تحريم السياسة وتجريمالصحافة
الاثنين 26 ربيع الأول 1430 الموافق 23 مارس 2009


صلاح الدين حافظ



الكتاب:تحريم السياسة وتجريم الصحافة
المؤلف:صلاح الدين حافظ
الناشر:دار الشروق- القاهرة- الطبعة الأولى- 2008م
الصفحات:215 صفحة من القطع المتوسط
صدر في القاهرة كتاب بعنوان "تحريم السياسة وتجريم الصحافة"، للكاتب صلاح الدين حافظ، والجدير ذكره أن هذا الكتاب كان الإصدار الأخير لصلاح الدين حافظ قبل وفاته (توفي يوم الأحد 16 نوفمبر 2008 م). في هذا الكتاب تناول المؤلف التحديات التي يواجهها الإعلام العربي، والتي تتراوح ما بين تحديات داخلية تتمثل في التحريض ضد إطلاق حرية الصحافة والإعلام من خلال بعض الاتجاهات المتشددة داخل أنظمة الحكم، ومن بعض الاتجاهات التي ترى في حرية الصحافة والإعلام موجةً تغريبية معادية للثقافة العربية والإسلامية. وجاء الكتاب في مقدمة طويلة وعشرة عناوين؛ حيث يقرر الكاتب منذ البداية أن الصحافة في جوهرها، تشتغل بالسياسة, والسياسة أيضًا تمارس الصحافة, والمعنى أن الصحفيين سياسيون بالضرورة, والسياسيين صحفيون بحكم العمل, وهذه الصورة البراقة للصحافة والسياسة هي بالطبع في بلاد تحترم الإنسان وتقدِّره. أما في بلادنا فالوضع مختلف, بل هو مناقض لذلك؛ لأن العمل بالسياسة مقصور على نخبة منتقاة, تدير الحكم وتصنع القرار وتحتكر السلطة, وتدّعي الحكمة، ثم تفسد وتستبد، دون خوف من محاسبة أو مساءلة, ولذلك رأينا كيف استعبدت السلطة السياسية الصحافة, واحتكرتها سلاحًا من أسلحة الدفاع عن نفوذها وهيبتها وسلطانها. ثم يتناول الكاتب الصحافة المصرية الراهنة قائلاً: إن الاحتقان الشديد، ممثَّلًا في الأزمة التي مرت بها الصحافة المصرية في صيف عام 2007، قد نتج عن التراجع الشديد في مفاهيم ومعايير الحرية الديمقراطية، وخصوصًا حرية الصحافة والرأي والتعبير، وفي وقت ينعم العالم بمثل هذه الحرية المزدهرة، يمارس النقد ويعالج التجاوز ويحاسب ويُسائِل، لكنه لا يسجن الصحفيين وأصحاب الرأي.. ونظن أنَّ فك الاحتقان لا يتم إلا بصياغة جديدة لحرية الصحافة وباقي الحريات، وبدون هذه الصياغة وذلك الإصلاح، سوف نظل أسرى الاحتقان المتصاعد، ويظل المتشددون يمارسون هوايتهم المحببة في قمع حرية الصحافة، ويظل الصحفيون يمارسون فضيلة الخوف أحيانًا، وعادة التمرد والمشاغبة، وكسر المحرمات أحيانًا أخرى.. ويستعرض الكاتب، في لمحة تاريخية، الصحافة في مصر والعالم العربي، موضحًا أن مصر ولبنان كانتا من أوائل الدول التي عرفت الطباعة، ومن ثم الصحافة بمعناها الحديث، خاصة حين أحضر نابليون بونابرت أول مطبعة على ظهر سفن حملته العسكرية على مصر (1798-1803)، وأصدر أول صحيفة باللغة الفرنسية. وتحت عنوان "تجريم الصحافة.. تبادل كسْر المحرمات"، يشير الكاتب إلى أنه جرى كسر المحرمات يوم 25 من مايو 2005 في اتجاهين: الأول: عندما كسرت الجماهير الغاضبة بقيادة حركات سياسية ونقابية, الحظر الذي ظل مفروضًا، طوال عقود، على التظاهر العلني والنزول إلى الشارع في جرأة لافتة, وهو تحدٍّ لسياسة الرئيس مبارك، الذي وعد بإصلاح دستوري حقيقي, وركز الغاضبون على معركة استقلال القضاء التي كان يقودها نادي القضاة, وعلى معركة استقلال الصحافة التي كانت تقودها نقابة الصحفيين المصرية. والاتجاه الثاني: هو كسر أجهزة الأمن للمحرمات؛ حين واجهت المظاهرات الشعبية الغاضبة بعنف غير مسبوق, دون خشية من كاميرات الصحافة والإعلام المصري والعربي والأجنبي, وضربت وداست بالأقدام رؤوس الشباب على الأرض، متعمدة الإذلال والإهانة, بل وانتهكت الأعراض، حيث تعدت على الصحفيات والمحاميات والمتظاهرات أمام نقابة الصحفيين بوسط القاهرة. ويرى الكاتب أن انتفاضة الشارع تلك لم تكن عشوائيةً، ولا هي خيانة وطنية, كما روّجت أبواق النفاق السياسي والإعلامي, لكنها جاءت تعبيرًا عن حق أصيل كفلته كل القوانين السماوية والوضعية, دفاعًا عن حرية الرأي والتعبير. وتحت عنوان: "عن أي حرية نتحدث؟"، يؤكد الكاتب أنه لا حريةَ حقيقيةً للصحافة والإعلام إلا في بيئة ديمقراطية, وأن حرية الإعلام هي امتيازٌ عامٌّ للمجتمع، يعكس التعددية والآراء المختلفة، وليست امتيازًا للإعلاميين وحدهم, وأن طبيعة وممارسة مهنة الصحافة والإعلام تحتاج إلى ضمانات قانونية وسياسية ومهنية أكثر من غيرها. ومن أبرز هذه الضمانات العامة: الفصلُ بين السلطات, والقضاء النزيه المستقل, والبرلمان المنتخَب بحرية, وإيقاف هيمنة السلطة السياسية التنفيذية العليا على الإعلام, وتحرير الإعلام والصحافة من قبضة الحكومات, وإطلاق حرية إصدار الصحف وتأسيس منظمات المجتمع المدني. ويبقى التعويل على الضمير المهني الأخلاقي للإعلامي في أداء رسالته في ظل التوازن الدقيق بين جناحيْ الممارسة الحرية والمسؤولية؛ بحيث يتكاملان في المفهوم النظري, ويتوازنان في التطبيق العملي. وينبه المؤلف إلى أن الإعلام العربي يواجه حزمةً من العقبات والتحديات, منها السياسية والقانونية, ومنها المهنية والتقنية, ومنها ضعف التنظيمات النقابية المعنية بشؤون الصحافة والصحفيين, وهو ما أفرز حزمةً أخرى من الأزمات التي أعاقت دور الإعلام في تعزيز الحريات. وتحت عنوان: "الحريات المكبوتة والحقوق المقهورة"، يستعرض الكاتب موقف حرية الصحافة في عدد من البلدان العربية, خصوصًا تلك التي تتمتع بهامش نسبي من الديمقراطية؛ مثل مصر ولبنان والمغرب والأردن واليمن والكويت, ويخرج بخلاصة يعبِّر فيها عن دهشته من أن معظم هذه الدول مالت في السنوات الأخيرة نحو التشدد, خصوصًا في التعامل مع ثقافة حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير, التي هي المقدمة الحقيقية لأي تطور ديمقراطي. ويؤكد الكاتب أنه في ظل الحديث عن إطلاق الحريات والإصلاح الديمقراطي المنشود, لا يجوز اصطناع القيود أو إضفاء القدسية أو إسباغ التحريم أو الحرمة على هيئات أو مؤسسات أو أفراد, بالْقَسْرِ والفرض والإجبار, عكس الحرية الطبيعية للبشر في النقد والمساءلة والتعبير عن الرأي. وتحت عنوان: "اختراقٌ محرمٌ مجرمٌ"، يقول الكاتب: إن اختراق الصحافة إفسادٌ للسياسة، والعكس صحيح, وبالتالي فإن كسر المحرمات من جانب هذا الطرف, يشجع الطرف الآخر على تجاوز المقدَّسات بكل الأساليب الشرعية وغير الشرعية. وإحدى هذه الصور تكمن فيما يتعرض له الصحفيون في معظم الدول العربية من مضايقات شديدة, سواء من خلال القوانين المعاكسة لحرية الصحافة, أو من خلال الممارسات الأمنية والحكومية. ويتحدث الكاتب عن العدوان الذي يتعرض له الصحفيون في المنطقة العربية وارتفاع عدد القتلى منهم في العراق، حيث الاحتلال الأمريكي، وفي فلسطين، حيث الاحتلال الصهيوني. ويستعرض عددَ القتلى والجرحى في المِنطقة؛ ففي الفترة من 2003 إلى 2005 قُتل 79 من الصحفيين والإعلاميين ومساعديهم، واختفى 3 وخطف 10 في العراق وحدها. وفي فلسطين استشهد 15 صحفيًّا منذ اندلاع الانتفاضة عام 2000 حتى 2005. ويؤكد صلاح حافظ اقتناعَه بأن الولايات المتحدة تمارس الانتهازية السياسية بأوسع الزوايا, فما يهُمُّهَا هو مصالحُها الحيوية, ولا تُريد لنا إصلاحًا ولا ديمقراطيةً، ولا تحولًا ولا تغييرًا, بل تستغل كلَّ الظروف، وتستخدم كل الأدوات, لتحقيق أهدافها، وحماية مصالحها الحيوية، حيث يقول: لقد خانت السياسة الأمريكية الحمقاء والبراجماتية ديمقراطيتَنا, وأجهضت حلمَنا الوطنيَّ، وبعثرت جهود القُوى الوطنية, الساعية إلى إصلاح ديمقراطي داخلي بأيدينا نحن, الأمر الذي مكَّن الدوائر الحاكمة من الانقضاض بشراسةٍ مفرطةٍ على الحِرَاك السياسي, والتحرك النقابي والمهني والعُمَّالي. كما يؤكد الكاتب أنه في ظل الحديث عن إطلاق الحريات والإصلاح الديمقراطي المنشود, لا يجوز اصطناع القيود أو إضفاء القدسية أو إسباغُ "التحريم" أو "الحرمة" على هيئات أو مؤسسات أو أفراد, بالْقَسْرِ والفرض والإجبار, عكس الحرية الطبيعية للبشر في النقد والمساءلة والتعبير عن الرأي. وفي نهاية الكتاب يشدد الكاتب على أنه من المستحيل تصوُّر قيام نظام ديمقراطي حقيقي إلا على أسس واضحة, من المشاركة والحرية والشفافية وحكم القانون والقضاء المستقل والصحافة الحرة, وبغير هذه الأسس يسود تحالف الفساد والاستبداد. ومما يُذكر أن صلاح الدين حافظ، كاتب صحفي ولد في مصر عام 1938 ميلادية، وتخرَّج في قسم الصحافة في كلية الآداب في جامعة القاهرة عام 1960، وعمل في مؤسستي الأخبار والتعاون، حتى انتقل عام 1965 إلى مؤسسة الأهرام، وعمل حتى وفاته مديرًا لتحرير صحيفة الأهرام، ومشرفًا على الأهرام الدولي، علاوةً على رئاسته لتحرير مجلة دراسات إعلامية. تبنى صلاح الدين حافظ، طوال حياته المهنيَّة، مواقفَ سياسيةً مستقلةً، وظل يدافع عن الحريات العامة والحريات السياسية وحرية التعبير. وقد ساهم في تسعينيات القرن الماضي بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان. في عام 2007 فاز صلاح الدين حافظ بالجائزة التقديرية للصحافة التي تمنحها النقابة المصرية لرموز الصحافة سنويًّا. وقد أصدر صلاح الدين حافظ 15 كتابًا، منها ثلاثة كتب تدافع عن حرية الصحافة والرأي، هي: "أحزان حرية الصحافة"، و"تزييف الوعي"، و"تحريم السياسة وتجريم الصحافة"، ومنها كتب عن ضرورات الديمقراطية؛ مثل: "صدمة الديمقراطية"، و"الديمقراطية والثورة.. مأزق العالم الثالث". وله كتاب بعنوان: "صراع القوى العظمى حول القرن الأفريقي"، نُشر في سلسلة "عالم المعرفة الكويتية" الشهيرة، منذ أكثرَ من ربع قرن، كما كان يكتب مقالًا أسبوعيًّا بالأهرام، يُنشر بالتزامن في خمس صحف عربية، بالإضافة إلى كتب أخرى في الأدب. وقد كتب حافظ قُبيل وفاته مقالًا بصحيفة الأهرام المصرية بعنوان: "نحن وأوباما.. هل سيُغير أم سنتغير؟"، وقال فيه: إن باراك أوباما قد فعلها أخيرًا في انتخابات الرئاسة الأمريكية يوم 4 نوفمبر 2008، وهو يوم يؤرَّخُ له بقوة، يوم اقتحام أول رئيس أسود للبيت الأبيض، قارعًا جرس التاريخ

jpvdl hgsdhsm ,j[vdl hgwphtm