بناء المسجد في المقبرة
فضيلة الشيخ أبي عبد المعزّ محمّد علي فركوس - حفظه الله

السؤال:
عزم بعض أهالي بلاد القبائل على بناء مسجد في مقبرة قديمة للمسلمين تزال عنها القبور إزالة جماعية بما في ذلك رفاتها بطريق الآلة الجارفة بدعوى أنّ المقبرة تتوسط كلّ القرى المجاورة فينتفي الحرج والمشقة عنها جميعا، علما أنّه توجد قطعة أخرى بقرب تلك المقبرة صالحة لهذا المشروع، فما حكم الشرع فيما هم عازمون عليه، وما نصيحتكم وتوجيهكم لهم؟
سدد الله شيخنا الفاضل وأجزل لكم المثوبة.

الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فاعلم -وفقني الله وإيّاكم- أنّه لا يجتمع في دين الله مسجد وقبر، وقد وردت الأحاديث النبوية الصحيحة الصريحة في النهي عن اتخاذ المساجد على القبور، وتلعن اليهود والنصارى الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد وتحذر ممّا صنعوا، وهذا الحكم ثابت مقرر إلى يوم الدين، فمن هذه الأحاديث الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم:"لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(١) تقول عائشة رضي الله عنها:(يحذّر مثل الذي صنعوا) وفي رواية جندب بن عبد الله البجلي أنّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول:"...ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنّي أنهاكم عن ذلك"(٢) ففيه دليل واضح على ذمّ من يفعل فعلهم من هذه الأمّة إذ الاعتبار بالمعنى لا بالاسم، وهذا سدّا لذريعة الشرك وقطعا للسبل المؤدية إلى عبادة من فيها كما حصل مع عبادة الأصنام، إذ لا يخفى أنّ النهي عن ذلك إنّما هو الخوف على الأمّة من الوقوع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى وغيرهم من الشرك اللاحق بمن عصى الله تعالى وارتكب النهي واتبع الهوى ولم يع معنى (لا إله إلاّ الله)، ومن الأحاديث أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه:"إنّ شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد"(٣) والمتمعن في هذه الأحاديث يدرك تحريم هذا الاتخاذ المذكور بجميع معانيه سواء اتخاذ القبور مساجد للسجود عليها أو إليها أو استقبالها بالصلاة والدعاء، وبناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وهذا الفعل لا شك أنّه من الكبائر إذ لا يمكن أن يكون اللعن الوارد في النص فضلا عن وصفهم شرار الخلق عند الله تعالى إلاّ في حق من يقترف ذنبا عظيما وإثما كبيرا، وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه، فالطارئ منهما على الآخر يزال، أي الحكم للسابق، فلو طرأ القبر على المسجد أزيل القبر، ويزال المسجد إن كان طارئا على القبر لكونه لم يبن على تقوى من الله ورضوان، ولو وضع وقفا لبطل الوقف ولم تصح الصلاة فيه إن قصد فيها القبور والتبرك بها كما يعتقده معظم العوام وبعض الخواص للعن من فعل ذلك وتحريم الصلاة فيها، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه كما تقرر في أصول الشريعة، إذ لا يخفى أنّ بناء المساجد على القبور ليس مقصودا بذاته وإنّما مقصوده الصلاة فيها فالنهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والمتوسل بها إليه.
أمّا إذا لم يتقصد الصلاة فيها من أجل القبر وإنّما وقع اتفاقا فحكمها الكراهة عند الجمهور خلافا للإمام أحمد الذي يحكم ببطلانها لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولكونها ذريعة إلى الشرك بالله بتقصد المسجد لأجل القبور ودعائهم والدعاء بهم والدعاء عندهم، ولعلّ هذا القول أحسم لمادة الشرك وأقطع لسبيله باجتناب الصلاة في المسجد بين القبور مطلقا وعلى كلّ حال سواء كان القبر خلفه أو عن يمينه أو عن يساره وأقبح من ذلك ما كان أمامه عملا بمبدإ سد الذرائع وتحريم الوسائل إليها، وترك الشبهات والاحتياط للدين خشية الوقوع في المحذور لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنه:"...فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه"(٤) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"(٥) وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال:"إنّي أحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها"وما ذلك إلاّ أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول:"إنّي لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثمّ أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها"(٦) فرضي الله عن سلفنا الصالح فقد اجتنبوا المعاصي وابتعدوا عن الشبهات واستبرؤوا لدينهم تمام البراءة.
ثمّ اعلم-هداني الله وإيّاكم-أنّ الثابت إجماعا عدم جواز نبش قبور المسلمين وإخراج الموتى منها للانتفاع بالأرض أو البناء عليها حفاظا على كرامة الميّت وحرمته لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"كسر عظم المؤمن ميتا ككسره وهو حيّ"(٧) إلاّ إذا وجد مسوّغ مقبول وسبب شرعي يقتضي نبش القبور، وبناء المساجد على القبور ليس سببا مسوغا للقيام بهذا الفعل، والتعليل بتوسط المقبرة كلّ القرى ليس هو الآخر مبررا شرعيا كافيا لما علم من النصوص المتقدمة من عدم اجتماع مسجد وقبر في دين الإسلام، والأسبقية للأول ويهدم الثاني، فضلا عن وجود محلّ لبناء هذا المسجد خارجا عن المقبرة، وعليه يتضح عدم مشروعية ما هم عازمون على الإقدام عليه، والله المستعان.
أمّا النصيحة المقدمة فأكتفي بنقل ما ذكره الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى في الآثار(2/153) بعد ما أورد الآيات القرآنية التي تأمر باتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم والنهي عن مخالفته، قال رحمه الله تعالى:" نسأل كلّ مؤمن بهذه الآيات أن يعمل بنهي النبي صلى اله عليه وسلم عن البناء على القبر، فلا يبني على القبر، ولا يعين بانياً، ويعلن هذا الحديث في الناس، ويذكرهم به، ولا يفتأ يقرع به أسماع الغافلين، ويفتح به أعين الجاهلين ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين﴾[العنكبوت 69]."
وقال رحمه الله في موضع آخر:" فيا أيّها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، المصدقون لحديثه، إيّاكم والبناء على القبور، إيّاكم واتّخاذ المساجد عليها إن كنتم مؤمنين، وعليكم بتبليغ هذا الحديث والتذكير به، والتكرير لذكره يكن لكم أجر المجاهدين في سبيل ربّ العالمين لإحياء سنّة سيّد المرسلين، عليه وعليهم الصلاة أجمعين"
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.





١- أخرجه البخاري في الصلاة رقم (435)، ومسلم في المساجد رقم(1212)، والنسائي في الجنائز رقم(2046)، وأحمد(218/1)، من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.
٢- أخرجه مسلم في المساجد رقم(1216)، وأبو عوانة(1/401)، والطبراني في الكبير(1/84/2)، من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
٣- أخرجه ابن خزيمة (1/92/2)، وابن حبان رقم(340و341)، وابن أبي شيبة في المصنف(4/440)، وأحمد رقم(4143، 3844)، من حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه. والحديث حسنه الألباني في تحذير الساجد(ص19).
٤- أخرجه البخاري في «الإيمان» باب فضل من استبرأ لدينه (50)، ومسلم في «المساقاة» (4094)، وأبو داود في «البيوع» باب في اجتناب الشبهات (3330)، والترمذي في «البيوع» باب: ما جاء في ترك الشبهات (1205)، وابن ماجه في «الفتن» باب الوقوف عند الشبهات (3984)، والدارمي (2436)، وأحمد (17907)، والبيهقي (10537)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
٥- أخرجه الترمذي في «صفة القيامة والرقائق والورع» (2518)، والنسائي في «الأشربة» باب: الحث على ترك الشبهات (5711)، وابن حبان (722)، والدارمي (2437)، والحاكم (2169)، والطيالسي (1178)، وأحمد (1729)، وأبو يعلى (2762)، من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه، وصححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (3/169) والألباني في «الإرواء» (1/44) رقم (12)، وفي صحيح الجامع (3373)، والوادعي في «الصحيح المسند» (318).
٦- أخرجه البخاري في اللقطة رقم(2432)، ومسلم في الزكاة رقم(2525)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٧- أخرجه أبوداود في الجنائز رقم(3207)، وابن ماجة في الجنائز رقم(1616)، والطحاوي في مشكل الآثار(2/108)، وأحمد(6/58)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في الإرواء(3/214) رقم(763).

fkhx hgls[] td hglrfvm