالساحة الدولية" ، وذلك انسجاما مع ما جاء في تقرير المؤتمر الخامس عشر للحزبالشيوعي الصيني (المنعقد عام 1999) الذي نص على أن "الحرب الباردة ما زالتموجودة ذهنيا ، والهيمنة وسياسات القوة تواصل أن تكون المصدر الرئيسي لتهديدالسلام والاستقرار العالميين ، علينا أن نعارض الهيمنة ، ونحمي السلام العالمي ،وعلى حزبنا الشيوعي أن يساعد على فهم العالم ويعمل على تغييره ، ولذلك ينبغي علىكل الحزب أن يولي الدراسة جلّ الاهتمام وأن يبدع فيها وأن يفتح نهوضا جديدا فيدراسة الماركسية اللينينية وأفكار ماوتسي تونج ونظرية دنغ شياو بينج"[14] ، وأضافالتقرير "إن نظام الدولة بالصين الذي يتميز بالدكتاتورية الديمقراطية الشعبيةونظام حكومتها المتميز بمجلس نواب الشعب هما ثمرة النضالات التي خاضها الشعب وخيارالتاريخ ، ولا بد لنا من أن نتمسك بالنظام السياسي الأساسي ، ونحسنه بدلا مناستنساخ أي نماذج غربية ، إن هذا يتصف بأهمية حاسمة في التمسك بقيادة الحزبوالنظام الاشتراكي وتحقيق الديمقراطية الشعبية"[15] .إنالتقدم الملموس ، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي المدني والعسكريالذي أحرزته الصين الشعبية تحت قيادة الحزب الشيوعي ، أدخل الصين بقوة كشريك أساسيوقطب عالمي فعال كمحور رئيسي في النظام العالمي الراهن في القرن الحادي والعشرين ،سيكون له دورٌ رائدٌ ومميزٌ في تحديد شكل وطبيعة التعددية القطبية القادمة لامحالة ، خاصة وأن هذا الدور سيشكل مدخلا هاما لشعوب العالم الثالث التي ترى فيالصين الشعبية الاشتراكية المحور الوحيد في التعددية القطبية القادمة القادر علىأن يشكل تحديا حقيقيا للوجه البشع للعولمة الرأسمالية والهيمنة الأمريكية ، من أجلالتحرر والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والديمقراطية، لكن السؤال الذي لم تتبلورإجابته بوضوح حتى اللحظة: هل ستبقى الصين دولة اشتراكية حقاً في ظل اقتصاد السوقالمتبع حالياً، أم أنها ستتحول تدريجياً إلى نظام رأسمالية الدولة تمهيداً لتحولهاإلى دولة رأسمالية بمزايا صينية؟ إن هذه المخاوف أو الاحتمالات تستند إلى العديدمن المؤشرات والمعطيات التي تؤكد عليها، علاوة على أن حديث القيادة الصينية (فيالحزب والحكومة) عن تطبيق قوانين اقتصاد السوق منذ أواخر القرن الماضي، لا يمكن أنيستقيم مع قوانين الاقتصاد الاشتراكي ومناهجه التي بدأت في التراجع والانحسارلحساب القطاع الخاص الذي بات يسيطر على حوالي 60% من الاقتصاد الصيني في إطارالشركات المساهمة التي تجمع بين الرأسماليين وعمال المصانع، وفي كل الأحوال يظلالمستقبل مرهوناً بمدى اتساع التناقضات بين القطاع الخاص الصيني من ناحية وبينالحزب الشيوعي وبرامجه من ناحية ثانية.بالنسبةلليابان التي تحتل اليوم الموقع الثاني في العالم من حيث حجم الناتج القوميالإجمالي ، البالغ (4300) مليار دولار عام 2004 حسب تقرير التنمية الإنسانية(العالمي) لعام 2005 المشار إليه ، واليابان التي بلغ عدد سكانها كما في عام 2004، (128) مليون نسمة هي الدولة الثامنة من حيث مقدار دخل الفرد السنوي الذي يبلغ(33731) دولار ، بينما يبلغ دخل الفرد في الولايات المتحدة (37650) دولار وتأتي فيالمرتبة الخامسة حسب الجدول المبين ادناه:
    جدول يوضح ترتيب دخلالفرد السنوي
    لأعلى 25 دولة فيالعالم كما في عام [16]2004
    الرقم الدولة دخل الفرد السنوي الرقم الدولة دخل الفرد السنوي
    1
    لوكسمبرج
    59143
    13
    ايطاليا
    25471
    2
    النرويج
    48412
    14
    هونج كونج
    22987
    3
    سويسرا
    43553
    15
    سنغافورة
    21492
    4
    ايرلندا
    38487
    16
    أسبانيا
    20404
    5
    الولايات المتحدة
    37648
    17
    نيوزلندا
    19847
    6
    أيسلندا
    36377
    18
    إسرائيل
    16500
    7
    الدنمارك
    39332
    19
    اليونان
    15608
    8
    اليابان
    33731
    20
    قبرص
    14786
    9
    النمسا
    31289
    21
    البرتغال
    14160
    10
    بريطانيا
    30253
    22
    سلوفينيا
    14000
    11
    فرنسا
    29410
    23
    كوريا
    12634
    12
    ألمانيا
    29115
    24
    مالطا
    12157
    الجدولمن إعداد الباحث بالاعتماد على جداول تقرير التنمية العالمي لعام 2005 رغمأن اليابان تأتي في المرتبة الثامنة من ناحية دخل الفرد السنوي، إلا أنها الدولةالأولى من حيث السيولة المالية ، وحجم الاستثمارات الخارجية ، وهي الأولى من حيث"الأصول الوطنية الثابتة التي تبلغ 43.7 تريليون دولار مقابل 36.2 تريليوندولار في الولايات المتحدة ، وهي الدولة الأولى في العالم بالنسبة لتصنيع منتجاتالحديد والصلب (رغم أنها تفتقر للمواد الخام) ، وهي الأولى للمكننة الصناعية فيالعديد من المجالات"[17].إنالتراكم الاقتصادي وحجم التقدم النوعي والكمي التكنولوجي ، يؤهل اليابان لأن تصبحواحدة من الدول العظمى التي ستسهم في تحديد المعالم المستقبلية للنظام العالميالمعاصر، من حيث تحديد مراكزه وأقطابه أو تعدديته التي لم تتبلور بعد ، دون أنيعني ذلك الإسهام أن الدور الياباني سيشكل تناقضا مع سياسة الولايات المتحدةوتوجهاتها العالمية ، بل سينطلق من رؤيته للمصالح اليابانية والآسيوية الخاصة التيستظل ترى في الولايات المتحدة حليفا استراتيجيا على صعيد رسم السياسات والعلاقاتالدولية في إطار النظام الرأسمالي العالمي ، من موقع المشاركة والندية ، بالمعنىالنسبي الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوضع الياباني ودوره الآسيوي ، وهي علاقةتقترب من الرؤية الأوروبية وتتقاطع معها .فالياباناليوم ، تشكل نموذجا اقتصاديا لدول شرق وجنوب شرق آسيا بالذات ، وهي دول باتت تملكاليوم اقتصادا قويا رغم ما تعرضت له من أزمات –ساهمت فيها الولايات المتحدة بصورةمباشرة وغير مباشرة- ، حيث أثبتت أنها ليست فقاقيع مالية يمكن أن تنفجر وتتلاشىتجربتها بسهولة ويسر ، وهي بالتالي تجد في اليابان مثالا وملاذا في آن واحد ،ولذلك كان من الطبيعي أن يلتقوا جميعا في تكتل "الآسيان" المشار إليهسابقا ، إثباتا للقوة الاقتصادية من جهة ، وتمهيدا لدور سياسي آسيوي مركزي فيالعلاقات الدولية تكون الصين احد اهم اقطابه من جهة أخرى .
    القسمالخامس: الوضع الدولي – رؤية مستقبلية
    فيكل الأحوال ، سيظل الوضع الدولي لفترة طويلة نسبيا ، قد تمتد حتى نهاية العقدالثاني من القرن الحالي ، مفتوحة على كل الاحتمالات ، ولكن من المؤكد في مواجهة كلذلك ، أن هيمنة النظام الرأسمالي وأحاديته القطبية الراهنة ، ليست ولن تكون نهايةالتاريخ كتجسيد لانتصار الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، ففي مقابلحقائق القوة ومقوماتها التي تعطي الانطباع على أن الولايات المتحدة تملك من عناصرالقوة الاقتصادية والعسكرية والمعلوماتية وغيرها ، بما لا يجاريها أي اقتصاد آخرفي هذا العالم ، إلا أن هناك وجه آخر للحقائق أو الوقائع الأمريكية التي تنمووتتراكم بصورة سلبية، ستجعل وجه الولايات المتحدة الأمريكية في نظر شعوب العالم فيبلدان الأطراف خصوصاً، أكثر بشاعة من وجه النازية في أحط درجاتها وممارستها، وذلكعبر سياسة "عولمة السلاح" وإرادة القوة الباغية التي تمارسها الولاياتالمتحدة ضد شعوب عالم الأطراف عموماً وفيبلداننا العربية خصوصاً عبر وكيلها الامبريالي الصغير دولة العدو الصهيوني التيتقوم في هذه المرحلة بممارسة أبشع أدوارها الوظيفية في خدمة المصالح والسياساتالامبريالية الأمريكية في بلادنا، يشهد على ذلك ما جرى ويجري في فلسطين ولبنان منقتل عنصري للطفولة والمرأة والشيوخ وتدمير منهجي للمدن والقرى والمخيمات، ليسبذريعة ضرب المقاومة الفلسطينية واللبنانية فحسب، بل لتنفيذ السياسات الأمريكيةفيما يسمى بالشرق الأوسط الجديد. أما الصورة الأخرى لهذا الوجه الأمريكي البشع فهيتتجلى في حالة المد الثوري اليساري المتصاعد في أمريكا اللاتينية... فنزويلا شافيزوبوليفيا والبرازيل والبيرو، والعديد من دول هذه القارة السائرة في الحراكوالتغيير الثوري النقيض لهيمنة الامبريالية الأمريكية ونظام العولمة الرأسماليبرمته، كما تتجلى أيضاً في داخل المجتمع الأمريكي عبر أزماته الاقتصاديةوالمجتمعية والأخلاقية المتراكمة، وهيأزمات تحمل من الدلالات والمعاني بما يتناقض مع صورته "الوردية"المرسومة –بشكل مبرمج- في أذهان الكثير من الليبراليين العرب أو الحالمين في هذاالعالم ، المأخوذين بشكل الظاهرة فقط بعيدا عن مضامينها . فبالرغم من انتصارها فيالحرب الباردة، "تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تخسر حاليا حرب البطالةوالمخدرات والإنتاجية والتعليم، علاوة على تزايد أزمة الاقتصاد الأمريكي منذ عام2000-2005 عبر جملة من المؤشرات :1-حسب ميدل ايست اون لاين http://www.middle-east-online.com فقد أكد تقرير بنك الاحتياط الفدرالي عام 2001على استمرار ضعف النمو في قطاعي الصناعة والتجارة مع اتجاه لمزيد من الخفض فياسعار الفائدة، كما "شكل افلاس كل من شركتي world comللاتصالات في يوليو 2000 التي بلغت ديونها 41 مليار دولار، وشركة انرون enronوهي أكبر شركة في قطاع الطاقة التي تجاوزت ايراداتها 100 مليار دولار في ديسمبر2001، أكبر حالتي افلاس في تاريخ الولايات المتحدة، مما كشف طبيعة الأزمة الموجودةفي مفهوم السلطة السياسية corporate governance،كما طال مسلسل الفضائح شركة "زيروكس zerox"العالمية التي تعد أكبر شركة لتقنيات التصوير في العالم، كما تعرضت مؤسسة"جي-بي مورجان تشيس" ثاني أكبر شركة مصرفية قابضة في الولايات المتحدة،وشركة "ميريل لينش" المالية، ومؤسسة "كلوبال كروسينج"و"أديلفيا للاتصالات" و"تشارتر للاتصالات" ثاني أكبر شركةكابل" [18]،اما "بالنسبة لأثر هذه الأزمة على الاقتصاد الأمريكي، فإن أغلب التقديراتتشير الى أن الخسائر قد طالت ما يزيد عن 80مليون من المستثمرين الأمريكيين قدر حجمخسارتهم نحو 8.6 تريليون دولار"[19] . 2- من واقع قراءة الأرقام والبيانات الاقتصادية الهامة التي يوردهاد.عبد الخالق عبد الله في دراسته المشار إليها ، فإن الولايات المتحدة تستهلك أكثرمما تنتج ، وتستورد أكثر مما تصدر ، وخلال السنوات الماضية سجلت الولايات المتحدة–كما اشرنا من قبل- أعلى حالات الإفلاس في كل تاريخها المعاصر ، (أكثر من (700)ألف حالة إفلاس) ، كذلك أخذت الولايات المتحدة تعاني من أكبر عجز مالي في العالمتجاوز 400 مليار دولار ، أما إجمالي ديونها فإنه قد تجاوز كل الأرقام القياسية بعدأن أصبح يزيد عن ثلاثة آلاف مليار دولار ، أي أكثر من 1.5 ضعف إجمالي الديونالمترتبة على كل الدول الأخرى في العالم ، الى جانب أكثر من (10) مليون شخص عاطلعن العمل (8% من القوة العاملة) ، كما تراجعت الولايات المتحدة الى الدولة رقم(13) من حيث الإنفاق على الصحة ، والدولة رقم (17) من حيث الإنفاق على التعليم ،ورقم (29) من حيث عدد العلماء والفنيين بالنسبة الى إجمالي السكان، حيث أن لديها(55) عالما وفنيا فقط لكل ألف نسمة مقابل (317) عالما وفنيا لكل ألف نسمة فياليابان ، وبالنسبة لاستهلاك المخدرات والكحول فإن الولايات المتحدة هي الأولى فيالعالم في هذا المجال ، حيث أنها تستهلك 80% من إجمالي المخدرات في العالم ، وهيمن أعلى الدول في العالم بالنسبة لحالات التفكك الأسري والعنف والاغتصاب والقتل، حيث أصبح 50% من الشعب الأمريكي يتعرض لشكل منأشكال الإجرام ، ونسبة 21% من كل النساء يتعرضن للاغتصاب .3- لقد بات من الواضح أن الاقتصاد الأميركي في السنوات الأخيرةيعاني عدة صعوبات من بينها الركود، فقد وصل عجز الموازنة الأميركية في العقدالأخير من القرن الماضي إلى ما يناهز 350 ملياراً وبلغ حجم الديون الخارجية 3.5تريليون دولار، وزادت ديون الأفراد بنسبة 12 في المئة، في حين لم يرتفع دخل الفردإلا بنسبة 7 في المئة، كما ارتفعت معدلات البطالة إلى 8 بالمئة. وخلال فترةالتسعينيات هبطت معدلات البيع في أسواق السيارات والعقارات هبوطاً حاداً, وأصبحتسرعة الإنتاجية تقل ثلاث مرات عن مثيلاتها في اليابان ومرتين عنها في أوروباالغربية، هذا بالإضافة إلى التردي الذي تعرفه الخدمات الصحية والتعليمية، وتزايدتنسبة الإقصاء والتهميش في أوساط الفئات الفقيرة, وتراجعت نسبة العلميين والفنيينحسب تقرير التنمية البشرية في العالم، فهناك 55 فنياً وباحثاً لكل ألف من السكانالأميركيين مقابل 129 في كل من السويد وهولندا، و257 في كندا و317 في اليابان،وتشهد المدارس والجامعات الأميركية حالات من التدهور ، يبرزها تراجع طلابها أمامالطلاب الأجانب وخاصة في مجال الرياضيات والكيمياء وعلوم الحاسب الآلي. وحسب"ايمانويل تود" صاحب كتاب: (ما بعد الإمبراطورية، دراسة في تفكك النظامالامريكي) الذي يتنبأ بانهيار الولايات المتحدة الأميركية، وهو كان سبق وتنبأبتفكك الاتحاد السوفيتي قبل عشر سنوات من انهياره، فإن أميركا بحاجة إلى 1.5 ملياردولار يومياً لتغطية العجز في ميزانها التجاري الذي قارب عام 2000 الـ 450 ملياردولار. وهو يعتبر أن أميركا عشية القرن الحادي والعشرين أصبحت غير قادرة على أنتعيش على إنتاجها وحده إذا شاءت الاحتفاظ بنفس مستوى المعيشة، ويتنبأ المؤلف الذيأثار كتابه ضجة, بأنه مع ازدياد قوة "أوراسيا" ستنخفض وتتوقف التدفقاتالمادية والمالية التي تغذي أميركا اليوم، مما سيجعل منها دولة مثل غيرها منالأمم.4- الولايات المتحدة تعاني من عجز كبير في الموازنة يُقدَّر أن يصلإلى أكثر من ستمائة وخمسين مليار دولار في العام (2005) وربما يصل حتى سبعمائةمليار دولار[20]،وحسب ما يقول رجل الاقتصاد الأمريكي "وارن بافيت" (وهو ثاني أغنى رجل فيأمريكا) فإن العجز المتوقع في الموازنة الأمريكية أو مجموع الديون الأمريكية سيصلعام 2015 إلى (11) تريليون دولار، وهذا يعني أن خزينة الولايات المتحدة ستتكبد فقطفوائد سنوية على هذه القروض تشكل حوالي خمسمائة وتسعين مليار دولار، ستكون عبءالفائدة التي ستتكبدها الخزينة الأمريكية، وقد حذر مدير مكتب الكونغرس في تصريحاتنشرتها وكالة الأنباء الفرنسية في 6مارس 2004 إن العجز التجاري الأمريكي المتراكمقد يلامس 2600مليار دولار من الآن وحتى العام[21]2015 .وفيهذا السياق يكشف "صموئيل هنتنغتون" ، صاحب نظرية صدام الحضارات[22]، الهاجسالديموغرافي الذي يخيف أميركا ويستشهد بإحصائية تقول أنه عام 2050 سيكون من بينالسكان الأميركيين 23 بالمئة من أصول لاتينية و16 بالمئة سوداً و10 بالمئةآسيويين. ويعلق على هذه الإحصائية بالقول ، انه إذا نجحت الولايات المتحدة فيالسابق في استيعاب المهاجرين فلأنهم في الغالب كانوا أوروبيين، فهل ستنجح مستقبلاًعندما سيصبح 50 بالمئة من السكان لاتينيين أو غير بيض؟.نعمالولايات المتحدة الأميركية هي الأولى في الإنفاق العسكري والرؤوس النوويةوالطائرات المقاتلة، إلاّ أنها الثامنة في متوسط عمر الفرد والثامنة عشرة في معدلوفيات الأطفال وأظهرت دراسات أكاديمية حديثة فيما يتعلق بالكسب والعمالة والتعليموالجريمة أن الولايات المتحدة تبدو وكأنها تتكون من أمتين بينهما تفاوت هائل ، وهيكذلك بالفعل ، بل ربما أسوأ بكثير .لايعني عرض ما تقدم التهوين من قدرات الولايات المتحدة الأميركية وقوتها، إلا أنهيعني بوضوح أن المشروع الإمبراطوري على المدى البعيد يقف على أرض اقتصاديةواجتماعية رخوة, وهي تتجه يوماً بعد يوم لتصبح أكثر هشاشة[23] . وبالرغممن إدراكنا لطبيعة هذه المظاهر ، كسمة أساسية من سمات الرأسمالية التي يصفها ماركسبقوله "إن الرأسمالية تنزف دما من كل مساماتها" ، إلا أن أهميتها تكمنفي أنها تعكس الواقع الداخلي للمجتمع الأمريكي، وتكشف بوضوح الوجه القبيحللرأسمالية التي لا يمكن ان تنمو وتتراكم بعيدا عن الانقسامات الطبقية الحادة ،والفجوات الهائلة بين من يمتلكون الثروة من جهة ، والمحرومين من جهة ثانية في إطارمن الصراعات المباشرة وغير المباشرة ، المكشوفة أو الكامنة ، التي لن تتوقف عنالحركة والاستمرار بين من يملك ومن لا يملك ، بين المُستغلِّين والمستَغلين ، تلكهي حقائق الحياة المعبرة عن مسار التاريخ وحركته التي لا مستقر لها ، وهي حقائقتتناقض بصورة كلية ومطلقة مع كل أولئك الذين يتحدثون عن نهاية التاريخ أو سقوطالأيديولوجيا ، تعبيرا عن أكذوبة الانتصار النهائي للنظام الرأسمالي الامريكيوأيديولوجيته، بالرغم من هذا الانتشار الواسع له على معظم مساحة كوكبنا ، إذ أنهذا الانتشار عمَّق الى درجة كبيرة ، عملية الاستقطاب الآخذة في التصاعد ، وهو"استقطاب يتمثل في التضاد بين ثروة المراكز المتزايدة ، وفقر الأطرافالمتفاقم ، خاصة وأن هذا الاستقطاب ليس ناتج ظروف خاصة بمختلف مناطق العالم –كماتدعي أيديولوجية الليبرالية الجديدة- بل هو ناتج عمل التوسع الرأسمالي في حد ذاته، إذ ان هذا التوسع يقوم على عولمة سوق المنتجات ورؤوس الأموال دون أن يصاحبهااندماج أسواق العمل التي تظل متفتتة ومحبوسة في أطر السياسة القائمة ، ولذلك فإنالتحدي الحقيقي بالنسبة لقوى اليسار العربي وقوى اليسار العالمي، ، يتلخص في مقولةواحدة مفادها ، ضرورة تجاوز حدود الرأسمالية من أجل ضمان بقاء الإنسانية ، فالخيارالتاريخي الحقيقي قد أصبح كالآتي: إما ان تتيح النضالات الاجتماعية تجاوز منطقآليات وقوانين الرأسمالية ، وإما في غياب ذلك ، أن يؤدي فعل هذه الآليات الىانتحار جماعي للإنسانية وتدمير للكرة الأرضية"[24] .فبعدمرور ما يقرب من أربعة عقود على ولادة نظام العولمة، يتكشف اليوم، طبيعة التناقضاتالملازمة للنظام الرأسمالي عموما، وتفجر هذه التناقضات في المشهد الراهن لعولمةالسوق عبر عدد من المظاهر:1-طغيان آليات السوق الحر المفتوح والمنفلت[25] في جميعبلدان العالم، وما أدت اليه هذه الظاهرة من تراجع وتدمير للصناعة المحليةوالمنتجات السلعية في بلدان العالم الثالث، حيث تتكشف لشعوب هذه البلدان حجمالويلات التي أفرزها تطبيق آليات السوق الحر التي أثبتت مجددا أنها اعادت انتاجالتشوهات في النشاط الاقتصادي، من خلال تزايد حجم البطالة الثابتة (البنيوية)والبطالة المؤقتة، والتضخم وارتفاع الأسعار وثبات الأجور، وما يرافق ذلك من تزايدانتشار الفقر والفقر المدقع في اوساط الجماهير الكادحة، بحيث أصبحت هذه الاحوالالمتردية السمة الرئيسة للعولمة الراهنة في تطبيقاتها على بلادنا وبلدان العالمالثالث، علاوة على تزايد انتشار السرقة والجريمة والمخدرات والدعارة والانهيارالنفسي، جنبا إلى جنب مع اقتصاد الكومبرادور والمضاربة والمقامرة والطفيليين بكلأشكالهم.2-التدهور الشديد والمتفاقم في المساوة الاجتماعية، بفعل الفجوة الهائلةفي توزيع الثروات والدخل من ناحية والزيادة الكبيرة في نسبة الفقراء التي تزيد فيبلادنا وبلدان العالم الثالث عن 70% من ناحية ثانية.3-تطور الفقر وتفاوت الدخول عالميا واقليميا وقطريا بفعل العولمةالراهنة[26] حيثاتسع الفقر افقيا ليشمل أوسع الفئات الوسطى، وينحدر بها إلى ما يقرب من خط الفقر .4-التراجع المهني على الصعيد العالمي، عن نظام الخدمات الاجتماعية،بينما تتقدم التكنولوجيا وتنتشر بصورة هائلة غير مسبوقة، لتحقق انتاجية فائقةوارباحا اسطورية، والمفارقة هنا –كما يقولد.عصام الزعيم- "في العولمة، بينما تزيد الانتاجية وتتضاعف، تتقلص الخدماتالاجتماعية للفقراء العاطلين عن العمل وذوي الدخل المحدود".فالعولمة–كما يقول "اريك هوبسبوم ERIC HOBSBAWM[27]-قد بلغت طوراً مستجداً على ثلاثة مستويات: هي الترابط والتكنولوجيا والسياسة ،فبادىء ذي بدء بتنا اليوم نعيش في عالم مترابط الى درجة أن العمليات الجارية يتعلقبعضها ببعض، وأن أي انقطاع قد يولد انعكاسات عالمية فورية". ثمأن "هناك هذه السلطة الفائقة لتكنولوجيا في حالة ثورة مستمرة، تفرض نفسها فيالمجال الاقتصادي كما في المجال العسكري بنوع خاص" . وأخيراً، -كما يستطرد هوبسبوم- فإن "السياسة في أيامنا هذه باتت تتسم بطابع على درجةمن التعقيد. فعصرنا هذا لا يزال عصر الدول القومية، وهو العنصر الوحيد الذي يعوقسير نظام العولمة. لكن المقصود دولة ذات نمط خاص حيث الشعب العادي يلعب دوراًمهماً".ومعاستمرار تراكمات التناقضات الداخلية للعولمة الامريكية الراهنة، يصبح سؤال اريكهوبسبوم[28] مطروحابقوة: فهل أن امام هذه السياسةفرصة للنجاح؟ ويجيب بقوله : يبدو أن العالم هو على درجة من التعقيد بما لا يسمحبسيطرة دولة واحدة، ولا ننسينّ أن الولايات المتحدة وباستثناء التفوق العسكري،مرتهنة لموارد تنقص أو في طريقها الى النقصان. ومع أن اقتصادها عظيم الا ان الحيزالذي يحتله في الاقتصاد العالمي يتضاءل ، ولا بد من الاستنتاج أن الأميركيين خلالعامي 2002/2003 (الهجمة ضد أفغانستان والعراق)، قد ضحّوا بمعظم اوراق قوتهمالسياسية، حتى وإن ظلوا يمسكون بالبعض منها ، ثم يضيف : "غير أن الميزةالرئيسة التي يملكونها في مشروعهم الامبراطوري تكمن في الناحية العسكرية. إن الهدفالأساسي –من الهجوم على أفغانستان والعراق- من العملية قام على استعراض القوة عالمياً، مما يعني أن السياسة التي تحدثعنها المتطرفون في واشنطن، ومنها إعادة صياغة شاملة لمجمل الشرق الأوسط، لم تكنذات معنى. ونحن ندرك أنهم إذا كانوا يخططون جدياً لتغيير المعطيات في المنطقة فليسأمامهم الا أمر واحد يقومون به وهو ممارسة الضغط على اسرائيل". ومنالمستحيل التنبؤ كم من الوقت سيدوم التفوق الأميركي، لكن الأمر الوحيد الذي نحنمتأكدون منه كلياً هو أن في الأمر ظاهرة موقتة في التاريخ كما كانت جميعالامبراطوريات. وفيهذا السياق يقول هوبسبوم "والامبراطورية الأميركية قد تسقط لأسباب داخلية،والأكثر الحاحاً منها هو كون الامبريالية بمعنى السيطرة على العالم وإدارته، لاتثير اهتمام معظم الاميركيين الملتفتين بالأحرى الى ما يحدث داخل الولايات المتحدة،فالاقتصاد هو على درجة من الوهن ما سيحمل الحكومة والناخبين الأميركيين يوماً علىاتخاذ قرار بأن من الأهم الانكباب على هذا الأمر بدلاً من خوض المغامرات في الخارج. أضف الى ذلك أنه وكما يحدث حالياً، سوف يكون على الأميركيين انفسهم أن يمولواجزءاً كبيراً من هذه التدخلات الخارجية، وهذا ما لم يحدث لا في حرب الخليج ولا الىحد كبير إبان الحرب الباردة".علىأي حال ، ومع تقديرنا لاهمية العوامل الداخلية الامريكية كما يقول"هوبسباوم"، إلا أن عملية الاستقطاب الخارجي ستظل عاملا رئيسا اوليا ،وفي هذا السياق يقول د.سمير امين "إن التوسع الرأسمالى على صعيد عالمى قدأنتج استقطاباً لم يسبق له مثيل منذ آلاف السنين، ففى أوائل القرن التاسع عشر لميتجاوز مدى التفاوت الأقصى فى توزيع الثروة بين 80% من سكان الكوكب نسبة الواحدإلى اثنين. وبعد قرنين من التوسع الرأسمالى صارت هذه المعادلة نسبة الواحد إلىستين، بينما انكمشت نسبة سكان المراكز إلى 20% فقط من سكان الكوكب"[29] . ومنهنا يستطرد د.سمير امين : يمكن أن نميز المرحلة الأولى للاستقطاب وتشكيل التفاوتالاجتماعى على الصعيد العالمى والأصعدة القطرية فى الفترة من عام 1800 إلى ما بعدالحرب العالمية الثانية. أما عن آليات الاستقطاب المتحكمة فى هذه المرحلة، ومن ثمأنواع "الفقر" الناجمة عنها فنلحظ أولاً قيام منطق التوسع الرأسمالى علىالصعيد العالمى على أساس "سوق مبتورة"، أى الميل إلى تكوين سوق عالميةللمنتجات ورؤوس الأموال، دون أن يصاحبه ميل موازِ إلى اندماج أسواق العمل عالمياً،وتجلى هذا المنطق فى "إقامة تقسيم العمل الدولى على أسس غير متكافئة، أهمهاانفراد قوى الثالوث فى المركز (الولايات المتحدة، أوربا، واليابان) بالإنتاج الصناعى،وتخصيص دول الأطراف لإنتاج الخامات (الزراعية والمعدنية) للتصدير. وقد صار هذا"التبادل غير المتكافىء" الآلية الرئيسية الفاعلة فى إنتاج الاستقطابالمعنى، أى امتصاص الفائض المنتج فى الأطراف لصالح المراكز. وكان الشرط السياسىلضمان فعالية هذا التوسع هو التحالف بين رأسمالية المراكز من جانب، ومن الجانبالآخر الطبقات الحاكمة محلياً فى الأطراف -وهى طبقات ذات جذور "اقطاعية"سابقة - وتحويلها إلى "برجوازيات كمبرادورية" أى تابعة[30]. أماالمرحلة الثانية –كما يقول د.سمير أمين- للاستقطاب فهى مرحلة ما بعد الحرب العالميةالثانية، وكانت مقدماتها فى المرحلة السابقة حيث أنتج الاستقطاب المترتب علىالتوسع الرأسمالى فى تلك المرحلة انتفاضات ضد النظام السائد، تجلت فى ثوراتاشتراكية فى روسيا والصين (وهى مناطق طرفية، ولم يكن هذا مجرد صدفة) وفى ثوراتالتحرر الوطنى فى آسيا وأفريقيا. وقد كان الانتصار المزدوج للقوى الشعبيةوالديمقراطية ضد الفاشية والكولونيالية القديمة بمثابة فاتحة لمرحلة جديدة منالتراكم الحثيث، فساد رواج (ارتفاع معدلات النمو) فى الأقسام الثلاثة للمنظومة:الغرب والشرق والجنوب. وتجلى هذا الرواج فى تبلور أشكال اجتماعية خاصة بكل قسم منهذه الأقسام الثلاثة؛ فكانت دولة الرفاهيةWelfare stateفى الغرب، وبناء الاشتراكية فى الشرق، وتجارب إنجاز مشروع تنمية وطنية مستقلة فىالجنوب. وبالرغم من تباين خصوصيات هذه الأشكال الثلاثة، فقد كان بينها قاسم مشتركألا وهو قيامها على توازنات اجتماعية عملت لصالح الطبقات الشعبية - ولو نسبياً علىالأقل-، أى أقيمت على أساس ظروف اجتماعية ملائمة لتعجيل النمو. إذن، كان الرواجنتاج تكيف التراكم لمقتضيات العلاقات الاجتماعية التى فرضتها القوى الديمقراطيةوالشعبية، وهو وضع معاكس تماماً "للتكيف" الذى يدعو إليه أصحاب النظامحالياً[31]. واتخذ تكيف التراكم لهذهالمقتضيات الاجتماعية -فى المرحلة السابقة- -كما يؤكد سمير أمين- أشكالاً من "تقنين الأسواق" Regulationخاصة بكل منطقة من المناطق الثلاث المذكورة. فالرواج يأتى دائماً نتيجة لتقنينالأسواق، وليس نتيجة إطلاق الحرية لها كما تدعى الأيديولوجية الليبرالية السائدةحالياً. فالأسواق لا تحقق "توازناً" من تلقاء نفسها، إذ إن الطابعالانفجارى الذى تتسم به لا بد وأن ينتج تصاعد التفاوت، ومن ثم أزمة تراكم، وهو مانراه حالياً. لقد نتج عن تقنين التراكم وتعجيل النمو المترتب عليه تحسن ملحوظ فىأشكال توزيع الدخل قطرياً وعالمياً، ومن ثم تخفيف ظواهر الفقر. واتسمت هذه المرحلةبمعدلات مرتفعة فى العمالة، كما ارتفعت مستويات الأجور بموازاة معدلات نموالإنتاجية فى المراكز، فتقلصت البطالة وأقيمت نظم ضمان اجتماعى فعالة فى المراكز.أما فى الجنوب فقد قام الرواج على أساس تحقيق إصلاحات على الأصعدة الوطنية، منأهمها الإصلاح الزراعى والتأميمات وإصدار بعض القوانين لصالح العمل. وبفضل هذهالإصلاحات دخلت بلدان الجنوب فى مرحلة التصنيع والتحديث[32]. ونأتىإلى المرحلة الحالية، وهى –كما يصفها سمير أمين- مرحلة تفكك عالم ما بعد الحرب العالمية، والعودة إلى تصاعد ظواهر الاستقطابوالتفاوت الاجتماعى والفقر. فالتوازنات الاجتماعية التى قام عليها التراكم الحثيثأخذت فى التآكل التدريجى، الأمر الذى أدى بدوره إلى سقوط النماذج الثلاثةالمذكورة: دولة الرفاهية فى الغرب، وبناء الاشتراكية فى الشرق، ومشروع الدولةالوطنية الشعبوية فى الجنوب. وهو ما أدخل النظام فى أزمة هيكلية عنيفة منذ أوائلالسبعينيات. واتخذت هذه الأزمة مظاهر عدة من أهمها انخفاض معدلات النمو والتراكموالعودة إلى مستويات مرتفعة من البطالة فى الغرب، واتجاهات نحو الخلف (أى التكور)فى مناطق عديدة من الشرق الاشتراكى سابقاً ومن الجنوب. وتجلت هذه الأزمة فى أنالأرباح المستخرجة من الاستغلال الرأسمالى أصبحت لا تجد منافذ كافية للاستثماراتالمربحة القادرة على إعادة توسيع القدرات الإنتاجية. وقد حدثت خلال مرحلة ما بعدالحرب العالمية الثانية تغيرات ملحوظة فى هرم ترتيب الأمم فى المنظومة العالمية،من بينها انقسام العالم الثالث السابق إلى مجموعتين من التشكيلات الرأسماليةالطرفية: إحداهما حققت بالفعل -من خلال التصنيع- قدرة على مواجهة المنافسة فىالأسواق العالمية فى مجال تصدير المنتجات الصناعية، أما المجموعة الأخرى فلم تتحققلها هذه القدرة بعد، فالمجموعة الأولى قادرة على المساهمة فى تشكيل المنظومةالعالمية بصفتها فاعلة، وعلى أن تطور استراتيجياتها الخاصة التى تدخل فى تناقضوتفاعل مع خطط الثالوث المهيمن، ومن ثم تستحق تسميتها "بالعالم الثالث".أما المجموعة الثانية فهى فى موقع المفعول به والعاجز عن تطوير استراتيجيات خاصةبه، فالقوى المهيمنة عالمياً هى التى تفرض على بلدان هذه المجموعة"تكيفاً" أحادى الجوانب والخضوع لاحتياجات التوسع الاستعمارى، وهى بهذاالمعنى منطقة مهمشة تماماً، ومن ثم يمكن أن نطلق عليها "العالم الرابع"[33]. وتتجلىفى المرحلة الراهنة (مرحلة أزمة التراكم) ظواهر متجددة من التفاوت الاجتماعىوالفقر يمكن أن نسميها أشكالاً من "تحديث الفقر". فلا تزال مجتمعاتالأطراف تعانى من حجم كبير "لجيش احتياطى" من قوى العمل يستحيل امتصاصهافى إطار سيادة منطق التراكم الرأسمالى، وخاصة فى إطار انفتاح التراكم المحلى علىالعولمة الليبرالية وإطلاق حرية الأسواق دون تقنين يذكر. فالمنافسة فى هذه الأسواقالمفتوحة تفترض تركيز الاستثمارات فى مشروعات تمتص أموالاً هائلة نظراً لاحتياجاتالتكنولوجيات الحديثة، وبالتالي يتقلص الاهتمام برفع مستويات الإنتاجية فىالقطاعات التى تعمل فيها أغلبية قوى العمل. وإذا كانت ظواهر "تحديثالفقر" قد أخذت فى البروز خلال المرحلة الأخيرة للنظم الاشتراكية والنظمالوطنية الشعبوية (أى مرحلة التآكل والتفكك)، إلا أنها قد تفاقمت بحدة خلالالعقدين الأخيرين مع دخول آليات التراكم أزمتها الراهنة[34]. وبالتالىفإن مشروعات "التخلص من الفقر" (حسب لغة البنك الدولى) لن تكون فعالة،بل ستظل حبراً على الورق، ما لم يتم التخلى عن اعتناق مبدأ سيادة السوق الحرة،والعودة إلى مبدأ تقنين الأسواق، الأمر الذى يفترض بدوره –كما يقول سمير امين-الشروط الآتية:- 1-على المستوى القطرى، إقامة نظم حكم ديمقراطية جذرية ذات مضمون اجتماعى حقيقى. 2-على المستوى العالمى، بناء عولمة بديلة متعددة الأقطاب تتيح هامشاً لتحرك الطبقاتالشعبية فى مختلف المجتمعات المكونة للمنظومة العالمية بما يمكن من حلول هذهالعولمة البديلة محل نمط العولمة الليبرالية السائدة[35]. أخيراًيتحدث د.سمير أمين ، عن تحديات المستقبل ممثلة فى الاستقطاب الجديد الآخذ فىالتكوين، ألا وهو مشروع العولمة الليبرالية تحت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية.وفى البدء لابد من تسجيل أن التطورات التى طرأت على المنظومة العالمية مؤخراً قدأدت إلى تبلور تدريجى لوسائل جديدة لضمان السيطرة على صعيد عالمى لصالح الثالوثالمركزى المهمين وهى ما أطلق عليها "الاحتكارات الخمسة الجديدة". (أ)احتكار التكنولوجيات الحديثة، وهو ما يؤدىإلى تحول صناعات الأطراف إلى نوع من إنتاج الباطن، حيث تتحكم احتكارات المركز فىمصير هذه الصناعات وتصادر النصيب الأعظم من أرباحها المحققة. (ب)احتكار المؤسسات المالية ذات النشاطالعالمى، وهو يكمل عمل الاحتكار السابق فى تدعيم هيمنة المركز على التصنيع منالباطن فى الأطراف. (ج) احتكار القرار فى استخراج واستخدامالموارد الطبيعية على صعيد عالمى، والتحكم فى خطط تنميتها من خلال التلاعببأسعارها، بل وقد يصل الأمر إلى الاحتلال العسكرى المباشر للمناطق الغنية بهذهالموارد. (د) احتكار وسائل الإعلام الحديثة علىصعيد عالمى، كوسيلة فعالة لصياغة والتأثير فى "الرأى العام" بما يدعمالهيمنة وخططها عالمياً وقطرياً. (هـ) احتكار أسلحة التدمير الشاملوالوسائل العسكرية المتطورة التى تتيح التدخل "من بعيد" أو "منفوق" دون خوض عمليات حربية طويلة ومكلفة بشرياً[36]. إنهااحتكارات خمس متضامنة ومتكاملة وتعمل معاً لإعطاء قانون القيمة المعولمة الجديدمضمونه. وليس هذا القانون تعبيراً -بحال من الأحوال- عن ترشيدية اقتصادية"محضة" يمكن فصلها عن السياقات الاجتماعية والسياسية التى يعمل فيها هذاالقانون. بل إن قانون القيمة هو تعبير "مكثف" عن هذه التكيفات الاجتماعيةوالسياسية. إذ إن التكيفات المذكورة تعمل على إلغاء مغزى تصنيع الأطراف من خلالتخفيض القيمة المضافة المنوطة بهذه الصناعات، بينما ترفع فى المقابل نصيب القيمةالمضافة فى الأنشطة المرتبطة بالاحتكارات الخمسة إياها. إذن فهى تكيفات تنتجتراتبية جديدة غير متكافئة تمثل جوهر الشكل الجديد والمستقبلى للاستقطاب على صعيدعالمى. ذلكم هو منطق آليات الرأسمالية المعاصرة. أخيرا، وفيما يتعلق بنظام العولمة الامريكي ، فإن البحث المدقق والمتعمق فى صميم هيكلالمجتمع الأمريكى وعلاقاته بالمنظومة العالمية يوضح أن طاقاته أقل من طموحاته.فالولايات المتحدة – كما أشرنا من قبل- تعانى من عجز مزمن فى ميزانها التجارى، أىأنها لا توفر لباقى العالم الأموال اللازمة لدفع التوسع الرأسمالى قدماً، وبمايضمن شروط إعادة إنتاج هيمنتها. وهو وضع يختلف عن وضع بريطانيا فى القرن التاسععشر، حيث كانت الأخيرة تصدر أموالاً للعالم كله فى ظل وجود فائض هيكلى للميزانالتجارى البريطانى، ومن ثم توفرت لها الشروط الملائمة لإعادة إنتاج موقعها المهيمن. أما الولايات المتحدة فهى أكبر مستورد للأموال، ومن ثم أصبحت مجتمعاً طفيلياًيمتص النصيب الأعظم من الفائض المنتج خارجه. ولا شك أن استمرار هذا الوضع الهش ،رهين برضوخ بقية بلدان العالم لتفاقم إفقارهم بلا نهاية. ونظراً لإدراك الولاياتالمتحدة التام لذلك ، فإنها تسعى بدأب إلى تعويض ضعفها الاقتصادى باستغلال تفوقهاالعسكرى والنووى، وذلك من خلال إقناع شركائها فى "الثالوث المركزى"بضرورة تسليم زمام إدارة العالم لحلف شمال الأطلنطى، حتى تتحقق عبارة كيسنجرالذائعة: "العولمة ليست إلا مرادفاً للهيمنة الأمريكية"، دونما أياعتبار لمؤسسات الأمم المتحدة ووثائقها وقراراتها، يؤكد على ذلك استفراد الولاياتالمتحدة وشركائها الأوروبيين عموماً، ودولة العدو الإسرائيلي خصوصاً في استمرارالهجمات العدوانية على العراق ولبنان وفلسطين في محاولة يائسة لإخضاعها للشروطوالسياسات الأمريكية في إطار ما يسمى ب "الشرق الأوسط الجديد". من كل ما سبق تتجلى أمامناحقيقة ساطعة لا ضير من تكرارها، ألا وهى أن ردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء-عالمياً وقطرياً- يتطلب عملية تحرر مزدوج من العولمة الليبرالية ومن الهيمنةالأمريكية، فهما وجهان لعملة واحدة يستحيل الفصل بينهما[37] .وفيضوء ذلك ، تبرز الأسئلة الحقيقية ، هل ستؤدي حركة النضال التحرري والاجتماعيالديمقراطي لشعوب العالم –وفي بلدان وطننا العربي بالذات- الى بلورة مشروعاتسياسية مجتمعية على قدر التحدي المطلوب، بما يؤدي الى كسر هذه الأحادية القطبيةوخلق مقومات الثنائية القطبية في إطار من التوازن والصراع ؟ .والجوابعلى ذلك يكمن في استجابة القوى اليسارية الطليعية في كافة الأقطار العربية،للضرورات الموضوعية التي تؤكد نضوج المناخ والظروف المهيأة لعملية التغيير ،بالرغم من كل التراجعات والانهيارات السياسية الدولية عموما ، وفي الحركة التقدميةالعالمية خصوصا التي أربكت أعدادا غفيرة من اليساريين ، في الوطن العربي والعالم الثالثوبلدان الجنوب بالذات ، عبر تساؤلاتهم سواء من موقع الحرص والالتزام ، أو من موقعالدفاع عن الليبرالية الجديدة والاستسلام لمغرياتها: هل يمكن أن نظل ماركسيين بعدكل هذه الانهيارات ؟ نقول لكل هؤلاء –بكل هدوء ووضوح وإدراك- أن السؤال الواجبطرحه اليوم هو: هل يمكن ألا نكون ماركسيين في ضوء هذا التوحش الإجرامي للعولمةوالنظام الرأسمالي ضد مصالح أكثر من 85% من شعوب العالم ؟ صحيح أن الأزمة تحيطباليسار الماركسي وتحاصر مشروعه الوطني/القومي ، والإقليمي ، والأممي ، ولكنالإشكالية التي تعيق عملية مواجهة هذه الأزمة ، لا تكمن في الفكر الماركسيوالاشتراكي ، بقدر ما هي أزمة العامل الذاتي أو قوى اليسار أنفسهم ، إذ أنه ليسثمة بديل للماركسية كنظرية ومشروع تغييري ، طالما بقيت تناقضات النمط الرأسماليالمعاصر وميله الدائم نحو المزيد من الفجوات ، والمزيد من الإفقار والتخلف الذييصيب اليوم أكثر من 4.5 مليار نسمة في هذا الكوكب ، تتزايد تراكمات معاناتهمواستغلالهم بصورة تلقائية ناتجة عن ارتباط هذه المعاناة بعملية التوسع الرأسماليواستمرارها من جهة ، وفي ظل غياب المشروع الشعبي التقدمي على الصعيد القوميوالإقليمي والأممي ، النقيض من جهة أخرى.إنالتحدي الذي تفرضه إمبريالية العولمة اليوم على شعوب العالم ، هو في حقيقته انعكاسلظرف موضوعي، يعبر عن التناقض التاريخي الذي وصل اليوم الى ذروته عبر الصراع أوالتناقض بين التراكم الرأسمالي في المراكز من جهة، وضرورات كسر التبعية والتخلف فيبلدان الأطراف وسعيها نحو النهوض والتقدم من جهة أخرى ، إذ أن هذا الصراع التناحريبين المراكز والأطراف هو أيضا ، تعبير عن التناقض الصارخ بين الطابع الاجتماعي أوالجماعي للإنتاج الرأسمالي ، بوصفه محددا رئيسيا للعلاقات الاجتماعية المحليةوالإقليمية والدولية من جهة، وبين ما يسميه ماركس الطابع الخاص أو الملكية الخاصةلوسائل الإنتاج بوصفه المحدد الرئيسي للإنتاج الرأسمالي الهادف الى ضمان استمراريةالحصول على فائض القيمة ، أو زيادة معدل الربح والتراكم الرأسمالي الهائل الذي دفعالى تطور القوة الاقتصادية المعولمة الراهنة ، أو الشركات المتعددة الجنسية من جهةأخرى ، خاصة بعد أن أصبحت الأسواق المحلية أو القومية غير قادرة على استيعاب هذاالتوسع غير المسبوق في الإنتاج وفي تراكم رأس المال وحركته المتسارعة والمعولمة ،ولذلك فإن الوجود المتزايد الاتساع و التراكم ، و الدور المتنامي للشركات المتعددةالجنسية هو في الحقيقة شكل من أشكال تطور الرأسمالية المعولمة المتوحشة في طورهاالإمبريالي الراهن ، كنتاج مباشر لعملية التراكم الرأسمالي الذي بات بحاجة إلى أطرعالمية قادرة على احتواء حركته و توسعه المستمرين ، و هنا بالضبط تتبدى مدلولات و مضامينالعولمة الأحادية، ليس فقط تعبيراً عن البعد السياسي للهيمنة الأمريكية ، و إنماأيضاً كأحد تعبيرات هذا التراكم الرأسمالي و قوته الاقتصادية التي وجدت في العولمةملاذها و مستقرها الأخير .فهذهالقوة الاقتصادية المتجسدة في الشركات المتعددة الجنسية ، هي المحرك الأساسيللسياسة و العلاقات الدولية المعاصرة ، عبر سيطرتها –المباشرة و غير المباشرة- علىصناع القرار في الدول الصناعية الكبرى ، فهي تقوم بتوجيه و صياغة هذه العلاقات بينالأمم ، وفق معايير استراتيجية خاصة ، تتمحور كلها عند تعظيم معيار الربح كغاية أولية، و من أجل تأمين هذه الغاية فإن هذه الشركات تمتلك اليوم دوراً مركزياً خفياً فيصياغة و توجيه السياسات العالمية ، لا يقابلها أي قوة سياسية في مثل ضخامتها ، سوىالولايات المتحدة الأمريكية التي تتماهى وتتطابق سياساتها مع مقتضيات الشركاتالمتعددة الجنسية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة .وفيضوء ذلك ، لم يكن غريبا ما يجري اليوم ، من تزايد حدة التناقضات بين ظاهرة العولمةوالرأسمالية من جهة، وبين مفهوم الاستقلال الكامل والتنمية المستقلة والعدالةالاجتماعية والديمقراطية بآفاقها الاشتراكية في دول العالم الثالث من جهة أخرى ،وهي تناقضات كامنة حتى اللحظة ، ومقتصرة على المستوى الجماهيري الشعبي الذي يفتقرللقوى التغييرية اليسارية الديمقراطية المنظمة ، القادرة على الخروج بهذهالتناقضات الى شكل المواجهة العلني الديمقراطي والثوري المطلوب ، خاصة وأن أنظمةدول العالم الثالث عموما تتعرض اليوم –بحكم تبعيتها ومصالحها الخاصة- لحالة منالرخاوة والخضوع والتراجع ، لأسباب ملموسة وواضحة ومعروفة ، في ظل تنامي مظاهرثورة المعلومات والإنترنت والقنوات الفضائية المبرمجة والمسيطر عليها من المراكز ،وهي مظاهر ترافق نموها بصورة مباشرة وعضوية مع تنامي حركة صعود رأس المال الماليفي إطار العولمة ، عبر شبكة عالمية أدخلت البشرية عموما ، والجماهير الشعبية الفقيرةخصوصا في مرحلة من القلق والفوضى والإحباط والميل نحو الاستسلام واليأس ، وهي حالةتعبر عن الاختلال الكبير في التوازن بين دول المركز الرأسمالي من جهة ، والشعوبالفقيرة من جهة ثانية ، الناجم عن اتساع التناقضات وتزايد مظاهر الاستغلالوالاضطهاد ، الى جانب الفجوة الهائلة في ثورة التكنولوجيا والعلوم والحداثة .إننانرى في هذا الاختلال والتناقض شكلا غير متبلور من الثنائية أو التعددية القطبية فيمراحلها الأولى ، والتي ستتنامى في حركتها تدريجيا –وبصورة موضوعية- عبر تطورالعامل الذاتي ، لكسر أحادية القطب الواحد وإزاحته ، خاصة وأننا نثق أن هذهالأحادية لا يمكن أن تستمر في القدرة على امتلاك مقومات استقراره رغم كل مظاهرالقوة وغطرستها ، فالعولمة بما تتضمنه من تناقضات داخلية ، وتوازنات غير مستقرة ،لا يمكن استمرارها ضمن هذه الصورة الأحادية ، إلا على حساب المزيد من السيطرةوالانقسامات الحادة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع ، أو بين الشمال والجنوب ،وهي انقسامات قد تطيل أمد هذه الأحادية، ولكنها لا تلغي الضرورة الحتمية لولادةالنظام التعددي في العلاقات الدولية ، وهذا بدوره مرهون بتشكيل الحركة أو الأطراليسارية المنظمة ، خاصة في بلدان الجنوب ، أو العالم الثالث التي يتحمل طلائعهاالمثقفة الملتزمة مسؤولية المبادرة في هذا الفعل أو التشكيل ، وانتقاله من طورالفكرة الى طور الحركة ، وامتلاكها لمفهوم وبعد أيديولوجي مغاير ونقيض لمفاهيموأيديولوجية العولمة أو الليبرالية الجديدة .وفيهذا السياق ، فإن المثقفين اليساريين عموما ، وبخاصة في إطار القوى والأحزابالتقدمية –في البلدان المهمشة بالذات- يتحملون دورا مركزيا في هذا التوجه بكل مايترتب عليه من قمع ومعاناة وتضحيات ، للخروج من هذا المأزق ، عبر صياغة وامتلاكالبرنامج السياسي الاقتصادي الاجتماعي المستند الى أيديولوجية الماركسية كمنهجلتحليل الواقع وتفسيره من جهة، ودليل عمل في النضال من أجل التغيير من جهة ثانية ،بشرط إعادة النظر –بصورة موضوعية وبعقل جمعي- في كثير من الاستنتاجات والتحليلاتالماركسية التي تلقاها معظم المثقفين العرب بصورة ميكانيكية في المرحلة السابقة ،دون أي نقاش جدي أو وعي جدلي حقيقي بها ، بحث أصبح الواقع الاجتماعي الاقتصاديوتفاصيله الحياتية في واد ، والنظرية عبر تلك العلاقة في واد آخر ، وهو ما يفسربقاء المثقف في بلدان العالم الثالث والوطن العربي ، متلقيا للمعرفة عاجزا –بشكلعام- عن إنتاجها ، ولا شك أن لهذه الظاهرة أسبابا متعددة ، ولكن يبدو أن أهمها–كما يقول- المفكر العربي التقدمي محمود أمين العالم "إننا لا نمتلك معرفةحقيقية بالماركسية ، وعلينا أن نعترف بأن هذه المعرفة معرفة محدودة، مسطحة، واليومونحن نتساءل عن مصير الماركسية وأزمتها ، فإن تساؤلاتنا وإجاباتنا ستكون بالضرورةمحدودة بحدود معرفتنا بالفكر الماركسي . على أنه برغم ما حدث خلال السنوات الماضية، وبرغم البلبلة الفكرية التي تغذيها ترسانة النظام الرأسمالي ضد الفكر الاشتراكيعامة ، والماركسي خاصة ، فلم تبرز الحاجة الى الاشتراكية والى الفكر الماركسي كماتبرز إليه هذه الأيام، فالحكم على الاشتراكية لا يكون بما أصاب التجربة السوفيتيةمن انهيار، وإنما الحكم الصحيح على الاشتراكية والماركسية يكون بما تعانيهالرأسمالية العالمية اليوم من عجز عن تقديم حلول للمشكلات الأساسية للواقعالإنساني، بل وبشراستها العدوانية والاستغلالية إزاء شعوب العالم الثالث بوجه عام"[38] .إنالعلاقات الدولية في هذه المرحلة التي دخلت فيها الرأسمالية طورها الإمبرياليالمعولم ، لا يعني أنها قد تغلبت على تناقضاتها ، ولا يعني أن الكامن ، ونقصد بذلكحركة فقراء العالم وكادحيه قد مات ، فبالرغم من أن الرأسمالية قد أفلحت في تأجيلالانفجار عبر توسيع مجال التناقضات باسم العولمة ، إلا أنه تأجيل سيؤدي بالضرورةالى تزايد معاناة وإفقار شعوب العالم وأممه المسحوقة من جهة والى تزايد حركاتالمقاومة الشعبية ببعدها الطبقي الثوري اليساري- رغم ظاهرة انتشار المد اليمينيالرجعي في اللحظة الراهنة- من جهة اخرى ، ولذلك فمن الطبيعي والضروري بصورة حتمية، أن تسعى هذه الأغلبية المتضررة من هذا النظام الشرير ، الى تقويض أركانه من أجلبناء نظام لا تحكمه هذه التناقضات ، بشرط امتلاك البرنامج الواضح المستند الىمفهوم وتطبيقات الاشتراكية بصورة أولية،بمثل استناده الى مقومات العلم والحداثة والمعرفة المعاصرة ، والتكنولوجيا التي أصبحت–قوة أساسية من قوى الإنتاج في هذه المرحلة ، تمهيدا لصياغة المشروع الإنسانيالتقدمي البديل ، وتفعيل حركته ، خاصة في بلدان العالم الثالث ، من أجل إخضاعمقتضيات العولمة لاحتياجات شعوب هذه البلدان وتقدمها الاجتماعي ، ومن أجل المساهمةفي بناء النظام السياسي العالمي الجديد الرافض لسلطة رأس المال الاحتكاري ، لقدحانت اللحظة الضرورية للعمل الجاد والمنظم في سبيل تأسيس عولمة نقيضة من نوع آخر ،عبر أممية جديدة ، ثورية وعصرية وإنسانية .

    [1] جاد الكريم الجباعي، أزمة الرأسمالية المعاصرة-الانترنت موقع http://www.dctcrs.org .

    [2] ظهر في العقدين الأخيرين في الولاياتالمتحدة وبريطانيا مذهب اقتصادي إيديولوجي سمي بـ "الليبرالية الجديدة".ولعل أهم عنصر جديد في هذا المذهب هو دعواه الإيديولوجية التي تبشر بنموذج جديدللدولة، تمارَس السلطة فيه على أساس مبدأ "الكوفيرنانس" governance، على غرار شركات المساهمة في النظام الرأسمالي ذي التقاليدالأنجلوساكسونية، حيث يمارس حملة الأسهم نوعا من "الرقابة" والتوجيه،عند توزيع الأرباح، بهدف دفع المدراء إلى العمل على تحقيق أقصى قدر من الربحللمؤسسات التي يتولون تسييرها. وهذا النوع من ممارسة السلطة في إطار من الرقابةالتي يقوم بها المعنيون بالأمر هو مضمون "الكوفيرنانس"، وهي كلمةإنجليزية مشتقة من govern التي تعني في آنواحد "الحكم" بمعنى ممارسة السلطة (الحكومة government) والرقابة والتوجيهcontrol. وإذن فنموذج "الحكم" الذي تبشر به "الليبرالية الجديدة"يهدف إلى تقليص دور الدولة بحيث تكون مهمتها القيام بالتسيير تحت توجيه ومراقبةأولئك الذين يوازي وضعهم إزاءها وضع حملة الأسهم بالنسبة للمديرين في الشركاتالكبرى .مانريد طرحه هنا شيء آخر يفصح عنه السؤال التالي: هل من الممكن تطبيق نظرية، نبعتْمن وضع معين، في وضع آخر مختلف؟هذاالسؤال، طرح في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، من منظور "ماركسي"في العالم الثالث عموما، طرح بصيغة : "هل يمكن الانتقال إلى الاشتراكية فيبلد متخلف؟". ونحن نعتقد أنه لا شيء يمنع من طرح هذا السؤال نفسه اليوم بصدد"الليبرالية الجديدة"، فنقول : "هل يمكن الانتقال إلى الليبراليةالجديدة في بلد متخلف؟". وما يجعل طرح هذا السؤال مشروعا هو أن الأمر يتعلقببنيتين إيديولوجيتين متناقضتين من حيث الاتجاه، كما يتبين من الجدول التالي الذينورد فيه المفاهيم الرئيسية والمتقابلة، تقابل تضاد في البنيتين ، (بدون ترتيبمقصود) الإيديولوجياالليبرالية الجديدة: النظام العالمي الجديد /الليبرالية / الاندماج في السوقالعالمية / العولمة/ الأقليات/ حقوق الإنسان/ الخصخصة/ نهاية الدولة/ اقتصادالدولة/ نهاية السياسة/ نهاية التاريخ/ صراع الحضارات/ المجتمع المدني/ التنميةالمستدامة/ البشرية/ التقليص من الفقر/ الكوفيرنانس/ الثقافة/ الإرهابالإيديولوجياالماركسية : الإمبريالية/ الاشتراكية/ الاستقلال الاقتصادي / الاستقلال الوطني /القومية / حقوق الشعوب/ التأميم/ تدخل الدولة/ حرق المراحل/ صراع الطبقات/الجماهير الكادحة/ التنمية المستقلة - التصنيع/ القضاء على الاستغلال/ الدولة/الإيديولوجيا/ المقاومة . د.محمد عابد الجابري-موقع http://www.sudaneseonline.com .

    [3]جيمسبيتراس، الامبريالية بين الماضي والحاضر، الانترنت ن موقع " المناضلة2004"

    [4]المصدر السابق – ص193


    [5]د.سميرأمين-سيرة ذاتية فكرية-دار الآداب-بيروت-1993-ص79.

    [6]د.سميرأمين-صراع الحضارات أم حوار الثقافات (مجموعة باحثين)-دار التضامن-1997 –ص76.


    [7]التقريرالاستراتيجي العربي 2003-2004، مركز الدراسات الاستراتيجية- الأهرام ، الإنترنت


    [8]المرجعالسابق


    [9]د.رمزيزكي-آثار العولمة وأوهام الجري وراء السراب-النهج-عدد 57 –دمشق-شتاء 2000-ص6.


    [10]تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الامم المتحدة undp الصادر في منتصف عام 2005 .


    [11]د.رمزيزكي -المصدر السابق –ص18.


    [12]د.سمير أمين –الصراع الصهيوني/العربي على ضوءالمشروع الأمريكي للسيادة العالمية –كتاب تحديات المشروع الصهيوني (مجموعة باحثين)–مكتبة مدبولي-القاهرة-الطبعة الأولى-2001-ص76.


    [13]د.خالدعبد العظيم-الصراع على النفوذ في الاوراسيا-السياسةالدولية-القاهرة-العدد161-يوليو 2005.


    [14] تقرير المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني –الصادرباللغة العربية-بيكين –عام 1999-ص41-43

    [15]المصدرالسابق – ص30.


    [16]تقرير التنمية الإنسانية لعام 2005الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).

    [17] د.عبد الخالق عبد الله –السياسة الدولية-عدد إبريل–القاهرة-1996.

    [18]خليلالعناني-مجلة السياسة الدولية-القاهرة-العدد150-اكتوبر 2002.

    [19]المصدرالسابق-السياسة الدولية.

    [20] د.جواد العناني/ نائب رئيس الوزراء الأدرني الأسبق – لقاء مع قناة الجزيرة – برنامج بلا حدود –موقع الجزيرة نت.

    [21]المصدرالسابق

    [22]خليلالعناني-مجلة السياسة الدولية-القاهرة-العدد150-اكتوبر 2002.

    [23]د.عبدالغني عماد-الجامعة اللبنانية- موقع-www.iraqcp.org .

    [24] د.سمير أمين-مقتضيات برنامج تحرري إنساني –كتاب صراعالحضارات-مجموعة مفكرين-مطبوعات التضامن-1997-ص64.

    [25]د.عصامالزعيم-السمات المميزة لنظام العولمة الجديدة-الانترنت http://www.iraqcp.org (الطريق) .


    [26]المصدرالسابق.


    [27] اريك هوبسبوم-الامبراطورية الامريكية الى أين ؟-موقع http://www.iraqcp.org (جريدة لوموند دبلوماتيك حزيران 2003) .




    [28] المصدر السابق.

    [29]سميرأمين-http://www.iraqcp.org.-دراسة بعنوان : الفجوة بين الفقراء والاغنياء (الاشكاليات-الآليات-المستقبل).


    [30]المصدرالسابق.

    [31]المصدرالسابق.

    [32]المصدرالسابق.

    [33]المصدرالسابق.

    [34]المصدرالسابق.

    [35]المصدر السابق.

    [36]المصدرالسابق.

    [37]المصدرالسابق.

    [38]أ.محمودأمين العالم –الماركسية وسرير بروكوست-النهج –العدد السادس-دمشق –1996-ص8.



    hgu,glm ,hgughrhj hg],gdm hgvhikm

    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: الافق الجميل

  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: العولمة والعلاقات الدولية الراهنة

    بارك الله فيك فتحي خويا
    و لعل أن البحث غير موجه للطلبة بوجه الخصوص
    بل موجه للعامة أيضا نظرا لما تكتسيه العولة من خصوصيات في عصرنا الراهن
    ناهيك عن مسابقات التوظيف التي لا تكف عن طرح اسئلة تصب في موضوع العولمة

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    العمر
    32
    المشاركات
    577

    افتراضي رد: العولمة والعلاقات الدولية الراهنة

    وفيك بركة الله شكرا للك اخي محمد

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. خرائط الحرب الباردة والعلاقات الدولية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى التاريخ و الجغرافيا 3AS
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-05-2015, 20:39
  2. رسائل ماجستير ودكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية/
    بواسطة بسمة حنين في المنتدى تخصص علاقات دولية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-11-2013, 13:18

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •